القرن الحادي والعشرون لن يكون قرناً أمريكياً

::cck::2475::/cck::
::introtext::

شكلت هزيمة الجمهوريين في انتخابات الكونغرس الأمريكي النصفية في شهر تشرين الأول / 2006 الإعلان الختامي عن بداية النهاية للحلم الأمريكي للمحافظين الجدد بجعل القرن الحادي والعشرين قرناً أمريكياً خالصاً.

::/introtext::
::fulltext::

شكلت هزيمة الجمهوريين في انتخابات الكونغرس الأمريكي النصفية في شهر تشرين الأول / 2006 الإعلان الختامي عن بداية النهاية للحلم الأمريكي للمحافظين الجدد بجعل القرن الحادي والعشرين قرناً أمريكياً خالصاً.
المحافظون الجدد ظلوا يعملون من أجل تحقيق هذا الحلم منذ نهاية الحرب العالمية الثانية وتحققت لهم الخطوة الأولى في عام 1991، وهو العام الذي انهار فيه الدب السوفييتي أمام الخطط المستمرة للمعسكر الغربي، التي دامت زهاء نصف قرن من الزمان هو عمر الحرب الباردة بين المعسكرين المتنافسين، والتي استخدمت فيها كل الأسلحة حتى السلاح النووي الذي استخدم كوسيلة للردع من دون أن تندلع حرب مباشرة بين القطبين.
بعد الهزيمة في الكونغرس مباشرة استقال أحد صقور المحافظين الجدد وهو وزير الدفاع العتيد دونالد رامسفيلد، الذي ظل الرئيس جورج بوش يدافع عن سياسته – على الرغم من كل الانتقادات التي تعرض لها – إلى النفس الأخير، إلا أن فوز الديمقراطيين أطاح به في استقالة دراماتيكية اضطرت بوش إلى قبولها وهو مرغم ليرشح روبرت غيتس وزيراً للدفاع خلفاً له. بعد ذلك سقط صقر آخر من صقور المحافظين الجدد وهو جون بولتن ممثل الولايات المتحدة في الأمم المتحدة، الذي كان الذراع الطويلة للمحافظين الجدد التي يصفعون بها كل الدول المارقة التي كانت تقف بوجه مخططاتهم، التي حملت لافتة عنوانها (نشر الحرية والديمقراطية في العالم).
الإدارة الأمريكية الآن في ورطة كبيرة، لا تدري ماذا تفعل، وهناك انقسام حاد داخل الكونغرس الأمريكي بشأن الملف العراقي بين الجمهوريين والديمقراطيين، ويخشى أن يؤدي هذا الانقسام بالولايات المتحدة إلى شرخ اجتماعي يؤثر في بنية المجتمع الأمريكي غير المتماسكة أصلاً، فهناك أزمة هوية لدى الشعب الأمريكي بسبب سطحية الانتماء الوطني وانعدام الجذور التاريخية لمجتمع لايتجاوز عمره أكثر من مائتي سنة، إلا بقليل من السنوات.
المحافظون الجدد ومشروع القرن الأمريكي الجديد
فلسفة المحافظين الجدد:
أصل هذه الفلسفة أسّسها اليهودي الألماني ليو شتراوس الذي قدم إلى الولايات المتحدة عام 1938 وعين أستاذاً في جامعة شيكاغو، ويختصر فكر شتراوس في نقطتين:
1- أن الديمقراطية لا تستطيع فرض نفسها من دون قوة واستنتج فكرته هذه من تجربته الشخصية مع جمهورية فايمار.
2- العالم ينقسم إلى أنظمة تمثل الفضيلة وهي الأنظمة الديمقراطية، وأخرى تمثل الرذيلة وهي الأنظمة الدكتاتورية ولابد من استعمال القوة للإطاحة بالدكتاتوريات.
الأصول التاريخية للمحافظين الجدد:
في الولايات المتحدة حزبان كبيران – كما هو معروف – هما الحزب الجمهوري الذي يوصف عادة بأنه حزب محافظ Conservative، والحزب الديمقراطي الذي يوصف بأنه حزب ليبرالي Liberal والفرق معروف لكل مشتغل بالسياسة. إن مصطلح (المحافظين) مصطلح نشأ منذ أكثر من مائتي سنة في بريطانيا، فخلفاً لتياري Tory والـ Whig نشأ حزبا المحافظين والأحرار ومنذ ذلك الحين أتسمت سياسات المحافظين في كل مكان بنوع من الاعتداد بالوطن والعنصرية الوطنية، إذا جاز التعبير.
في الستينات في عهد ليندون جونسون دافع المحافظون التقليديون عن حركة الحقوق المدنية التي كان يقودها الدكتور مارتن لوثر كنغ ومالكوم اكس وغيرهما، الذين كانوا يناهضون التمييز العنصري. في ذلك الوقت كان المحافظون التقليديون ينشرون أفكارهم في مجلة كومنتاري Commentary وكان أبرز ناشطيهم في ذلك الوقت ايرفنغ كريستول Kristol Irving وهو والد وليام كريستول رئيس تحرير مجلة ستاندرد الأسبوعية The Weekly Standard ، وهي المجلة التي ينشر فيها المحافظون الجدد أفكارهم ورؤاهم حول القرن الأمريكي الجديد New American Century.
الكثيرون من المحافظين الجدد كانوا ليبراليين إلا أنهم تحولوا بمرور الوقت إلى محافظين جدد، يقول إيرفنغ كريستول:
( كنت يسارياً جديداً ثم تروتسكياً جديداً ثم ليبرالياً جديدا ثم محافظاً جديداً ).
ويعرف ايرفنغ كريستول المحافظ الجديد بأنه): ليبرالي يساري اصطدم بالواقع).
إن أهم ما يميز المحافظين الجدد عن المحافظين التقليديين هو:
1- اعتبر المحافظون الجدد أن الولايات المتحدة لا يسعها التفرج على مايحدث من مآسٍ ولكن عليها أن تتدخل لإعادة الحق إلى نصابه وردع المعتدي، لذلك شجع المحافظون الجدد على التدخل الأمريكي في البلقان لإيقاف مجازر التطهير العرقي فيما كان الديمقراطيون لا يرون ذلك.
2- المحافظون الجدد يشجعون الهجرة إلى الولايات المتحدة وحجتهم في ذلك أن المهاجرين سيطلعون على الحضارة والحرية والديمقراطية في أمريكا وسينقلون التجربة إلى الآخرين فتعم هذه المفاهيم في كل مكان، وهذه أحدى الطرق لتسويق الفكر الأمريكي للعالم بأجمعه.

لقد جُذب المحافظون الجدد بقوة إلى فكرة رونالد ريغان في الثمانينات بتدمير الاتحاد السوفييتي الذي سماه ريغان إمبراطورية الشر( The Empire of Evil).
كان ريغان يكره الاتحاد السوفييتي كرهاً شديداً وهذا ما دعاه فيما بعد للبدء ببرنامج حرب النجوم الذي كان سبباً مهماً في انهيار الاتحاد السوفييتي.
يظن الكثيرون أن المحافظين الجدد هم جمهوريون تحديداً، ولكن الحقيقة غير ذلك، ففي الثمانينات من القرن الماضي نشرت جين كيركباتريك وهي ديمقراطية ليبرالية مقالاً في الـ Commentary بعنوان:
(الدكتاتوريات والمعايير المزدوجة) Dictatorships and Dual Standards
وفيه تدعو إلى تدخل أمريكي لإسقاط الدكتاتوريات في العالم، وعندما قرأ ريغان المقالة أعجب بها وسأل من هو جين هذا؟ وعندما أخبروه إنها امرأة دعاها لمقابلته، وفوراً بعد المقابلة عينها في منصب سفيرة الولايات المتحدة في الأمم المتحدة، ولم يلتفت ريغان الجمهوري إلى أن كيركباتريك كانت ديمقراطية لانه – أي ريغان نفسه – كان ديمقراطياً قبل أن يتحول إلى الحزب الجمهوري.
منذ نهاية التسعينات من القرن الماضي بدأ الجيل الثالث من المحافظين الجدد بالصعود إلى السلطة.
القرن الأمريكي الجديد في فكر المحافظين الجدد:
ترتكز أفكار المحافظين الجدد على مهمة واحدة خطيرة هي: (إسقاط الحواجز أمام الديمقراطية بوسائل عسكرية).
يقول ريتشارد بيرل الذي يلقب بأمير الظلام، أحد اعتى المحافظين الجدد الذي شغل منصب رئيس مجلس سياسات الدفاع في البنتاغون خلال الحرب الأخيرة على العراق: (لا نستطيع إقامة ديمقراطية في العراق بوسائل عسكرية ولكن مهمتنا هي إسقاط الحواجز أمام الديمقراطية بوسائل عسكرية). وهنا يحدد بيرل أن اقامة الديمقراطية لن تنجح باستخدام القوة لأن الديمقراطية نمط حياة لا يبنى الا بالاختيار والرغبة والإرادة.
ما طبقته الولايات المتحدة في العراق كان معاكساً تماماً لهذا المفهوم فهي أرادت أن تقيم الديمقراطية بوسائل عسكرية ولهذا فشلت في مهمتها وسببت الفوضى والخراب للعراق والعراقيين.
يقول بيرل: (نستطيع أن نفعل أشياء كثيرة بالبنادق ولكننا لا نستطيع الجلوس عليها). علينا أن نعي جيدا أن الخطورة في طروحات المحافظين الجدد تنبع من كونهم يؤمنون بأن هذه الطروحات تنبع من التزام أخلاقي تجاه الإنسانية وبالتالي فهي ترقى إلى درجة القداسة وتوصل إلى مرضاة الله، وهذا ما يجعل اندفاعهم بهذا الاتجاه عنيفاً ومتنامياً.
يقول بيرل: (لا يمكننا القبول بعالم فيه دول ديمقراطية قليلة وسط بحر من الدكتاتوريات، إن هذه أنانية لا نرضى بها).
إن هذا النص يقترب من النصوص الدينية المقدسة التي تخول اتباعها أدواراً لحل مشكلات الإنسانية المعذبة، وهذا ما يفسر الاندفاع الهائل الذي انطلق به المحافظون الجدد لتشكيل العصر الأمريكي وإنشاء الإمبراطروية الأمريكية والتخطيط لقرن أمريكي خالص، مما دفع معهد انتربرايز Interprise Institute لتبني مشروعه المسمى (مشروع القرن الأمريكي الجديد) New American Century Project.
المقاومة الوطنية العراقية مسمار في نعش الإمبراطورية الأمريكية العالمية:
يعترف تقرير بيكر – هاملتون بأن مقاومة الاحتلال عمل مشروع ينزع إليه كل إنسان احتلت أرضه، ففي الباب الأول من التقرير المعنون (التقويم) وفي فقرة مصادر العنف ينقل التقرير قولاً لأحد المسؤولين الأمريكيين واسمه توني سوبرانو قوله:
“If there were foreign forces in New jersey, Tony Soprano would be an insurgent leader.”
وترجمة النص هي: لو كانت هناك قوات أجنبية في مدينة نيوجرسي، لكان توني سوبرانو أحد قادة التمرد.
إن هذا الاعتراف الصريح لتقرير بيكر- هاملتون يخطو الخطوات الصحيحة للتعامل مع المقاومة الوطنية العراقية على أسس صحيحة وليس على أسس التغاضي وعدم الاعتراف، التي سببت مزيداً من الخسائر للطرفين الأمريكي والعراقي، ولو تخلص الرئيس بوش من نزقه وطيشه واعترف بالمقاومة الوطنية العراقية منذ البداية وتعامل معها على هذا الأساس لكانت المعادلة قد تغيرت بدرجة كبيرة ولم يكن الحال ماهو عليه الآن في العراق، لقد خسرت الولايات المتحدة لحد الآن أكثر ثلاثة آلاف قتيل، وقدرت بعض مؤسسات الدراسات الأمريكية الخسائر الكلية للحرب على العراق بعد أن يتم انسحاب القوات الأمريكية بمبلغ 2.2 تريليون دولار وهو مبلغ ضخم جداً يؤثر بشكل كبير في الاقتصاد الأمريكي.
تقول التوصية رقم 35 من التقرير:
(الولايات المتحدة يجب أن تبذل جهوداً نشطة لإشراك جميع الأطراف في العراق باستثناء تنظيم القاعدة).
وهذه دعوة واضحة لاشتراك كل فصائل المقاومة العراقية في مفاوضات يجريها الأمريكيون للخروج من الوضع الراهن.
أما التوصية رقم 27 فتنص على مايلي:
(تتطلب المصالحة الوطنية إعادة البعثيين والقوميين العرب إلى الحياة الوطنية مع رموز نظام صدام حسين).
وهذا التحول مهم في الاستراتيجية الأمريكية، حيث إن الطرح الأمريكي السابق كان يستبعد رموز نظام صدام حسين من أي حوارات أوعمليات مصالحة وطنية. هذا كله بالرغم من إعدام صدام وأركان حكمه. يبدو أن إدارة بوش تريد التفريق بين صدام والبعث والبعثيين.

إن من يقرأ توصيات اللجنة التسع والسبعين يشعر ببساطة بمدى فداحة التورط الأمريكي في العراق.
لقد لعبت المقاومة الوطنية العراقية دوراً أساسياً في إسقاط المشروع الأمريكي الذي لو كتب له النجاح لأحكمت الولايات المتحدة قبضتها على العالم ولقامت الإمبراطورية الأمريكية العالمية فعلاً ولتحقق مشروع المحافظين الجدد بجعل القرن الحادي والعشرين قرناً أمريكياً.
غالباً ما تفشل الخطط عندما تتعثر في خطواتها الأولى، ولسوء حظ بوش وإدارته والمحافظين الجدد أن تبدأ خطواتهم الأولى لتحقيق حلمهم في العراق وقديماً قالوا: (وقد تكون منية المتمني في أمنيته).
بداية العصر الأمريكي الأخير في الشرق الأوسط ونهايته
في مقالة بعنوان (The New Middle East) الشرق الأوسط الجديد، التي نشرها في عدد مجلة (Foreign Affairs) الأمريكية لشهري تشرين الثاني- كانون أول / 2006 يحدد ريتشارد هاس خمس فترات تاريخية للشرق الأوسط المعاصر:
يقول هاس:
(إن الشرق الأوسط المعاصر ولد في نهاية القرن الثامن عشر، وبالنسبة لبعض المؤرخين فإن الحدث المؤشر لهذه الولادة هو توقيع معاهدة إنهاء الحرب بين الإمبراطورية العثمانية وروسيا عام 1774 والدخول السهل لنابليون إلى مصر سنة 1798، والتي أظهرت للأوربيين أن المنطقة قابلة للخضوع مما جعل مثقفي العرب والمسلمين يتساءلون منذ ذلك التاريخ ولحد هذه اللحظة: لماذا تخلفت حضارتنا بعيداً عن أوروبا المسيحية؟
هذا العصر الأول انتهى مع الحرب العالمية الأولى وانهيار الإمبراطورية العثمانية وبروز الجمهورية التركية وتقسيم تركة الحرب بين المنتصرين الأوربيين. العصر الثاني يبدأ بالحكم الكولونيالي (الاستعماري) تحت سيطرة فرنسا والمملكة المتحدة وانتهى بعد أربعة عقود عقب حرب عالمية ثانية أفقدت الأوربيين الكثير من قوتهم.
بعد الحرب العالمية الثانية صعدت القومية العربية وبدأت القوتان العظميان (بريطانيا وفرنسا) بالأفول.
كتب المؤرخ البرت حوراني:
(من يحكم الشرق الأدنى يحكم العالم ومن كنت لديه مصالح في العالم عليه أن يربط نفسه بالشرق الأدنى).
حوراني كان يرى أن أزمة السويس عام 1956 تؤشر نهاية العصر الكولونيالي وبداية عصر الحرب الباردة في المنطقة. خلال الحرب الباردة كما هي الحال في السابق فإن قوى خارجية لعبت دور السيطرة في الشرق الأوسط.
كانت علامة نهاية هذا العصر الثالث حرب أكتوبر 1973 عندما عبّدت الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي الطريق للدبلوماسية الطموحة التي شملت اتفاق السلام المصري الإسرائيلي.
يقول هاس:
(إن الثورة الإيرانية في 1979 والتي أسقطت إحدى ركائز السياسية الأمريكية في المنطقة بينت أن الأجانب لا يستطيعون السيطرة على الأحداث المحلية).
بنهاية الحرب الباردة وزوال الاتحاد السوفييتي بدأ العصر الرابع الذي تمتعت فيه الولايات المتحدة بتأثير غير مسبوق وحرية في الفعل، أما مظاهر السيطرة لهذا العصر الأمريكي فهي القيادة الأمريكية للحرب الكويتية والبقاء الطويل للقوات البرية والجوية الأمريكية في شبه الجزيرة العربية والجهود الأمريكية لحل الصراع العربي – الإسرائيلي.
العصر الرابع الأمريكي انتهى بعد أقل من عقدين بسبب عوامل عديدة أهمها قرار إدارة بوش غزو العراق عام 2003. إن أحد أهم ضحايا الحرب هو انهيار العراق المسيطر عليه سنياً والذي كان قوياً وذا عزيمة بما فيه الكفاية لموازنة القوة الإيرانية الشيعية.
يقول هاس:
(إنها واحدة من سخريات التاريخ أن الحرب الأولى في العراق أي حرب الكويت (الحرب الضرورة) أشرت بداية العصر الأمريكي في الشرق الأوسط وأن حرب العراق الثانية (حرب الاختيار) عجلت بنهايته.
يقول هاس:
(إن على أمريكا الآن أن تعتمد على القوة الدبلوماسية وليس على القوة العسكرية).
يقول زبغنيو بريجنسكي مستشار الأمن القومي في عهد الرئيس الأسبق جيمي كارتر:
(كما انتهى العصر الكولونيالي بعد حرب السويس عام 1956 والذي شهد طرد بريطانيا وفرنسا من منطقة الشرق الأوسط فإن احتلال العراق سيشهد انتهاء العصر الأمريكي وطرد أمريكا من منطقة الشرق الأوسط).

هزائم أمريكية في كل مكان:
أمريكا تهزم في كل مكان وعلى كل مساحة العالم:
1- في الشرق الأوسط:
الهزيمة الكبرى لأمريكا في العراق والغرق في المستنقع العراقي دليل صارخ على الهزيمة الأمريكية.
2- في آسيا الوسطى:
الولايات المتحدة تتعرض لهزيمة حقيقية في أفغانستان، فبعد خمس سنوات على احتلالها لهذا البلد الفقير لم تستطع أمريكا بكل قوتها أن تحكم سيطرتها فقد عادت طالبان من جديد وبدأت تشكل صداعاً مستمراً للأمريكيين.
3- في أمريكا اللاتينية:
بعد خمسين عاماً على الجهود الأمريكية الحثيثة لبسط نفوذها على هذه القارة وبعد انقلابات كثيرة دبرتها الـ CIA في بلدانها، يعود اليسار بقوة، وتبدأ موجة العداء للولايات المتحدة في فنزويلا وبوليفيا ونيكاراغوا والبرازيل وغيرها.
4- أوروبا:
على عكس ماحدث في حرب الكويت عندما اصطفت أوروبا مع الولايات المتحدة، نرى بوضوح أن أصدقاء أمريكا الأوربيين يفقدون مواقعهم واحداً بعد الآخر، فقد خسر برلسكوني في إيطاليا وأزنار في إسبانيا وبلير في بريطانيا. إن الأخ الكبير يفقد نفوذه في هذه القارة المهمة التي أعاد بناءها بعد الحرب العالمية الثانية بواسطة مشروع مارشال الشهير. إن أوروبا اليوم تخط لنفسها طريقاً مستقلاً عن التأثير الأمريكي.

قانون الظلم والانحسار الأمريكي:
من سنن الكون المهمة التي خلقه الله على أساسها هو انحسار نفوذ الأمم الظالمة، قال تعالى: (وكم قصمنا من قرية كانت ظالمة وأنشأنا بعدها قوماً آخرين).
وهذه السنة دائمة في الأمم ولها مواقيت لهلاكها بسبب الظلم. تختلف هذه المواقيت باختلاف أحوالها وأحوال أعدائها وهي آجالها المشار إليها في قوله تعالى: (لكل أمة أجل، إذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون).
إن قانون الظلم قانون مطرد ينطبق على كل الأمم الظالمة ولا تحيد عنه أمة من الأمم، فالظلم سوس ينخر في جسد الأمة ولا يدعها حتى يسقطها. إذا نظرنا في التاريخ سنرى بوضوح أن السبب الأساسي لانهيار الإمبراطورية الرومانية والإمبراطورية الفارسية وغيرهما من الإمبراطوريات والدول هو الظلم.

تبقى الدولة مع الكفر ولا تبقى مع الظلم:
قال تعالى: (وما كان ربك ليهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون). إن الدولة الكافرة قد تكون عادلة بمعنى أن حكامها لا يظلمون الناس والناس أنفسهم لا يتظالمون فيما بينهم. فهذه الدولة مع كفرها تبقى إذ ليس من سنته تعالى إهلاك الدولة بكفرها فقط، ولكن إذا انضم إلى كفرها ظلم حكامها للرعية وتظالم الناس فيما بينهم وبهذا قال المفسرون وأهل العلم، قال الإمام الرازي في تفسيره: (إن المراد من الظلم في هذه الآية الشرك والمعنى إن الله تعالى لايهلك أهل القرى بمجرد كونهم مشركين إذا كانوا مصلحين في المعاملات فيما بينهم يعامل بعضهم بعضاً على الصلاح وعدم الفساد).
وفي تفسير القرطبي قوله تعالى(بظلم) أي بشرك وكفر (وأهلها مصلحون) أي فيما بينهم في تعاطي الحقوق، ومعنى الآية: إن الله تعالى لم يكن ليهلكهم بالكفر وحده حتى يضاف إليه الفساد كما أهلك قوم شعيب ببخس المكيال والميزان.

قول ابن تيمية في هلاك الدولة الظالمة وإن كانت مسلمة:
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: (وأمور الناس إنما تستقيم في الدنيا مع العدل الذي قد يكون فيه الاشتراك في بعض أنواع الإثم أكثر مما تستقيم مع الظلم في الحقوق وان لم تشترك في أثم، ولهذا قيل: إن الله يقيم الدولة العادلة وان كانت كافرة، ولا يقيم الظالمة وان كانت مسلمة. ويقال: الدنيا تدوم مع العدل والكفر ولا تدوم مع الظلم والإسلام. وذلك لأن العدل نظام كل شيء فإذا أقيم أمر الدنيا بالعدل قامت وإن لم يكن لصاحبها من خلاق – أي في الآخرة – وإن لم تقم بالعدل لم تقم وان كان لصاحبها من الإيمان مايجزى به في الآخرة.)
القرن الحادي والعشرون لن يكون قرناً أمريكياً:
بعد كل ما استعرضناه من هزائم وتخبط وفوضى للإدارة الأمريكية في كل مساحة العالم نتساءل: هل يمكن أن يكون القرن الحادي والعشرون أمريكياً؟ وكيف يكون ذلك والهزائم الأمريكية تنتشر في كل مكان؟ وكيف سيكون هذا القرن؟
نعتقد أن هناك قوى مهمة ستصعد إلى السطح، أهم هذه القوى – من دون شك – هي الصين التي تحقق معدلات نمو اقتصادي مدهشة، كما لاننسى أن روسيا تحن إلى العودة إلى دورها أيام الاتحاد السوفييتي وهي الآن تواجه الولايات المتحدة في الشرق الأوسط من خلال أطراف ثالثة كسوريا وإيران، وما صفقة الأسلحة الروسية الأخيرة إلى سوريا والخبراء الروس الذين قدموا إلى سوريا لتقديم الخبرة والتدريب للجيش السوري إلا خطوة في هذا الاتجاه، لكن المؤكد أن أياً من هذه القوى لن تستطيع ملء الفراغ الأمريكي، لذا يبدو أن مستقبل المنطقة في حكم المجهول.

::/fulltext::

Getting your Trinity Audio player ready...

::cck::2475::/cck::
::introtext::

شكلت هزيمة الجمهوريين في انتخابات الكونغرس الأمريكي النصفية في شهر تشرين الأول / 2006 الإعلان الختامي عن بداية النهاية للحلم الأمريكي للمحافظين الجدد بجعل القرن الحادي والعشرين قرناً أمريكياً خالصاً.

::/introtext::
::fulltext::

شكلت هزيمة الجمهوريين في انتخابات الكونغرس الأمريكي النصفية في شهر تشرين الأول / 2006 الإعلان الختامي عن بداية النهاية للحلم الأمريكي للمحافظين الجدد بجعل القرن الحادي والعشرين قرناً أمريكياً خالصاً.
المحافظون الجدد ظلوا يعملون من أجل تحقيق هذا الحلم منذ نهاية الحرب العالمية الثانية وتحققت لهم الخطوة الأولى في عام 1991، وهو العام الذي انهار فيه الدب السوفييتي أمام الخطط المستمرة للمعسكر الغربي، التي دامت زهاء نصف قرن من الزمان هو عمر الحرب الباردة بين المعسكرين المتنافسين، والتي استخدمت فيها كل الأسلحة حتى السلاح النووي الذي استخدم كوسيلة للردع من دون أن تندلع حرب مباشرة بين القطبين.
بعد الهزيمة في الكونغرس مباشرة استقال أحد صقور المحافظين الجدد وهو وزير الدفاع العتيد دونالد رامسفيلد، الذي ظل الرئيس جورج بوش يدافع عن سياسته – على الرغم من كل الانتقادات التي تعرض لها – إلى النفس الأخير، إلا أن فوز الديمقراطيين أطاح به في استقالة دراماتيكية اضطرت بوش إلى قبولها وهو مرغم ليرشح روبرت غيتس وزيراً للدفاع خلفاً له. بعد ذلك سقط صقر آخر من صقور المحافظين الجدد وهو جون بولتن ممثل الولايات المتحدة في الأمم المتحدة، الذي كان الذراع الطويلة للمحافظين الجدد التي يصفعون بها كل الدول المارقة التي كانت تقف بوجه مخططاتهم، التي حملت لافتة عنوانها (نشر الحرية والديمقراطية في العالم).
الإدارة الأمريكية الآن في ورطة كبيرة، لا تدري ماذا تفعل، وهناك انقسام حاد داخل الكونغرس الأمريكي بشأن الملف العراقي بين الجمهوريين والديمقراطيين، ويخشى أن يؤدي هذا الانقسام بالولايات المتحدة إلى شرخ اجتماعي يؤثر في بنية المجتمع الأمريكي غير المتماسكة أصلاً، فهناك أزمة هوية لدى الشعب الأمريكي بسبب سطحية الانتماء الوطني وانعدام الجذور التاريخية لمجتمع لايتجاوز عمره أكثر من مائتي سنة، إلا بقليل من السنوات.
المحافظون الجدد ومشروع القرن الأمريكي الجديد
فلسفة المحافظين الجدد:
أصل هذه الفلسفة أسّسها اليهودي الألماني ليو شتراوس الذي قدم إلى الولايات المتحدة عام 1938 وعين أستاذاً في جامعة شيكاغو، ويختصر فكر شتراوس في نقطتين:
1- أن الديمقراطية لا تستطيع فرض نفسها من دون قوة واستنتج فكرته هذه من تجربته الشخصية مع جمهورية فايمار.
2- العالم ينقسم إلى أنظمة تمثل الفضيلة وهي الأنظمة الديمقراطية، وأخرى تمثل الرذيلة وهي الأنظمة الدكتاتورية ولابد من استعمال القوة للإطاحة بالدكتاتوريات.
الأصول التاريخية للمحافظين الجدد:
في الولايات المتحدة حزبان كبيران – كما هو معروف – هما الحزب الجمهوري الذي يوصف عادة بأنه حزب محافظ Conservative، والحزب الديمقراطي الذي يوصف بأنه حزب ليبرالي Liberal والفرق معروف لكل مشتغل بالسياسة. إن مصطلح (المحافظين) مصطلح نشأ منذ أكثر من مائتي سنة في بريطانيا، فخلفاً لتياري Tory والـ Whig نشأ حزبا المحافظين والأحرار ومنذ ذلك الحين أتسمت سياسات المحافظين في كل مكان بنوع من الاعتداد بالوطن والعنصرية الوطنية، إذا جاز التعبير.
في الستينات في عهد ليندون جونسون دافع المحافظون التقليديون عن حركة الحقوق المدنية التي كان يقودها الدكتور مارتن لوثر كنغ ومالكوم اكس وغيرهما، الذين كانوا يناهضون التمييز العنصري. في ذلك الوقت كان المحافظون التقليديون ينشرون أفكارهم في مجلة كومنتاري Commentary وكان أبرز ناشطيهم في ذلك الوقت ايرفنغ كريستول Kristol Irving وهو والد وليام كريستول رئيس تحرير مجلة ستاندرد الأسبوعية The Weekly Standard ، وهي المجلة التي ينشر فيها المحافظون الجدد أفكارهم ورؤاهم حول القرن الأمريكي الجديد New American Century.
الكثيرون من المحافظين الجدد كانوا ليبراليين إلا أنهم تحولوا بمرور الوقت إلى محافظين جدد، يقول إيرفنغ كريستول:
( كنت يسارياً جديداً ثم تروتسكياً جديداً ثم ليبرالياً جديدا ثم محافظاً جديداً ).
ويعرف ايرفنغ كريستول المحافظ الجديد بأنه): ليبرالي يساري اصطدم بالواقع).
إن أهم ما يميز المحافظين الجدد عن المحافظين التقليديين هو:
1- اعتبر المحافظون الجدد أن الولايات المتحدة لا يسعها التفرج على مايحدث من مآسٍ ولكن عليها أن تتدخل لإعادة الحق إلى نصابه وردع المعتدي، لذلك شجع المحافظون الجدد على التدخل الأمريكي في البلقان لإيقاف مجازر التطهير العرقي فيما كان الديمقراطيون لا يرون ذلك.
2- المحافظون الجدد يشجعون الهجرة إلى الولايات المتحدة وحجتهم في ذلك أن المهاجرين سيطلعون على الحضارة والحرية والديمقراطية في أمريكا وسينقلون التجربة إلى الآخرين فتعم هذه المفاهيم في كل مكان، وهذه أحدى الطرق لتسويق الفكر الأمريكي للعالم بأجمعه.

لقد جُذب المحافظون الجدد بقوة إلى فكرة رونالد ريغان في الثمانينات بتدمير الاتحاد السوفييتي الذي سماه ريغان إمبراطورية الشر( The Empire of Evil).
كان ريغان يكره الاتحاد السوفييتي كرهاً شديداً وهذا ما دعاه فيما بعد للبدء ببرنامج حرب النجوم الذي كان سبباً مهماً في انهيار الاتحاد السوفييتي.
يظن الكثيرون أن المحافظين الجدد هم جمهوريون تحديداً، ولكن الحقيقة غير ذلك، ففي الثمانينات من القرن الماضي نشرت جين كيركباتريك وهي ديمقراطية ليبرالية مقالاً في الـ Commentary بعنوان:
(الدكتاتوريات والمعايير المزدوجة) Dictatorships and Dual Standards
وفيه تدعو إلى تدخل أمريكي لإسقاط الدكتاتوريات في العالم، وعندما قرأ ريغان المقالة أعجب بها وسأل من هو جين هذا؟ وعندما أخبروه إنها امرأة دعاها لمقابلته، وفوراً بعد المقابلة عينها في منصب سفيرة الولايات المتحدة في الأمم المتحدة، ولم يلتفت ريغان الجمهوري إلى أن كيركباتريك كانت ديمقراطية لانه – أي ريغان نفسه – كان ديمقراطياً قبل أن يتحول إلى الحزب الجمهوري.
منذ نهاية التسعينات من القرن الماضي بدأ الجيل الثالث من المحافظين الجدد بالصعود إلى السلطة.
القرن الأمريكي الجديد في فكر المحافظين الجدد:
ترتكز أفكار المحافظين الجدد على مهمة واحدة خطيرة هي: (إسقاط الحواجز أمام الديمقراطية بوسائل عسكرية).
يقول ريتشارد بيرل الذي يلقب بأمير الظلام، أحد اعتى المحافظين الجدد الذي شغل منصب رئيس مجلس سياسات الدفاع في البنتاغون خلال الحرب الأخيرة على العراق: (لا نستطيع إقامة ديمقراطية في العراق بوسائل عسكرية ولكن مهمتنا هي إسقاط الحواجز أمام الديمقراطية بوسائل عسكرية). وهنا يحدد بيرل أن اقامة الديمقراطية لن تنجح باستخدام القوة لأن الديمقراطية نمط حياة لا يبنى الا بالاختيار والرغبة والإرادة.
ما طبقته الولايات المتحدة في العراق كان معاكساً تماماً لهذا المفهوم فهي أرادت أن تقيم الديمقراطية بوسائل عسكرية ولهذا فشلت في مهمتها وسببت الفوضى والخراب للعراق والعراقيين.
يقول بيرل: (نستطيع أن نفعل أشياء كثيرة بالبنادق ولكننا لا نستطيع الجلوس عليها). علينا أن نعي جيدا أن الخطورة في طروحات المحافظين الجدد تنبع من كونهم يؤمنون بأن هذه الطروحات تنبع من التزام أخلاقي تجاه الإنسانية وبالتالي فهي ترقى إلى درجة القداسة وتوصل إلى مرضاة الله، وهذا ما يجعل اندفاعهم بهذا الاتجاه عنيفاً ومتنامياً.
يقول بيرل: (لا يمكننا القبول بعالم فيه دول ديمقراطية قليلة وسط بحر من الدكتاتوريات، إن هذه أنانية لا نرضى بها).
إن هذا النص يقترب من النصوص الدينية المقدسة التي تخول اتباعها أدواراً لحل مشكلات الإنسانية المعذبة، وهذا ما يفسر الاندفاع الهائل الذي انطلق به المحافظون الجدد لتشكيل العصر الأمريكي وإنشاء الإمبراطروية الأمريكية والتخطيط لقرن أمريكي خالص، مما دفع معهد انتربرايز Interprise Institute لتبني مشروعه المسمى (مشروع القرن الأمريكي الجديد) New American Century Project.
المقاومة الوطنية العراقية مسمار في نعش الإمبراطورية الأمريكية العالمية:
يعترف تقرير بيكر – هاملتون بأن مقاومة الاحتلال عمل مشروع ينزع إليه كل إنسان احتلت أرضه، ففي الباب الأول من التقرير المعنون (التقويم) وفي فقرة مصادر العنف ينقل التقرير قولاً لأحد المسؤولين الأمريكيين واسمه توني سوبرانو قوله:
“If there were foreign forces in New jersey, Tony Soprano would be an insurgent leader.”
وترجمة النص هي: لو كانت هناك قوات أجنبية في مدينة نيوجرسي، لكان توني سوبرانو أحد قادة التمرد.
إن هذا الاعتراف الصريح لتقرير بيكر- هاملتون يخطو الخطوات الصحيحة للتعامل مع المقاومة الوطنية العراقية على أسس صحيحة وليس على أسس التغاضي وعدم الاعتراف، التي سببت مزيداً من الخسائر للطرفين الأمريكي والعراقي، ولو تخلص الرئيس بوش من نزقه وطيشه واعترف بالمقاومة الوطنية العراقية منذ البداية وتعامل معها على هذا الأساس لكانت المعادلة قد تغيرت بدرجة كبيرة ولم يكن الحال ماهو عليه الآن في العراق، لقد خسرت الولايات المتحدة لحد الآن أكثر ثلاثة آلاف قتيل، وقدرت بعض مؤسسات الدراسات الأمريكية الخسائر الكلية للحرب على العراق بعد أن يتم انسحاب القوات الأمريكية بمبلغ 2.2 تريليون دولار وهو مبلغ ضخم جداً يؤثر بشكل كبير في الاقتصاد الأمريكي.
تقول التوصية رقم 35 من التقرير:
(الولايات المتحدة يجب أن تبذل جهوداً نشطة لإشراك جميع الأطراف في العراق باستثناء تنظيم القاعدة).
وهذه دعوة واضحة لاشتراك كل فصائل المقاومة العراقية في مفاوضات يجريها الأمريكيون للخروج من الوضع الراهن.
أما التوصية رقم 27 فتنص على مايلي:
(تتطلب المصالحة الوطنية إعادة البعثيين والقوميين العرب إلى الحياة الوطنية مع رموز نظام صدام حسين).
وهذا التحول مهم في الاستراتيجية الأمريكية، حيث إن الطرح الأمريكي السابق كان يستبعد رموز نظام صدام حسين من أي حوارات أوعمليات مصالحة وطنية. هذا كله بالرغم من إعدام صدام وأركان حكمه. يبدو أن إدارة بوش تريد التفريق بين صدام والبعث والبعثيين.

إن من يقرأ توصيات اللجنة التسع والسبعين يشعر ببساطة بمدى فداحة التورط الأمريكي في العراق.
لقد لعبت المقاومة الوطنية العراقية دوراً أساسياً في إسقاط المشروع الأمريكي الذي لو كتب له النجاح لأحكمت الولايات المتحدة قبضتها على العالم ولقامت الإمبراطورية الأمريكية العالمية فعلاً ولتحقق مشروع المحافظين الجدد بجعل القرن الحادي والعشرين قرناً أمريكياً.
غالباً ما تفشل الخطط عندما تتعثر في خطواتها الأولى، ولسوء حظ بوش وإدارته والمحافظين الجدد أن تبدأ خطواتهم الأولى لتحقيق حلمهم في العراق وقديماً قالوا: (وقد تكون منية المتمني في أمنيته).
بداية العصر الأمريكي الأخير في الشرق الأوسط ونهايته
في مقالة بعنوان (The New Middle East) الشرق الأوسط الجديد، التي نشرها في عدد مجلة (Foreign Affairs) الأمريكية لشهري تشرين الثاني- كانون أول / 2006 يحدد ريتشارد هاس خمس فترات تاريخية للشرق الأوسط المعاصر:
يقول هاس:
(إن الشرق الأوسط المعاصر ولد في نهاية القرن الثامن عشر، وبالنسبة لبعض المؤرخين فإن الحدث المؤشر لهذه الولادة هو توقيع معاهدة إنهاء الحرب بين الإمبراطورية العثمانية وروسيا عام 1774 والدخول السهل لنابليون إلى مصر سنة 1798، والتي أظهرت للأوربيين أن المنطقة قابلة للخضوع مما جعل مثقفي العرب والمسلمين يتساءلون منذ ذلك التاريخ ولحد هذه اللحظة: لماذا تخلفت حضارتنا بعيداً عن أوروبا المسيحية؟
هذا العصر الأول انتهى مع الحرب العالمية الأولى وانهيار الإمبراطورية العثمانية وبروز الجمهورية التركية وتقسيم تركة الحرب بين المنتصرين الأوربيين. العصر الثاني يبدأ بالحكم الكولونيالي (الاستعماري) تحت سيطرة فرنسا والمملكة المتحدة وانتهى بعد أربعة عقود عقب حرب عالمية ثانية أفقدت الأوربيين الكثير من قوتهم.
بعد الحرب العالمية الثانية صعدت القومية العربية وبدأت القوتان العظميان (بريطانيا وفرنسا) بالأفول.
كتب المؤرخ البرت حوراني:
(من يحكم الشرق الأدنى يحكم العالم ومن كنت لديه مصالح في العالم عليه أن يربط نفسه بالشرق الأدنى).
حوراني كان يرى أن أزمة السويس عام 1956 تؤشر نهاية العصر الكولونيالي وبداية عصر الحرب الباردة في المنطقة. خلال الحرب الباردة كما هي الحال في السابق فإن قوى خارجية لعبت دور السيطرة في الشرق الأوسط.
كانت علامة نهاية هذا العصر الثالث حرب أكتوبر 1973 عندما عبّدت الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي الطريق للدبلوماسية الطموحة التي شملت اتفاق السلام المصري الإسرائيلي.
يقول هاس:
(إن الثورة الإيرانية في 1979 والتي أسقطت إحدى ركائز السياسية الأمريكية في المنطقة بينت أن الأجانب لا يستطيعون السيطرة على الأحداث المحلية).
بنهاية الحرب الباردة وزوال الاتحاد السوفييتي بدأ العصر الرابع الذي تمتعت فيه الولايات المتحدة بتأثير غير مسبوق وحرية في الفعل، أما مظاهر السيطرة لهذا العصر الأمريكي فهي القيادة الأمريكية للحرب الكويتية والبقاء الطويل للقوات البرية والجوية الأمريكية في شبه الجزيرة العربية والجهود الأمريكية لحل الصراع العربي – الإسرائيلي.
العصر الرابع الأمريكي انتهى بعد أقل من عقدين بسبب عوامل عديدة أهمها قرار إدارة بوش غزو العراق عام 2003. إن أحد أهم ضحايا الحرب هو انهيار العراق المسيطر عليه سنياً والذي كان قوياً وذا عزيمة بما فيه الكفاية لموازنة القوة الإيرانية الشيعية.
يقول هاس:
(إنها واحدة من سخريات التاريخ أن الحرب الأولى في العراق أي حرب الكويت (الحرب الضرورة) أشرت بداية العصر الأمريكي في الشرق الأوسط وأن حرب العراق الثانية (حرب الاختيار) عجلت بنهايته.
يقول هاس:
(إن على أمريكا الآن أن تعتمد على القوة الدبلوماسية وليس على القوة العسكرية).
يقول زبغنيو بريجنسكي مستشار الأمن القومي في عهد الرئيس الأسبق جيمي كارتر:
(كما انتهى العصر الكولونيالي بعد حرب السويس عام 1956 والذي شهد طرد بريطانيا وفرنسا من منطقة الشرق الأوسط فإن احتلال العراق سيشهد انتهاء العصر الأمريكي وطرد أمريكا من منطقة الشرق الأوسط).

هزائم أمريكية في كل مكان:
أمريكا تهزم في كل مكان وعلى كل مساحة العالم:
1- في الشرق الأوسط:
الهزيمة الكبرى لأمريكا في العراق والغرق في المستنقع العراقي دليل صارخ على الهزيمة الأمريكية.
2- في آسيا الوسطى:
الولايات المتحدة تتعرض لهزيمة حقيقية في أفغانستان، فبعد خمس سنوات على احتلالها لهذا البلد الفقير لم تستطع أمريكا بكل قوتها أن تحكم سيطرتها فقد عادت طالبان من جديد وبدأت تشكل صداعاً مستمراً للأمريكيين.
3- في أمريكا اللاتينية:
بعد خمسين عاماً على الجهود الأمريكية الحثيثة لبسط نفوذها على هذه القارة وبعد انقلابات كثيرة دبرتها الـ CIA في بلدانها، يعود اليسار بقوة، وتبدأ موجة العداء للولايات المتحدة في فنزويلا وبوليفيا ونيكاراغوا والبرازيل وغيرها.
4- أوروبا:
على عكس ماحدث في حرب الكويت عندما اصطفت أوروبا مع الولايات المتحدة، نرى بوضوح أن أصدقاء أمريكا الأوربيين يفقدون مواقعهم واحداً بعد الآخر، فقد خسر برلسكوني في إيطاليا وأزنار في إسبانيا وبلير في بريطانيا. إن الأخ الكبير يفقد نفوذه في هذه القارة المهمة التي أعاد بناءها بعد الحرب العالمية الثانية بواسطة مشروع مارشال الشهير. إن أوروبا اليوم تخط لنفسها طريقاً مستقلاً عن التأثير الأمريكي.

قانون الظلم والانحسار الأمريكي:
من سنن الكون المهمة التي خلقه الله على أساسها هو انحسار نفوذ الأمم الظالمة، قال تعالى: (وكم قصمنا من قرية كانت ظالمة وأنشأنا بعدها قوماً آخرين).
وهذه السنة دائمة في الأمم ولها مواقيت لهلاكها بسبب الظلم. تختلف هذه المواقيت باختلاف أحوالها وأحوال أعدائها وهي آجالها المشار إليها في قوله تعالى: (لكل أمة أجل، إذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون).
إن قانون الظلم قانون مطرد ينطبق على كل الأمم الظالمة ولا تحيد عنه أمة من الأمم، فالظلم سوس ينخر في جسد الأمة ولا يدعها حتى يسقطها. إذا نظرنا في التاريخ سنرى بوضوح أن السبب الأساسي لانهيار الإمبراطورية الرومانية والإمبراطورية الفارسية وغيرهما من الإمبراطوريات والدول هو الظلم.

تبقى الدولة مع الكفر ولا تبقى مع الظلم:
قال تعالى: (وما كان ربك ليهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون). إن الدولة الكافرة قد تكون عادلة بمعنى أن حكامها لا يظلمون الناس والناس أنفسهم لا يتظالمون فيما بينهم. فهذه الدولة مع كفرها تبقى إذ ليس من سنته تعالى إهلاك الدولة بكفرها فقط، ولكن إذا انضم إلى كفرها ظلم حكامها للرعية وتظالم الناس فيما بينهم وبهذا قال المفسرون وأهل العلم، قال الإمام الرازي في تفسيره: (إن المراد من الظلم في هذه الآية الشرك والمعنى إن الله تعالى لايهلك أهل القرى بمجرد كونهم مشركين إذا كانوا مصلحين في المعاملات فيما بينهم يعامل بعضهم بعضاً على الصلاح وعدم الفساد).
وفي تفسير القرطبي قوله تعالى(بظلم) أي بشرك وكفر (وأهلها مصلحون) أي فيما بينهم في تعاطي الحقوق، ومعنى الآية: إن الله تعالى لم يكن ليهلكهم بالكفر وحده حتى يضاف إليه الفساد كما أهلك قوم شعيب ببخس المكيال والميزان.

قول ابن تيمية في هلاك الدولة الظالمة وإن كانت مسلمة:
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: (وأمور الناس إنما تستقيم في الدنيا مع العدل الذي قد يكون فيه الاشتراك في بعض أنواع الإثم أكثر مما تستقيم مع الظلم في الحقوق وان لم تشترك في أثم، ولهذا قيل: إن الله يقيم الدولة العادلة وان كانت كافرة، ولا يقيم الظالمة وان كانت مسلمة. ويقال: الدنيا تدوم مع العدل والكفر ولا تدوم مع الظلم والإسلام. وذلك لأن العدل نظام كل شيء فإذا أقيم أمر الدنيا بالعدل قامت وإن لم يكن لصاحبها من خلاق – أي في الآخرة – وإن لم تقم بالعدل لم تقم وان كان لصاحبها من الإيمان مايجزى به في الآخرة.)
القرن الحادي والعشرون لن يكون قرناً أمريكياً:
بعد كل ما استعرضناه من هزائم وتخبط وفوضى للإدارة الأمريكية في كل مساحة العالم نتساءل: هل يمكن أن يكون القرن الحادي والعشرون أمريكياً؟ وكيف يكون ذلك والهزائم الأمريكية تنتشر في كل مكان؟ وكيف سيكون هذا القرن؟
نعتقد أن هناك قوى مهمة ستصعد إلى السطح، أهم هذه القوى – من دون شك – هي الصين التي تحقق معدلات نمو اقتصادي مدهشة، كما لاننسى أن روسيا تحن إلى العودة إلى دورها أيام الاتحاد السوفييتي وهي الآن تواجه الولايات المتحدة في الشرق الأوسط من خلال أطراف ثالثة كسوريا وإيران، وما صفقة الأسلحة الروسية الأخيرة إلى سوريا والخبراء الروس الذين قدموا إلى سوريا لتقديم الخبرة والتدريب للجيش السوري إلا خطوة في هذا الاتجاه، لكن المؤكد أن أياً من هذه القوى لن تستطيع ملء الفراغ الأمريكي، لذا يبدو أن مستقبل المنطقة في حكم المجهول.

::/fulltext::
::cck::2475::/cck::

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *