في ضوء جولة المباحثات الأمريكية – الإيرانية الثانية

::cck::2478::/cck::
::introtext::

يأتى قرار استئناف المباحثات الأمريكية – الإيرانية في جولتها الثانية لبحث الوضع الأمني وسبل إنهاء العنف المتواصل في العراق، بمثابة مفاوضات لا تخص العراق وإنما تبادل مصالح مشتركة على حساب العراقيين، حيث أطلق المراقبون على الجولة الأولى من المباحثات اسم (مرحلة كسر الجليد) إلا إنها لم تسفر عن نتائج ملحوظة على أرض الواقع، وشهدت الفترة الزمنية ما بين الاجتماع الأول والاجتماع الثاني ارتفاعاً ملحوظاً في الهجمات وأعمال العنف. حيث إن فشل الاحتلال الأمريكي في العراق، واستمرار انهيار الوضع السياسي لحكومة المالكي نفسها، ليست كلها أسباباً كافية لفشل هذا الحوار، ولكن وجود أجندة استراتيجية مختلفة لكل طرف في العراق والمنطقة هو السبب الحقيقي لفشل أي حوار قد يحدث بين أمريكا وإيران.

::/introtext::
::fulltext::

يأتى قرار استئناف المباحثات الأمريكية – الإيرانية في جولتها الثانية لبحث الوضع الأمني وسبل إنهاء العنف المتواصل في العراق، بمثابة مفاوضات لا تخص العراق وإنما تبادل مصالح مشتركة على حساب العراقيين، حيث أطلق المراقبون على الجولة الأولى من المباحثات اسم (مرحلة كسر الجليد) إلا إنها لم تسفر عن نتائج ملحوظة على أرض الواقع، وشهدت الفترة الزمنية ما بين الاجتماع الأول والاجتماع الثاني ارتفاعاً ملحوظاً في الهجمات وأعمال العنف. حيث إن فشل الاحتلال الأمريكي في العراق، واستمرار انهيار الوضع السياسي لحكومة المالكي نفسها، ليست كلها أسباباً كافية لفشل هذا الحوار، ولكن وجود أجندة استراتيجية مختلفة لكل طرف في العراق والمنطقة هو السبب الحقيقي لفشل أي حوار قد يحدث بين أمريكا وإيران.
وفي هذا السياق، تعتبر المحادثات الأمريكية الإيرانية في ضوء جولتها الثانية في بغداد، تعبيراً واضحاً وجلياً عن الاحتلالين، فهي من جهة امتداد لمحاولة معرفة وقياس مدى سلطة أي منهما على العراق مستقبلاً وإيجاد المساحة والفضاء لتكتيك جديد من قبل الولايات المتحدة واستراتيجية جديدة من قبل إيران. قبول أمريكا الدخول مع إيران في مباحثات حول العراق، هو اعتراف علني بنفوذ إيران، وهذا نصر استراتيجي لإيران وتكتيكي لأمريكا في محاولة لشراء بعض السلام والحد من المقاومة، لكي تستثمر أمريكا نفوذها العسكري من ناحية والتفرغ للمعضلة الأهم في التعامل مع طموح إيران الذري من ناحية أخرى. لذلك فإن إيران ترغب في مقاومة عراقية موالية لها لكي تكتمل براثن السلطة الإيرانية على العراق، ولكي تكون جزءاً من صفقة كبرى مع أمريكا في مرحلة لاحقة، بينما أمريكا في وضع أقل استقراراً، فهي في خصومة مباشرة مع القوميين العرب وبقايا النظام السابق وتلتقي مع إيران في دعم الحكومة وتختلف معها في موقفها من هذه الميليشيات. أما في المقاومة العراقية فهناك فراغ وخاصة من قبل الشيعة، حيث إن جزءاً معتبراً منهم أيديولوجياً أو حتى قومياً، لا يزال مغيباً عن الساحة السياسية خاصة المقاومة. فهي في حالة عدم توازن لكي تتأكد من سلطة الشيعة الكاملة على الحكم في العراق، وهي كذلك في حالة ضغط وحتى تهديد من قبل الموالين لإيران من الشيعة (وهم الذين في السلطة)، لذلك تجد ظاهرة مقتدى الصدر تحاول أن تغازل هذا التيار، وحيث إنه حبيس نفوذ إيران فهو عاجز عن كسب هذا التيار الوطني. لعل أبرز من يمثل هذا التيار آية الله البغدادي وحزب الفضيلة، لذلك هناك بعض المحاولات الأمريكية لإيجاد بعض التوازن السياسي في العراق، مرات من خلال إحداث تغيير في تركيبة الحكومة من داخل البرلمان العراقي، ومرات من خلال بعض الضغوط من الحكومة العراقية الموالية لإيران لتبديل مواقفها تجاه الفئات العراقية الأخرى.
ويرى السيد أفشين مولوي، الباحث المتخصص في الشؤون الإيرانية في مؤسسة (نيو أمريكا الليبرالية)، أن أهم قضية تعترض سبيل الحوار الإيجابي بين طهران وواشنطن حالياً، هي من دون شك قضية الملف النووي الإيراني، وبالتالي، فإنه لو تمكَّـن الطرفان بوساطة أوروبية أو دولية من تسوية الخلاف حول البرنامج النووي الإيراني، فسيمكن لهما العمل معاً لتسوية القضايا الخلافية الأخرى، ولكن الحكومة الإيرانية قد تريد ثمناً سياسياً واستراتيجياً لتحسين علاقاتها مع الولايات المتحدة، يتمثل في ضرورة اعتراف واشنطن بالجمهورية الإسلامية في إيران كقوة إقليمية، وتعهدات وضمانات قوية بألاّ تسعى الولايات المتحدة إلى محاولة تغيير نظام الحكم في طهران، والإقرار بحق إيران في التمتع بعضوية منظمات التجارة العالمية وقروض البنك الدولي، ووقف الجهود الأمريكية لعزل إيران.
وفي هذا السياق، فإن الواقع يؤكد أن خلافات الطرفين لا تمنع أن هناك مصالح مؤقتة ووقتية لكليهما تحتاج للتنسيق حولها، ومن دون أن يؤثر هذا في أهدافهما الاستراتيجية.. فلا الولايات المتحدة يمكنها أن تضحي بمصالحها البترولية والاستراتيجية في منطقة الخليج ككل كي ترضي إيران وتقبل بدعوتها إلى مساعدتها للخروج المشرف من العراق، ولا إيران لديها أدنى استعداد للاستجابة للرغبات الأمريكية بالتوقف عن التدخل في شؤون العراق وانتهاز فرصة كبيرة كهذه للعب دور حيوي في عراق المستقبل. وكل ما في الأمر أن اللعب بينهما في العراق يوشك أن يخرج عن قواعد اللعبة المحددة، ويفجر المنطقة مبكراً لتصب في مصلحة آخرين، مثل المقاومة العراقية أو تنظيم القاعدة، وأن هناك مساحة من الاتفاق في ما يخص رغبة الطرفين في دعم حكومة نوري المالكي في العراق يجري التنسيق بشأنها بما يفيد الطرفين ويعيد الصراع الاستراتيجي الطويل الأمد بينهما لمساره بهدف تحقيق المصالح لكل طرف.
فمن جهة، تعد الفوضى الأمنية هي التي أساءت بقوة إلى دعوة الديمقراطية في العراق التي أراد الرئيس الأمريكي أن تكون عنواناً لغزوه للعراق واحتلاله، هذه الفوضى الأمنية التي كشفت زيف تلك الديمقراطية الأمريكية ، أفشلت أيضاً المشروع الأمريكي في العراق. وإذا كانت قد أجبرت الإدارة الأمريكية على التفاوض مع طهران في حدود ضيقة لا تتجاوز العراق وأمنه، أي لا تتجاوز إعطاء فرصة لانسحاب أمريكي مشرف ومشروط من العراق يعطي واشنطن فرصة فرض (النموذج الكوري الجنوبي)، فلماذا لا تكثف إيران من دعمها لمثل هذه الفوضى الأمنية لإجبار الأمريكيين على التفاوض معها حول أجندة أوسع تشمل على وجه التحديد البرنامج النووي الإيراني والدور الإقليمي لإيران في المنطقة؟ ومن جهة أخرى، فإن هذا الطموح الإيراني يصلح أن يكون عنواناً لخطة التفاوض الإيرانية مع الولايات المتحدة، فأهم ما تسعى إليه إيران الآن هو أن يحدث توافق بين المشروعين الإيراني والأمريكي في العراق والخليج والشرق الأوسط، أو على الأقل يحدث اعتراف متبادل بخريطة النفوذ والمصالح.

وفي هذا السياق، ولوجود مصلحة أمريكية – إيرانية مشتركة في دعم حكومة المالكي الحالية، لأسباب تتعلق برغبة أمريكا في قيامها بدور في إحلال قوات الشرطة والجيش العراقي محل قوات الاحتلال تدريجياً، وأسباب إيرانية مباشرة تتعلق بالحفاظ على المالكي كأحد أقرب حلفاء إيران عندما كان مسؤولاً عن قوات حزب الدعوة الإسلامية التي كانت ترابض في إيران، فقد وجد الطرفان أن هناك أسباباً تدعو للجلوس على طاولة الحوار للتفاهم حول العراق فقط. فالإيرانيون سعوا بوضوح خلال الحوار لتأكيد أن مشكلة العراق هي الاحتلال ولا بد من زواله، وطرحوا مباشرة فكرة مساعدة أمريكا على الخروج من العراق، وفكرة تدريب مشترك للقوات العراقية من الجيش والشرطة، والأمريكيون أبلغوا الإيرانيين ضرورة وقف دعمهم للميليشيات في العراق؛ لأن هذه الميليشيات تسبب الفوضى في العراق وتعمق الفتنة بين السنة والشيعة وتعوق الاستقرار، فضلاً عن أنها تتسبب في مقتل مئات الأمريكيين. ومن الواضح أن جلسة الحوار الأولى من نوعها والتي عقدت يوم 28 مايو 2007، استهدفت دراسة فكرة التعاون المشترك في العراق بغرض الوصول لحالة من الهدوء والاستقرار تسمح بالانسحاب الأمريكي من هناك، وإنهاء دور الميليشيات المسلحة والاكتفاء بدور للجيش والشرطة العراقيين. وربما كانت أبرز فكرة طرحت في هذا الأمر هي اقتراح إيران (إنشاء نظام ثلاثي يضم إيران والعراق والولايات المتحدة لتنسيق عملية تحقيق الأمن في العراق والمحافظة عليه)، برغم رفض أمريكا هذا الاقتراح. صحيح أنه لم يكن متوقعاً التوصل إلى اتفاق، خصوصاً في ظل ضعف التمثيل الدبلوماسي لطرفي الحوار، وتقليل الأمريكيين من أهميته بالقول إنه ليس حواراً سياسيّاً، وإنما مجرد رسائل مباشرة من كل طرف للآخر، فضلاً عن الاتهامات المتبادلة بزعزعة كل طرف لاستقرار العراق وإيران معاً، ولكن مجرد الجلوس على طاولة واحدة للحوار بعد 27 عاماً، أظهر أن هناك مصلحة مشتركة مؤقتة على الأقل في ما يتعلق بحصار حالة الفوضى في العراق. والملاحظ أن حالات الحوار الأمريكي – الإيراني هي حالات استثنائية، وسبق أن تكررت. ففي 15 سبتمبر 2001 حدث لقاء بين وزيرة الخارجية الأمريكية مادلين أولبرايت ونظيرها الإيراني كمال خرازي على هامش اجتماع للأمم المتحدة حول أفغانستان. وفي الثالث والرابع من مايو 2007 حدث لقاء بين خبراء أمريكيين وإيرانيين وتبادل حديث مقتضب بين وزيرة الخارجية الأمريكية كوندوليزا رايس ونظيرها الإيراني منوشهر متقي على هامش مؤتمر شرم الشيخ حول العراق. وحتى المرات التي طرحت فيها فكرة إجراء حوارات أوسع بين الطرفين لحل المشكلات الأعمق مثل البرنامج النووي الإيراني، وطرحت فيها إيران على واشنطن – عبر رسائل من الرئيس محمود أحمدي نجاد – فكرة التفاوض لبحث حلول سلمية للأزمة، لم ترد عليها واشنطن باهتمام؛ لأن لها استراتيجية أخرى في شأن التعامل مع البرنامج النووي الإيراني.

 

::/fulltext::

Getting your Trinity Audio player ready...

::cck::2478::/cck::
::introtext::

يأتى قرار استئناف المباحثات الأمريكية – الإيرانية في جولتها الثانية لبحث الوضع الأمني وسبل إنهاء العنف المتواصل في العراق، بمثابة مفاوضات لا تخص العراق وإنما تبادل مصالح مشتركة على حساب العراقيين، حيث أطلق المراقبون على الجولة الأولى من المباحثات اسم (مرحلة كسر الجليد) إلا إنها لم تسفر عن نتائج ملحوظة على أرض الواقع، وشهدت الفترة الزمنية ما بين الاجتماع الأول والاجتماع الثاني ارتفاعاً ملحوظاً في الهجمات وأعمال العنف. حيث إن فشل الاحتلال الأمريكي في العراق، واستمرار انهيار الوضع السياسي لحكومة المالكي نفسها، ليست كلها أسباباً كافية لفشل هذا الحوار، ولكن وجود أجندة استراتيجية مختلفة لكل طرف في العراق والمنطقة هو السبب الحقيقي لفشل أي حوار قد يحدث بين أمريكا وإيران.

::/introtext::
::fulltext::

يأتى قرار استئناف المباحثات الأمريكية – الإيرانية في جولتها الثانية لبحث الوضع الأمني وسبل إنهاء العنف المتواصل في العراق، بمثابة مفاوضات لا تخص العراق وإنما تبادل مصالح مشتركة على حساب العراقيين، حيث أطلق المراقبون على الجولة الأولى من المباحثات اسم (مرحلة كسر الجليد) إلا إنها لم تسفر عن نتائج ملحوظة على أرض الواقع، وشهدت الفترة الزمنية ما بين الاجتماع الأول والاجتماع الثاني ارتفاعاً ملحوظاً في الهجمات وأعمال العنف. حيث إن فشل الاحتلال الأمريكي في العراق، واستمرار انهيار الوضع السياسي لحكومة المالكي نفسها، ليست كلها أسباباً كافية لفشل هذا الحوار، ولكن وجود أجندة استراتيجية مختلفة لكل طرف في العراق والمنطقة هو السبب الحقيقي لفشل أي حوار قد يحدث بين أمريكا وإيران.
وفي هذا السياق، تعتبر المحادثات الأمريكية الإيرانية في ضوء جولتها الثانية في بغداد، تعبيراً واضحاً وجلياً عن الاحتلالين، فهي من جهة امتداد لمحاولة معرفة وقياس مدى سلطة أي منهما على العراق مستقبلاً وإيجاد المساحة والفضاء لتكتيك جديد من قبل الولايات المتحدة واستراتيجية جديدة من قبل إيران. قبول أمريكا الدخول مع إيران في مباحثات حول العراق، هو اعتراف علني بنفوذ إيران، وهذا نصر استراتيجي لإيران وتكتيكي لأمريكا في محاولة لشراء بعض السلام والحد من المقاومة، لكي تستثمر أمريكا نفوذها العسكري من ناحية والتفرغ للمعضلة الأهم في التعامل مع طموح إيران الذري من ناحية أخرى. لذلك فإن إيران ترغب في مقاومة عراقية موالية لها لكي تكتمل براثن السلطة الإيرانية على العراق، ولكي تكون جزءاً من صفقة كبرى مع أمريكا في مرحلة لاحقة، بينما أمريكا في وضع أقل استقراراً، فهي في خصومة مباشرة مع القوميين العرب وبقايا النظام السابق وتلتقي مع إيران في دعم الحكومة وتختلف معها في موقفها من هذه الميليشيات. أما في المقاومة العراقية فهناك فراغ وخاصة من قبل الشيعة، حيث إن جزءاً معتبراً منهم أيديولوجياً أو حتى قومياً، لا يزال مغيباً عن الساحة السياسية خاصة المقاومة. فهي في حالة عدم توازن لكي تتأكد من سلطة الشيعة الكاملة على الحكم في العراق، وهي كذلك في حالة ضغط وحتى تهديد من قبل الموالين لإيران من الشيعة (وهم الذين في السلطة)، لذلك تجد ظاهرة مقتدى الصدر تحاول أن تغازل هذا التيار، وحيث إنه حبيس نفوذ إيران فهو عاجز عن كسب هذا التيار الوطني. لعل أبرز من يمثل هذا التيار آية الله البغدادي وحزب الفضيلة، لذلك هناك بعض المحاولات الأمريكية لإيجاد بعض التوازن السياسي في العراق، مرات من خلال إحداث تغيير في تركيبة الحكومة من داخل البرلمان العراقي، ومرات من خلال بعض الضغوط من الحكومة العراقية الموالية لإيران لتبديل مواقفها تجاه الفئات العراقية الأخرى.
ويرى السيد أفشين مولوي، الباحث المتخصص في الشؤون الإيرانية في مؤسسة (نيو أمريكا الليبرالية)، أن أهم قضية تعترض سبيل الحوار الإيجابي بين طهران وواشنطن حالياً، هي من دون شك قضية الملف النووي الإيراني، وبالتالي، فإنه لو تمكَّـن الطرفان بوساطة أوروبية أو دولية من تسوية الخلاف حول البرنامج النووي الإيراني، فسيمكن لهما العمل معاً لتسوية القضايا الخلافية الأخرى، ولكن الحكومة الإيرانية قد تريد ثمناً سياسياً واستراتيجياً لتحسين علاقاتها مع الولايات المتحدة، يتمثل في ضرورة اعتراف واشنطن بالجمهورية الإسلامية في إيران كقوة إقليمية، وتعهدات وضمانات قوية بألاّ تسعى الولايات المتحدة إلى محاولة تغيير نظام الحكم في طهران، والإقرار بحق إيران في التمتع بعضوية منظمات التجارة العالمية وقروض البنك الدولي، ووقف الجهود الأمريكية لعزل إيران.
وفي هذا السياق، فإن الواقع يؤكد أن خلافات الطرفين لا تمنع أن هناك مصالح مؤقتة ووقتية لكليهما تحتاج للتنسيق حولها، ومن دون أن يؤثر هذا في أهدافهما الاستراتيجية.. فلا الولايات المتحدة يمكنها أن تضحي بمصالحها البترولية والاستراتيجية في منطقة الخليج ككل كي ترضي إيران وتقبل بدعوتها إلى مساعدتها للخروج المشرف من العراق، ولا إيران لديها أدنى استعداد للاستجابة للرغبات الأمريكية بالتوقف عن التدخل في شؤون العراق وانتهاز فرصة كبيرة كهذه للعب دور حيوي في عراق المستقبل. وكل ما في الأمر أن اللعب بينهما في العراق يوشك أن يخرج عن قواعد اللعبة المحددة، ويفجر المنطقة مبكراً لتصب في مصلحة آخرين، مثل المقاومة العراقية أو تنظيم القاعدة، وأن هناك مساحة من الاتفاق في ما يخص رغبة الطرفين في دعم حكومة نوري المالكي في العراق يجري التنسيق بشأنها بما يفيد الطرفين ويعيد الصراع الاستراتيجي الطويل الأمد بينهما لمساره بهدف تحقيق المصالح لكل طرف.
فمن جهة، تعد الفوضى الأمنية هي التي أساءت بقوة إلى دعوة الديمقراطية في العراق التي أراد الرئيس الأمريكي أن تكون عنواناً لغزوه للعراق واحتلاله، هذه الفوضى الأمنية التي كشفت زيف تلك الديمقراطية الأمريكية ، أفشلت أيضاً المشروع الأمريكي في العراق. وإذا كانت قد أجبرت الإدارة الأمريكية على التفاوض مع طهران في حدود ضيقة لا تتجاوز العراق وأمنه، أي لا تتجاوز إعطاء فرصة لانسحاب أمريكي مشرف ومشروط من العراق يعطي واشنطن فرصة فرض (النموذج الكوري الجنوبي)، فلماذا لا تكثف إيران من دعمها لمثل هذه الفوضى الأمنية لإجبار الأمريكيين على التفاوض معها حول أجندة أوسع تشمل على وجه التحديد البرنامج النووي الإيراني والدور الإقليمي لإيران في المنطقة؟ ومن جهة أخرى، فإن هذا الطموح الإيراني يصلح أن يكون عنواناً لخطة التفاوض الإيرانية مع الولايات المتحدة، فأهم ما تسعى إليه إيران الآن هو أن يحدث توافق بين المشروعين الإيراني والأمريكي في العراق والخليج والشرق الأوسط، أو على الأقل يحدث اعتراف متبادل بخريطة النفوذ والمصالح.

وفي هذا السياق، ولوجود مصلحة أمريكية – إيرانية مشتركة في دعم حكومة المالكي الحالية، لأسباب تتعلق برغبة أمريكا في قيامها بدور في إحلال قوات الشرطة والجيش العراقي محل قوات الاحتلال تدريجياً، وأسباب إيرانية مباشرة تتعلق بالحفاظ على المالكي كأحد أقرب حلفاء إيران عندما كان مسؤولاً عن قوات حزب الدعوة الإسلامية التي كانت ترابض في إيران، فقد وجد الطرفان أن هناك أسباباً تدعو للجلوس على طاولة الحوار للتفاهم حول العراق فقط. فالإيرانيون سعوا بوضوح خلال الحوار لتأكيد أن مشكلة العراق هي الاحتلال ولا بد من زواله، وطرحوا مباشرة فكرة مساعدة أمريكا على الخروج من العراق، وفكرة تدريب مشترك للقوات العراقية من الجيش والشرطة، والأمريكيون أبلغوا الإيرانيين ضرورة وقف دعمهم للميليشيات في العراق؛ لأن هذه الميليشيات تسبب الفوضى في العراق وتعمق الفتنة بين السنة والشيعة وتعوق الاستقرار، فضلاً عن أنها تتسبب في مقتل مئات الأمريكيين. ومن الواضح أن جلسة الحوار الأولى من نوعها والتي عقدت يوم 28 مايو 2007، استهدفت دراسة فكرة التعاون المشترك في العراق بغرض الوصول لحالة من الهدوء والاستقرار تسمح بالانسحاب الأمريكي من هناك، وإنهاء دور الميليشيات المسلحة والاكتفاء بدور للجيش والشرطة العراقيين. وربما كانت أبرز فكرة طرحت في هذا الأمر هي اقتراح إيران (إنشاء نظام ثلاثي يضم إيران والعراق والولايات المتحدة لتنسيق عملية تحقيق الأمن في العراق والمحافظة عليه)، برغم رفض أمريكا هذا الاقتراح. صحيح أنه لم يكن متوقعاً التوصل إلى اتفاق، خصوصاً في ظل ضعف التمثيل الدبلوماسي لطرفي الحوار، وتقليل الأمريكيين من أهميته بالقول إنه ليس حواراً سياسيّاً، وإنما مجرد رسائل مباشرة من كل طرف للآخر، فضلاً عن الاتهامات المتبادلة بزعزعة كل طرف لاستقرار العراق وإيران معاً، ولكن مجرد الجلوس على طاولة واحدة للحوار بعد 27 عاماً، أظهر أن هناك مصلحة مشتركة مؤقتة على الأقل في ما يتعلق بحصار حالة الفوضى في العراق. والملاحظ أن حالات الحوار الأمريكي – الإيراني هي حالات استثنائية، وسبق أن تكررت. ففي 15 سبتمبر 2001 حدث لقاء بين وزيرة الخارجية الأمريكية مادلين أولبرايت ونظيرها الإيراني كمال خرازي على هامش اجتماع للأمم المتحدة حول أفغانستان. وفي الثالث والرابع من مايو 2007 حدث لقاء بين خبراء أمريكيين وإيرانيين وتبادل حديث مقتضب بين وزيرة الخارجية الأمريكية كوندوليزا رايس ونظيرها الإيراني منوشهر متقي على هامش مؤتمر شرم الشيخ حول العراق. وحتى المرات التي طرحت فيها فكرة إجراء حوارات أوسع بين الطرفين لحل المشكلات الأعمق مثل البرنامج النووي الإيراني، وطرحت فيها إيران على واشنطن – عبر رسائل من الرئيس محمود أحمدي نجاد – فكرة التفاوض لبحث حلول سلمية للأزمة، لم ترد عليها واشنطن باهتمام؛ لأن لها استراتيجية أخرى في شأن التعامل مع البرنامج النووي الإيراني.

 

::/fulltext::
::cck::2478::/cck::

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *