البصمات التي طبعتها الكوارث على علم السياسة

::cck::2498::/cck::
::introtext::

ينبئنا العلم بأن بعض الكوارث الطبيعية مفيد، وتشي الكوارث ذاتها بأنها ذات يد طولى على العلم، النظري والتطبيقي على حد سواء. فالزلازل التي تهز الأرض هزاً، والبراكين التي تدفعها إلى أن تطرد بعض ما في جوفها من حمم، تساعد كوكبنا على التوازن والاستمرار، ولولاها لانفجر كله، وتناثرت أشلاؤه في ربوع المجرة كافة. والكوارث كلها، على اختلاف صنوفها وأحجام تدميرها ودرجات الأسى والبؤس الإنساني التي تخلفها، وضعت العقل البشري في تحد رهيب، بحثاً عن سبل لتجنب الكوارث البشرية، وطرق للتخفيف من وطأة الكوارث الطبيعية، التي تحل بغتة، ولا يستطيع أحد أن يوقفها. وهذا التحدي ساعد البشر على أن يظفروا في النهاية باختراعات واكتشافات علمية، أفادت الإنسانية في شتى المجالات، وليس في مجال الكوارث وملحقاتها.

::/introtext::
::fulltext::

ينبئنا العلم بأن بعض الكوارث الطبيعية مفيد، وتشي الكوارث ذاتها بأنها ذات يد طولى على العلم، النظري والتطبيقي على حد سواء. فالزلازل التي تهز الأرض هزاً، والبراكين التي تدفعها إلى أن تطرد بعض ما في جوفها من حمم، تساعد كوكبنا على التوازن والاستمرار، ولولاها لانفجر كله، وتناثرت أشلاؤه في ربوع المجرة كافة. والكوارث كلها، على اختلاف صنوفها وأحجام تدميرها ودرجات الأسى والبؤس الإنساني التي تخلفها، وضعت العقل البشري في تحد رهيب، بحثاً عن سبل لتجنب الكوارث البشرية، وطرق للتخفيف من وطأة الكوارث الطبيعية، التي تحل بغتة، ولا يستطيع أحد أن يوقفها. وهذا التحدي ساعد البشر على أن يظفروا في النهاية باختراعات واكتشافات علمية، أفادت الإنسانية في شتى المجالات، وليس في مجال الكوارث وملحقاتها.
ولسنا بصدد استعراض المنجزات التي حققها العلم التطبيقي من وراء التفكير في الكوارث، فهذا له مكان ومقام آخر، لكن ما يهم هو ما خلفه هذا التفكير من أصداء في العلوم الإنسانية، ولاسيما حقل العلوم السياسية، الذي يعد أكثر الحقول المعرفية استفادة من الكوارث، وما يترتب عليها. فما يطرأ على البيئة من كوارث طبيعية بحتة، أو كنتيجة غير مباشرة لتدخل البشر، فرض نفسه على العلاقات الدولية، في شقيها الذي يدور حول الصراع والتعاون، بعد أن احتلت قضايا البيئة موقعاً متقدماً على جدول الأعمال الدولي لجيل كامل من الزعماء السياسيين، والمسؤولين وصناع القرار، ورجال الصناعة ومهندسيها، والعلماء بمختلف تخصصاتهم، والمواطنين الغيورين على صحة الإنسان، وثراء الطبيعة.
وكثيراً ما تحدث المثقفون والفلاسفة عن أن المعرفة سلطة، وقدمت مدرسة (الواقعية التقليدية) في العلاقات الدولية تصوراً موسعاً حول ركائز قوة الدولة، لكنها لم تعط المعرفة ما تستحقه من اهتمام. وجاءت قضايا البيئة لتقدم برهاناً عملياً على ما للمعرفة من سلطان، بل وتضفي عليه بعداً دولياً، من خلال ما سميت (الجماعات المعرفية)، وهي مجموعة الخبراء الذين تتخطى اهتماماتهم وأنشطتهم حدود القوميات، وينحازون إلى المعرفة ويعلون من دورها، من دون نظر إلى دولة أو مجتمع بعينه، ويجمعهم فهم مشترك لقضية أو مشكلة، أو استجابات سياسية مفضلة. ويزيد من سلطان هذه المجموعة أن بعض جوانب قضايا البيئة ذات طابع تقني وعلمي معقد من جهة، وأن الكوارث الطبيعية أصبحت مشكلة عالمية، ولا تقتصر على بلد أو إقليم معين، من جهة ثانية.
وبصفة عامة، فقد أدى توزع الجدل العلمي حول البيئة على مختلف نظريات العلاقات الدولية، إلى تعميق الفهم في تلك النظريات جميعاً، فالعلماء الذين عكفوا على دراسة هذا الأمر ينتمون إلى مدارس وتوجهات مختلفة، واستغل كل منهم تعقد هذا الموضوع وتشعبه، ليجذب القضية إلى المساحة النظرية التي يقف عليها، مستخدماً العديد من الأدلة التي تدعم وجهة نظره، سواء أكان من أصحاب النظرية الواقعية، أم الواقعية الجديدة، أم التعددية، أم المؤسساتية الليبرالية، أم البنيوية، أم الماركسية الجديدة، أم ممن يطالبون بالمساواة بين الجنسين (الجندر).
ومما أسهم في زيادة هذا العمق أن هناك همزات وصل بين البشري والطبيعي في الكوارث، بل إن العلاقة بين الاثنين تصل إلى حد السببية في بعض الظواهر. فبعض العلماء يرى مثلاً أن إعصار كاترينا الذي ضرب الولايات المتحدة الأمريكية نجم عن ارتفاع درجة حرارة الكرة الأرضية، وعن عدم مطابقة تخطيط مدينة نيو أورلينز، التي اجتاحها الإعصار، لشروط حماية البيئة، من زاوية تجفيف معظم الأرض الرطبة التي تحيط بالمدينة، والتي كان من شأنها أن تمتص جزءاً كبيراً من مياه الفيضان، وبالتالي تنقذ عشرات الآلاف من البشر من التشرد.
ونظراً لعجز البشر عن مواجهة (غضب الطبيعة) فقد وجدوا أنه من المفيد أن يتعاونوا ويتكاتفوا، وأدى هذا إلى نوع من أنسنة العلاقات الدولية. وعلى الرغم من أن هذه مسألة تبدو مثالية في ظل علاقات دولية تجنح إلى التنافس والصراع أكثر مما تميل إلى التعاون والتكامل، فإن هذه الرؤية وجدت ظلها في (القانون الدولي الإنساني)، الذي لم يكتف بتنظيم علاقات الدول وقت السلم، بل امتد إلى ساحات الحرب، لحماية المتضررين من النزاعات المسلحة. وجسد قانونا جنيف ولاهاي هذا الأمر، فالأول يتعلق بحماية فئات معينة من الأشخاص والأموال الثابتة والمنقولة، في حين ينظم الثاني استخدام وسائل القتال وطرقه وسلوك المتحاربين. وكل ما سبق يمثل (قانون الحرب)، وهو الحد الذي لم يقف عنده فقهاء القانون الدولي، بل طرحوا مفهوماً أكثر تقدماً، هو القانون المضاد للحرب، أو منع (حق الحرب)، باعتبار أن حظر الحرب يجب أن يكون هو الأصل.
كما أدى التفكير في الكوارث الطبيعية والبشرية إلى نوع من تسييس الطبيعة، وذلك استناداً إلى أن حياتنا صارت مسيسة بشكل أو بآخر، بعد أن أصبحت السياسة متداخلة مع الكثير من سلوكنا، وعاداتنا اليومية، وامتدت ذراعها، فطوقت كل ما كنا نعتقد في الماضي أنه بعيد عنها كل البعد. وعملية تسييس الظواهر الاجتماعية كانت هي الآلية التي ميزت علم السياسة في القرن العشرين عن القرون التي خلت. فقديماً، كان هناك فرق واضح بين السياسي والأخلاقي.
وفي ثنايا هذا الفضاء العام لتسييس الظواهر، تأتي الكوارث الطبيعية لتلقي بنفسها في غمار العملية السياسية، في بعديها المحلي والدولي .فهذه القضايا برزت في نهاية القرن العشرين إلى واجهة الاهتمامات السياسية العالمية، فهي حتى في جانبها التقني تستدعي استجابات سياسية. وجاء رد الفعل السياسي على ما فرضته البيئة من قضايا في شكل استحداث أنظمة ومؤسسات للتحكم في البيئة، وإبرام اتفاقيات عالمية بشأنها، وقيام أنماط عدة من التفاعلات الدولية حولها.

ينبئنا العلم بأن بعض الكوارث الطبيعية مفيد، وتشي الكوارث ذاتها بأنها ذات يد طولى على العلم، النظري والتطبيقي على حد سواء. فالزلازل التي تهز الأرض هزاً، والبراكين التي تدفعها إلى أن تطرد بعض ما في جوفها من حمم، تساعد كوكبنا على التوازن والاستمرار، ولولاها لانفجر كله، وتناثرت أشلاؤه في ربوع المجرة كافة. والكوارث كلها، على اختلاف صنوفها وأحجام تدميرها ودرجات الأسى والبؤس الإنساني التي تخلفها، وضعت العقل البشري في تحد رهيب، بحثاً عن سبل لتجنب الكوارث البشرية، وطرق للتخفيف من وطأة الكوارث الطبيعية، التي تحل بغتة، ولا يستطيع أحد أن يوقفها. وهذا التحدي ساعد البشر على أن يظفروا في النهاية باختراعات واكتشافات علمية، أفادت الإنسانية في شتى المجالات، وليس في مجال الكوارث وملحقاتها.
ولسنا بصدد استعراض المنجزات التي حققها العلم التطبيقي من وراء التفكير في الكوارث، فهذا له مكان ومقام آخر، لكن ما يهم هو ما خلفه هذا التفكير من أصداء في العلوم الإنسانية، ولاسيما حقل العلوم السياسية، الذي يعد أكثر الحقول المعرفية استفادة من الكوارث، وما يترتب عليها. فما يطرأ على البيئة من كوارث طبيعية بحتة، أو كنتيجة غير مباشرة لتدخل البشر، فرض نفسه على العلاقات الدولية، في شقيها الذي يدور حول الصراع والتعاون، بعد أن احتلت قضايا البيئة موقعاً متقدماً على جدول الأعمال الدولي لجيل كامل من الزعماء السياسيين، والمسؤولين وصناع القرار، ورجال الصناعة ومهندسيها، والعلماء بمختلف تخصصاتهم، والمواطنين الغيورين على صحة الإنسان، وثراء الطبيعة.
وكثيراً ما تحدث المثقفون والفلاسفة عن أن المعرفة سلطة، وقدمت مدرسة (الواقعية التقليدية) في العلاقات الدولية تصوراً موسعاً حول ركائز قوة الدولة، لكنها لم تعط المعرفة ما تستحقه من اهتمام. وجاءت قضايا البيئة لتقدم برهاناً عملياً على ما للمعرفة من سلطان، بل وتضفي عليه بعداً دولياً، من خلال ما سميت (الجماعات المعرفية)، وهي مجموعة الخبراء الذين تتخطى اهتماماتهم وأنشطتهم حدود القوميات، وينحازون إلى المعرفة ويعلون من دورها، من دون نظر إلى دولة أو مجتمع بعينه، ويجمعهم فهم مشترك لقضية أو مشكلة، أو استجابات سياسية مفضلة. ويزيد من سلطان هذه المجموعة أن بعض جوانب قضايا البيئة ذات طابع تقني وعلمي معقد من جهة، وأن الكوارث الطبيعية أصبحت مشكلة عالمية، ولا تقتصر على بلد أو إقليم معين، من جهة ثانية.
وبصفة عامة، فقد أدى توزع الجدل العلمي حول البيئة على مختلف نظريات العلاقات الدولية، إلى تعميق الفهم في تلك النظريات جميعاً، فالعلماء الذين عكفوا على دراسة هذا الأمر ينتمون إلى مدارس وتوجهات مختلفة، واستغل كل منهم تعقد هذا الموضوع وتشعبه، ليجذب القضية إلى المساحة النظرية التي يقف عليها، مستخدماً العديد من الأدلة التي تدعم وجهة نظره، سواء أكان من أصحاب النظرية الواقعية، أم الواقعية الجديدة، أم التعددية، أم المؤسساتية الليبرالية، أم البنيوية، أم الماركسية الجديدة، أم ممن يطالبون بالمساواة بين الجنسين (الجندر).
ومما أسهم في زيادة هذا العمق أن هناك همزات وصل بين البشري والطبيعي في الكوارث، بل إن العلاقة بين الاثنين تصل إلى حد السببية في بعض الظواهر. فبعض العلماء يرى مثلاً أن إعصار كاترينا الذي ضرب الولايات المتحدة الأمريكية نجم عن ارتفاع درجة حرارة الكرة الأرضية، وعن عدم مطابقة تخطيط مدينة نيو أورلينز، التي اجتاحها الإعصار، لشروط حماية البيئة، من زاوية تجفيف معظم الأرض الرطبة التي تحيط بالمدينة، والتي كان من شأنها أن تمتص جزءاً كبيراً من مياه الفيضان، وبالتالي تنقذ عشرات الآلاف من البشر من التشرد.
ونظراً لعجز البشر عن مواجهة (غضب الطبيعة) فقد وجدوا أنه من المفيد أن يتعاونوا ويتكاتفوا، وأدى هذا إلى نوع من أنسنة العلاقات الدولية. وعلى الرغم من أن هذه مسألة تبدو مثالية في ظل علاقات دولية تجنح إلى التنافس والصراع أكثر مما تميل إلى التعاون والتكامل، فإن هذه الرؤية وجدت ظلها في (القانون الدولي الإنساني)، الذي لم يكتف بتنظيم علاقات الدول وقت السلم، بل امتد إلى ساحات الحرب، لحماية المتضررين من النزاعات المسلحة. وجسد قانونا جنيف ولاهاي هذا الأمر، فالأول يتعلق بحماية فئات معينة من الأشخاص والأموال الثابتة والمنقولة، في حين ينظم الثاني استخدام وسائل القتال وطرقه وسلوك المتحاربين. وكل ما سبق يمثل (قانون الحرب)، وهو الحد الذي لم يقف عنده فقهاء القانون الدولي، بل طرحوا مفهوماً أكثر تقدماً، هو القانون المضاد للحرب، أو منع (حق الحرب)، باعتبار أن حظر الحرب يجب أن يكون هو الأصل.
كما أدى التفكير في الكوارث الطبيعية والبشرية إلى نوع من تسييس الطبيعة، وذلك استناداً إلى أن حياتنا صارت مسيسة بشكل أو بآخر، بعد أن أصبحت السياسة متداخلة مع الكثير من سلوكنا، وعاداتنا اليومية، وامتدت ذراعها، فطوقت كل ما كنا نعتقد في الماضي أنه بعيد عنها كل البعد. وعملية تسييس الظواهر الاجتماعية كانت هي الآلية التي ميزت علم السياسة في القرن العشرين عن القرون التي خلت. فقديماً، كان هناك فرق واضح بين السياسي والأخلاقي.
وفي ثنايا هذا الفضاء العام لتسييس الظواهر، تأتي الكوارث الطبيعية لتلقي بنفسها في غمار العملية السياسية، في بعديها المحلي والدولي .فهذه القضايا برزت في نهاية القرن العشرين إلى واجهة الاهتمامات السياسية العالمية، فهي حتى في جانبها التقني تستدعي استجابات سياسية. وجاء رد الفعل السياسي على ما فرضته البيئة من قضايا في شكل استحداث أنظمة ومؤسسات للتحكم في البيئة، وإبرام اتفاقيات عالمية بشأنها، وقيام أنماط عدة من التفاعلات الدولية حولها.

::/fulltext::

Getting your Trinity Audio player ready...

::cck::2498::/cck::
::introtext::

ينبئنا العلم بأن بعض الكوارث الطبيعية مفيد، وتشي الكوارث ذاتها بأنها ذات يد طولى على العلم، النظري والتطبيقي على حد سواء. فالزلازل التي تهز الأرض هزاً، والبراكين التي تدفعها إلى أن تطرد بعض ما في جوفها من حمم، تساعد كوكبنا على التوازن والاستمرار، ولولاها لانفجر كله، وتناثرت أشلاؤه في ربوع المجرة كافة. والكوارث كلها، على اختلاف صنوفها وأحجام تدميرها ودرجات الأسى والبؤس الإنساني التي تخلفها، وضعت العقل البشري في تحد رهيب، بحثاً عن سبل لتجنب الكوارث البشرية، وطرق للتخفيف من وطأة الكوارث الطبيعية، التي تحل بغتة، ولا يستطيع أحد أن يوقفها. وهذا التحدي ساعد البشر على أن يظفروا في النهاية باختراعات واكتشافات علمية، أفادت الإنسانية في شتى المجالات، وليس في مجال الكوارث وملحقاتها.

::/introtext::
::fulltext::

ينبئنا العلم بأن بعض الكوارث الطبيعية مفيد، وتشي الكوارث ذاتها بأنها ذات يد طولى على العلم، النظري والتطبيقي على حد سواء. فالزلازل التي تهز الأرض هزاً، والبراكين التي تدفعها إلى أن تطرد بعض ما في جوفها من حمم، تساعد كوكبنا على التوازن والاستمرار، ولولاها لانفجر كله، وتناثرت أشلاؤه في ربوع المجرة كافة. والكوارث كلها، على اختلاف صنوفها وأحجام تدميرها ودرجات الأسى والبؤس الإنساني التي تخلفها، وضعت العقل البشري في تحد رهيب، بحثاً عن سبل لتجنب الكوارث البشرية، وطرق للتخفيف من وطأة الكوارث الطبيعية، التي تحل بغتة، ولا يستطيع أحد أن يوقفها. وهذا التحدي ساعد البشر على أن يظفروا في النهاية باختراعات واكتشافات علمية، أفادت الإنسانية في شتى المجالات، وليس في مجال الكوارث وملحقاتها.
ولسنا بصدد استعراض المنجزات التي حققها العلم التطبيقي من وراء التفكير في الكوارث، فهذا له مكان ومقام آخر، لكن ما يهم هو ما خلفه هذا التفكير من أصداء في العلوم الإنسانية، ولاسيما حقل العلوم السياسية، الذي يعد أكثر الحقول المعرفية استفادة من الكوارث، وما يترتب عليها. فما يطرأ على البيئة من كوارث طبيعية بحتة، أو كنتيجة غير مباشرة لتدخل البشر، فرض نفسه على العلاقات الدولية، في شقيها الذي يدور حول الصراع والتعاون، بعد أن احتلت قضايا البيئة موقعاً متقدماً على جدول الأعمال الدولي لجيل كامل من الزعماء السياسيين، والمسؤولين وصناع القرار، ورجال الصناعة ومهندسيها، والعلماء بمختلف تخصصاتهم، والمواطنين الغيورين على صحة الإنسان، وثراء الطبيعة.
وكثيراً ما تحدث المثقفون والفلاسفة عن أن المعرفة سلطة، وقدمت مدرسة (الواقعية التقليدية) في العلاقات الدولية تصوراً موسعاً حول ركائز قوة الدولة، لكنها لم تعط المعرفة ما تستحقه من اهتمام. وجاءت قضايا البيئة لتقدم برهاناً عملياً على ما للمعرفة من سلطان، بل وتضفي عليه بعداً دولياً، من خلال ما سميت (الجماعات المعرفية)، وهي مجموعة الخبراء الذين تتخطى اهتماماتهم وأنشطتهم حدود القوميات، وينحازون إلى المعرفة ويعلون من دورها، من دون نظر إلى دولة أو مجتمع بعينه، ويجمعهم فهم مشترك لقضية أو مشكلة، أو استجابات سياسية مفضلة. ويزيد من سلطان هذه المجموعة أن بعض جوانب قضايا البيئة ذات طابع تقني وعلمي معقد من جهة، وأن الكوارث الطبيعية أصبحت مشكلة عالمية، ولا تقتصر على بلد أو إقليم معين، من جهة ثانية.
وبصفة عامة، فقد أدى توزع الجدل العلمي حول البيئة على مختلف نظريات العلاقات الدولية، إلى تعميق الفهم في تلك النظريات جميعاً، فالعلماء الذين عكفوا على دراسة هذا الأمر ينتمون إلى مدارس وتوجهات مختلفة، واستغل كل منهم تعقد هذا الموضوع وتشعبه، ليجذب القضية إلى المساحة النظرية التي يقف عليها، مستخدماً العديد من الأدلة التي تدعم وجهة نظره، سواء أكان من أصحاب النظرية الواقعية، أم الواقعية الجديدة، أم التعددية، أم المؤسساتية الليبرالية، أم البنيوية، أم الماركسية الجديدة، أم ممن يطالبون بالمساواة بين الجنسين (الجندر).
ومما أسهم في زيادة هذا العمق أن هناك همزات وصل بين البشري والطبيعي في الكوارث، بل إن العلاقة بين الاثنين تصل إلى حد السببية في بعض الظواهر. فبعض العلماء يرى مثلاً أن إعصار كاترينا الذي ضرب الولايات المتحدة الأمريكية نجم عن ارتفاع درجة حرارة الكرة الأرضية، وعن عدم مطابقة تخطيط مدينة نيو أورلينز، التي اجتاحها الإعصار، لشروط حماية البيئة، من زاوية تجفيف معظم الأرض الرطبة التي تحيط بالمدينة، والتي كان من شأنها أن تمتص جزءاً كبيراً من مياه الفيضان، وبالتالي تنقذ عشرات الآلاف من البشر من التشرد.
ونظراً لعجز البشر عن مواجهة (غضب الطبيعة) فقد وجدوا أنه من المفيد أن يتعاونوا ويتكاتفوا، وأدى هذا إلى نوع من أنسنة العلاقات الدولية. وعلى الرغم من أن هذه مسألة تبدو مثالية في ظل علاقات دولية تجنح إلى التنافس والصراع أكثر مما تميل إلى التعاون والتكامل، فإن هذه الرؤية وجدت ظلها في (القانون الدولي الإنساني)، الذي لم يكتف بتنظيم علاقات الدول وقت السلم، بل امتد إلى ساحات الحرب، لحماية المتضررين من النزاعات المسلحة. وجسد قانونا جنيف ولاهاي هذا الأمر، فالأول يتعلق بحماية فئات معينة من الأشخاص والأموال الثابتة والمنقولة، في حين ينظم الثاني استخدام وسائل القتال وطرقه وسلوك المتحاربين. وكل ما سبق يمثل (قانون الحرب)، وهو الحد الذي لم يقف عنده فقهاء القانون الدولي، بل طرحوا مفهوماً أكثر تقدماً، هو القانون المضاد للحرب، أو منع (حق الحرب)، باعتبار أن حظر الحرب يجب أن يكون هو الأصل.
كما أدى التفكير في الكوارث الطبيعية والبشرية إلى نوع من تسييس الطبيعة، وذلك استناداً إلى أن حياتنا صارت مسيسة بشكل أو بآخر، بعد أن أصبحت السياسة متداخلة مع الكثير من سلوكنا، وعاداتنا اليومية، وامتدت ذراعها، فطوقت كل ما كنا نعتقد في الماضي أنه بعيد عنها كل البعد. وعملية تسييس الظواهر الاجتماعية كانت هي الآلية التي ميزت علم السياسة في القرن العشرين عن القرون التي خلت. فقديماً، كان هناك فرق واضح بين السياسي والأخلاقي.
وفي ثنايا هذا الفضاء العام لتسييس الظواهر، تأتي الكوارث الطبيعية لتلقي بنفسها في غمار العملية السياسية، في بعديها المحلي والدولي .فهذه القضايا برزت في نهاية القرن العشرين إلى واجهة الاهتمامات السياسية العالمية، فهي حتى في جانبها التقني تستدعي استجابات سياسية. وجاء رد الفعل السياسي على ما فرضته البيئة من قضايا في شكل استحداث أنظمة ومؤسسات للتحكم في البيئة، وإبرام اتفاقيات عالمية بشأنها، وقيام أنماط عدة من التفاعلات الدولية حولها.

ينبئنا العلم بأن بعض الكوارث الطبيعية مفيد، وتشي الكوارث ذاتها بأنها ذات يد طولى على العلم، النظري والتطبيقي على حد سواء. فالزلازل التي تهز الأرض هزاً، والبراكين التي تدفعها إلى أن تطرد بعض ما في جوفها من حمم، تساعد كوكبنا على التوازن والاستمرار، ولولاها لانفجر كله، وتناثرت أشلاؤه في ربوع المجرة كافة. والكوارث كلها، على اختلاف صنوفها وأحجام تدميرها ودرجات الأسى والبؤس الإنساني التي تخلفها، وضعت العقل البشري في تحد رهيب، بحثاً عن سبل لتجنب الكوارث البشرية، وطرق للتخفيف من وطأة الكوارث الطبيعية، التي تحل بغتة، ولا يستطيع أحد أن يوقفها. وهذا التحدي ساعد البشر على أن يظفروا في النهاية باختراعات واكتشافات علمية، أفادت الإنسانية في شتى المجالات، وليس في مجال الكوارث وملحقاتها.
ولسنا بصدد استعراض المنجزات التي حققها العلم التطبيقي من وراء التفكير في الكوارث، فهذا له مكان ومقام آخر، لكن ما يهم هو ما خلفه هذا التفكير من أصداء في العلوم الإنسانية، ولاسيما حقل العلوم السياسية، الذي يعد أكثر الحقول المعرفية استفادة من الكوارث، وما يترتب عليها. فما يطرأ على البيئة من كوارث طبيعية بحتة، أو كنتيجة غير مباشرة لتدخل البشر، فرض نفسه على العلاقات الدولية، في شقيها الذي يدور حول الصراع والتعاون، بعد أن احتلت قضايا البيئة موقعاً متقدماً على جدول الأعمال الدولي لجيل كامل من الزعماء السياسيين، والمسؤولين وصناع القرار، ورجال الصناعة ومهندسيها، والعلماء بمختلف تخصصاتهم، والمواطنين الغيورين على صحة الإنسان، وثراء الطبيعة.
وكثيراً ما تحدث المثقفون والفلاسفة عن أن المعرفة سلطة، وقدمت مدرسة (الواقعية التقليدية) في العلاقات الدولية تصوراً موسعاً حول ركائز قوة الدولة، لكنها لم تعط المعرفة ما تستحقه من اهتمام. وجاءت قضايا البيئة لتقدم برهاناً عملياً على ما للمعرفة من سلطان، بل وتضفي عليه بعداً دولياً، من خلال ما سميت (الجماعات المعرفية)، وهي مجموعة الخبراء الذين تتخطى اهتماماتهم وأنشطتهم حدود القوميات، وينحازون إلى المعرفة ويعلون من دورها، من دون نظر إلى دولة أو مجتمع بعينه، ويجمعهم فهم مشترك لقضية أو مشكلة، أو استجابات سياسية مفضلة. ويزيد من سلطان هذه المجموعة أن بعض جوانب قضايا البيئة ذات طابع تقني وعلمي معقد من جهة، وأن الكوارث الطبيعية أصبحت مشكلة عالمية، ولا تقتصر على بلد أو إقليم معين، من جهة ثانية.
وبصفة عامة، فقد أدى توزع الجدل العلمي حول البيئة على مختلف نظريات العلاقات الدولية، إلى تعميق الفهم في تلك النظريات جميعاً، فالعلماء الذين عكفوا على دراسة هذا الأمر ينتمون إلى مدارس وتوجهات مختلفة، واستغل كل منهم تعقد هذا الموضوع وتشعبه، ليجذب القضية إلى المساحة النظرية التي يقف عليها، مستخدماً العديد من الأدلة التي تدعم وجهة نظره، سواء أكان من أصحاب النظرية الواقعية، أم الواقعية الجديدة، أم التعددية، أم المؤسساتية الليبرالية، أم البنيوية، أم الماركسية الجديدة، أم ممن يطالبون بالمساواة بين الجنسين (الجندر).
ومما أسهم في زيادة هذا العمق أن هناك همزات وصل بين البشري والطبيعي في الكوارث، بل إن العلاقة بين الاثنين تصل إلى حد السببية في بعض الظواهر. فبعض العلماء يرى مثلاً أن إعصار كاترينا الذي ضرب الولايات المتحدة الأمريكية نجم عن ارتفاع درجة حرارة الكرة الأرضية، وعن عدم مطابقة تخطيط مدينة نيو أورلينز، التي اجتاحها الإعصار، لشروط حماية البيئة، من زاوية تجفيف معظم الأرض الرطبة التي تحيط بالمدينة، والتي كان من شأنها أن تمتص جزءاً كبيراً من مياه الفيضان، وبالتالي تنقذ عشرات الآلاف من البشر من التشرد.
ونظراً لعجز البشر عن مواجهة (غضب الطبيعة) فقد وجدوا أنه من المفيد أن يتعاونوا ويتكاتفوا، وأدى هذا إلى نوع من أنسنة العلاقات الدولية. وعلى الرغم من أن هذه مسألة تبدو مثالية في ظل علاقات دولية تجنح إلى التنافس والصراع أكثر مما تميل إلى التعاون والتكامل، فإن هذه الرؤية وجدت ظلها في (القانون الدولي الإنساني)، الذي لم يكتف بتنظيم علاقات الدول وقت السلم، بل امتد إلى ساحات الحرب، لحماية المتضررين من النزاعات المسلحة. وجسد قانونا جنيف ولاهاي هذا الأمر، فالأول يتعلق بحماية فئات معينة من الأشخاص والأموال الثابتة والمنقولة، في حين ينظم الثاني استخدام وسائل القتال وطرقه وسلوك المتحاربين. وكل ما سبق يمثل (قانون الحرب)، وهو الحد الذي لم يقف عنده فقهاء القانون الدولي، بل طرحوا مفهوماً أكثر تقدماً، هو القانون المضاد للحرب، أو منع (حق الحرب)، باعتبار أن حظر الحرب يجب أن يكون هو الأصل.
كما أدى التفكير في الكوارث الطبيعية والبشرية إلى نوع من تسييس الطبيعة، وذلك استناداً إلى أن حياتنا صارت مسيسة بشكل أو بآخر، بعد أن أصبحت السياسة متداخلة مع الكثير من سلوكنا، وعاداتنا اليومية، وامتدت ذراعها، فطوقت كل ما كنا نعتقد في الماضي أنه بعيد عنها كل البعد. وعملية تسييس الظواهر الاجتماعية كانت هي الآلية التي ميزت علم السياسة في القرن العشرين عن القرون التي خلت. فقديماً، كان هناك فرق واضح بين السياسي والأخلاقي.
وفي ثنايا هذا الفضاء العام لتسييس الظواهر، تأتي الكوارث الطبيعية لتلقي بنفسها في غمار العملية السياسية، في بعديها المحلي والدولي .فهذه القضايا برزت في نهاية القرن العشرين إلى واجهة الاهتمامات السياسية العالمية، فهي حتى في جانبها التقني تستدعي استجابات سياسية. وجاء رد الفعل السياسي على ما فرضته البيئة من قضايا في شكل استحداث أنظمة ومؤسسات للتحكم في البيئة، وإبرام اتفاقيات عالمية بشأنها، وقيام أنماط عدة من التفاعلات الدولية حولها.

::/fulltext::
::cck::2498::/cck::

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *