مراكز البحوث والدراسات: قراءة أولية

::cck::1576::/cck::
::introtext::

ظهرت مراكز البحوث والدراسات بعد انتشار الثورة الصناعية في أوروبا، ومن ثم انتشرت في الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا وبقية دول العالم، وتزايدت إعدادها على المستوى العالمي حتى وصل عددها إلى (4500) مركز بحث تمتلك الولايات المتحدة الأمريكية منها نحو (2000)مركز بحث، فيما ينتشر العدد المتبقي في مختلفدول العالم

::/introtext::
::fulltext::

ظهرت مراكز البحوث والدراسات بعد انتشار الثورة الصناعية في أوروبا، ومن ثم انتشرت في الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا وبقية دول العالم، وتزايدت إعدادها على المستوى العالمي حتى وصل عددها إلى (4500) مركز بحث تمتلك الولايات المتحدة الأمريكية منها نحو (2000)مركز بحث، فيما ينتشر العدد المتبقي في مختلفدول العالم. ويتراوح معدل ميزانياتها ما بين مليون دولار وألف مليون دولار سنويا ويعمل فيها كمعدل ما بين 20 باحثاً إلى 1000 باحث سنوياً.

 وتبرز أهمية مراكز البحوث والدراسات أن بعضاً منها قد تخطت دورها التقليدي بإصدار البحوث والدراسات والتحليلات للأغراض الثقافية، ومن ثم تزويد صانع القرار بالمعلومات والتحليلات المختلفة، إلى كونها أصبحت لاعباً فاعلاً في عملية صنع القرار ذاته، بل وربما وصل الأمر لبعضها لتكون اللاعب الأكثر تأثيراً لما لديها من النفوذ الذي يتعزز ويتطور مع تقدم المعرفة والخبرة العلمية في مختلف دول العالم.

 ومما زاد من أهميتها، اعتبار مراكز البحوث والدراسات وعدد العلماء والباحثين فيها، ونسب تمويلها، ومقدار ما تنتجه من بحوث ودراسات أحد أهم معايير قياس مستوى تقدم الدول العلمي على المستوى العالمي.

 تعريف مراكز البحوث:

 لا يوجد تعريف عام وشامل لهذه المؤسسات كون أغلبيتها لا تعلن عن نفسها في وثائق تعريف الهوية الذاتية، وإنما تعلن عن نفسها كمنظمات غير حكومية (NGO) أو منظمات غير ربحية (Non Profit Organization) وهذا بالذات يعد احد التعريفات التنظيمية. ومع هذه الإشكالية هناك عدة تعريفات لهذه المراكز ومنها تعريف موسوعة (Wikipeda Encyclopedia)، والتي عرفتها بأنها أي منظمة أو مؤسسة تدعي بأنها مركز للدراسات والأبحاث أو كمركز للتحليلات حول المسائل العامة والمهمة. فيما يُعّرفها دونالد اليسون أستاذ العلوم السياسية في جامعة ويست اونتاريوا: بأنها هيئات ذات توجه بحثي لا تهدف إلى الربح ولا تعبر عن توجه حزبي معين. فيما يُعّرفها بعض الكُتاب بأنها أي منظمة تقوم بأنشطة بحثية تحت مظلة تثقيف وتنوير المجتمع المدني بشكل عام وتقديم النصيحة بشكل خاص.

 أنواع مراكز البحوث:

 تتباين مراكز البحوث والدراسات في مختلف دول العالم، والعربية منها على وجه التخصيص، بين طبيعة المساحة العلمية التي تتعامل معها والهدف العام المرسوم لها، حيت توجد هناك مراكز بحث سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية أو تربوية … الخ. ويمكن أن تقسم هذه المراكز إلى مراكز بحوث متخصصة في حقل علمي واحد كمراكز الدراسات السياسية أو الطاقة أو الكومبيوتر أو الليزر، أو تكون مراكز متنوعة التخصص كمراكز بحوث التاريخ أو مراكز البحوث الاقتصادية أو الاجتماعية. 

ارتباط مراكز البحوث:

 يتوزع ارتباط مراكز البحوث والدراسات بين الجهات الحكومية وعندئذ ستعمل حسب التوجهات الحكومية المرتبطة بها وفقاً للتشريعات والأنظمة والتعليمات المبلغة إليها من مراجعها   الرسمية. كما يمكن ارتباط هذه المراكز بالقطاع الخاص مما يكسبها مرونة عالية في التحرك لاختيار المواد العلمية المطلوبة. وثمة ارتباط ثالث مختلط لهذه المراكز في القطاع الحكومي والخاص للاستفادة من مزايا الملكية الحكومية والفردية. 

تنهض بعض مراكز البحوث والدراسات بأدوار أكثر فعالية حتى من الدول أو المنظمات الدولية في العمل الدبلوماسي

إيجابيات مراكز البحوث:

1- المساهمة في صنع القرار: تسعى أغلبية مراكز البحوث والدراسات في العالم لتوفير المعلومات اللازمة لصانع القرار السياسي أو الاقتصادي أو العسكري… الخ كما أنها في بعض الأحيان تقدم بعض الدراسات القيّمة التي تساعد صانع القرار على اتخاذ القرار بشأن قضية محددة أو بموقف ضد دولة معينة. كما حصل في قيام مؤسسة راند للدراسات بتقديم دراسة لتوسيع حلف الناتو والتي اعتمدت فيما بعد كأساس لتوسيع الحلف المذكور.

2- المساهمة في الدبلوماسية الوقائية: تنهض بعض مراكز البحوث والدراسات بأدوار أكثر فعالية حتى من الدول أو المنظمات الدولية في العمل الدبلوماسي لإيجاد حلول لمشاكل إقليمية أو دولية معقدة، ومنها على سبيل المثال، قيام مؤسسة كارنيجي لأبحاث السلام الأمريكية (Carnegie Endowment For International Peace) في منتصف الثمانينات من القرن الماضي بعقد سلسلة دراسات ولقاءات استضافت فيها مجموعة من رجال الدين والسياسيين ورجال الأعمال وممثلين عن حركة تحرير جنوب إفريقيا إلى جانب أعضاء من الكونكرس وموظفين من وزارة الخارجية الأمريكية ومجلس الأمن القومي الأمريكي، وقد ساعدت هذه النشاطات في تأسيس المرحلة الانتقالية بين حكم الأبارتيد والأغلبية السوداء وبالتالي حل المشكلة في جنوب إفريقيا.

3- وضع البرامج والخطط: تساهم أغلبية مراكز البحوث والدراسات في وضع برامج منظمة ومرتبطة بخطط العمل التي تشرع بها المؤسسات الحكومية المختلفة، فضلاً عن تحديد التحديات وجوانب الوهن التي تواجهها وتقديم الحلول المناسبة لمعالجتها.

4- استثمار الكفاءات العلمية: تقوم مراكز البحوث والدراسات باستثمار الطاقات العلمية الموجودة في الجامعات وتشجيع الكفاءات العلمية لرفد الدولة بخطط استراتيجية تقيها من التخبط في تنفيذ مشاريعها المختلفة. كما أن وجود مراكز البحوث والدراسات يشجع الطلبة على المنافسة والاجتهاد العلمي للوصول إلى أنجح الحلول لمشكلات المجتمع.

5- توفير فرص العمل: توفر مراكز البحوث الكثير من فرص العمل لأصحاب الشهادات العليا والكوادر المتخصصة في المجتمعات بهدف الاستفادة من خبراتهم والمحافظة عليهم من التسرب خارج أوطانهم.

6- التعبئة الفكرية: يُعد تثقيف الجمهور في القضايا الخارجية وحشد تأييده لسياسة معينة من أبرز المهام التي تقوم بها مراكز البحوث في أطار عملها العام. كما هو الحال، في دور مركز الخليج للأبحاث من خلال إصداراته المختلفة ومجلته الشهرية (آراء حول الخليج)، كما تساهم مراكز البحوث من خلال بحوثها ودراساتها وإصداراتها الدورية الهادفة لإرساء رؤيا موحدة حيال الكثير من التحديات التي تواجه المجتمعات، وتساهم في إثراء البحوث والدراسات والتجارب السابقة ومواءمتها بما يتناسب وخصوصية المجتمع المعدة له هذه البحوث.

