الحرية الأكاديمية في البحث العلمي في العراق أنموذج المشكلات السياسية
::cck::1633::/cck::
::introtext::
شكلت الجامعات العراقية منذ الخمسينات بؤرة النضال الوطني من أجل الاستقلال والديمقراطية، فمنها خرجت المظاهرات وفيها أعلنت الاضرابات في انتفاضة 1952 وانتفاضة 1956 احتجاجاً على العدوان الثلاثي على مصر، غير أنه ومنذ أواخر الستينات تعرضت الجامعات إلى ضربات متتالية في فاعليتها بسبب سياسات القمع والتنكيل التي تعرض لها العديد من الأساتذه الذين جاهروا بانتقادهم للسلطة مما دفع أغلب الباحثين الأكاديميين العراقيين إلى الهجرة واللجوء إلى الصمت.
::/introtext::
::fulltext::
شكلت الجامعات العراقية منذ الخمسينات بؤرة النضال الوطني من أجل الاستقلال والديمقراطية، فمنها خرجت المظاهرات وفيها أعلنت الاضرابات في انتفاضة 1952 وانتفاضة 1956 احتجاجاً على العدوان الثلاثي على مصر، غير أنه ومنذ أواخر الستينات تعرضت الجامعات إلى ضربات متتالية في فاعليتها بسبب سياسات القمع والتنكيل التي تعرض لها العديد من الأساتذه الذين جاهروا بانتقادهم للسلطة مما دفع أغلب الباحثين الأكاديميين العراقيين إلى الهجرة واللجوء إلى الصمت.
وقبل البدء بمناقشة هذا الموضوع وآثاره السياسية الراهنة، يجب أولاً البدء بتحديد المقصود بالحرية الأكاديمية في الوصول إلى الحقيقة العلمية ونشر ما يعتقده شفاهاً، أي عن طريق المحاضرات أو كتابة عن طريق البحوث العلمية الرسمية، والتي تخضع في العادة إلى تقويم علمي قبل ان تجاز للنشر. ولاشك في أن الجامعات العراقية قد عانت كثيراً من تقييد الحرية الأكاديمية في زمن النظام السابق، ولا سيما الدراسات الإنسانية لأن العلوم الطبيعية الصرفة لا تشكل في العادة خطراً على النظام السياسي، ومن بين الدراسات الإنسانية فقد حظي ميدان العلوم السياسية بالقدر الأوفر من القيود على حرية الأساتذة والباحثين وقد تمثلت اهم هذه القيود بما يلي:
1- إجبار الأساتذة والباحثين على الانتماء إلى صفوف حزب البعث الحاكم بصورة غير مباشرة عن طريق حصر الترقيات الوظيفية داخل الجامعة وإشغال المناصب الإدارية بالبعثيين، وكذلك التمييز بين البعثيين والمستقلين في الإفادات والإعارات وعقود العمل في خارج العراق، والتي كانت الوسيلة الهامة من وسائل تحسين المستوى المعيشي للأساتذة في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة للعراقيين آنذاك.
2- خضوع رسائل الماجستير وأطروحات الدكتوراه إلى فحص لجنة السلامة الفكرية والتي يقوم بها أستاذ بعثي لمعرفة مدى ملاءمتها لتوجهات الدولة والحزب آنذاك، ويتعرض الأساتذة والطالب إلى مساءلة أمام لجنة من ديوان الرئاسة في حالة وجود مخالفة صريحة أو مبطنة لتلك التوجهات.
3- تعرض العديد من الأساتذة للتحقيق والتهديد بالفصل أو الاعتقال بسبب رأي أو كلمة قالوها في محاضرة ما في حالة وصول هذا الرأي إلى المراجع المسؤولة.
4- منع الأكاديميين من السفر إلى الخارج للعمل في الدول الأخرى وإجبارهم على دفع كفالات كبيرة تضمن عودتهم إلى العراق في حال ترشيحهم إلى إعارة أو بعثة دراسية.
لقد أدت الظروف القمعية إلى انسحاب معظم الأكاديميين من حقل التدريس أو البحث العلمي مفضلين الهجرة إلى الخارج
لقد أدت هذه الظروف القمعية إلى انسحاب معظم الأكاديميين من حقل التدريس أو البحث العلمي مفضلين الهجرة إلى الخارج تجنباً للقمع، كما اتجه فريق آخر إلى تجنب الحديث أو الكتابة في مواضيع تثير غضب السلطة والاكتفاء بقضايا ثانوية أو قضايا سياسية تخص الدول الأخرى، لذلك فقد خلت مكتبتنا السياسية قبل عام 2003 من أية كتب أو دراسات أو رسائل جامعية تعنى بالشأن العراقي من منظور نقدي، واقتصر الأمر على تلك التي تبحث في فكر القائد أو فكر البعث من منظور تمجيدي، والتزم الباحثون الاكاديميون رقابة ذاتية على سلوكهم وكتاباتهم حينما يتناولون الشأن العراقي. وبعد الاحتلال الامريكي وسقوط النظام السابق ظهر وكأن الوضع في مجال الحرية الأكاديمية سائر نحو التحسن نتيجة لسقوط المحاذير القديمة التي كانت تمنع الباحثين من التعبير الحر عن أفكارهم، وقد تجلى هذا التغير فضلاً عن سقوط المحاذير الأمنية في أمرين شديدي الأهمية أولهما تحسن دخول الأكادميين من وظائفهم نتيجة للزيادات على رواتبهم الشهرية مما أعفاهم من مسؤولية الانشغال بتدبير أرزاقهم وفسح أمامهم المجال للبحث العلمي، وثانيهما حرية الوصول إلى المعلومات السياسية بسبب شيوع الإنترنيت والفضائيات التي كاد العراق يخلو منها قبل 2003. وجاء الدستور الدائم ليضمن لكل فرد (حرية الفكر والضمير والعقيدة) م/42 بل أوجب على الدولة حماية (الفرد من الإكراه الفكري والسياسي والديني) م37/ثانياً.
كان يمكن لهذا الواقع وهذه النصوص أن تكون فاتحة عهد جديد في العراق يفتح المجال واسعاً لتغيير جذري في علاقة المثقف بالسلطة، وهي علاقة كانت قائمة في العراق حاله حال بقية البلدان العربية على احد الاشكال الآتية:
1- القبول بالاندماج في إطار أبنية ثقافية والسياسية القائمة (دور المبرر).
2- التعرض للتهميش المتعمد والمنع (دور المهمش).
3- التعرض لقمع السلطة أو الاضطرار إلى الهجرة (دور الضحية).
بلغ عدد المعتقلين من الأساتذة لدى قوات التحالف والقوات العراقية 185 استاذاً وباحثاً
غير أن الأحداث التي تلاحقت في العراق وتصاعد موجه المقاومة ضد الاحتلال والتي اشترك فيها العديد من الأكاديميين، سواءً بتوضيح مخاطر الاحتلال أو بالتصدي لسياساته المشبوهة أو للسلطة التي اقامها ابتداءً من مجلس الحكم وانتهاءً بالحكومة الحالية المنتخبة، دفع بالحكومة وقواتها الأمنية إلى تشديد اجراءاتها القمعية ضد المثقفين والأكاديميين واعتقال العديد منهم حتى بلغ عدد المعتقلين من الأساتذة لدى قوات التحالف والقوات العراقية 185 استاذاً وباحثاً، فضلاً عن حرية دخول القوات العسكرية للتحالف أو القوات الحكومية إلى مباني الجامعات العراقية من دون إذن من رئاسة الجامعة، وهو الأمر الذي يعد مخالفة صريحة لحرمة الحرم الجامعي. من جانب آخر فقد كان لتردي الأوضاع الأمنية وتزايد حوادث العنف وشيوع ظاهرة الميليشيات الطائفية التي تسيدت الموقف، له آثاره الأخرى على حرية الباحث الأكاديمي في معالجة المشاكل السياسية وابداء الرأي فيها. فقد أصبح طرح الرأي المخالف لهذه الجهة أو تلك أقصر طريق لاتهام شخص ما بأنه من فلول البعثيين والإرهابيين، هو ما أدى إلى اغتيال العشرات من الأساتذة من قبل الميليشيات واضطر آخرون إلى الانتقال إلى جامعات في محافظات أخرى أكثر أماناً بالنسبة لهم، أو اضطروا إلى التزام الصمت حيال الأحداث والقبول برقابة ذاتية أقسى من تلك التي كان يلتزمها المثقفون زمن النظام السابق. ولكن الأغلبية العظمى منهم فضلت الهجرة للعمل خارج القطر، حيث تتوافر أجواء من الأمن وحرية أكبر للبحث الأكاديمي. من جانب آخر فإن حرية البحث العلمي الأكاديمي ترتبط ولا شلك بحرية النشر، فأي بحث علمي لا يكتسب أهميته الحقيقية إلا من تحوله إلى عمل منشور. ورغم أن الدستور الدائم يضمن حرية النشر (م/38/ثانياً) فإن هذه الحرية غير متيسرة للجميع بصورة متساوية نتيجة لهيمنة توجهات معينة على العديد من المجالات العلمية المحكمة بالشأن السياسي، فضلاً عن محدودية تداولها خارج نطاق المجال الأكاديمي.
ويبقى الجانب الأخير الذي يؤثر في حرية البحث الأكاديمي هو نظرة السلطة ابتداءً من سلطة الدولة وحتى سلطة المسؤول المباشر إلى الباحث الأكاديمي، فهذه السلطة ترى في الباحث مجرد موظف يأخذ راتبه من الدولة وبهذا فلها الحق في إخضاعه وقولبة رأيه حسب وجهة نظرها من دون أن يملك حرية البحث والتعبير عن رأيه بصدد أوضاع عامة بصورة خارجة عما تراه السلطة، لا سيما في الشؤون السياسية الحساسة والتي تتعلق بتحديد وتأشير مواضع الخلل في السلطة. وقد قبل معظم الأكاديميين العراقيين هذا الدور بسبب عدم وجود استقلالية اقتصادية لديهم عن الدولة فاغلب الباحثين والأكاديميين هم من أصول طبقات وسطى (أبناء موظفين أو عسكريين) وبالتالي فليست لديهم إمكانية اقتصادية تجعلهم قادرين على معارضة الدولة التي يعتمدون عليها كلياً في معيشتهم، خصوصاً وأن الدولة قد زادت من دورها ونشاطها الاقتصادي منذ أواسط السبعينات وأصبحت الموظف الرئيس للموظفين باحتكارها للريع النفطي، خصوصاً في ظل الظروف الصعبة التي يجتازها العراق حالياً والتي أصبح من المستحيل على الأفراد مواجهتها.
لقد أصبحت الفجوة المسموح بها لنقد السلطة أو تأشير جوانب الخلل تضيق يوماً بعد يوم في ظل الأوضاع غير المستقرة وحالة الانقسام الطائفي التي تشهدها البلاد، بحيث إن أي نقد للوضع يجعل الناقد هدفاً للاتهام حتى لو كان هذا النقد مبنياً على وثائق وأدلة دامغة ذلك أن الطائفية تؤدي إلى الانغلاق وعدم قبول النقد.
وأخيراً يمكن القول إن حل أزمة الحرية الأكاديمية ينبع أساساً من حل أزمة المجتمع العراقي عن طريق إقامة نظام سياسي ديمقراطي علماني يفرض سلطة القانون على الجميع من دون تمييز، ويقضي على سلطة الميليشيات وبالتالي يسمح بعودة العشرات من الاكادميين الذين هاجروا خارج العراق ويعيد بناء المؤسسة الأكاديمية على اساس من الحيادية والاستقلالية ويتيح لها اخذ دورها في تأشير الانحرافات في الجهاز الإداري وفي المجتمع ككل.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::1633::/cck::
::introtext::
شكلت الجامعات العراقية منذ الخمسينات بؤرة النضال الوطني من أجل الاستقلال والديمقراطية، فمنها خرجت المظاهرات وفيها أعلنت الاضرابات في انتفاضة 1952 وانتفاضة 1956 احتجاجاً على العدوان الثلاثي على مصر، غير أنه ومنذ أواخر الستينات تعرضت الجامعات إلى ضربات متتالية في فاعليتها بسبب سياسات القمع والتنكيل التي تعرض لها العديد من الأساتذه الذين جاهروا بانتقادهم للسلطة مما دفع أغلب الباحثين الأكاديميين العراقيين إلى الهجرة واللجوء إلى الصمت.
::/introtext::
::fulltext::
شكلت الجامعات العراقية منذ الخمسينات بؤرة النضال الوطني من أجل الاستقلال والديمقراطية، فمنها خرجت المظاهرات وفيها أعلنت الاضرابات في انتفاضة 1952 وانتفاضة 1956 احتجاجاً على العدوان الثلاثي على مصر، غير أنه ومنذ أواخر الستينات تعرضت الجامعات إلى ضربات متتالية في فاعليتها بسبب سياسات القمع والتنكيل التي تعرض لها العديد من الأساتذه الذين جاهروا بانتقادهم للسلطة مما دفع أغلب الباحثين الأكاديميين العراقيين إلى الهجرة واللجوء إلى الصمت.
وقبل البدء بمناقشة هذا الموضوع وآثاره السياسية الراهنة، يجب أولاً البدء بتحديد المقصود بالحرية الأكاديمية في الوصول إلى الحقيقة العلمية ونشر ما يعتقده شفاهاً، أي عن طريق المحاضرات أو كتابة عن طريق البحوث العلمية الرسمية، والتي تخضع في العادة إلى تقويم علمي قبل ان تجاز للنشر. ولاشك في أن الجامعات العراقية قد عانت كثيراً من تقييد الحرية الأكاديمية في زمن النظام السابق، ولا سيما الدراسات الإنسانية لأن العلوم الطبيعية الصرفة لا تشكل في العادة خطراً على النظام السياسي، ومن بين الدراسات الإنسانية فقد حظي ميدان العلوم السياسية بالقدر الأوفر من القيود على حرية الأساتذة والباحثين وقد تمثلت اهم هذه القيود بما يلي:
1- إجبار الأساتذة والباحثين على الانتماء إلى صفوف حزب البعث الحاكم بصورة غير مباشرة عن طريق حصر الترقيات الوظيفية داخل الجامعة وإشغال المناصب الإدارية بالبعثيين، وكذلك التمييز بين البعثيين والمستقلين في الإفادات والإعارات وعقود العمل في خارج العراق، والتي كانت الوسيلة الهامة من وسائل تحسين المستوى المعيشي للأساتذة في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة للعراقيين آنذاك.
2- خضوع رسائل الماجستير وأطروحات الدكتوراه إلى فحص لجنة السلامة الفكرية والتي يقوم بها أستاذ بعثي لمعرفة مدى ملاءمتها لتوجهات الدولة والحزب آنذاك، ويتعرض الأساتذة والطالب إلى مساءلة أمام لجنة من ديوان الرئاسة في حالة وجود مخالفة صريحة أو مبطنة لتلك التوجهات.
3- تعرض العديد من الأساتذة للتحقيق والتهديد بالفصل أو الاعتقال بسبب رأي أو كلمة قالوها في محاضرة ما في حالة وصول هذا الرأي إلى المراجع المسؤولة.
4- منع الأكاديميين من السفر إلى الخارج للعمل في الدول الأخرى وإجبارهم على دفع كفالات كبيرة تضمن عودتهم إلى العراق في حال ترشيحهم إلى إعارة أو بعثة دراسية.
لقد أدت الظروف القمعية إلى انسحاب معظم الأكاديميين من حقل التدريس أو البحث العلمي مفضلين الهجرة إلى الخارج
لقد أدت هذه الظروف القمعية إلى انسحاب معظم الأكاديميين من حقل التدريس أو البحث العلمي مفضلين الهجرة إلى الخارج تجنباً للقمع، كما اتجه فريق آخر إلى تجنب الحديث أو الكتابة في مواضيع تثير غضب السلطة والاكتفاء بقضايا ثانوية أو قضايا سياسية تخص الدول الأخرى، لذلك فقد خلت مكتبتنا السياسية قبل عام 2003 من أية كتب أو دراسات أو رسائل جامعية تعنى بالشأن العراقي من منظور نقدي، واقتصر الأمر على تلك التي تبحث في فكر القائد أو فكر البعث من منظور تمجيدي، والتزم الباحثون الاكاديميون رقابة ذاتية على سلوكهم وكتاباتهم حينما يتناولون الشأن العراقي. وبعد الاحتلال الامريكي وسقوط النظام السابق ظهر وكأن الوضع في مجال الحرية الأكاديمية سائر نحو التحسن نتيجة لسقوط المحاذير القديمة التي كانت تمنع الباحثين من التعبير الحر عن أفكارهم، وقد تجلى هذا التغير فضلاً عن سقوط المحاذير الأمنية في أمرين شديدي الأهمية أولهما تحسن دخول الأكادميين من وظائفهم نتيجة للزيادات على رواتبهم الشهرية مما أعفاهم من مسؤولية الانشغال بتدبير أرزاقهم وفسح أمامهم المجال للبحث العلمي، وثانيهما حرية الوصول إلى المعلومات السياسية بسبب شيوع الإنترنيت والفضائيات التي كاد العراق يخلو منها قبل 2003. وجاء الدستور الدائم ليضمن لكل فرد (حرية الفكر والضمير والعقيدة) م/42 بل أوجب على الدولة حماية (الفرد من الإكراه الفكري والسياسي والديني) م37/ثانياً.
كان يمكن لهذا الواقع وهذه النصوص أن تكون فاتحة عهد جديد في العراق يفتح المجال واسعاً لتغيير جذري في علاقة المثقف بالسلطة، وهي علاقة كانت قائمة في العراق حاله حال بقية البلدان العربية على احد الاشكال الآتية:
1- القبول بالاندماج في إطار أبنية ثقافية والسياسية القائمة (دور المبرر).
2- التعرض للتهميش المتعمد والمنع (دور المهمش).
3- التعرض لقمع السلطة أو الاضطرار إلى الهجرة (دور الضحية).
بلغ عدد المعتقلين من الأساتذة لدى قوات التحالف والقوات العراقية 185 استاذاً وباحثاً
غير أن الأحداث التي تلاحقت في العراق وتصاعد موجه المقاومة ضد الاحتلال والتي اشترك فيها العديد من الأكاديميين، سواءً بتوضيح مخاطر الاحتلال أو بالتصدي لسياساته المشبوهة أو للسلطة التي اقامها ابتداءً من مجلس الحكم وانتهاءً بالحكومة الحالية المنتخبة، دفع بالحكومة وقواتها الأمنية إلى تشديد اجراءاتها القمعية ضد المثقفين والأكاديميين واعتقال العديد منهم حتى بلغ عدد المعتقلين من الأساتذة لدى قوات التحالف والقوات العراقية 185 استاذاً وباحثاً، فضلاً عن حرية دخول القوات العسكرية للتحالف أو القوات الحكومية إلى مباني الجامعات العراقية من دون إذن من رئاسة الجامعة، وهو الأمر الذي يعد مخالفة صريحة لحرمة الحرم الجامعي. من جانب آخر فقد كان لتردي الأوضاع الأمنية وتزايد حوادث العنف وشيوع ظاهرة الميليشيات الطائفية التي تسيدت الموقف، له آثاره الأخرى على حرية الباحث الأكاديمي في معالجة المشاكل السياسية وابداء الرأي فيها. فقد أصبح طرح الرأي المخالف لهذه الجهة أو تلك أقصر طريق لاتهام شخص ما بأنه من فلول البعثيين والإرهابيين، هو ما أدى إلى اغتيال العشرات من الأساتذة من قبل الميليشيات واضطر آخرون إلى الانتقال إلى جامعات في محافظات أخرى أكثر أماناً بالنسبة لهم، أو اضطروا إلى التزام الصمت حيال الأحداث والقبول برقابة ذاتية أقسى من تلك التي كان يلتزمها المثقفون زمن النظام السابق. ولكن الأغلبية العظمى منهم فضلت الهجرة للعمل خارج القطر، حيث تتوافر أجواء من الأمن وحرية أكبر للبحث الأكاديمي. من جانب آخر فإن حرية البحث العلمي الأكاديمي ترتبط ولا شلك بحرية النشر، فأي بحث علمي لا يكتسب أهميته الحقيقية إلا من تحوله إلى عمل منشور. ورغم أن الدستور الدائم يضمن حرية النشر (م/38/ثانياً) فإن هذه الحرية غير متيسرة للجميع بصورة متساوية نتيجة لهيمنة توجهات معينة على العديد من المجالات العلمية المحكمة بالشأن السياسي، فضلاً عن محدودية تداولها خارج نطاق المجال الأكاديمي.
ويبقى الجانب الأخير الذي يؤثر في حرية البحث الأكاديمي هو نظرة السلطة ابتداءً من سلطة الدولة وحتى سلطة المسؤول المباشر إلى الباحث الأكاديمي، فهذه السلطة ترى في الباحث مجرد موظف يأخذ راتبه من الدولة وبهذا فلها الحق في إخضاعه وقولبة رأيه حسب وجهة نظرها من دون أن يملك حرية البحث والتعبير عن رأيه بصدد أوضاع عامة بصورة خارجة عما تراه السلطة، لا سيما في الشؤون السياسية الحساسة والتي تتعلق بتحديد وتأشير مواضع الخلل في السلطة. وقد قبل معظم الأكاديميين العراقيين هذا الدور بسبب عدم وجود استقلالية اقتصادية لديهم عن الدولة فاغلب الباحثين والأكاديميين هم من أصول طبقات وسطى (أبناء موظفين أو عسكريين) وبالتالي فليست لديهم إمكانية اقتصادية تجعلهم قادرين على معارضة الدولة التي يعتمدون عليها كلياً في معيشتهم، خصوصاً وأن الدولة قد زادت من دورها ونشاطها الاقتصادي منذ أواسط السبعينات وأصبحت الموظف الرئيس للموظفين باحتكارها للريع النفطي، خصوصاً في ظل الظروف الصعبة التي يجتازها العراق حالياً والتي أصبح من المستحيل على الأفراد مواجهتها.
لقد أصبحت الفجوة المسموح بها لنقد السلطة أو تأشير جوانب الخلل تضيق يوماً بعد يوم في ظل الأوضاع غير المستقرة وحالة الانقسام الطائفي التي تشهدها البلاد، بحيث إن أي نقد للوضع يجعل الناقد هدفاً للاتهام حتى لو كان هذا النقد مبنياً على وثائق وأدلة دامغة ذلك أن الطائفية تؤدي إلى الانغلاق وعدم قبول النقد.
وأخيراً يمكن القول إن حل أزمة الحرية الأكاديمية ينبع أساساً من حل أزمة المجتمع العراقي عن طريق إقامة نظام سياسي ديمقراطي علماني يفرض سلطة القانون على الجميع من دون تمييز، ويقضي على سلطة الميليشيات وبالتالي يسمح بعودة العشرات من الاكادميين الذين هاجروا خارج العراق ويعيد بناء المؤسسة الأكاديمية على اساس من الحيادية والاستقلالية ويتيح لها اخذ دورها في تأشير الانحرافات في الجهاز الإداري وفي المجتمع ككل.
::/fulltext::
::cck::1633::/cck::
