الجذور التاريخية والفكرية لمفهوم المجتمع المدني

::cck::1677::/cck::
::introtext::

يصعب عملياً تحديد تاريخ دقيق لميلاد مفهوم المجتمع المدني لكون هذه التسمية قديمة ومرت بعدة تطورات ارتبطت بعملية التطور الاقتصادي والاجتماعي والسياسي وبالتطور الفكري والفلسفي، ومن حيث البداية فإنها تعود إلى أرسطو الذي عرف المجتمع المدني بالمجموعات البشرية المرتبطة بمراكز الحضارة المدنية والبعيدة عن صلات القرابة القبلية والدينية وقربه بذلك من مفهوم المواطنة، وفي الثقافة الإسلامية نجد مفهوماً قريباً من ذلك في كتابات الفارابي وابن خلدون. 

::/introtext::
::fulltext::

يصعب عملياً تحديد تاريخ دقيق لميلاد مفهوم المجتمع المدني لكون هذه التسمية قديمة ومرت بعدة تطورات ارتبطت بعملية التطور الاقتصادي والاجتماعي والسياسي وبالتطور الفكري والفلسفي، ومن حيث البداية فإنها تعود إلى أرسطو الذي عرف المجتمع المدني بالمجموعات البشرية المرتبطة بمراكز الحضارة المدنية والبعيدة عن صلات القرابة القبلية والدينية وقربه بذلك من مفهوم المواطنة، وفي الثقافة الإسلامية نجد مفهوماً قريباً من ذلك في كتابات الفارابي وابن خلدون.

التعديلات الجوهرية التي أدخلت على مفهوم المجتمع المدني جاءت مرافقة للتطور الجامح للرأسمالية

البداية الحقيقية لتشكل مفهوم المجتمع المدني ارتبطت  بنشوء المجتمع الرأسمالي ويتطور الفكر السياسي الليبرالي في أوروبا خلال القرنين السابع عشر والثامن عشر، فقد شهدت تلك الحقبة انهيار الحكم الإقطاعي المطلق، وبداية سلطان القانون الطبيعي، والتحول من الحالة الطبيعية الافتراضية إلى المجتمع المدني الحديث الذي يقر بحرية الفرد الإنسان باسم العقل والمنطق، وسيادة الشعب، وحقوق الإنسان، وعليه فالتعديلات الجوهرية التي أدخلت على مفهوم المجتمع المدني، جاءت مرافقة للتطور الجامح للنظام الرأسمالي، ومرتبطة عضوياً بتطور الفكر السياسي الليبرالي بمختلف مكوناته الفلسفية والسياسية،ويمكن أن نميز بين أربع مراحل في تطور هذا المفهوم:

المرحلة الأولى: استغرقت القرنين السابع عشر والثامن عشر، اللذين شهدا انهيار النظام الإقطاعي وانبثاق الرأسمالية كطبقة جديدة، والمشكلة الرئيسية التي كانت تواجه مفكري هذه المرحلة، هي كيفية إعادة بناء مفهوم المجتمع المدني من منظور يفتح المجال أمام إعادة بناء السياسة على أسس غير دينية وغير ارستقراطية، ترتبط بالمجتمع نفسه وليس بتكليف إلهي أو إرث عائلي. ومن هذه النقطة تم الانتقال تدريجياً من نظرية الحق الإلهي إلى نظرية تعبر عن السيادة الشعبية. ومهّد هذا التحول للانتقال نحو الحداثة السياسية، ومن أبرز منظري هذه المرحلة (هوبز، لوك، توكفيل، مونتسكيو، روسو وسبينوزا). فقد شكلت أفكار كتابات توماس هوبز (1588-1679) حول العقد الاجتماعي والحق الطبيعي خطراً حقيقياً على شرعية الحكم المطلق، لأن ما جاءت به تلك الأفكار هو أن الدولة تدين في وجودها وشرعيتها إلى إرادة الشعب الحرة، وهذا الأمر يتناقض جذرياً مع نظرية (حق الملوك الإلهي)، التي أضفت صفة الحكم الإلهية على الملك، باعتباره حاكماً مطلقاً بهالة من القدسية ويتمتع بكل السلطات. وتعود نظرية العقد الاجتماعي إلى الفيلسوف جان جاك روسو (1712-1778) وروسو من أتباع الحالة الطبيعية، فهو يفترض أن البشرية تطورت من الحالة الطبيعية حالة الإنسان المتوحش الذي يعيش معزولاً ومتنقلاً، ولا توجد لديه لغة أو اتصالات منظمة ولا تعاليم أخلاقية، ويختلف روسو عن هوبز برغم الالتقاء في فكرة العقد الاجتماعي فقد توقف هوبز عند التناقض بين الأنانية البشرية والإرادة العامة، إذ يلاحظ أن السلطة عند روسو محددة وغير مقدسة بينما هي عند هوبز مطلقة ومسيطرة على كل الشؤون بما في ذلك الدين.

ويعود هذا الموقف إلى اعتبار هوبز الشر هو في فطرة الإنسان وهو القائل إن الإنسان ذئب أخيه الإنسان وبسيادة حرب الإنسان ضد الآخر. ويختلف سبينوزا عن هوبز، وكذلك روسو، لأنه يعارض حالة الطبيعة مع حالة المجتمع، باعتبار أن أفضل مجتمع هو أقرب المجتمعات إلى الطبيعة. وبما أن غاية المجتمع هي الحرية لا العبودية، فإن تحقيقها يتسم بالطرق الطبيعية التي تشمل العقل والشهوة على حد سواء. ومن هذا المنطلق، يجب أن تكون الدولة ممثلة للقوة، حتى إن أساءت استعمال سلطتها لأنها تمثل العقل والمجتمع.‏ ويؤكد سبينوزا أن أهمية وجود تنظيم اجتماعي يقوم بين الأفراد الذين يضعون المصلحة العامة فوق المصلحة الشخصية، ويمثل سلطة الجماعة التي فوضت له حقها وسلطتها وبالتالي ينشأ العقد بين الطرفين الجمهور الذي يفوض حقه السياسي بمحض إرادته واختياره، والشخص الذي يملك هذا الحق، بناء على هذا التفويض أي السلطة العليا أو الحاكم.‏

ويرى جان جاك روسو أن العقد الاجتماعي شرط ملازم لكل سلطة شرعية، وبالتالي هو شرط ضروري لكل نظام سياسي طبيعي. فالعقد الاجتماعي يشكل مرحلة تاريخية نوعية في عملية الانتقال من الحالة الطبيعية إلى حالة المجتمع المدني. وهنا يربط روسو رباطاً جدلياً بين تكّون المجتمع المدني، وبين تأييده للعقد الاجتماعي.
كما دافع جون لوك (1632-1704) عن قانون الطبيعة على أساس أن وجود حقوق الفرد الطبيعية في حالة الطبيعة، هي الضمانة الحقيقية لحماية هذا الفرد في حالة المجتمع من تجاوزات السلطة. إن حالة الطبيعة عند لوك تقوم على حالة الحرية الكاملة، وحالة المساواة أيضاً، ولكن حالة الحرية هذه لا تؤدي كما رسم لنا هوبز صورة قاتمة عنها إلى حرب الكل ضد الكل. ‏لقد وضع لوك نظريته في جوهر الحكم المدني كنقيض للحكم المطلق، ويقوم أصل الحكم المدني على الفصل بين السلطات، وبهذا يكون المجتمع المدني وريث الأفراد الأحرار في حالة الطبيعة، وقد امتلك السلطتين الأساسيتين بدوره. الأولى السلطة التشريعية، والثانية السلطة التنفيذية، وبما أن السلطة التشريعية تهدف إلى  المحافظة على المجتمع المدني مثلها في ذلك مثل القوانين الأساسية في الطبيعة، لذا فهي السلطة العليا والمقدسة.‏ إن فلسفة لوك التي دافعت عن الحقوق الفردية في الملكية الخاصة، والحرية باعتبارها حقوقاً لا تقبل النقض مطلقاً، كانت لها أهمية عظيمة من حيث إنها أصبحت الأساس للديمقراطية الليبرالية التي أكدت على ضرورة بناء النظام الطبيعي، باعتباره نظاماً تحكمه قوانين طبيعية متماثلاً مع المراحل الأولى من تاريخ البشرية، حين كان الإنسان يعيش في حالة الطبيعة، أي الحالة الأولى السابقة على ظهور المجتمع، وعلى نظرية العقد الاجتماعي، ونظرية السيادة، التي لعبت كلها دوراً بالغ الأهمية في تكوين الفكر السياسي الليبرالي حول مفهوم المجتمع المدني.

المرحلة الثانية: شهد القرن التاسع عشر قطيعة شبه كاملة مع النظام الإقطاعي. فبعد أن حققت الرأسمالية ثورتها الصناعية نقلت السياسة من الميدان الديني والعرفي إلى ميدان الاجتماعي، أي جعلتها حقيقية إنسانية تعاقدية. وتمت تصفية النظام الحرفي ونشوء الاقتصاد النقدي وتحلل الملكيات الإقطاعية، وقادت هذه التطورات إلى انسلاخ الأفراد عن رحم علاقاتهم القديمة، مما طرح بقوة مشكلة إعادة بناء المجتمع المدني الصناعي على أسس جديدة وفهم حقيقته الجديدة، وتصدى لهذه الإشكاليات النظرية  كبار فلاسفة القرن التاسع عشر، وفي مقدمتهم هيغل وماركس الذين سيسيطرون عمليا على فكر هذا القرن.

يجب أن تكون الدولة ممثلة للقوة حتى إن أساءت استخدام سلطتها لأنها تمثل العقل والمجتمع

وبالنسبة لفردريك هيغل (1770-1831) لا تمثل الروابط القانونية والاقتصادية التي تنظم علاقات الناس فيما بينهم وتضمن تعاونهم سوى لحظة في صيرورة أكبر تحد تجسد في الدولة ذاتها، وهي في الواقع الدولة القومية. فالمجتمع المدني بوصفه مجموع هذه الروابط يمثل تقدماً نوعياً بالمقارنة مع الطبيعة الخام، لكنه لا يجد مضمونه الحقيقي إلا في الدولة التي تجسد ما هو مطلق، أي الحرية والقانون والغاية التاريخية في أجلى تجلياتها. فالمجتمع المدني يظل مجتمع المصالح الفردية والمشاريع الخصوصية، أي مجتمع الانقسام والتملك الفردي والصراع، ولا يجد خلاصه إلا في الدولة. و أدت هذه النزعة الهيغلية إلى وضع الدولة فوق المجتمع وقادت إلى إضفاء صفة سلبية على مفهوم المجتمع المدني لصالح تقديس متزايد لمفهوم الدولة. وحسب رأي هيغل، يمثل المجتمع المدني فضاء للمنافسات والمواجهات بين المصالح الاقتصادية الذرية الخاصة للأفراد وبذلك فهو يحتاج إلى دولة سياسية قوية، شمولية، منفصلة عن طوائف الحرف من طراز القرون الوسطى، ومتموقعة فوق المجتمع المدني. إن هيغل، وهو إن كان يريد السلطة التشريعية بالمعنى الحديث، إلا أنه يربطها بنظام دولة الطوائف الوسيط لفرض النظام والتعددية على المجتمع المدني. وهو بهذا الموقف يكون متخلفاً عن نظرية الحق الطبيعي، التي أعلنت حقوق الإنسان والمواطن، والتي تنصلت عن الفصل بين المجتمع المدني والدولة السياسية، لكونها النظرية التي مثلت التعبير الفعلي عن العلاقة الواقعية بين الدولة والمجتمع المدني البرجوازي وعن انفصالهما.‏

أما كارل ماركس (18181883) فقد نظر إلى موضوع  المجتمع المدني من منظار التناقض في مسيرة الحداثة الرأسمالية ومشروعها التحرري. فهذا المشروع في العمق ليس إلا مشروع استلاب جديد، بل إن السياسة تجسد أعظم أشكال هذا الاستلاب، ففي اللحظة ذاتها التي خلقت فيها الرأسمالية الدولة كمجال للعام، خلقت أيضاً مجال الخاص، وبذلك قضت على الفرد بالتصدع أو الانشقاق في ذاته وهويته نفسها بين ماهيتين متنابذتين ولا يمكن التوفيق بينهما، ماهيته كمواطن، وماهيته كمنتج. فالعام (المواطنية وما تعنيه من حق المساواة) فيه يعيش حالة صدام ونزاع مستمر مع الحقيقة الإنتاجية الاجتماعية الفعلية التي تعني التفاوت والتباين الشديدين في شروط الحياة والعيش والممارسة، لذلك سوف يقول إن الحرية التي تعكسها المواطنية التسووية هنا شكلية تماماً، ولن يكون هناك تحرر حقيقي للفرد إلا عندما تتوافق شروط الحرية السياسية مع شروط الحرية الاجتماعية. أي بالمطابقة بين المجال العام والخاص، بين الدولة كإطار للحرية والمجتمع المدني كإطار للمصالح. فكلا الدولة والمجتمع البرجوازيين يشكلان مجالاً للاستلاب. وليست الشيوعية سوى برنامج التجاوز التاريخي لدولة الديمقراطية الشكلية وللمجتمع المدني البرجوازي الرأسمالي معاً، لكونها تأتي بنظام مجتمعي تكون حرية الفرد فيه شرطاً لحرية المجموع، أي يتحقق فيه الانسجام المطلق بين العام (الدولة- النظام، الحرية) والخاص (المجتمع المدني-الفردية، المصلحة) وتتعانق فيه الفردية والجمعية معاً.

إن الصدع الذي أحدثته الرأسمالية بين العام والخاص في كل فرد هو أصل السياسة التي يوجه إليها ماركس نقداً قوياً باعتبارها أكبر تجسيد للاستلاب البرجوازي. والنتيجة التي توصل إليها ماركس في نقده فلسفة الحق العام عند هيغل، هي مسألة الانفصال بين المجتمع المدني والدولة السياسية، الذي يتم في العالم البرجوازي، المترافق مع تأكيد سلطة الرأسمالية كطبقة مسيطرة، والدولة الديمقراطية الرأسمالية تؤكد هذا الانفصال، الذي يصيب كل عضو فرد في المجتمع المدني. إنها تؤكد هذا الانشطار بين الوجوديين، وجود الفرد البرجوازي العيني، الفردي، الإنساني في المجتمع المدني، ووجود المواطن المجرد الشامل والمساواتي في الدولة السياسية، التي يمارس فيها سيادة مجردة ووهمية.‏

وهذا الانشطار في حياة الإنسان، وهذا النزاع الذي يتواجد فيه الإنسان، هو الذي يفضي على حد قول ماركس إلى الانشقاق الدنيوي بين المجتمع المدني والدولة السياسية. وحسب وجهة النظر الماركسية فإن التحرر السياسي للمجتمع المدني، وإن شكل خطوة تقدم كبيرة، حيث أن الديمقراطية الرأسمالية حطمت الامتيازات الإقطاعية، وأعلنت المساواة السياسية عبر المشاركة السياسية للمجتمع المدني، ولكنه أبقى على الامتيازات الاقتصادية الرأسمالية والاضطهاد والاستغلال البرجوازي، فإن هذا التحرر السياسي عينه متطابق مع سيادة الرجل الخاص البرجوازي في الدولة السياسية، وبالتالي فهو ليس كل التحرر الإنساني بل إنه تحرر مخادع ولأن الديمقراطية الرأسمالية لم تشكل أبداً تخطياً جدلياً للانشقاق أو التناقض المزدوج بين المجتمع المدني من دون أن يكتمل ببعده الملازم له، أي التاريخي والعالمي، أي التحرر الاجتماعي والإنساني يظل ويستمر اغتراباً سياسياً، حيث سلطة الدولة السياسية تتجلى في سيادة سلطة الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج.

لن يكون هناك تحرر حقيقي للفرد إلا عندما تتوافق شروط الحرية السياسية مع شروط الحرية الاجتماعية

إن التناقض بين المجتمع المدني والدولة السياسية اكتمل في وجوده كتناقض كلاسيكي بين الاتحاد الحقوقي العام والنظام العبودي، يقود إلى وجود المجتمع المدني العبودي، الذي أصبح يشكل الأساس الطبيعي للدولة السياسية الديمقراطية الرأسمالية، كما أن وجود الدولة ووجود العبودية مترابطان أحدهما بالآخر بعرى لا انفصام لها. ومن هنا يندرج البرنامج الثوري لماركس، الذي يطرح على مختلف مكونات المجتمع المدني السياسية، والنقابية، وهياكله الاجتماعية والطبقية المستغلة، والمضطهدة، لاستعادة وامتصاص قواهم الخاصة، بغية التخطي الجدلي لهذا التناقض المزدوج بين المجتمع المدني والدولة السياسية الرأسمالية الضامنة الرئيسية لملكية الرأسمالية لوسائل الإنتاج ومصالحها، عبر الثورة الاجتماعية، باعتبارها ثورة تهدف إلى تحرير المجتمع المدني بأسره، وإلى تحرير الدولة الرأسمالية ككيان قائم منفصل عن هذا المجتمع المدني المأزوم. ولقد أعطى ماركس هذا الدور التاريخي والتحريري لطبقة من طبقات المجتمع المدني، هي البروليتاريا، باعتبارها الطرف الحاسم في هذا التناقض الأساسي في هذا المجتمع البرجوازي، إن هذا التحرر الاجتماعي والإنساني الحاسم يعتبر مكملاً للتحرر السياسي للمجتمع المدني البرجوازي السابق، الذي من الواجب الاستفادة منه، من مختلف الحقوق السياسية والمدنية والحرية والمساواة، من أجل توظيفها بشكل صحيح نحو بناء علاقات اجتماعية وسياسية وحقوقية إنسانية جديدة، خالية من الاضطهاد، والاستغلال. إن الفهم الشائع عند الماركسيين هو أن الدولة تمثل المجتمع السياسي، وليس توازناً بين المجتمع السياسي والمجتمع المدني، وبالتالي فهم يرون فيها الهيمنة لطبقة الرأسمالية أو لفئة طبقية برجوازية على المجتمع بأكمله، حيث يتم التوصل إلى هذه الهيمنة عبر مؤسسات المجتمع المدني.

المرحلة الثالثة: تبدأ من النصف الأول من القرن العشرين وجاءت في إطار احتدام الصراع من أجل إعادة بناء الاستراتيجية الثورية في أوروبا. وكان أكبر مسؤول عن تطوير هذا الاستخدام الجديد المفكر الإيطالي أنطونيو غرامشي (1891 – 1937) حاول أن يطرح موضوع المجتمع المدني في إطار نظرية السيطرة والهيمنة الطبقية سواء أكان ذلك في كتابه (الأمير الحديث) أو (دفاتر السجن)، وذكر أن هناك مجالين رئيسيين يضمنان استقرار سيطرة الرأسمالية ونظامها. المجال الأول هو مجال الدولة وما تملكه من أجهزة، لتحقيق السيطرة المباشرة، السياسية، والمجال الثاني هو مجال المجتمع المدني وما يمثله من أحزاب ونقابات وجمعيات ووسائل إعلام ومدارس ومساجد أو كنائس.. إلخ. وفيه تتحقق وظيفة ثانية لا بد منها لبقاء نظام الهيمنة الأيديولوجية والثقافية. ولذلك لا يكفي للوصول إلى السلطة في نظر غرامشي والاحتفاظ بها السيطرة على جهاز الدولة فقط، بل لا بد من تحقيق الهيمنة على المجتمع، ولا يتم ذلك إلا من خلال منظمات المجتمع المدني وعبر العمل الثقافي بالدرجة الرئيسية.

وفي هذا التحليل يبلور غرامشي استراتيجية جديدة تقول إن من الممكن البدء في معركة التغيير الاجتماعي المنشود، من خلال استراتيجية تركز على العمل على مستوى المجتمع المدني وتعبئة المثقفين لكسب معركة الهيمنة الأيديولوجية التي ستلعب دوراً كبيراً في المساعدة على العبور إلى الخطوة الثانية وهي السيطرة على جهاز الدولة. ويقترح غرامشي عملية التربية والتعبئة الشاملة للمجتمع، أي السيطرة التدريجية والفكرية على الأطر التي تنظم علاقاته اليومية. ففي منظور غرامشي المجتمع المدني هو المجال الذي تتجلى فيه وظيفة الهيمنة الاجتماعية مقابل المجتمع السياسي أو الدولة الذي تتجلى فيه وتتحقق وظيفة السيطرة أو القيادة السياسية المباشرة. إن غرامشي يبين لنا أن الدولة ليست جهازاً للحكم فقط، وإنما تعني أيضاً جهاز الهيمنة الخاص، والهيمنة هي التكملة للمفهوم الشامل للدولة، والمجتمع المدني حسب تعريف غرامشي يقع بين البنية الاقتصادية والدولة بتشريعاتها وقمعها.

ومن هذا المنطلق فإن مفهوم الدولة عند غرامشي يتضمن معنى أوسع وأكثر عضوية، ويضم عناصر تعود إلى فكرة المجتمع المدني. بمعنى أن تعريف الدولة يعني أن الدولة تساوي المجتمع السياسي مضافاً إليه المجتمع المدني، وعلى هذا النحو يقدم غرامشي في (دفاتر السجن)، النصوص التي تتضمن بناءً نظرياً يحتوي على شبكة كاملة من المتضادات والمناظرات بشأن السياق التاريخي والنظري الصحيح، الذي بلور فيه نظريته حول الهيمنة، والتي يحلل فيها بشكل رئيسي الاستراتيجيتين المتنافستين في الحرب العالمية الأولى، في إطار المواجهات بين الإمبراطوريات والأمم في أوروبا، التي شهدت زوال ثلاث إمبراطوريات أوتوقراطية، إمبراطورية آل هابسبورغ، وإمبراطورية آل رومانوف، وإمبراطورية آل عثمان.‏ إن غرامشي يحاول أن يقابل بين البنى السياسية في الغرب، القائم على التوازن بين الدولة والمجتمع المدني، والذي يريد فرض نظامه وهيمنته على العالم، وبين الشرق الاستبدادي، ويحلل الاستراتيجيات الطبقية الثورية لكل منهما في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الأولى ونتائجها مع بزوغ النظام العالمي متعدد الأقطاب فيما بين الحربين العالميتين.

المرحلة الرابعة: ترتبط بالعقدين الأخيرين من القرن العشرين، التي ارتبط فيها مفهوم المجتمع المدني بتراث غرامشي ولكن بعد تنقيته من شوائب الماركسية، ليحتفظ بفكرة المنظمات والهيئات والمؤسسات الاجتماعية الخاصة التي تعمل إلى جانب الدولة -ولكن ليس تحت إمرتها- على تنظيم المجتمع وتنشيطه وتحقيق الاتساق فيه. وبهذا المعنى فالمجتمع المدني أصبح يمثل اليوم الشبكة الواسعة من المنظمات التي طورتها المجتمعات الحديثة في تاريخها الطويل والتي ترفد عمل الدولة. وإذا شبهنا الدولة بالعمود الفقري، فالمجتمع المدني هو كل تلك الخلايا التي تتكون منها الأعضاء والتي ليس للجسم الاجتماعي حياة من دونها. فليس هناك أي شكل من العداء بينهما ولا اختلاف في طبيعة الوظائف وإن كان هناك اختلاف في الأدوار، ومرت هذه المرحلة بدورها بثلاث مراحل: الأولى هي مرحلة الانفتاح على المجتمع المدني من قبل الأحزاب والقوى والنظم السياسية بهدف إضفاء طابع شعبي عليه. أما الثانية فهي مرحلة التعامل مع المجتمع المدني بوصفه منظمات مستقلة موازية للدولة ومشاركة في تحقيق المهام التي تراجعت عنها الدولة، وتوافقت هذه المرحلة مع انتشار العولمة والانتقال نحو مجتمع يحكم نفسه بنفسه، ويتحمل مسؤولية إدارة معظم شؤونه الأساسية. أما المرحلة الثالثة فهي مرحلة تحول المجتمع المدني إلى قطب قائم بذاته، في مواجهة القطب الذي تمثله الدولة، وفي هذه المرحلة أخذ يطمح المجتمع المدني إلى أن يكون أداة لبلورة سياسة وطنية بديلة تهدف إلى حماية مجموعة القيم والمعايير التي ينزع السوق الرأسمالي إلى تدميرها أو التجاوز عليها، بعد أن أصبحت هذه المنظمات تشكل الملجأ الوحيد لتنفيذ المشاريع الإنسانية، التي يمكن أن تواجه عجز الدولة وشلل أجهزتها بسبب سيطرة البيروقراطية عليها.

::/fulltext::

Getting your Trinity Audio player ready...

::cck::1677::/cck::
::introtext::

يصعب عملياً تحديد تاريخ دقيق لميلاد مفهوم المجتمع المدني لكون هذه التسمية قديمة ومرت بعدة تطورات ارتبطت بعملية التطور الاقتصادي والاجتماعي والسياسي وبالتطور الفكري والفلسفي، ومن حيث البداية فإنها تعود إلى أرسطو الذي عرف المجتمع المدني بالمجموعات البشرية المرتبطة بمراكز الحضارة المدنية والبعيدة عن صلات القرابة القبلية والدينية وقربه بذلك من مفهوم المواطنة، وفي الثقافة الإسلامية نجد مفهوماً قريباً من ذلك في كتابات الفارابي وابن خلدون. 

::/introtext::
::fulltext::

يصعب عملياً تحديد تاريخ دقيق لميلاد مفهوم المجتمع المدني لكون هذه التسمية قديمة ومرت بعدة تطورات ارتبطت بعملية التطور الاقتصادي والاجتماعي والسياسي وبالتطور الفكري والفلسفي، ومن حيث البداية فإنها تعود إلى أرسطو الذي عرف المجتمع المدني بالمجموعات البشرية المرتبطة بمراكز الحضارة المدنية والبعيدة عن صلات القرابة القبلية والدينية وقربه بذلك من مفهوم المواطنة، وفي الثقافة الإسلامية نجد مفهوماً قريباً من ذلك في كتابات الفارابي وابن خلدون.

التعديلات الجوهرية التي أدخلت على مفهوم المجتمع المدني جاءت مرافقة للتطور الجامح للرأسمالية

البداية الحقيقية لتشكل مفهوم المجتمع المدني ارتبطت  بنشوء المجتمع الرأسمالي ويتطور الفكر السياسي الليبرالي في أوروبا خلال القرنين السابع عشر والثامن عشر، فقد شهدت تلك الحقبة انهيار الحكم الإقطاعي المطلق، وبداية سلطان القانون الطبيعي، والتحول من الحالة الطبيعية الافتراضية إلى المجتمع المدني الحديث الذي يقر بحرية الفرد الإنسان باسم العقل والمنطق، وسيادة الشعب، وحقوق الإنسان، وعليه فالتعديلات الجوهرية التي أدخلت على مفهوم المجتمع المدني، جاءت مرافقة للتطور الجامح للنظام الرأسمالي، ومرتبطة عضوياً بتطور الفكر السياسي الليبرالي بمختلف مكوناته الفلسفية والسياسية،ويمكن أن نميز بين أربع مراحل في تطور هذا المفهوم:

المرحلة الأولى: استغرقت القرنين السابع عشر والثامن عشر، اللذين شهدا انهيار النظام الإقطاعي وانبثاق الرأسمالية كطبقة جديدة، والمشكلة الرئيسية التي كانت تواجه مفكري هذه المرحلة، هي كيفية إعادة بناء مفهوم المجتمع المدني من منظور يفتح المجال أمام إعادة بناء السياسة على أسس غير دينية وغير ارستقراطية، ترتبط بالمجتمع نفسه وليس بتكليف إلهي أو إرث عائلي. ومن هذه النقطة تم الانتقال تدريجياً من نظرية الحق الإلهي إلى نظرية تعبر عن السيادة الشعبية. ومهّد هذا التحول للانتقال نحو الحداثة السياسية، ومن أبرز منظري هذه المرحلة (هوبز، لوك، توكفيل، مونتسكيو، روسو وسبينوزا). فقد شكلت أفكار كتابات توماس هوبز (1588-1679) حول العقد الاجتماعي والحق الطبيعي خطراً حقيقياً على شرعية الحكم المطلق، لأن ما جاءت به تلك الأفكار هو أن الدولة تدين في وجودها وشرعيتها إلى إرادة الشعب الحرة، وهذا الأمر يتناقض جذرياً مع نظرية (حق الملوك الإلهي)، التي أضفت صفة الحكم الإلهية على الملك، باعتباره حاكماً مطلقاً بهالة من القدسية ويتمتع بكل السلطات. وتعود نظرية العقد الاجتماعي إلى الفيلسوف جان جاك روسو (1712-1778) وروسو من أتباع الحالة الطبيعية، فهو يفترض أن البشرية تطورت من الحالة الطبيعية حالة الإنسان المتوحش الذي يعيش معزولاً ومتنقلاً، ولا توجد لديه لغة أو اتصالات منظمة ولا تعاليم أخلاقية، ويختلف روسو عن هوبز برغم الالتقاء في فكرة العقد الاجتماعي فقد توقف هوبز عند التناقض بين الأنانية البشرية والإرادة العامة، إذ يلاحظ أن السلطة عند روسو محددة وغير مقدسة بينما هي عند هوبز مطلقة ومسيطرة على كل الشؤون بما في ذلك الدين.

ويعود هذا الموقف إلى اعتبار هوبز الشر هو في فطرة الإنسان وهو القائل إن الإنسان ذئب أخيه الإنسان وبسيادة حرب الإنسان ضد الآخر. ويختلف سبينوزا عن هوبز، وكذلك روسو، لأنه يعارض حالة الطبيعة مع حالة المجتمع، باعتبار أن أفضل مجتمع هو أقرب المجتمعات إلى الطبيعة. وبما أن غاية المجتمع هي الحرية لا العبودية، فإن تحقيقها يتسم بالطرق الطبيعية التي تشمل العقل والشهوة على حد سواء. ومن هذا المنطلق، يجب أن تكون الدولة ممثلة للقوة، حتى إن أساءت استعمال سلطتها لأنها تمثل العقل والمجتمع.‏ ويؤكد سبينوزا أن أهمية وجود تنظيم اجتماعي يقوم بين الأفراد الذين يضعون المصلحة العامة فوق المصلحة الشخصية، ويمثل سلطة الجماعة التي فوضت له حقها وسلطتها وبالتالي ينشأ العقد بين الطرفين الجمهور الذي يفوض حقه السياسي بمحض إرادته واختياره، والشخص الذي يملك هذا الحق، بناء على هذا التفويض أي السلطة العليا أو الحاكم.‏

ويرى جان جاك روسو أن العقد الاجتماعي شرط ملازم لكل سلطة شرعية، وبالتالي هو شرط ضروري لكل نظام سياسي طبيعي. فالعقد الاجتماعي يشكل مرحلة تاريخية نوعية في عملية الانتقال من الحالة الطبيعية إلى حالة المجتمع المدني. وهنا يربط روسو رباطاً جدلياً بين تكّون المجتمع المدني، وبين تأييده للعقد الاجتماعي.
كما دافع جون لوك (1632-1704) عن قانون الطبيعة على أساس أن وجود حقوق الفرد الطبيعية في حالة الطبيعة، هي الضمانة الحقيقية لحماية هذا الفرد في حالة المجتمع من تجاوزات السلطة. إن حالة الطبيعة عند لوك تقوم على حالة الحرية الكاملة، وحالة المساواة أيضاً، ولكن حالة الحرية هذه لا تؤدي كما رسم لنا هوبز صورة قاتمة عنها إلى حرب الكل ضد الكل. ‏لقد وضع لوك نظريته في جوهر الحكم المدني كنقيض للحكم المطلق، ويقوم أصل الحكم المدني على الفصل بين السلطات، وبهذا يكون المجتمع المدني وريث الأفراد الأحرار في حالة الطبيعة، وقد امتلك السلطتين الأساسيتين بدوره. الأولى السلطة التشريعية، والثانية السلطة التنفيذية، وبما أن السلطة التشريعية تهدف إلى  المحافظة على المجتمع المدني مثلها في ذلك مثل القوانين الأساسية في الطبيعة، لذا فهي السلطة العليا والمقدسة.‏ إن فلسفة لوك التي دافعت عن الحقوق الفردية في الملكية الخاصة، والحرية باعتبارها حقوقاً لا تقبل النقض مطلقاً، كانت لها أهمية عظيمة من حيث إنها أصبحت الأساس للديمقراطية الليبرالية التي أكدت على ضرورة بناء النظام الطبيعي، باعتباره نظاماً تحكمه قوانين طبيعية متماثلاً مع المراحل الأولى من تاريخ البشرية، حين كان الإنسان يعيش في حالة الطبيعة، أي الحالة الأولى السابقة على ظهور المجتمع، وعلى نظرية العقد الاجتماعي، ونظرية السيادة، التي لعبت كلها دوراً بالغ الأهمية في تكوين الفكر السياسي الليبرالي حول مفهوم المجتمع المدني.

المرحلة الثانية: شهد القرن التاسع عشر قطيعة شبه كاملة مع النظام الإقطاعي. فبعد أن حققت الرأسمالية ثورتها الصناعية نقلت السياسة من الميدان الديني والعرفي إلى ميدان الاجتماعي، أي جعلتها حقيقية إنسانية تعاقدية. وتمت تصفية النظام الحرفي ونشوء الاقتصاد النقدي وتحلل الملكيات الإقطاعية، وقادت هذه التطورات إلى انسلاخ الأفراد عن رحم علاقاتهم القديمة، مما طرح بقوة مشكلة إعادة بناء المجتمع المدني الصناعي على أسس جديدة وفهم حقيقته الجديدة، وتصدى لهذه الإشكاليات النظرية  كبار فلاسفة القرن التاسع عشر، وفي مقدمتهم هيغل وماركس الذين سيسيطرون عمليا على فكر هذا القرن.

يجب أن تكون الدولة ممثلة للقوة حتى إن أساءت استخدام سلطتها لأنها تمثل العقل والمجتمع

وبالنسبة لفردريك هيغل (1770-1831) لا تمثل الروابط القانونية والاقتصادية التي تنظم علاقات الناس فيما بينهم وتضمن تعاونهم سوى لحظة في صيرورة أكبر تحد تجسد في الدولة ذاتها، وهي في الواقع الدولة القومية. فالمجتمع المدني بوصفه مجموع هذه الروابط يمثل تقدماً نوعياً بالمقارنة مع الطبيعة الخام، لكنه لا يجد مضمونه الحقيقي إلا في الدولة التي تجسد ما هو مطلق، أي الحرية والقانون والغاية التاريخية في أجلى تجلياتها. فالمجتمع المدني يظل مجتمع المصالح الفردية والمشاريع الخصوصية، أي مجتمع الانقسام والتملك الفردي والصراع، ولا يجد خلاصه إلا في الدولة. و أدت هذه النزعة الهيغلية إلى وضع الدولة فوق المجتمع وقادت إلى إضفاء صفة سلبية على مفهوم المجتمع المدني لصالح تقديس متزايد لمفهوم الدولة. وحسب رأي هيغل، يمثل المجتمع المدني فضاء للمنافسات والمواجهات بين المصالح الاقتصادية الذرية الخاصة للأفراد وبذلك فهو يحتاج إلى دولة سياسية قوية، شمولية، منفصلة عن طوائف الحرف من طراز القرون الوسطى، ومتموقعة فوق المجتمع المدني. إن هيغل، وهو إن كان يريد السلطة التشريعية بالمعنى الحديث، إلا أنه يربطها بنظام دولة الطوائف الوسيط لفرض النظام والتعددية على المجتمع المدني. وهو بهذا الموقف يكون متخلفاً عن نظرية الحق الطبيعي، التي أعلنت حقوق الإنسان والمواطن، والتي تنصلت عن الفصل بين المجتمع المدني والدولة السياسية، لكونها النظرية التي مثلت التعبير الفعلي عن العلاقة الواقعية بين الدولة والمجتمع المدني البرجوازي وعن انفصالهما.‏

أما كارل ماركس (18181883) فقد نظر إلى موضوع  المجتمع المدني من منظار التناقض في مسيرة الحداثة الرأسمالية ومشروعها التحرري. فهذا المشروع في العمق ليس إلا مشروع استلاب جديد، بل إن السياسة تجسد أعظم أشكال هذا الاستلاب، ففي اللحظة ذاتها التي خلقت فيها الرأسمالية الدولة كمجال للعام، خلقت أيضاً مجال الخاص، وبذلك قضت على الفرد بالتصدع أو الانشقاق في ذاته وهويته نفسها بين ماهيتين متنابذتين ولا يمكن التوفيق بينهما، ماهيته كمواطن، وماهيته كمنتج. فالعام (المواطنية وما تعنيه من حق المساواة) فيه يعيش حالة صدام ونزاع مستمر مع الحقيقة الإنتاجية الاجتماعية الفعلية التي تعني التفاوت والتباين الشديدين في شروط الحياة والعيش والممارسة، لذلك سوف يقول إن الحرية التي تعكسها المواطنية التسووية هنا شكلية تماماً، ولن يكون هناك تحرر حقيقي للفرد إلا عندما تتوافق شروط الحرية السياسية مع شروط الحرية الاجتماعية. أي بالمطابقة بين المجال العام والخاص، بين الدولة كإطار للحرية والمجتمع المدني كإطار للمصالح. فكلا الدولة والمجتمع البرجوازيين يشكلان مجالاً للاستلاب. وليست الشيوعية سوى برنامج التجاوز التاريخي لدولة الديمقراطية الشكلية وللمجتمع المدني البرجوازي الرأسمالي معاً، لكونها تأتي بنظام مجتمعي تكون حرية الفرد فيه شرطاً لحرية المجموع، أي يتحقق فيه الانسجام المطلق بين العام (الدولة- النظام، الحرية) والخاص (المجتمع المدني-الفردية، المصلحة) وتتعانق فيه الفردية والجمعية معاً.

إن الصدع الذي أحدثته الرأسمالية بين العام والخاص في كل فرد هو أصل السياسة التي يوجه إليها ماركس نقداً قوياً باعتبارها أكبر تجسيد للاستلاب البرجوازي. والنتيجة التي توصل إليها ماركس في نقده فلسفة الحق العام عند هيغل، هي مسألة الانفصال بين المجتمع المدني والدولة السياسية، الذي يتم في العالم البرجوازي، المترافق مع تأكيد سلطة الرأسمالية كطبقة مسيطرة، والدولة الديمقراطية الرأسمالية تؤكد هذا الانفصال، الذي يصيب كل عضو فرد في المجتمع المدني. إنها تؤكد هذا الانشطار بين الوجوديين، وجود الفرد البرجوازي العيني، الفردي، الإنساني في المجتمع المدني، ووجود المواطن المجرد الشامل والمساواتي في الدولة السياسية، التي يمارس فيها سيادة مجردة ووهمية.‏

وهذا الانشطار في حياة الإنسان، وهذا النزاع الذي يتواجد فيه الإنسان، هو الذي يفضي على حد قول ماركس إلى الانشقاق الدنيوي بين المجتمع المدني والدولة السياسية. وحسب وجهة النظر الماركسية فإن التحرر السياسي للمجتمع المدني، وإن شكل خطوة تقدم كبيرة، حيث أن الديمقراطية الرأسمالية حطمت الامتيازات الإقطاعية، وأعلنت المساواة السياسية عبر المشاركة السياسية للمجتمع المدني، ولكنه أبقى على الامتيازات الاقتصادية الرأسمالية والاضطهاد والاستغلال البرجوازي، فإن هذا التحرر السياسي عينه متطابق مع سيادة الرجل الخاص البرجوازي في الدولة السياسية، وبالتالي فهو ليس كل التحرر الإنساني بل إنه تحرر مخادع ولأن الديمقراطية الرأسمالية لم تشكل أبداً تخطياً جدلياً للانشقاق أو التناقض المزدوج بين المجتمع المدني من دون أن يكتمل ببعده الملازم له، أي التاريخي والعالمي، أي التحرر الاجتماعي والإنساني يظل ويستمر اغتراباً سياسياً، حيث سلطة الدولة السياسية تتجلى في سيادة سلطة الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج.

لن يكون هناك تحرر حقيقي للفرد إلا عندما تتوافق شروط الحرية السياسية مع شروط الحرية الاجتماعية

إن التناقض بين المجتمع المدني والدولة السياسية اكتمل في وجوده كتناقض كلاسيكي بين الاتحاد الحقوقي العام والنظام العبودي، يقود إلى وجود المجتمع المدني العبودي، الذي أصبح يشكل الأساس الطبيعي للدولة السياسية الديمقراطية الرأسمالية، كما أن وجود الدولة ووجود العبودية مترابطان أحدهما بالآخر بعرى لا انفصام لها. ومن هنا يندرج البرنامج الثوري لماركس، الذي يطرح على مختلف مكونات المجتمع المدني السياسية، والنقابية، وهياكله الاجتماعية والطبقية المستغلة، والمضطهدة، لاستعادة وامتصاص قواهم الخاصة، بغية التخطي الجدلي لهذا التناقض المزدوج بين المجتمع المدني والدولة السياسية الرأسمالية الضامنة الرئيسية لملكية الرأسمالية لوسائل الإنتاج ومصالحها، عبر الثورة الاجتماعية، باعتبارها ثورة تهدف إلى تحرير المجتمع المدني بأسره، وإلى تحرير الدولة الرأسمالية ككيان قائم منفصل عن هذا المجتمع المدني المأزوم. ولقد أعطى ماركس هذا الدور التاريخي والتحريري لطبقة من طبقات المجتمع المدني، هي البروليتاريا، باعتبارها الطرف الحاسم في هذا التناقض الأساسي في هذا المجتمع البرجوازي، إن هذا التحرر الاجتماعي والإنساني الحاسم يعتبر مكملاً للتحرر السياسي للمجتمع المدني البرجوازي السابق، الذي من الواجب الاستفادة منه، من مختلف الحقوق السياسية والمدنية والحرية والمساواة، من أجل توظيفها بشكل صحيح نحو بناء علاقات اجتماعية وسياسية وحقوقية إنسانية جديدة، خالية من الاضطهاد، والاستغلال. إن الفهم الشائع عند الماركسيين هو أن الدولة تمثل المجتمع السياسي، وليس توازناً بين المجتمع السياسي والمجتمع المدني، وبالتالي فهم يرون فيها الهيمنة لطبقة الرأسمالية أو لفئة طبقية برجوازية على المجتمع بأكمله، حيث يتم التوصل إلى هذه الهيمنة عبر مؤسسات المجتمع المدني.

المرحلة الثالثة: تبدأ من النصف الأول من القرن العشرين وجاءت في إطار احتدام الصراع من أجل إعادة بناء الاستراتيجية الثورية في أوروبا. وكان أكبر مسؤول عن تطوير هذا الاستخدام الجديد المفكر الإيطالي أنطونيو غرامشي (1891 – 1937) حاول أن يطرح موضوع المجتمع المدني في إطار نظرية السيطرة والهيمنة الطبقية سواء أكان ذلك في كتابه (الأمير الحديث) أو (دفاتر السجن)، وذكر أن هناك مجالين رئيسيين يضمنان استقرار سيطرة الرأسمالية ونظامها. المجال الأول هو مجال الدولة وما تملكه من أجهزة، لتحقيق السيطرة المباشرة، السياسية، والمجال الثاني هو مجال المجتمع المدني وما يمثله من أحزاب ونقابات وجمعيات ووسائل إعلام ومدارس ومساجد أو كنائس.. إلخ. وفيه تتحقق وظيفة ثانية لا بد منها لبقاء نظام الهيمنة الأيديولوجية والثقافية. ولذلك لا يكفي للوصول إلى السلطة في نظر غرامشي والاحتفاظ بها السيطرة على جهاز الدولة فقط، بل لا بد من تحقيق الهيمنة على المجتمع، ولا يتم ذلك إلا من خلال منظمات المجتمع المدني وعبر العمل الثقافي بالدرجة الرئيسية.

وفي هذا التحليل يبلور غرامشي استراتيجية جديدة تقول إن من الممكن البدء في معركة التغيير الاجتماعي المنشود، من خلال استراتيجية تركز على العمل على مستوى المجتمع المدني وتعبئة المثقفين لكسب معركة الهيمنة الأيديولوجية التي ستلعب دوراً كبيراً في المساعدة على العبور إلى الخطوة الثانية وهي السيطرة على جهاز الدولة. ويقترح غرامشي عملية التربية والتعبئة الشاملة للمجتمع، أي السيطرة التدريجية والفكرية على الأطر التي تنظم علاقاته اليومية. ففي منظور غرامشي المجتمع المدني هو المجال الذي تتجلى فيه وظيفة الهيمنة الاجتماعية مقابل المجتمع السياسي أو الدولة الذي تتجلى فيه وتتحقق وظيفة السيطرة أو القيادة السياسية المباشرة. إن غرامشي يبين لنا أن الدولة ليست جهازاً للحكم فقط، وإنما تعني أيضاً جهاز الهيمنة الخاص، والهيمنة هي التكملة للمفهوم الشامل للدولة، والمجتمع المدني حسب تعريف غرامشي يقع بين البنية الاقتصادية والدولة بتشريعاتها وقمعها.

ومن هذا المنطلق فإن مفهوم الدولة عند غرامشي يتضمن معنى أوسع وأكثر عضوية، ويضم عناصر تعود إلى فكرة المجتمع المدني. بمعنى أن تعريف الدولة يعني أن الدولة تساوي المجتمع السياسي مضافاً إليه المجتمع المدني، وعلى هذا النحو يقدم غرامشي في (دفاتر السجن)، النصوص التي تتضمن بناءً نظرياً يحتوي على شبكة كاملة من المتضادات والمناظرات بشأن السياق التاريخي والنظري الصحيح، الذي بلور فيه نظريته حول الهيمنة، والتي يحلل فيها بشكل رئيسي الاستراتيجيتين المتنافستين في الحرب العالمية الأولى، في إطار المواجهات بين الإمبراطوريات والأمم في أوروبا، التي شهدت زوال ثلاث إمبراطوريات أوتوقراطية، إمبراطورية آل هابسبورغ، وإمبراطورية آل رومانوف، وإمبراطورية آل عثمان.‏ إن غرامشي يحاول أن يقابل بين البنى السياسية في الغرب، القائم على التوازن بين الدولة والمجتمع المدني، والذي يريد فرض نظامه وهيمنته على العالم، وبين الشرق الاستبدادي، ويحلل الاستراتيجيات الطبقية الثورية لكل منهما في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الأولى ونتائجها مع بزوغ النظام العالمي متعدد الأقطاب فيما بين الحربين العالميتين.

المرحلة الرابعة: ترتبط بالعقدين الأخيرين من القرن العشرين، التي ارتبط فيها مفهوم المجتمع المدني بتراث غرامشي ولكن بعد تنقيته من شوائب الماركسية، ليحتفظ بفكرة المنظمات والهيئات والمؤسسات الاجتماعية الخاصة التي تعمل إلى جانب الدولة -ولكن ليس تحت إمرتها- على تنظيم المجتمع وتنشيطه وتحقيق الاتساق فيه. وبهذا المعنى فالمجتمع المدني أصبح يمثل اليوم الشبكة الواسعة من المنظمات التي طورتها المجتمعات الحديثة في تاريخها الطويل والتي ترفد عمل الدولة. وإذا شبهنا الدولة بالعمود الفقري، فالمجتمع المدني هو كل تلك الخلايا التي تتكون منها الأعضاء والتي ليس للجسم الاجتماعي حياة من دونها. فليس هناك أي شكل من العداء بينهما ولا اختلاف في طبيعة الوظائف وإن كان هناك اختلاف في الأدوار، ومرت هذه المرحلة بدورها بثلاث مراحل: الأولى هي مرحلة الانفتاح على المجتمع المدني من قبل الأحزاب والقوى والنظم السياسية بهدف إضفاء طابع شعبي عليه. أما الثانية فهي مرحلة التعامل مع المجتمع المدني بوصفه منظمات مستقلة موازية للدولة ومشاركة في تحقيق المهام التي تراجعت عنها الدولة، وتوافقت هذه المرحلة مع انتشار العولمة والانتقال نحو مجتمع يحكم نفسه بنفسه، ويتحمل مسؤولية إدارة معظم شؤونه الأساسية. أما المرحلة الثالثة فهي مرحلة تحول المجتمع المدني إلى قطب قائم بذاته، في مواجهة القطب الذي تمثله الدولة، وفي هذه المرحلة أخذ يطمح المجتمع المدني إلى أن يكون أداة لبلورة سياسة وطنية بديلة تهدف إلى حماية مجموعة القيم والمعايير التي ينزع السوق الرأسمالي إلى تدميرها أو التجاوز عليها، بعد أن أصبحت هذه المنظمات تشكل الملجأ الوحيد لتنفيذ المشاريع الإنسانية، التي يمكن أن تواجه عجز الدولة وشلل أجهزتها بسبب سيطرة البيروقراطية عليها.

::/fulltext::
::cck::1677::/cck::

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *