التغيرات المناخية ومستقبل الأرض

::cck::2497::/cck::
::introtext::

في ظاهرة لم تشهد منطقة الخليج العربي شدتها منذ (60) عاماً ضرب إعصار (غونو) شهر حزيران/يونيو الماضي سواحل عمان وإيران ودولة الإمارات العربية مسبباً الكثير من الدمار وفقدان الأرواح. وقد فاقت سرعة الرياح خلال الإعصار (170) كيلومتراً في الساعة وانخفضت إلى 120 كيلومتراً في الساعة عند وصولها اليابسة. وقد كانت الحصيلة الأولية للأضرار وفاة ما لا يقل عن (15) شخصاً بالإضافة إلى عشرات المفقودين. أما الأضرار المادية في البنى التحتية لعمان لوحدها فقد قدرت بما بين (3.25-3.9) مليار دولار أمريكي، حسب تقديرات وزارة الاقتصاد الوطني العمانية.

::/introtext::
::fulltext::

في ظاهرة لم تشهد منطقة الخليج العربي شدتها منذ (60) عاماً ضرب إعصار (غونو) شهر حزيران/يونيو الماضي سواحل عمان وإيران ودولة الإمارات العربية مسبباً الكثير من الدمار وفقدان الأرواح. وقد فاقت سرعة الرياح خلال الإعصار (170) كيلومتراً في الساعة وانخفضت إلى 120 كيلومتراً في الساعة عند وصولها اليابسة. وقد كانت الحصيلة الأولية للأضرار وفاة ما لا يقل عن (15) شخصاً بالإضافة إلى عشرات المفقودين. أما الأضرار المادية في البنى التحتية لعمان لوحدها فقد قدرت بما بين (3.25-3.9) مليار دولار أمريكي، حسب تقديرات وزارة الاقتصاد الوطني العمانية.
لم تعد مثل هذه الكوارث المناخية شيئاً غريباً، فعلى سبيل المثال تركت فيضانات بنغلادش عام 1998 (30) مليون إنسان من دون مأوى، وفي آب 2000 حرمت فيضانات الهند (4.5) مليون إنسان من مأواهم. وفي نفس الفترة سبب أسوأ موسم جفاف منذ (30) عاماً في إيران خسائر فادحة في الزراعة والثروة الحيوانية (2.8 مليون طن من القمح و280 ألف طن من الشعير و800 ألف رأس من الماشية). وفي العام ذاته صرح مسؤولون أتراك أنهم بسبب الجفاف لن يجهزوا سوريا والعراق بالكميات المتفق عليها من المياه في نهري دجلة والفرات. وفي عام 2003 سلب إعصار (ميتش) أرواح (18000) إنسان في وسط أمريكا. وفي عام (2004) قتل إعصار (كاترينا) (1836) والأمثلة أكثر من أن تحصى.
إن الكلف الاقتصادية الناجمة عن هذه الكوارث قدرت من قبل معهد المراقبة العالمي وشركات التأمين الكبرى لعام (1998) بـ (89) مليار دولار بالإضافة إلى (32000) حياة.
إن هنالك اعتقاداً مؤكداً لدى المختصين بأن هذه الظواهر مرتبطة بشكل أو بآخر بالتغيرات المناخية التي تشهدها الكرة الأرضية والتي بدأت ببطء منذ عصر النهضة الصناعية.
لقد سجل العقد الأخير من القرن الماضي العديد من الأرقام القياسية مناخياً. فقد زادت معدلات درجة الحرارة بمقدار (0.6) درجة مئوية مقارنة بعام (1860م) وهو عام بدء التسجيل للحرارة. كما أن ستاً من أكثر السنين سخونة سجلت في العقد نفسه. وكانت سنة (1998) من أكثر السنوات حرارة على طول السجل المناخي المتوفر عالمياً (خلال 140 عاماً متتالية). وهنالك الكثير من الدلائل المستقاة من دراسة مقاطع الأشجار المعمرة وحفريات الصخور الجيولوجية التي تشير إلى أن عقد التسعينات من القرن الماضي هو أكثر العقود سخونة خلال الألفية الماضية. مما حدا بالرئيس السابق لهيئة ما بين الحكومات لدراسة التغييرات المناخية (IPCC) التابعة للأمم المتحدة جون روبرت واطسن للتصريح عام (2001) بـ (أن السؤال لم يعد ما إذا كان المناخ يتغير، بل هو متى وأين وإلى أي مدى)، الأمر الذي كلفه منصبه، لأن شركة (EXXON) للبترول المعارضة لأي جهد عالمي لتقليل استهلاك الوقود اعتبرت تصريحاته عدائية جداً فعملت على تبديله، غير أن البديل السيد راجندرا بروجي ما لبث أن أصدر تصريحات مشابهة.
ويعود السبب في التغييرات المناخية إلى ظاهرة الاحتباس الحراري حيث إن بعض غازات الغلاف الجوي الأرضي لها خواص امتصاص تخيّرية للإشعاع الشمسي، وهو ما يسمى غازات الدفيئة أو غازات الاحتباس الحراري. حيث تقوم هذه الغازات وأهمها ثاني أوكسيد الكربون (CO2) بتمرير الأشعة الشمسية ذات الموجات القصيرة إلى سطح الأرض من دون إعاقة تذكر، أما إشعاع الأرض الذي يتركز في المنطقة تحت الحمراء (الأشعة الحرارية) فإن هذه الغازات تمتصها بدرجة كبيرة، وبذلك فإنها تعيق تفرقها في الفضاء الخارجي مما يؤدي إلى احتباس الحرارة ضمن الأرض وغلافها الجوي، وبذلك يتم الإخلال بالتوازن الحراري الذي أكسب الأرض مواصفاتها المناخية والبيئية، التي عاشت فيها الكائنات الحية للإثني عشر ألف سنة الأخيرة على الأقل.
لقد كانت كمية (CO2) في الجو ما قبل الثورة الصناعية تقدر بنسبة (250) جزءاً بالمليون من مكونات الغلاف الجوي الأرضي، وقد ارتفعت هذه النسبة منذ ذلك الحين وصولاً الى (381) جزءاً بالمليون في السنوات الأخيرة حسب قياسات إدارة المحيطات والأجواء الأمريكية، التي تقوم بتحليل عينات من الهواء من كافة أنحاء العالم، بما في ذلك جبال روكي الأمريكية. وقد علّق على ذلك السير داﭭيد كينغ مستشار الحكومة البريطانية للشؤون العلمية (اليوم اجتزنا عتبة (380) جزءاً بالمليون وهذا أعلى من أي وقت لأكثر من مليون عام ولربما 30 مليون عام الماضية).
وقد أشارت دراسة نشرتها الأكاديمية الأمريكية للعلوم قبل شهور إلى أن انبعاث (CO2) تزايد بمعدل 3 في المائة سنوياً خلال الفترة (2000-2004) مقارنة بمعدل 1.1 في المائة في التسعينات من القرن الماضي.
ينبعث ثاني أوكسيد الكربون من حرق الوقود الاحفوري (النفط، الغاز، الفحم الحجري). ونظراً للزيادة المطردة في الأنشطة البشرية لأغراض الصناعة والنقل وتوليد الطاقة فإن كميات انبعاث (CO2) تتزايد هي الأخرى. وقد أشارت دراسة نشرت في شهر مايو الماضي من قبل علماء برنامج المظلة العالمية في أكسفورد إلى أن الكربون الناجم عن حرق الغابات الاستوائية يقدر بملياري طن سنوياً، وبذلك فهو يسهم بما نسبته 25 في المائة من انبعاث (CO2) في الجوي الأرضي مقابل نسبة 14 في المائة تسببها أنشطة النقل والصناعة. ولإدراك حجم هذه المساهمة يذكر التقرير أن كميات (CO2) الناجمة عن حرق الغابات في كل من إندونيسيا والبرازيل والكونغو خلال كل 24 ساعة فقط تعادل ما يبعثه أسطول من الطائرات النفاثة تنقل ثمانية ملايين مسافر بين لندن ونيويورك.

إن عمليات الحرق هذه تستهلك ما مقداره (50) مليون أيكر من الغابات سنوياً لتحويلها إلى أراض زراعية وهي مساحة تعادل مساحة بريطانيا كلها.
إن احتراق الغابات، وهي رئة الأرض، لا يقتصر على تقليل امتصاص (CO2) في عمليات التركيب الضوئي فحسب، وإنما يضيف للجو خزين الكربون الذي اختزنته الأشجار عبر عمرها الطويل. وإذا كانت آليات الطبيعة لامتصاص (CO2) في النباتات والصخور وأعماق المحيطات تستهلك نصف الكمية التي ينتجها البشر حالياً، فإن المتوقع حسب تقديرات ولفغانغ كنور باحث المناخ في جامعة بريستول أن ارتفاع درجات الحرارة سوف يقلل من عمليات الامتصاص هذه بموجب بحثه المنشور في مجلة الجيوفيزياء أيار/مايو الماضي.
لقد قامت هيئة ما بين الحكومات للتغييرات المناخية (IPCC) بإعداد دراسات عن التوقعات المناخية المستقبلية باستخدام نماذج محاكاة حاسوبية بافتراض سيناريوهات متعددة لأنماط انبعاث غازات الدفيئة، وخرجت باستنتاجات منها أن معدل درجة الحرارة سوف يزداد بحدود ( 1.0-3.5 ) درجة مئوية في نهاية هذا القرن وأن مستوى سطح البحر سيرتفع بحدود 40 سم، كما توقعت تبدلات في أنماط الهطول المطري وتواجد الثلوج في مختلف أقاليم الأرض. ورغم سواد الصورة هذه فإن الأبحاث المنشورة لاحقاً والتي قام بها العديد من العلماء المشهود لهم عالمياً تشير إلى أن تقديرات (IPCC) هي دون الواقع بكثير. ففي ورقة علمية لستة من العلماء من مختلف الجامعات نشرت في مجلة Philosophical Transaction of the Royal Society كان الباحث الأول فيها جيمس هانسن مدير معهد غودارد للدراسات الفضائية التابع لوكالة ناسا، كانت التقديرات أن مستوى سطح البحر سيرتفع بضعة أمتار بدلاً من (40سم) بحلول عام 2100، وبذلك تتهدد الكثير من المناطق الساحلية بما فيها من منشآت وتختفي بعض الجزر. واستنتجت الورقة أننا على شفا الوصول إلى تغيرات مناخية لا يمكن عكسها من خلال ذوبان الجليد في غرينلاند والقارة القطبية الجنوبية. كما أوضحت الورقة أن الحضارة البشرية بنيت وتطورت خلال فترة استثنائية من الاستقرار المناخي للإثني عشر ألف سنة الأخيرة، وأن البشرية لا تملك أن تستهلك الاحتياطي المدفون من الوقود لأن القيام بذلك سوف يضمن تغييراً كاملاً في المناخ، بحيث تصبح الأرض كوكباً غير الذي نعرفه حالياً. ويضيف هانسن أن أمامنا عشر سنوات فقط لوضع حد لنمط الإنتاج الجنوني لكميات (CO2) من قبل البشر لإبقاء المناخ ضمن، أو قريباً من المديات التي سادت في المليون سنة الماضية.
وفي بحث نشره جوليان ستروف في مجلة البحوث الجيوفيزيائية في شهر مايو الماضي تبين من تحليل تسجيلات ثلوج البحار المرصودة بالأقمار الاصطناعية والبواخر والطائرات أن هذه الثلوج تختفي نتيجة للذوبان بمعدل 7.8 في المائة لكل عقد من السنين منذ عام (1953) مقارنة بمعدل 2.5 في المائة المعتمدة في نماذج المحاكاة الحاسوبية من قبل (IPCC). وتشير آخر بيانات الأقمار الاصطناعية الى أن جبال الجليد في غرينلاند تفقد ما معدله 200 كيلومتر مكعب سنوياً، الأمر الذي لم يكن ملاحظاً قبل سنتين.
لقد قامت مجموعة من المختصين في وكالة ناسا بالطيران على ارتفاعات واطئة فوق جبال الثلج في غرينلاند مؤخراً فلاحظت بقياساتها انزلاق هذه الجبال نحو المحيط بمعدل 22 متراً سنوياً، في حين دلت قياسات مماثلة قامت بها المجموعة نفسها قبل سبعة أعوام الى أقل من مترين كمعدل. وعندما تبدأ الثلوج بالذوبان فإنها تقوم بتشكيل بحيرات مائية تحفر عميقاً في الصفيحة الجليدية مسببة جرياناً أسفل الصفيحة يدفعها شيئاً فشيئاً للانزلاق نحو المحيط الدافئ الذي يقوم بدوره بإذابة المتبقي منها.
إن تناقص مساحات المناطق الثلجية تضيف تغذية عكسية للاحتباس الحراري، لأن اختفاء الجليد يقلل من معامل انعكاس الأشعة الشمسية عن سطح الأرض، وبالتالي زيادة الطاقة الممتصة ينجم عنه ارتفاع إضافي في درجات الحرارة.
ولا يقتصر الارتفاع الحراري على إذابة ثلوج المناطق القطبية وإنما يمتد الى كل الثلوج في أعالي الجبال التي تمثل مصدراً مستمراً للمياه العذبة لمليارات البشر، مما يجعل حياة هؤلاء عرضة لتهديد خطير.
وقد صرح مؤخراً ابن السير أدموند هيلاري قاهر قمة أفرست قبل أربعة وخمسين عاماً، أن قمة الجبل قد تغيرت إلى درجة أن أباه لن يتعرف إليها. فقد انخفض موقع قاعدة المخيم الذي أقامه عام (1953) بمقدار (40 متراً) عما كان عليه. إن ذوبان ثلوج قمة هذا الجبل الذي يعني اسمه النيبالي (كومولانكما) أم العالم، يتم بمعدلات يعتقد معها العلماء بأنها ستتحول إلى صخور جرداء بحلول عام 2050.
ومن المآسي غير المباشرة للتغيرات المناخية النزاعات الإقليمية التي سوف تنجم عن نقصان الموارد المائية وأنماط توزيعها، سواء كانت نتيجة ذوبان الثلوج أو انحباس المطر. بل إن هنالك تقريراً طريفاً يدعي أن أزمة دارفور نشأت أصلاً عن سبب مناخي (إذا تجاوزنا التعقيدات اللاحقة لتضارب المصالح الدولية)، حيث أدى الجفاف إلى نزاعات بين القبائل الرحل والمزارعين المستقرين والذين عاشوا قروناً بسلام ووئام، لأن إنتاج الأرض لم يعد يكفي الجميع. يقول ألكس دي وال الذي أمضى سنوات أواسط الثمانينات في المنطقة لإعداد بحث الدكتوراه في دراسات ميدانية إنه التقى أحد شيوخ القبائل، وهو رجل طاعن في السن اسمه هلال عبدالله، وقد أخبره هذا الشيخ أنه لاحظ مؤخراً ما لم يلاحظه خلال عمره الطويل، وهو أن الرمال بدأت تغطي الأرض الزراعية وعندما يأتي المطر النادر فإنه يجرف التربة الخصبة. لذلك فإن المزارعين الذين كانوا يرحبون بزيارات القبائل الرحل مع جمالهم لم يعودوا يتحملونهم أو يسمحون لهم بالرعي في مناطقهم، لأن محصول الأرض بات شحيحاًً. ويختم الشيخ كلامه بالقول (لقد كسر الإنسان النظام الإلهي لذا فهو يخشى المستقبل).

لقد امتد تأثير التغيرات المناخية ليشمل أنماط تكاثر الحيوانات البرية. فقد أربكت الساعة البيولوجية التي تنظم فترات السبات وفترات التزاوج ووضع البيض، لذلك فإن الكثير من الأحياء باتت مهددة بالإنقراض، وقد حذر تقرير للأمم المتحدة من أن ثلاثة أصناف أصبحت تنقرض كل ساعة من الزمن وهو أسوأ معدل منذ انقراض الديناصور قبل 65 مليون سنة.
وختاماً فقد وضع زعماء العالم في قمة الأرض عام (2002) أهدافاً للحد من النشاطات البشرية المنتجة لغازات الدفيئة. فهل سينضبط السلوك بما يوازي أهمية الأهداف والخطر المحدق. إننا نهدم بيئتنا فوق رؤوسنا من دون أن ندري ونثقب سفينتنا في عرض البحر من دون أن نبالي….!!
سألني مرة أحد طلابي، وكنا نتحدث عن الفضاء الفسيح المحيط بالأرض وما يقوم به بعض العلماء من طرائق للبحث عن وجود كائنات عاقلة في مكان ما من هذا الكون المترامي الأطراف، فقلت له يجدر بنا أن نتساءل أولاً: هل توجد مخلوقات عاقلة على الأرض؟!.

::/fulltext::

Getting your Trinity Audio player ready...

::cck::2497::/cck::
::introtext::

في ظاهرة لم تشهد منطقة الخليج العربي شدتها منذ (60) عاماً ضرب إعصار (غونو) شهر حزيران/يونيو الماضي سواحل عمان وإيران ودولة الإمارات العربية مسبباً الكثير من الدمار وفقدان الأرواح. وقد فاقت سرعة الرياح خلال الإعصار (170) كيلومتراً في الساعة وانخفضت إلى 120 كيلومتراً في الساعة عند وصولها اليابسة. وقد كانت الحصيلة الأولية للأضرار وفاة ما لا يقل عن (15) شخصاً بالإضافة إلى عشرات المفقودين. أما الأضرار المادية في البنى التحتية لعمان لوحدها فقد قدرت بما بين (3.25-3.9) مليار دولار أمريكي، حسب تقديرات وزارة الاقتصاد الوطني العمانية.

::/introtext::
::fulltext::

في ظاهرة لم تشهد منطقة الخليج العربي شدتها منذ (60) عاماً ضرب إعصار (غونو) شهر حزيران/يونيو الماضي سواحل عمان وإيران ودولة الإمارات العربية مسبباً الكثير من الدمار وفقدان الأرواح. وقد فاقت سرعة الرياح خلال الإعصار (170) كيلومتراً في الساعة وانخفضت إلى 120 كيلومتراً في الساعة عند وصولها اليابسة. وقد كانت الحصيلة الأولية للأضرار وفاة ما لا يقل عن (15) شخصاً بالإضافة إلى عشرات المفقودين. أما الأضرار المادية في البنى التحتية لعمان لوحدها فقد قدرت بما بين (3.25-3.9) مليار دولار أمريكي، حسب تقديرات وزارة الاقتصاد الوطني العمانية.
لم تعد مثل هذه الكوارث المناخية شيئاً غريباً، فعلى سبيل المثال تركت فيضانات بنغلادش عام 1998 (30) مليون إنسان من دون مأوى، وفي آب 2000 حرمت فيضانات الهند (4.5) مليون إنسان من مأواهم. وفي نفس الفترة سبب أسوأ موسم جفاف منذ (30) عاماً في إيران خسائر فادحة في الزراعة والثروة الحيوانية (2.8 مليون طن من القمح و280 ألف طن من الشعير و800 ألف رأس من الماشية). وفي العام ذاته صرح مسؤولون أتراك أنهم بسبب الجفاف لن يجهزوا سوريا والعراق بالكميات المتفق عليها من المياه في نهري دجلة والفرات. وفي عام 2003 سلب إعصار (ميتش) أرواح (18000) إنسان في وسط أمريكا. وفي عام (2004) قتل إعصار (كاترينا) (1836) والأمثلة أكثر من أن تحصى.
إن الكلف الاقتصادية الناجمة عن هذه الكوارث قدرت من قبل معهد المراقبة العالمي وشركات التأمين الكبرى لعام (1998) بـ (89) مليار دولار بالإضافة إلى (32000) حياة.
إن هنالك اعتقاداً مؤكداً لدى المختصين بأن هذه الظواهر مرتبطة بشكل أو بآخر بالتغيرات المناخية التي تشهدها الكرة الأرضية والتي بدأت ببطء منذ عصر النهضة الصناعية.
لقد سجل العقد الأخير من القرن الماضي العديد من الأرقام القياسية مناخياً. فقد زادت معدلات درجة الحرارة بمقدار (0.6) درجة مئوية مقارنة بعام (1860م) وهو عام بدء التسجيل للحرارة. كما أن ستاً من أكثر السنين سخونة سجلت في العقد نفسه. وكانت سنة (1998) من أكثر السنوات حرارة على طول السجل المناخي المتوفر عالمياً (خلال 140 عاماً متتالية). وهنالك الكثير من الدلائل المستقاة من دراسة مقاطع الأشجار المعمرة وحفريات الصخور الجيولوجية التي تشير إلى أن عقد التسعينات من القرن الماضي هو أكثر العقود سخونة خلال الألفية الماضية. مما حدا بالرئيس السابق لهيئة ما بين الحكومات لدراسة التغييرات المناخية (IPCC) التابعة للأمم المتحدة جون روبرت واطسن للتصريح عام (2001) بـ (أن السؤال لم يعد ما إذا كان المناخ يتغير، بل هو متى وأين وإلى أي مدى)، الأمر الذي كلفه منصبه، لأن شركة (EXXON) للبترول المعارضة لأي جهد عالمي لتقليل استهلاك الوقود اعتبرت تصريحاته عدائية جداً فعملت على تبديله، غير أن البديل السيد راجندرا بروجي ما لبث أن أصدر تصريحات مشابهة.
ويعود السبب في التغييرات المناخية إلى ظاهرة الاحتباس الحراري حيث إن بعض غازات الغلاف الجوي الأرضي لها خواص امتصاص تخيّرية للإشعاع الشمسي، وهو ما يسمى غازات الدفيئة أو غازات الاحتباس الحراري. حيث تقوم هذه الغازات وأهمها ثاني أوكسيد الكربون (CO2) بتمرير الأشعة الشمسية ذات الموجات القصيرة إلى سطح الأرض من دون إعاقة تذكر، أما إشعاع الأرض الذي يتركز في المنطقة تحت الحمراء (الأشعة الحرارية) فإن هذه الغازات تمتصها بدرجة كبيرة، وبذلك فإنها تعيق تفرقها في الفضاء الخارجي مما يؤدي إلى احتباس الحرارة ضمن الأرض وغلافها الجوي، وبذلك يتم الإخلال بالتوازن الحراري الذي أكسب الأرض مواصفاتها المناخية والبيئية، التي عاشت فيها الكائنات الحية للإثني عشر ألف سنة الأخيرة على الأقل.
لقد كانت كمية (CO2) في الجو ما قبل الثورة الصناعية تقدر بنسبة (250) جزءاً بالمليون من مكونات الغلاف الجوي الأرضي، وقد ارتفعت هذه النسبة منذ ذلك الحين وصولاً الى (381) جزءاً بالمليون في السنوات الأخيرة حسب قياسات إدارة المحيطات والأجواء الأمريكية، التي تقوم بتحليل عينات من الهواء من كافة أنحاء العالم، بما في ذلك جبال روكي الأمريكية. وقد علّق على ذلك السير داﭭيد كينغ مستشار الحكومة البريطانية للشؤون العلمية (اليوم اجتزنا عتبة (380) جزءاً بالمليون وهذا أعلى من أي وقت لأكثر من مليون عام ولربما 30 مليون عام الماضية).
وقد أشارت دراسة نشرتها الأكاديمية الأمريكية للعلوم قبل شهور إلى أن انبعاث (CO2) تزايد بمعدل 3 في المائة سنوياً خلال الفترة (2000-2004) مقارنة بمعدل 1.1 في المائة في التسعينات من القرن الماضي.
ينبعث ثاني أوكسيد الكربون من حرق الوقود الاحفوري (النفط، الغاز، الفحم الحجري). ونظراً للزيادة المطردة في الأنشطة البشرية لأغراض الصناعة والنقل وتوليد الطاقة فإن كميات انبعاث (CO2) تتزايد هي الأخرى. وقد أشارت دراسة نشرت في شهر مايو الماضي من قبل علماء برنامج المظلة العالمية في أكسفورد إلى أن الكربون الناجم عن حرق الغابات الاستوائية يقدر بملياري طن سنوياً، وبذلك فهو يسهم بما نسبته 25 في المائة من انبعاث (CO2) في الجوي الأرضي مقابل نسبة 14 في المائة تسببها أنشطة النقل والصناعة. ولإدراك حجم هذه المساهمة يذكر التقرير أن كميات (CO2) الناجمة عن حرق الغابات في كل من إندونيسيا والبرازيل والكونغو خلال كل 24 ساعة فقط تعادل ما يبعثه أسطول من الطائرات النفاثة تنقل ثمانية ملايين مسافر بين لندن ونيويورك.

إن عمليات الحرق هذه تستهلك ما مقداره (50) مليون أيكر من الغابات سنوياً لتحويلها إلى أراض زراعية وهي مساحة تعادل مساحة بريطانيا كلها.
إن احتراق الغابات، وهي رئة الأرض، لا يقتصر على تقليل امتصاص (CO2) في عمليات التركيب الضوئي فحسب، وإنما يضيف للجو خزين الكربون الذي اختزنته الأشجار عبر عمرها الطويل. وإذا كانت آليات الطبيعة لامتصاص (CO2) في النباتات والصخور وأعماق المحيطات تستهلك نصف الكمية التي ينتجها البشر حالياً، فإن المتوقع حسب تقديرات ولفغانغ كنور باحث المناخ في جامعة بريستول أن ارتفاع درجات الحرارة سوف يقلل من عمليات الامتصاص هذه بموجب بحثه المنشور في مجلة الجيوفيزياء أيار/مايو الماضي.
لقد قامت هيئة ما بين الحكومات للتغييرات المناخية (IPCC) بإعداد دراسات عن التوقعات المناخية المستقبلية باستخدام نماذج محاكاة حاسوبية بافتراض سيناريوهات متعددة لأنماط انبعاث غازات الدفيئة، وخرجت باستنتاجات منها أن معدل درجة الحرارة سوف يزداد بحدود ( 1.0-3.5 ) درجة مئوية في نهاية هذا القرن وأن مستوى سطح البحر سيرتفع بحدود 40 سم، كما توقعت تبدلات في أنماط الهطول المطري وتواجد الثلوج في مختلف أقاليم الأرض. ورغم سواد الصورة هذه فإن الأبحاث المنشورة لاحقاً والتي قام بها العديد من العلماء المشهود لهم عالمياً تشير إلى أن تقديرات (IPCC) هي دون الواقع بكثير. ففي ورقة علمية لستة من العلماء من مختلف الجامعات نشرت في مجلة Philosophical Transaction of the Royal Society كان الباحث الأول فيها جيمس هانسن مدير معهد غودارد للدراسات الفضائية التابع لوكالة ناسا، كانت التقديرات أن مستوى سطح البحر سيرتفع بضعة أمتار بدلاً من (40سم) بحلول عام 2100، وبذلك تتهدد الكثير من المناطق الساحلية بما فيها من منشآت وتختفي بعض الجزر. واستنتجت الورقة أننا على شفا الوصول إلى تغيرات مناخية لا يمكن عكسها من خلال ذوبان الجليد في غرينلاند والقارة القطبية الجنوبية. كما أوضحت الورقة أن الحضارة البشرية بنيت وتطورت خلال فترة استثنائية من الاستقرار المناخي للإثني عشر ألف سنة الأخيرة، وأن البشرية لا تملك أن تستهلك الاحتياطي المدفون من الوقود لأن القيام بذلك سوف يضمن تغييراً كاملاً في المناخ، بحيث تصبح الأرض كوكباً غير الذي نعرفه حالياً. ويضيف هانسن أن أمامنا عشر سنوات فقط لوضع حد لنمط الإنتاج الجنوني لكميات (CO2) من قبل البشر لإبقاء المناخ ضمن، أو قريباً من المديات التي سادت في المليون سنة الماضية.
وفي بحث نشره جوليان ستروف في مجلة البحوث الجيوفيزيائية في شهر مايو الماضي تبين من تحليل تسجيلات ثلوج البحار المرصودة بالأقمار الاصطناعية والبواخر والطائرات أن هذه الثلوج تختفي نتيجة للذوبان بمعدل 7.8 في المائة لكل عقد من السنين منذ عام (1953) مقارنة بمعدل 2.5 في المائة المعتمدة في نماذج المحاكاة الحاسوبية من قبل (IPCC). وتشير آخر بيانات الأقمار الاصطناعية الى أن جبال الجليد في غرينلاند تفقد ما معدله 200 كيلومتر مكعب سنوياً، الأمر الذي لم يكن ملاحظاً قبل سنتين.
لقد قامت مجموعة من المختصين في وكالة ناسا بالطيران على ارتفاعات واطئة فوق جبال الثلج في غرينلاند مؤخراً فلاحظت بقياساتها انزلاق هذه الجبال نحو المحيط بمعدل 22 متراً سنوياً، في حين دلت قياسات مماثلة قامت بها المجموعة نفسها قبل سبعة أعوام الى أقل من مترين كمعدل. وعندما تبدأ الثلوج بالذوبان فإنها تقوم بتشكيل بحيرات مائية تحفر عميقاً في الصفيحة الجليدية مسببة جرياناً أسفل الصفيحة يدفعها شيئاً فشيئاً للانزلاق نحو المحيط الدافئ الذي يقوم بدوره بإذابة المتبقي منها.
إن تناقص مساحات المناطق الثلجية تضيف تغذية عكسية للاحتباس الحراري، لأن اختفاء الجليد يقلل من معامل انعكاس الأشعة الشمسية عن سطح الأرض، وبالتالي زيادة الطاقة الممتصة ينجم عنه ارتفاع إضافي في درجات الحرارة.
ولا يقتصر الارتفاع الحراري على إذابة ثلوج المناطق القطبية وإنما يمتد الى كل الثلوج في أعالي الجبال التي تمثل مصدراً مستمراً للمياه العذبة لمليارات البشر، مما يجعل حياة هؤلاء عرضة لتهديد خطير.
وقد صرح مؤخراً ابن السير أدموند هيلاري قاهر قمة أفرست قبل أربعة وخمسين عاماً، أن قمة الجبل قد تغيرت إلى درجة أن أباه لن يتعرف إليها. فقد انخفض موقع قاعدة المخيم الذي أقامه عام (1953) بمقدار (40 متراً) عما كان عليه. إن ذوبان ثلوج قمة هذا الجبل الذي يعني اسمه النيبالي (كومولانكما) أم العالم، يتم بمعدلات يعتقد معها العلماء بأنها ستتحول إلى صخور جرداء بحلول عام 2050.
ومن المآسي غير المباشرة للتغيرات المناخية النزاعات الإقليمية التي سوف تنجم عن نقصان الموارد المائية وأنماط توزيعها، سواء كانت نتيجة ذوبان الثلوج أو انحباس المطر. بل إن هنالك تقريراً طريفاً يدعي أن أزمة دارفور نشأت أصلاً عن سبب مناخي (إذا تجاوزنا التعقيدات اللاحقة لتضارب المصالح الدولية)، حيث أدى الجفاف إلى نزاعات بين القبائل الرحل والمزارعين المستقرين والذين عاشوا قروناً بسلام ووئام، لأن إنتاج الأرض لم يعد يكفي الجميع. يقول ألكس دي وال الذي أمضى سنوات أواسط الثمانينات في المنطقة لإعداد بحث الدكتوراه في دراسات ميدانية إنه التقى أحد شيوخ القبائل، وهو رجل طاعن في السن اسمه هلال عبدالله، وقد أخبره هذا الشيخ أنه لاحظ مؤخراً ما لم يلاحظه خلال عمره الطويل، وهو أن الرمال بدأت تغطي الأرض الزراعية وعندما يأتي المطر النادر فإنه يجرف التربة الخصبة. لذلك فإن المزارعين الذين كانوا يرحبون بزيارات القبائل الرحل مع جمالهم لم يعودوا يتحملونهم أو يسمحون لهم بالرعي في مناطقهم، لأن محصول الأرض بات شحيحاًً. ويختم الشيخ كلامه بالقول (لقد كسر الإنسان النظام الإلهي لذا فهو يخشى المستقبل).

لقد امتد تأثير التغيرات المناخية ليشمل أنماط تكاثر الحيوانات البرية. فقد أربكت الساعة البيولوجية التي تنظم فترات السبات وفترات التزاوج ووضع البيض، لذلك فإن الكثير من الأحياء باتت مهددة بالإنقراض، وقد حذر تقرير للأمم المتحدة من أن ثلاثة أصناف أصبحت تنقرض كل ساعة من الزمن وهو أسوأ معدل منذ انقراض الديناصور قبل 65 مليون سنة.
وختاماً فقد وضع زعماء العالم في قمة الأرض عام (2002) أهدافاً للحد من النشاطات البشرية المنتجة لغازات الدفيئة. فهل سينضبط السلوك بما يوازي أهمية الأهداف والخطر المحدق. إننا نهدم بيئتنا فوق رؤوسنا من دون أن ندري ونثقب سفينتنا في عرض البحر من دون أن نبالي….!!
سألني مرة أحد طلابي، وكنا نتحدث عن الفضاء الفسيح المحيط بالأرض وما يقوم به بعض العلماء من طرائق للبحث عن وجود كائنات عاقلة في مكان ما من هذا الكون المترامي الأطراف، فقلت له يجدر بنا أن نتساءل أولاً: هل توجد مخلوقات عاقلة على الأرض؟!.

::/fulltext::
::cck::2497::/cck::

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *