مراجعات فقهاء القاعدة.. هل تفتح آفاقاً مختلفة؟
::cck::2566::/cck::
::introtext::
القتل، حسم بإنهاء حياة المقتولين، ولكونه حسماً، ولخطورة موضوعه، يفترض أن يكون مصدره اليقين الذي يقبل الاحتمال ولا يعوزه الاستدلال، لأنه حين يقع قد لا يجدي التراجع أو الاعتذار.
::/introtext::
::fulltext::
القتل، حسم بإنهاء حياة المقتولين، ولكونه حسماً، ولخطورة موضوعه، يفترض أن يكون مصدره اليقين الذي يقبل الاحتمال ولا يعوزه الاستدلال، لأنه حين يقع قد لا يجدي التراجع أو الاعتذار. من هنا تأتي خطورة العمليات الانتحارية أو الاستشهادية بتعبير أصحابها، التي تمثل العلامة الأبرز على الجماعات القتالية الإسلامية المعاصرة، بدءاً من (القاعدة) إلى من التحق بركبها أو تماهى مع منهجها، بل من العجيب أن أماكن استقبال الأفغان العرب الذين شكلوا تنظيمات القاعدة في العالم العربي فيما بعد، كان أول ما يطالعهم على جدرانها هو فتاوى العمليات الاستشهادية، التي ملأت وجدانها، وقد حكى غير واحد منهم أنه كان يطلب أول ما يطلب من قادته القيام بعملية استشهادية. هكذا استحالت الفتوى نصاً رامزاً يحرك المشاعر والوجدان ويسلب إرادة أصحابه متفانين فيه ليسلبوا ويسرقوا الحياة من الآخرين، يصنعون الموت وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً وفق هذه الفتوى أو الرأي. لقد رأت (القاعدة) والجماعات القتالية (الجهادية) في فتاوى منظريها أحكاما ونصوصاً لا تقبل النقاش أو الجدل، ولكن ما نود أن نناقشه هنا هو أعضاء (القاعدة) والمتعاطفون معها من (مراجعات) الشيوخ الكبار التي أسست لهم هذه الممارسة، نطرح على عقولهم وضمائرهم ودينهم تساؤلاً أو مساءلة مواقفهم بعد أن تراجع من نظّروا لهذه المواقف. وننطلق في هذا المقال من فرضية نظرية ترى أن التخلخل النظري والفكري القائم على يقظة ضمير وعقل عدد ممن سبق أن نظروا للقاعدة أثناء مرحلة الجهاد الأفغاني والجهاد ضد الأنظمة تمثل المرحلة الأهم في تخلخل القاعدة كتنظيم، فحين يخطئ المرشدون الروحيون تلامذتهم وقوادهم في مجال الممارسة تصير الممارسة مهتزة وغير ذات اعتبار لأنها تفتقد أبعادها الروحية والدينية التي هدمها من أقامها. ومهما ادعت الجماعات القتالية أن العنف والقتال هما خيارها الوحيد، فإن العنف يثبت مع مرور الأيام أنه ليس سوى خيار مؤقت ومرحلي، عطله الظواهري وجماعة الجهاد المصرية في عام 1995 بحجة عدم القدرة في ظل قدرة النظام المصري على قمع التنظيم وكوادره، من دون إنكار شرعيته، ولكن الآن تأتي تراجعات منظّر الجهاد عبدالقادر بن عبدالعزيز ومنظّر القاعدة أبي محمد المقدسي لتضرب الشرعية في مقتل، حيث يمثل كل منهما أبرز فقهاء القاعدة والأقرب إلى تنظيمها. (مراجعات) كثيرة أفرزتها السنوات الماضية في صفوف الجماعات الإسلامية. ففي الجزائر راجع كثير من الإسلاميين المسلحين أفكاره، وألقى مدني مرزاق سلاحه مرحباً بالحل السلمي، وتراجع حسن حطاب مؤسس الجماعة السلفية للدعوة والقتال عن خياره العنفي، وبينما اختار (العنفيون) اللحاق بركب (القاعدة) مؤسسين تنظيم القاعدة في بلاد المغرب بقيادة أبي مصعب أبوداود، نزل الكثيرون من الجبل مثل الشيخ محمد سعيد زعيم تيار الجزأرة الذي اختار الخيار العنفي فترة ولكن بعد تراجعه عنه قتلته الجماعة الإسلامية الجزائرية المسلحة مع خمسمائة من أنصاره. وتكرر الأمر نفسه في مصر، فـ (الجماعة الإسلامية)، أكبر الجماعات المسلحة، خلصت في 1997 إلى أنها (أخطأت) في حمل السلاح ضد الحكم، فأصدرت دعوتها الشهيرة إلى وقف العمليات داخل مصر وخارجها، ولم يلتزم بعض عناصرها مباشرة بتلك الدعوة، فحصلت مذبحة الاقصر (ضد السياح الأجانب)، لكن قادة (الجماعة) داخل السجون المصرية استطاعوا في نهاية المطاف جعل المبادرة السلمية مقبولة من كل تياراتها، داخل مصر وخارجها، إلا أحد أعضاء الجماعة بأسوان والموجود حالياً في الخارج محمد خليل الحكايمة الذي أعلن انضمامه إلى القاعدة في عام 2006، وقد أصلت الجماعة الإسلامية المصرية لمراجعاتها في سلسلة تصحيح المفاهيم التي أصدرتها في عام 2003 تباعاً.مراجعات في عمق القاعدة كان موقف القاعدة دائماً هو التخوين للمتراجعين من الجماعات الأخرى، واتهامهم بالنكوص وشراء الدنيا بالآخرة، فكل من لا يقبل بخيار (القاعدة) هو من الخائنين أو الكافرين أو العملاء، والطائفة المنصورة كما عرفها أبو قتادة هي القاعدة فقط، وليست أهل السنة والجماعة. ولكن حين يأتي التراجع والتصحيح من منظّري القاعدة أنفسهم، فهذا هو السؤال الذي يضرب القاعدة والعمليات الاستشهادية، ليس في عمق قدرتها، ولكن في عمق أخطر هو عمق شرعيتها ذاته، وهو ما قد يمثل شرخاً قوياً بين رأس التنظيم وقواعده في عدد من المناطق في العالم، تتربى على كتابات هؤلاء الذين صححوا مواقفهم وفتاويهم. وما نود أن نشير إليه هنا هو ما تم خلال العامين المنصرمين من مراجعات كل من الأردني عصام البرقاوي المعروف بأبي محمد المقدسي والذي انطلقت مراجعاته التصحيحية في يوليو العام2005 وهو صاحب كتب (إمتاع النظر) و(تبصير العقلاء) و(الرسالة الثلاثينية) وغيرها، وهو أستاذ أبي مصعب الزرقاوي ومرشده الروحي الذي تحفظ تجاه ممارسات الأخير في العراق، وجرى بينهما جدل حول ذلك قبل وفاة الأخيرعام 2006، وكذلك المراجعات الأخيرة للمصري عبدالقادر بن عبدالعزيز الشريف صاحب كتاب (العمدة في إعداد العدة) والجامع للعلم الشريف والمعروف بـ(الدكتور فضل)، والذي يعد منظّر الجهاد المصري الأول، وأول أمير لجماعة الجهاد المصرية، حسب أغلب المصادر، رغم إصرار أيمن الظواهري على أنه كان الأمير الأول لها، وقد تسملت السلطات المصرية الدكتور فضل من اليمن عام 2004، وصدرت مراجعته الأخيرة من محبسه في مصر في مايو من هذا العام.ويمتد تأثير كلا الرجلين إلى مختلف المنتمين للفكر الجهادي والسلفية الجهادية في العالم الآن، فقد كان أول ذكر لأبي محمد المقدسي في وسائل الإعلام عقب التفجيرات التي شهدتها المملكة العربية السعودية عام 1996 والتي اعترف فيها شباب سعوديون على شاشات التلفزيون السعودي أنهم التقوه وتتلمذوا على كتاباته. كما يعد المؤسس الأول للسلفية الجهادية في الأردن والمرشد الروحي لها، وأمير تنظيم (بيعة الإمام) الذي خرج منه أبو مصعب الزرقاوي وأبو أنس الشامي، وهو شاعر ومتمكن من تراث ابن تيمية بشكل كبير. وذكر المقدسي أن الزرقاوي عرض على ابن لادن أن تكون مؤلفاته- أي المقدسي- عمدة المنهج الرئيسي للقاعدة أثناء تدريبها في معسكرات أفغانستان، ولكن تحفظ ابن لادن لمواقفه المتشددة من علماء السعودية مما قد يؤثر في الشباب السعودي بالتنظيم، ويصف هاني السباعي تأثير المقدسي بقوله (إنه ذو تأثير روحي كبير في مشايعيه وتأثير عميق في الخليج وبلاد الشام).ويمتد تأثير الدكتور فضل إلى الأجنحة المصرية خاصة وسائر الأجنحة كذلك، وكانت رؤى الدكتور فضل واحدة من الرؤى المهمة التي استند إليها الزرقاوي في رده على أبي محمد المقدسي خاصة في ما يخص العمليات الاستشهادية والقتل على المذهب، ولكن لا نعلم ماذا سيكون رد الزرقاوي حين يأتيه تراجع عبدالقادر بن عبدالعزيز عن هاتين المسألتين ورؤيته أنها صور مستحدثة من الجهاد انطوت على مخالفة شرعية واعتباره الاحتجاج بمسألة (التترس) لتوسيع دائرة القتل واستحلال أموال المعصومين وتخريب الممتلكات من العدوان الذي لا يجوز في فقه الجهاد.إن هذه المسائل التي جمعها عبدالقادر بن عبدالعزيز أو الدكتور فضل في مذكرة توضيحية سماها (ترشيد العمل الجهادي في مصر والعالم) تأتي في عقب مراجعة أبي محمد المقدسي لها في عام 2005، وكذلك في سياق مبادرات وقف العنف والمراجعات التصحيحية التي تقوم بها جماعة الجهاد المصرية في السجون، وصدّق على مذكرته كما ذكر مئات من أعضاء الجهاد المصري في السجون، وتأتي هذه المبادرات كذلك بعد خروج آخر عضو من الجماعة الإسلامية من السجن، عقب تصحيح الجماعة الإسلامية المصرية لمفاهيمها بسلسلة تصحيح المفاهيم التي أصدرها قادة الجماعة منذ عدة سنوات. وتأتي أهمية مراجعات أبي محمد المقدسي وعبدالقادر بن عبدالعزيز تحديداً من كونهما ينتميان بشكل محض للتيار السلفي الجهادي دون سواه، وأنه على كتبهما التي تمثل هذا الفكر بوضوح تربى أغلب أعضاء القاعدة في معسكرات أفغانستان وغيرها، كما أنهما يعتبران من أبرز المرجعيات الفكرية والفقهية للقاعدة قياساً إلى حجم وعمق مؤلفاتهما أو لأسبقيتهما في التأسيس المستقل لهذا الفكر، ولكنهما الآن يصححان أو يتراجعان عما سبق أن أسساه. وتضم المرجعية الفكرية للقاعدة أسماء عديدة، حيث تعتمد بشكل رئيسي على كتابات بعض المنتمين إلى القاعدة والمنتسبين للسلفية الجهادية مثل أبو قتادة الفلسطيني المسجون حالياً في السجون البريطانية، وأبو أنس الشامي المقتول في غارة أمريكية في العراق سنة 2005، وأبو بصير الطرسوسي الموجود حالياً في لندن، وأبو مصعب السوري مصطفى ست مريم المسجون حالياً في أحد السجون الأمريكية، وأبو محمد المقدسي وعبدالقادر بن عبدالعزيز، ولكن يعد الأخيران والمصححان لما سبق أن طرحاه الأكثر تأليفاً وانتشاراً في صفوف أتباع التنظيم والمتعاطفين معه. ومن هنا تأتي أهمية تحولاتهما، كما يمكن القول إن كلا الرجلين معتكف للعمل الشرعي منذ فترة، ورغم أن كلاً منهما نال إمارة لتنظيم جهادي قتالي في مساره، لكنه آثر التفرغ للإرشاد والتعليم والتأليف سواء في الأردن أو مصر أو أفغانستان، وهو ما جعل مؤلفاتهما وأطروحاتهما الأكثر أهمية بين سائر الكتب التي تعتمد عليها القاعدة، وتمثل تحولاتهما شرخاً عميقاً في البنية الفكرية ومجال القناعات لدى أعضاء التنظيم، كما تمثل (خلخلة) قوية لشرعية ممارساته. وأخيراً نظن أن هذه المراجعات تفتح آفاقاً جديدة في تفكيك البنية التنظيمية للقاعدة وغيرها من تيارات السلفية الجهادية، بطرحها ما اعتبرته القاعدة ثابتاً مهتز الشرعية، سواء في العمليات الاستشهادية أو القتل بالتترس، أو القتل على المذهب أو الاعتداء على الممتلكات والمال العام. إنها بذرة النهاية أو يقظة النوم الطويل التي يعقبها حتماً التحاق بركب الحياة والعصر والعقل.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::2566::/cck::
::introtext::
القتل، حسم بإنهاء حياة المقتولين، ولكونه حسماً، ولخطورة موضوعه، يفترض أن يكون مصدره اليقين الذي يقبل الاحتمال ولا يعوزه الاستدلال، لأنه حين يقع قد لا يجدي التراجع أو الاعتذار.
::/introtext::
::fulltext::
القتل، حسم بإنهاء حياة المقتولين، ولكونه حسماً، ولخطورة موضوعه، يفترض أن يكون مصدره اليقين الذي يقبل الاحتمال ولا يعوزه الاستدلال، لأنه حين يقع قد لا يجدي التراجع أو الاعتذار. من هنا تأتي خطورة العمليات الانتحارية أو الاستشهادية بتعبير أصحابها، التي تمثل العلامة الأبرز على الجماعات القتالية الإسلامية المعاصرة، بدءاً من (القاعدة) إلى من التحق بركبها أو تماهى مع منهجها، بل من العجيب أن أماكن استقبال الأفغان العرب الذين شكلوا تنظيمات القاعدة في العالم العربي فيما بعد، كان أول ما يطالعهم على جدرانها هو فتاوى العمليات الاستشهادية، التي ملأت وجدانها، وقد حكى غير واحد منهم أنه كان يطلب أول ما يطلب من قادته القيام بعملية استشهادية. هكذا استحالت الفتوى نصاً رامزاً يحرك المشاعر والوجدان ويسلب إرادة أصحابه متفانين فيه ليسلبوا ويسرقوا الحياة من الآخرين، يصنعون الموت وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً وفق هذه الفتوى أو الرأي. لقد رأت (القاعدة) والجماعات القتالية (الجهادية) في فتاوى منظريها أحكاما ونصوصاً لا تقبل النقاش أو الجدل، ولكن ما نود أن نناقشه هنا هو أعضاء (القاعدة) والمتعاطفون معها من (مراجعات) الشيوخ الكبار التي أسست لهم هذه الممارسة، نطرح على عقولهم وضمائرهم ودينهم تساؤلاً أو مساءلة مواقفهم بعد أن تراجع من نظّروا لهذه المواقف. وننطلق في هذا المقال من فرضية نظرية ترى أن التخلخل النظري والفكري القائم على يقظة ضمير وعقل عدد ممن سبق أن نظروا للقاعدة أثناء مرحلة الجهاد الأفغاني والجهاد ضد الأنظمة تمثل المرحلة الأهم في تخلخل القاعدة كتنظيم، فحين يخطئ المرشدون الروحيون تلامذتهم وقوادهم في مجال الممارسة تصير الممارسة مهتزة وغير ذات اعتبار لأنها تفتقد أبعادها الروحية والدينية التي هدمها من أقامها. ومهما ادعت الجماعات القتالية أن العنف والقتال هما خيارها الوحيد، فإن العنف يثبت مع مرور الأيام أنه ليس سوى خيار مؤقت ومرحلي، عطله الظواهري وجماعة الجهاد المصرية في عام 1995 بحجة عدم القدرة في ظل قدرة النظام المصري على قمع التنظيم وكوادره، من دون إنكار شرعيته، ولكن الآن تأتي تراجعات منظّر الجهاد عبدالقادر بن عبدالعزيز ومنظّر القاعدة أبي محمد المقدسي لتضرب الشرعية في مقتل، حيث يمثل كل منهما أبرز فقهاء القاعدة والأقرب إلى تنظيمها. (مراجعات) كثيرة أفرزتها السنوات الماضية في صفوف الجماعات الإسلامية. ففي الجزائر راجع كثير من الإسلاميين المسلحين أفكاره، وألقى مدني مرزاق سلاحه مرحباً بالحل السلمي، وتراجع حسن حطاب مؤسس الجماعة السلفية للدعوة والقتال عن خياره العنفي، وبينما اختار (العنفيون) اللحاق بركب (القاعدة) مؤسسين تنظيم القاعدة في بلاد المغرب بقيادة أبي مصعب أبوداود، نزل الكثيرون من الجبل مثل الشيخ محمد سعيد زعيم تيار الجزأرة الذي اختار الخيار العنفي فترة ولكن بعد تراجعه عنه قتلته الجماعة الإسلامية الجزائرية المسلحة مع خمسمائة من أنصاره. وتكرر الأمر نفسه في مصر، فـ (الجماعة الإسلامية)، أكبر الجماعات المسلحة، خلصت في 1997 إلى أنها (أخطأت) في حمل السلاح ضد الحكم، فأصدرت دعوتها الشهيرة إلى وقف العمليات داخل مصر وخارجها، ولم يلتزم بعض عناصرها مباشرة بتلك الدعوة، فحصلت مذبحة الاقصر (ضد السياح الأجانب)، لكن قادة (الجماعة) داخل السجون المصرية استطاعوا في نهاية المطاف جعل المبادرة السلمية مقبولة من كل تياراتها، داخل مصر وخارجها، إلا أحد أعضاء الجماعة بأسوان والموجود حالياً في الخارج محمد خليل الحكايمة الذي أعلن انضمامه إلى القاعدة في عام 2006، وقد أصلت الجماعة الإسلامية المصرية لمراجعاتها في سلسلة تصحيح المفاهيم التي أصدرتها في عام 2003 تباعاً.مراجعات في عمق القاعدة كان موقف القاعدة دائماً هو التخوين للمتراجعين من الجماعات الأخرى، واتهامهم بالنكوص وشراء الدنيا بالآخرة، فكل من لا يقبل بخيار (القاعدة) هو من الخائنين أو الكافرين أو العملاء، والطائفة المنصورة كما عرفها أبو قتادة هي القاعدة فقط، وليست أهل السنة والجماعة. ولكن حين يأتي التراجع والتصحيح من منظّري القاعدة أنفسهم، فهذا هو السؤال الذي يضرب القاعدة والعمليات الاستشهادية، ليس في عمق قدرتها، ولكن في عمق أخطر هو عمق شرعيتها ذاته، وهو ما قد يمثل شرخاً قوياً بين رأس التنظيم وقواعده في عدد من المناطق في العالم، تتربى على كتابات هؤلاء الذين صححوا مواقفهم وفتاويهم. وما نود أن نشير إليه هنا هو ما تم خلال العامين المنصرمين من مراجعات كل من الأردني عصام البرقاوي المعروف بأبي محمد المقدسي والذي انطلقت مراجعاته التصحيحية في يوليو العام2005 وهو صاحب كتب (إمتاع النظر) و(تبصير العقلاء) و(الرسالة الثلاثينية) وغيرها، وهو أستاذ أبي مصعب الزرقاوي ومرشده الروحي الذي تحفظ تجاه ممارسات الأخير في العراق، وجرى بينهما جدل حول ذلك قبل وفاة الأخيرعام 2006، وكذلك المراجعات الأخيرة للمصري عبدالقادر بن عبدالعزيز الشريف صاحب كتاب (العمدة في إعداد العدة) والجامع للعلم الشريف والمعروف بـ(الدكتور فضل)، والذي يعد منظّر الجهاد المصري الأول، وأول أمير لجماعة الجهاد المصرية، حسب أغلب المصادر، رغم إصرار أيمن الظواهري على أنه كان الأمير الأول لها، وقد تسملت السلطات المصرية الدكتور فضل من اليمن عام 2004، وصدرت مراجعته الأخيرة من محبسه في مصر في مايو من هذا العام.ويمتد تأثير كلا الرجلين إلى مختلف المنتمين للفكر الجهادي والسلفية الجهادية في العالم الآن، فقد كان أول ذكر لأبي محمد المقدسي في وسائل الإعلام عقب التفجيرات التي شهدتها المملكة العربية السعودية عام 1996 والتي اعترف فيها شباب سعوديون على شاشات التلفزيون السعودي أنهم التقوه وتتلمذوا على كتاباته. كما يعد المؤسس الأول للسلفية الجهادية في الأردن والمرشد الروحي لها، وأمير تنظيم (بيعة الإمام) الذي خرج منه أبو مصعب الزرقاوي وأبو أنس الشامي، وهو شاعر ومتمكن من تراث ابن تيمية بشكل كبير. وذكر المقدسي أن الزرقاوي عرض على ابن لادن أن تكون مؤلفاته- أي المقدسي- عمدة المنهج الرئيسي للقاعدة أثناء تدريبها في معسكرات أفغانستان، ولكن تحفظ ابن لادن لمواقفه المتشددة من علماء السعودية مما قد يؤثر في الشباب السعودي بالتنظيم، ويصف هاني السباعي تأثير المقدسي بقوله (إنه ذو تأثير روحي كبير في مشايعيه وتأثير عميق في الخليج وبلاد الشام).ويمتد تأثير الدكتور فضل إلى الأجنحة المصرية خاصة وسائر الأجنحة كذلك، وكانت رؤى الدكتور فضل واحدة من الرؤى المهمة التي استند إليها الزرقاوي في رده على أبي محمد المقدسي خاصة في ما يخص العمليات الاستشهادية والقتل على المذهب، ولكن لا نعلم ماذا سيكون رد الزرقاوي حين يأتيه تراجع عبدالقادر بن عبدالعزيز عن هاتين المسألتين ورؤيته أنها صور مستحدثة من الجهاد انطوت على مخالفة شرعية واعتباره الاحتجاج بمسألة (التترس) لتوسيع دائرة القتل واستحلال أموال المعصومين وتخريب الممتلكات من العدوان الذي لا يجوز في فقه الجهاد.إن هذه المسائل التي جمعها عبدالقادر بن عبدالعزيز أو الدكتور فضل في مذكرة توضيحية سماها (ترشيد العمل الجهادي في مصر والعالم) تأتي في عقب مراجعة أبي محمد المقدسي لها في عام 2005، وكذلك في سياق مبادرات وقف العنف والمراجعات التصحيحية التي تقوم بها جماعة الجهاد المصرية في السجون، وصدّق على مذكرته كما ذكر مئات من أعضاء الجهاد المصري في السجون، وتأتي هذه المبادرات كذلك بعد خروج آخر عضو من الجماعة الإسلامية من السجن، عقب تصحيح الجماعة الإسلامية المصرية لمفاهيمها بسلسلة تصحيح المفاهيم التي أصدرها قادة الجماعة منذ عدة سنوات. وتأتي أهمية مراجعات أبي محمد المقدسي وعبدالقادر بن عبدالعزيز تحديداً من كونهما ينتميان بشكل محض للتيار السلفي الجهادي دون سواه، وأنه على كتبهما التي تمثل هذا الفكر بوضوح تربى أغلب أعضاء القاعدة في معسكرات أفغانستان وغيرها، كما أنهما يعتبران من أبرز المرجعيات الفكرية والفقهية للقاعدة قياساً إلى حجم وعمق مؤلفاتهما أو لأسبقيتهما في التأسيس المستقل لهذا الفكر، ولكنهما الآن يصححان أو يتراجعان عما سبق أن أسساه. وتضم المرجعية الفكرية للقاعدة أسماء عديدة، حيث تعتمد بشكل رئيسي على كتابات بعض المنتمين إلى القاعدة والمنتسبين للسلفية الجهادية مثل أبو قتادة الفلسطيني المسجون حالياً في السجون البريطانية، وأبو أنس الشامي المقتول في غارة أمريكية في العراق سنة 2005، وأبو بصير الطرسوسي الموجود حالياً في لندن، وأبو مصعب السوري مصطفى ست مريم المسجون حالياً في أحد السجون الأمريكية، وأبو محمد المقدسي وعبدالقادر بن عبدالعزيز، ولكن يعد الأخيران والمصححان لما سبق أن طرحاه الأكثر تأليفاً وانتشاراً في صفوف أتباع التنظيم والمتعاطفين معه. ومن هنا تأتي أهمية تحولاتهما، كما يمكن القول إن كلا الرجلين معتكف للعمل الشرعي منذ فترة، ورغم أن كلاً منهما نال إمارة لتنظيم جهادي قتالي في مساره، لكنه آثر التفرغ للإرشاد والتعليم والتأليف سواء في الأردن أو مصر أو أفغانستان، وهو ما جعل مؤلفاتهما وأطروحاتهما الأكثر أهمية بين سائر الكتب التي تعتمد عليها القاعدة، وتمثل تحولاتهما شرخاً عميقاً في البنية الفكرية ومجال القناعات لدى أعضاء التنظيم، كما تمثل (خلخلة) قوية لشرعية ممارساته. وأخيراً نظن أن هذه المراجعات تفتح آفاقاً جديدة في تفكيك البنية التنظيمية للقاعدة وغيرها من تيارات السلفية الجهادية، بطرحها ما اعتبرته القاعدة ثابتاً مهتز الشرعية، سواء في العمليات الاستشهادية أو القتل بالتترس، أو القتل على المذهب أو الاعتداء على الممتلكات والمال العام. إنها بذرة النهاية أو يقظة النوم الطويل التي يعقبها حتماً التحاق بركب الحياة والعصر والعقل.
::/fulltext::
::cck::2566::/cck::