7- تهيئة القيادات العليا: تساهم مراكز البحوث والدراسات بإعداد وتطوير العلماء والباحثين والمختصين في مختلف الميادين العلمية وتهيئتهم كقيادات متميزة في مختلف أروقة السلطة والمؤسسات الرسمية والقطاع الخاص في بلدانهم، وتحقق الاستفادة من النخب العلمية الموهوبة من العلماء والباحثين والمختصين لتطوير مستويات الأداء في مختلف المؤسسات القيادية في المجتمع، وعلى سبيل المثال جرى تعيين كل من كولن باول، ومادلين أولبرايت، ودنيس روس، وريجارد هاس، وبول وولفيتز والعشرات غيرهم في مواقع حساسة في الإدارات الأمريكية في ضوء ما قدموه من بحوث ودراسات متميزة في مراكز الأبحاث الأمريكية.

8- التنسيق الخارجي: تساهم مراكز البحوث والدراسات بمد جسور التعاون والتواصل مع الشخصيات والمؤسسات العلمية بمختلف دول العالم بهدف الاستفادة من خبرة وتجارب الآخرين فضلاً عن تبادل المنفعة وبما يعزز الجدوى العلمية والسياسية والاقتصادية على المستوى العالمي. 

تعاني مراكز البحوث والدراسات من تصاعد ظاهرة هجرة العقول للخارج 

معوقات مراكز البحوث:

1- التمويل: وهي مشكلة متعددة الأبعاد، حيث يغيب التمويل المحايد الذي يمكن أن يأتي على شكل مخصصات للبحث العلمي، وبالتالي تقع المراكز إما فريسة للتمويل الأجنبي بكل أشكاله مما قد يدفعها للوقوع في المحظور والمشبوه، أو أن عليها مواجهة شبح العازة والإغلاق. مع التنويه بوجود بعض النماذج القليلة التي تمكنت من توفير مصادر محلية وعربية من دون الحاجة إلى المشبوه من التمويل.

2- هجرة العقول: تعاني مراكز البحوث والدراسات من تصاعد ظاهرة هجرة العقول للخارج. وعلى سبيل المثال، كشفت دراسات الجامعة العربية أن 54 في المائة من الطلاب العرب الذين يدرسون في الخارج لا يعودون إلى بلدانهم، كما أصبح الوطن العربي يساهم بـ 31 في المائة من هجرة الكفاءات من الدول النامية ككل، ونحو 50 في المائة من هجرة الأطباء و23 في المائة من المهندسين و15 في المائة من العلماء من مجموع الكفاءات العربية يهاجرون متوجهين إلى أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية وكندا بوجه خاص. فالدول الغربية هي الرابح الأكبر من هجرة ما لا يقل عن (450) ألفاً من العقول العربية، وتقدر خسائر الدول العربية من هذه الظاهرة بما لا يقل عن (200) مليار دولار.

3- الكوادر البشرية: انخفاض المستوى العام للمعرفة العلمية والتقنية وتأخر المستوى التكنلوجي ومحدودية الإلمام بقواعد البيانات الإلكترونية فضلاً عن ارتفاع نسبة الأمية في أغلبية دول العالم الثالث مما يؤدي إلى تراجع الاستفادة من المنتوج العلمي لهذه المراكز.

4- قواعد البيانات: يشكل انخفاض مستوى المعلومات والمصادر العلمية الرصينة عن المواضيع المطلوب دراستها في أغلبية دول العالم واحداً من أهم المعوقات التي تواجه مراكز البحوث والدراسات. لاسيما وان توفير البيانات يعتبر العمود الفقري في عمل مراكز البحوث والدراسات والتي تقتضيها البحوث في الحقل المعرفي المطلوب دراسته، وبخلافه ستكون النتائج مشوهة وبعيدة عن جوهر الموضوع المراد البحث فيه، وغير قادرة عن معالجة نقاط الضعف في المجتمع والتي تشكل صلب عملها ومبرر وجودها، كما يجب بهذا الشأن التحرر من قيود سرية المعلومات وتسهيل إمكانية الوصول إلى البيانات المطلوبة.

5- المشكلات السياسية: تحول الخلافات السياسية والحروب بين الدول وعدم استقرار الوضع السياسي دون تنفيذ الخطط البحثية الموضوعة من قبل هذه المراكز بصورة منتظمة.

6- محدودية التنسيق: يؤدي ضعف التنسيق العلمي بين مراكز البحوث والدراسات، سواء أكان ذلك على المستوى الداخلي للدولة أم على المستوى الخارجي لها، وعدم تشجيع الجهات المستهلكة للبحوث والدراسات وانخفاض العائد المالي لها إلى عزوف العلماء والباحثين عن تقديم هذه البحوث، وهجرتهم إلى الدول الأخرى التي تستقطبهم وتقدم لهم دوافع مادية وعلمية عالية للاستفادة من إمكاناتهم العلمية.

7- المنطلقات الأيديولوجية: يغلب على العديد من مراكز البحوث والدراسات وبخاصة في دول العالم الثالث، ومنها الدول العربية، بأنها تخلط بقصد أو من دونه، ما بين دور مركز البحوث والدراسات كمحور للتفكير والتخطيط، ودور الحزب السياسي الراعي لها، كما أن الكثير منها تحّول إلى منبر تعبوي لأفكار الحزب أو السلطة الحاكمة مما أسقط عنها صفة الحيادية في الميدان العلمي.

8- حرية التعبير: لا يمكن لمراكز الدراسات والبحوث أن تقوم بعملها من دون توفر المعلومات المطلوبة وإتاحة الفرصة لها للتحرر من القيود السياسية، وهذا ما تفتقده معظم مراكز البحوث والدراسات في الدول النامية، والتي تعاني من قيود لا حصر لها، فضلاً عن محاصرة الآراء المستقلة ومنع تطورها أو انتشارها بمختلف الوسائل.

وأخيراً لابد من التذكير بأن لمراكز البحوث والدراسات إسهامات في غاية الأهمية، وبخاصة أن المعلومات التي تشكل أحد أهم مخرجات عمل هذه المراكز أضحت من أهم عناصرقوة الدولة، ودخلت كأحد عناصر معالم التطور العلمي والتكنولوجي في الوقت الراهن الذي بات يوصف بعصر المعلوماتية في ظل انتشار وسائل التطور العلمي الهائل التي وفرتها وسائل الاتصال السريعة، مما يتطلب من ذوي الشأن في مختلف دول العالم وبخاصة الدول العربية إيلاء المؤسسات البحثية الاهتمام الذي تستحقه ومعالجة المعوقات التي تواجهها مع مراعاة خصوصية المجتمعات ومراحل التطور التي تتوائم مع هذه المؤسسات.

 

 

::/fulltext::

Getting your Trinity Audio player ready...

::cck::1576::/cck::
::introtext::

ظهرت مراكز البحوث والدراسات بعد انتشار الثورة الصناعية في أوروبا، ومن ثم انتشرت في الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا وبقية دول العالم، وتزايدت إعدادها على المستوى العالمي حتى وصل عددها إلى (4500) مركز بحث تمتلك الولايات المتحدة الأمريكية منها نحو (2000)مركز بحث، فيما ينتشر العدد المتبقي في مختلفدول العالم

::/introtext::
::fulltext::

ظهرت مراكز البحوث والدراسات بعد انتشار الثورة الصناعية في أوروبا، ومن ثم انتشرت في الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا وبقية دول العالم، وتزايدت إعدادها على المستوى العالمي حتى وصل عددها إلى (4500) مركز بحث تمتلك الولايات المتحدة الأمريكية منها نحو (2000)مركز بحث، فيما ينتشر العدد المتبقي في مختلفدول العالم. ويتراوح معدل ميزانياتها ما بين مليون دولار وألف مليون دولار سنويا ويعمل فيها كمعدل ما بين 20 باحثاً إلى 1000 باحث سنوياً.

 وتبرز أهمية مراكز البحوث والدراسات أن بعضاً منها قد تخطت دورها التقليدي بإصدار البحوث والدراسات والتحليلات للأغراض الثقافية، ومن ثم تزويد صانع القرار بالمعلومات والتحليلات المختلفة، إلى كونها أصبحت لاعباً فاعلاً في عملية صنع القرار ذاته، بل وربما وصل الأمر لبعضها لتكون اللاعب الأكثر تأثيراً لما لديها من النفوذ الذي يتعزز ويتطور مع تقدم المعرفة والخبرة العلمية في مختلف دول العالم.

 ومما زاد من أهميتها، اعتبار مراكز البحوث والدراسات وعدد العلماء والباحثين فيها، ونسب تمويلها، ومقدار ما تنتجه من بحوث ودراسات أحد أهم معايير قياس مستوى تقدم الدول العلمي على المستوى العالمي.

 تعريف مراكز البحوث:

 لا يوجد تعريف عام وشامل لهذه المؤسسات كون أغلبيتها لا تعلن عن نفسها في وثائق تعريف الهوية الذاتية، وإنما تعلن عن نفسها كمنظمات غير حكومية (NGO) أو منظمات غير ربحية (Non Profit Organization) وهذا بالذات يعد احد التعريفات التنظيمية. ومع هذه الإشكالية هناك عدة تعريفات لهذه المراكز ومنها تعريف موسوعة (Wikipeda Encyclopedia)، والتي عرفتها بأنها أي منظمة أو مؤسسة تدعي بأنها مركز للدراسات والأبحاث أو كمركز للتحليلات حول المسائل العامة والمهمة. فيما يُعّرفها دونالد اليسون أستاذ العلوم السياسية في جامعة ويست اونتاريوا: بأنها هيئات ذات توجه بحثي لا تهدف إلى الربح ولا تعبر عن توجه حزبي معين. فيما يُعّرفها بعض الكُتاب بأنها أي منظمة تقوم بأنشطة بحثية تحت مظلة تثقيف وتنوير المجتمع المدني بشكل عام وتقديم النصيحة بشكل خاص.

 أنواع مراكز البحوث:

 تتباين مراكز البحوث والدراسات في مختلف دول العالم، والعربية منها على وجه التخصيص، بين طبيعة المساحة العلمية التي تتعامل معها والهدف العام المرسوم لها، حيت توجد هناك مراكز بحث سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية أو تربوية … الخ. ويمكن أن تقسم هذه المراكز إلى مراكز بحوث متخصصة في حقل علمي واحد كمراكز الدراسات السياسية أو الطاقة أو الكومبيوتر أو الليزر، أو تكون مراكز متنوعة التخصص كمراكز بحوث التاريخ أو مراكز البحوث الاقتصادية أو الاجتماعية. 

ارتباط مراكز البحوث:

 يتوزع ارتباط مراكز البحوث والدراسات بين الجهات الحكومية وعندئذ ستعمل حسب التوجهات الحكومية المرتبطة بها وفقاً للتشريعات والأنظمة والتعليمات المبلغة إليها من مراجعها   الرسمية. كما يمكن ارتباط هذه المراكز بالقطاع الخاص مما يكسبها مرونة عالية في التحرك لاختيار المواد العلمية المطلوبة. وثمة ارتباط ثالث مختلط لهذه المراكز في القطاع الحكومي والخاص للاستفادة من مزايا الملكية الحكومية والفردية. 

تنهض بعض مراكز البحوث والدراسات بأدوار أكثر فعالية حتى من الدول أو المنظمات الدولية في العمل الدبلوماسي

إيجابيات مراكز البحوث:

1- المساهمة في صنع القرار: تسعى أغلبية مراكز البحوث والدراسات في العالم لتوفير المعلومات اللازمة لصانع القرار السياسي أو الاقتصادي أو العسكري… الخ كما أنها في بعض الأحيان تقدم بعض الدراسات القيّمة التي تساعد صانع القرار على اتخاذ القرار بشأن قضية محددة أو بموقف ضد دولة معينة. كما حصل في قيام مؤسسة راند للدراسات بتقديم دراسة لتوسيع حلف الناتو والتي اعتمدت فيما بعد كأساس لتوسيع الحلف المذكور.

2- المساهمة في الدبلوماسية الوقائية: تنهض بعض مراكز البحوث والدراسات بأدوار أكثر فعالية حتى من الدول أو المنظمات الدولية في العمل الدبلوماسي لإيجاد حلول لمشاكل إقليمية أو دولية معقدة، ومنها على سبيل المثال، قيام مؤسسة كارنيجي لأبحاث السلام الأمريكية (Carnegie Endowment For International Peace) في منتصف الثمانينات من القرن الماضي بعقد سلسلة دراسات ولقاءات استضافت فيها مجموعة من رجال الدين والسياسيين ورجال الأعمال وممثلين عن حركة تحرير جنوب إفريقيا إلى جانب أعضاء من الكونكرس وموظفين من وزارة الخارجية الأمريكية ومجلس الأمن القومي الأمريكي، وقد ساعدت هذه النشاطات في تأسيس المرحلة الانتقالية بين حكم الأبارتيد والأغلبية السوداء وبالتالي حل المشكلة في جنوب إفريقيا.

3- وضع البرامج والخطط: تساهم أغلبية مراكز البحوث والدراسات في وضع برامج منظمة ومرتبطة بخطط العمل التي تشرع بها المؤسسات الحكومية المختلفة، فضلاً عن تحديد التحديات وجوانب الوهن التي تواجهها وتقديم الحلول المناسبة لمعالجتها.

4- استثمار الكفاءات العلمية: تقوم مراكز البحوث والدراسات باستثمار الطاقات العلمية الموجودة في الجامعات وتشجيع الكفاءات العلمية لرفد الدولة بخطط استراتيجية تقيها من التخبط في تنفيذ مشاريعها المختلفة. كما أن وجود مراكز البحوث والدراسات يشجع الطلبة على المنافسة والاجتهاد العلمي للوصول إلى أنجح الحلول لمشكلات المجتمع.

5- توفير فرص العمل: توفر مراكز البحوث الكثير من فرص العمل لأصحاب الشهادات العليا والكوادر المتخصصة في المجتمعات بهدف الاستفادة من خبراتهم والمحافظة عليهم من التسرب خارج أوطانهم.

6- التعبئة الفكرية: يُعد تثقيف الجمهور في القضايا الخارجية وحشد تأييده لسياسة معينة من أبرز المهام التي تقوم بها مراكز البحوث في أطار عملها العام. كما هو الحال، في دور مركز الخليج للأبحاث من خلال إصداراته المختلفة ومجلته الشهرية (آراء حول الخليج)، كما تساهم مراكز البحوث من خلال بحوثها ودراساتها وإصداراتها الدورية الهادفة لإرساء رؤيا موحدة حيال الكثير من التحديات التي تواجه المجتمعات، وتساهم في إثراء البحوث والدراسات والتجارب السابقة ومواءمتها بما يتناسب وخصوصية المجتمع المعدة له هذه البحوث.

7- تهيئة القيادات العليا: تساهم مراكز البحوث والدراسات بإعداد وتطوير العلماء والباحثين والمختصين في مختلف الميادين العلمية وتهيئتهم كقيادات متميزة في مختلف أروقة السلطة والمؤسسات الرسمية والقطاع الخاص في بلدانهم، وتحقق الاستفادة من النخب العلمية الموهوبة من العلماء والباحثين والمختصين لتطوير مستويات الأداء في مختلف المؤسسات القيادية في المجتمع، وعلى سبيل المثال جرى تعيين كل من كولن باول، ومادلين أولبرايت، ودنيس روس، وريجارد هاس، وبول وولفيتز والعشرات غيرهم في مواقع حساسة في الإدارات الأمريكية في ضوء ما قدموه من بحوث ودراسات متميزة في مراكز الأبحاث الأمريكية.

8- التنسيق الخارجي: تساهم مراكز البحوث والدراسات بمد جسور التعاون والتواصل مع الشخصيات والمؤسسات العلمية بمختلف دول العالم بهدف الاستفادة من خبرة وتجارب الآخرين فضلاً عن تبادل المنفعة وبما يعزز الجدوى العلمية والسياسية والاقتصادية على المستوى العالمي. 

تعاني مراكز البحوث والدراسات من تصاعد ظاهرة هجرة العقول للخارج 

معوقات مراكز البحوث:

1- التمويل: وهي مشكلة متعددة الأبعاد، حيث يغيب التمويل المحايد الذي يمكن أن يأتي على شكل مخصصات للبحث العلمي، وبالتالي تقع المراكز إما فريسة للتمويل الأجنبي بكل أشكاله مما قد يدفعها للوقوع في المحظور والمشبوه، أو أن عليها مواجهة شبح العازة والإغلاق. مع التنويه بوجود بعض النماذج القليلة التي تمكنت من توفير مصادر محلية وعربية من دون الحاجة إلى المشبوه من التمويل.

2- هجرة العقول: تعاني مراكز البحوث والدراسات من تصاعد ظاهرة هجرة العقول للخارج. وعلى سبيل المثال، كشفت دراسات الجامعة العربية أن 54 في المائة من الطلاب العرب الذين يدرسون في الخارج لا يعودون إلى بلدانهم، كما أصبح الوطن العربي يساهم بـ 31 في المائة من هجرة الكفاءات من الدول النامية ككل، ونحو 50 في المائة من هجرة الأطباء و23 في المائة من المهندسين و15 في المائة من العلماء من مجموع الكفاءات العربية يهاجرون متوجهين إلى أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية وكندا بوجه خاص. فالدول الغربية هي الرابح الأكبر من هجرة ما لا يقل عن (450) ألفاً من العقول العربية، وتقدر خسائر الدول العربية من هذه الظاهرة بما لا يقل عن (200) مليار دولار.

3- الكوادر البشرية: انخفاض المستوى العام للمعرفة العلمية والتقنية وتأخر المستوى التكنلوجي ومحدودية الإلمام بقواعد البيانات الإلكترونية فضلاً عن ارتفاع نسبة الأمية في أغلبية دول العالم الثالث مما يؤدي إلى تراجع الاستفادة من المنتوج العلمي لهذه المراكز.

4- قواعد البيانات: يشكل انخفاض مستوى المعلومات والمصادر العلمية الرصينة عن المواضيع المطلوب دراستها في أغلبية دول العالم واحداً من أهم المعوقات التي تواجه مراكز البحوث والدراسات. لاسيما وان توفير البيانات يعتبر العمود الفقري في عمل مراكز البحوث والدراسات والتي تقتضيها البحوث في الحقل المعرفي المطلوب دراسته، وبخلافه ستكون النتائج مشوهة وبعيدة عن جوهر الموضوع المراد البحث فيه، وغير قادرة عن معالجة نقاط الضعف في المجتمع والتي تشكل صلب عملها ومبرر وجودها، كما يجب بهذا الشأن التحرر من قيود سرية المعلومات وتسهيل إمكانية الوصول إلى البيانات المطلوبة.

5- المشكلات السياسية: تحول الخلافات السياسية والحروب بين الدول وعدم استقرار الوضع السياسي دون تنفيذ الخطط البحثية الموضوعة من قبل هذه المراكز بصورة منتظمة.

6- محدودية التنسيق: يؤدي ضعف التنسيق العلمي بين مراكز البحوث والدراسات، سواء أكان ذلك على المستوى الداخلي للدولة أم على المستوى الخارجي لها، وعدم تشجيع الجهات المستهلكة للبحوث والدراسات وانخفاض العائد المالي لها إلى عزوف العلماء والباحثين عن تقديم هذه البحوث، وهجرتهم إلى الدول الأخرى التي تستقطبهم وتقدم لهم دوافع مادية وعلمية عالية للاستفادة من إمكاناتهم العلمية.

7- المنطلقات الأيديولوجية: يغلب على العديد من مراكز البحوث والدراسات وبخاصة في دول العالم الثالث، ومنها الدول العربية، بأنها تخلط بقصد أو من دونه، ما بين دور مركز البحوث والدراسات كمحور للتفكير والتخطيط، ودور الحزب السياسي الراعي لها، كما أن الكثير منها تحّول إلى منبر تعبوي لأفكار الحزب أو السلطة الحاكمة مما أسقط عنها صفة الحيادية في الميدان العلمي.

8- حرية التعبير: لا يمكن لمراكز الدراسات والبحوث أن تقوم بعملها من دون توفر المعلومات المطلوبة وإتاحة الفرصة لها للتحرر من القيود السياسية، وهذا ما تفتقده معظم مراكز البحوث والدراسات في الدول النامية، والتي تعاني من قيود لا حصر لها، فضلاً عن محاصرة الآراء المستقلة ومنع تطورها أو انتشارها بمختلف الوسائل.

وأخيراً لابد من التذكير بأن لمراكز البحوث والدراسات إسهامات في غاية الأهمية، وبخاصة أن المعلومات التي تشكل أحد أهم مخرجات عمل هذه المراكز أضحت من أهم عناصرقوة الدولة، ودخلت كأحد عناصر معالم التطور العلمي والتكنولوجي في الوقت الراهن الذي بات يوصف بعصر المعلوماتية في ظل انتشار وسائل التطور العلمي الهائل التي وفرتها وسائل الاتصال السريعة، مما يتطلب من ذوي الشأن في مختلف دول العالم وبخاصة الدول العربية إيلاء المؤسسات البحثية الاهتمام الذي تستحقه ومعالجة المعوقات التي تواجهها مع مراعاة خصوصية المجتمعات ومراحل التطور التي تتوائم مع هذه المؤسسات.

 

 

::/fulltext::
::cck::1576::/cck::

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *