الحقوق المدنية في دول الخليج بين العولمة والبعد التاريخي

::cck::1676::/cck::
::introtext::

إن التطور الاجتماعي وبالتالي الحقوق المدنية في مجتمع الخليج العربي لا يمكن له أن يتم إلا في حدود ما هو مشترك في هذين البعدين: الحضارة الإسلامية (البعد الثقافي التاريخي) والمدنية المعاصرة (العولمة).

::/introtext::
::fulltext::

 عند التطرق لمسألة الحقوق المدنية في المجتمع الخليجي والعربي، لا بد من تحديد زاوية النظر أولاً، لكي يكون الكلام أقل تعميماً. وفي هذا السياق يجدر بنا المقارنة على المستوى التاريخي بين واقع الحقوق المدنية في المجتمعات الخليجية المعاصرة من ناحية، وبين التطبيقات المماثلة في فجر الإسلام باعتباره العهد الذي أسس لمفهوم الدولة في الجزيرة العربية. ومن ثم أجد أن لا مندوحة من النظر أفقياً لاستعراض واقع الحريات المدنية في المجتمعات (الأكثر تمدناً) ومقارنتها بما يعتمل في الواقع الخليجي من حراك وإن كان بطيئاً، لأخلص إلى رصد مقدار التقدم الذي يسير فيه المجتمع العربي والخليجي نحو (التمدن)، بينما تشهد بعض المجتمعات الغربية ما تشهده من تذبذب أحياناً وارتكاس في أحيان أخرى عن الحقوق التي نصت عليها دساتيرها ومنظوماتها القيمية.

إن العامل التاريخي – الثقافي في المجتمع الخليجي له من القوة بحيث يصعب معه أي حديث عن الانسلاخ التام عن الماضي، كما أن نزوع هذه المجتمعات نحو قيم الانفتاح والتحديث واقتصاد المعرفة والعولمة هو من القوة بحيث يمكن القول إنها لا يمكن أن تقبل العودة إلى الماضي والتقوقع فيه.

بديهي إذن، أن التطور الاجتماعي وبالتالي الحقوق المدنية في مجتمع الخليج العربي لا يمكن له أن يتم إلا في حدود ما هو مشترك في هذين البعدين: الحضارة الإسلامية (البعد الثقافي التاريخي) والمدنية المعاصرة (العولمة). 

الحقوق المدنية في الإسلام

لا يمكن الحديث عن الحقوق المدنية في الإسلام من دون أن يبرز إلى الذهن مفهوم الشورى الذي كثيراً ما تتم مقارنته بالديمقراطية المعاصرة. لقد كان نظام الشورى في صدر الإسلام بمثابة قفزة استراتيجية كبرى إلى الأمام، إذ كان مضمونه يتجاوز مسألة التشاور إلى مواضيع من قبيل توحيد الأمة، والتسويات بين المصالح المختلفة، وإقامة المؤسسات البدائية للحكم الرشيد. غير أن من البديهي القول إن الشورى الإسلامية كانت محددة بسقف الثوابت الإسلامية، إذ كانت الشورى تتعاطى مع كل ما ليس فيه نص، أو كل ما فيه نص ملتبس، أو كل ما هو ظني الدلالة.

وإذا كانت الديمقراطية المعاصرة محددة هي الأخرى بسقف الدستور والقوانين، فإن الفرق بين الحالين يكمن في أن الدستور نفسه قابل للتعديل والتغيير ديمقراطياً، بينما لا تمس الشورى أياً من الثوابت الشرعية.

ويرى الدكتور حسن علي الشايقي الأستاذ المساعد بكلية الشريعة والدراسات الإسلامية في جامعة إفريقيا العالمية أن الشورى الإسلامية تختلف عن الديمقراطية بناحيتين، الأولى أن الحقوق والحريات تتحول إلى واجبات اجتماعية ودينية تأخذ طابعاً وظيفياً مرتبطاً بتحقيق المقاصد الشرعية وبتوازن يحقق مصلحة الفرد والجماعة من دون طغيان أحد الجانبين على الآخر. أما الثانية فهي أن هذه الحريات موصوفة ومقيدة في الإسلام بضوابط من الشريعة، أما في الديمقراطية المعاصرة فهذه الحقوق مطلقة ولا يحدها إلا ضابط عدم الإضرار بالغير والقانون ولكن القانون نفسه متغير. ومن هنا فإن الشورى الإسلامية مرتبطة بقيم أخلاقية نابعة من الدين نفسه وهي ثابتة غير خاضعة لتقلبات الميول والرغبات بينما الديمقراطية المعاصرة لا تستند إلى مثل هذه القيم الثابتة لأن القيم هنا نسبية تتحكم فيها رغبات وميول الأكثرية.

وبرأيي أنه من الإجحاف إسقاط أحكامنا الراهنة على الشورى في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدين لنسارع إلى الحكم بأن تلك الشورى كانت ديمقراطية منقوصة، إذ إن تناول الشورى في سياق تاريخي وسياسي متصل يؤكد أنها كانت بمثابة مشروع تقدمي باهر على خلفية سياق بدائي.

فقد أعطى الحاكم للمحكوم حق المعارضة، بل حق الخلع السياسي إذا اقتضى الأمر، وكل ذلك مستمد من النص القرآني، ومع أن الآية الكريمة 59 من سورة النساء تقول (يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم)، فإن الآية 124 من سورة البقرة تقول (لا ينال عهدي الظالمين). وقد فسّر ابن عباس رضي الله عنه معنى هذه الأخيرة بالقول  إنه (لا عهد لظالم عليك في ظلمه أن تطعه فيه).

وليست مقولة الخليفة الراشد عمر بن الخطاب (من رأى منكم فيّ اعوجاجاً فليقومه) إلا مثالاً واحداً من عشرات الأمثلة على روح المساءلة والشفافية الوليدة في مجتمع الدولة الراشدة.

ولئن تذبذب تطبيق الشورى في مسيرة التاريخ الإسلامي وغلب عليه التراجع ، فإن ما لا يختلف عليه اثنان هو أن الثوابت المرجعية الكبرى التي كان متعارفاً عليها في السنة الأولى للهجرة هي نفسها التي يتفق عليها الجمع في مطلع الألفية الثالثة بعد الميلاد، وبالتالي فإن أي عهد ميثاقي في مجتمع عربي إسلامي لا بد أن يتحرك تحت سقف تلك الثوابت وإلا فإنه سيكون في صدام مع نفسه. 

الحقوق المدنية في المجتمع الغربي

إذا كان مصطلح الشورى هو ما يتبادر إلى الذهن أولاً في الحالة الإسلامية، فإن مصطلح (الرأي العام) هو المفتاح في الحالة الثانية، فمؤسسات المجتمع المدني على عمومها هي التي تتولى (صناعة) الرأي العام في أي مجتمع غربي. ولنأخذ هنا المجتمع الأمريكي باعتباره التعبير الخالص للعولمة الاجتماعية في صيغتها العملية. فمن المتفق عليه أن ما يصنع الرأي العام في الولايات المتحدة ليس الدستور، وإن كان هذاالدستور هو المستند الذي يرتكز إليه الجميع. إذ إن الرأي العام الأمريكي هو محصلة مواقف مؤسسات المجتمع المدني من نقابات ووسائل إعلام وجمعيات ومجمّعات ضغط.. إلخ. وما من شك في أن المال هو اللاعب الأبرز في تشكيل وعي النخب العاملة في تلك المؤسسات، وبالتالي تشكيل وعي الجماهير. وليس مفهوماً كيف يمكن أن يتشكل رأي عام حر في بلد تبلغ ميزانية الإعلام فيه أكثر من 300 مليار دولار سنوياً، وجل تلك الأموال عائدة إلى جهات ذات نفوذ اقتصادي وسياسي واستراتيجي يرتبط بصميم العولمة في أكثر معانيها سلبية.

الرأي العام الأمريكي هو محصلة مواقف مؤسسات المجتمع المدني

ولن يغلب المرء في سرد عشرات الأمثلة على الكيفية التي اشتغلت فيها وسائل الإعلام الأمريكية، بإملاء من مموليها الكبار، على توجيه دفة الرأي العام بما يسهّل تنفيذ استراتيجية مرغوب فيها من قبل المؤسسة العسكرية أو النخب السياسية.. إلخ. ويكفي القول إن جريدة (نيويورك تايمز) الأكثر انتشاراً وصياغة للرأي العام اضطرت للاعتذار عن الدور الذي قامت به قبل غزو العراق والذي ساهم في تسويغ الحرب وجعلها من الضروريات المسلم بها بالنسبة للمواطن الأمريكي.

ولعل سجل السنوات السبع الأولى من الألفية الثالثة يعطي الكثير من الدلالات على أن الرأي العام صار صناعة قائمة بذاتها، ترصد لها ميزانيات وتقام لها مشاريع يرأسها خبراء، والهدف دائماً هو إما صياغة الوعي باتجاه معين أو حتى تغييب الوعي بما يخدم استراتيجيات معينة.

لقد تضمن الدستور الأمريكي الكثير من الحقوق المدنية في ما يعرف بالتعديلات (amendments) التي ألحقت بالدستور بناء على توصية من الخبير القانوني الأمريكي جورج ميسون، وتتضمن تلك الحقوق أموراً من قبيل:

¨    تقييد حرية الكونغرس في التضييق على حريات الدين والصحافة وحقوق التجمهر والاعتراض.

¨    منع السلطة من التفتيش والاحتجاز بلا مبرر وإلزامها باحترام أمن الناس في أشخاصهم وبيوتهم ووثائقهم.

¨  منع السلطة القضائية من الترخيص لأعمال التفتيش أو الاعتقال إلا بموجبات واضحة مدعومة باليمين أو البينة.

¨  ضمان المحاكمة السريعة والعادلة لكل متهم مع تفسير طبيعة وسبب التهمة الموجهة إليه ومواجهته بالشهود وحقه في استدعاء شهود يشهدون لصالحه ومحام يدافع عنه.

وهنالك العشرات والعشرات من التعديلات التي تجعل الدستور الأمريكي أقرب إلى دستور مدينة أفلاطونية فاضلة، لكن الواقع المعاصر للحريات في المجتمع الأمريكي ينم عن انعكاس في اتجاه البوصلة، ولا داعي لذكر المزيد من التفصيلات في هذا المجال، إذ إنها لا تخفى على أحد. 

الحقوق المدنية في المجتمع الخليجي

إن أي تطور في مسار الحقوق المدنية في المجتمعات الخليجية لن يحدث (في المدى المنظور على الأقل) إلا في المنطقة الوسطى بين المؤثرات الحضارية التاريخية والمؤثرات المدنية المعاصرة.

وإذا كانت دول مجلس التعاون تتقدم بالفعل على مسارات المجتمع المدني والديمقراطية والشفافية والحوكمة والحكم الرشيد، فإنها تواجه معضلة كبرى ربما تخفى على بعض المراقبين، وهي أن أي تطور في هذا السياق سيتم النظر إليه من قبل العين المغرضة على أنه رضوخ لضغوط الواقع العالمي المعاصر – الأمريكي بالتحديد.

إن المجتمعات الخليجية مجتمعات حديثة، وبالتالي فإن ما جرى ويجري من تطور في هذا الصعيد إنما يقاس بنصف قرن فقط هو المتوسط العام لعمر الدولة في هذه المنطقة من العالم. وإذا ما تحلينا بحسن النية في قياسنا لوتيرة التطورات الاجتماعية والسياسية والمدنية والاقتصادية في الواقع الخليجي العام، فسنقول إن مسار التقدم يتحرك بمعدلات أعلى بكثير من تلك التي أخبرتنا بها سجلات التاريخ عن بدايات تكون المؤسسات المدنية الغربية حتى في أمريكا نفسها.

أما إذا تخلينا عن حسن النية، فسيسهل علينا القول إن كل ما يجري من تطوير مناهج، وخطوات ديمقراطية، وإعادة هيكلة، وانفتاح، ومجتمع مدني وحقوق إنسان إنما هو رضوخ للضغط ليس إلا.

 

 

::/fulltext::

Getting your Trinity Audio player ready...

::cck::1676::/cck::
::introtext::

إن التطور الاجتماعي وبالتالي الحقوق المدنية في مجتمع الخليج العربي لا يمكن له أن يتم إلا في حدود ما هو مشترك في هذين البعدين: الحضارة الإسلامية (البعد الثقافي التاريخي) والمدنية المعاصرة (العولمة).

::/introtext::
::fulltext::

 عند التطرق لمسألة الحقوق المدنية في المجتمع الخليجي والعربي، لا بد من تحديد زاوية النظر أولاً، لكي يكون الكلام أقل تعميماً. وفي هذا السياق يجدر بنا المقارنة على المستوى التاريخي بين واقع الحقوق المدنية في المجتمعات الخليجية المعاصرة من ناحية، وبين التطبيقات المماثلة في فجر الإسلام باعتباره العهد الذي أسس لمفهوم الدولة في الجزيرة العربية. ومن ثم أجد أن لا مندوحة من النظر أفقياً لاستعراض واقع الحريات المدنية في المجتمعات (الأكثر تمدناً) ومقارنتها بما يعتمل في الواقع الخليجي من حراك وإن كان بطيئاً، لأخلص إلى رصد مقدار التقدم الذي يسير فيه المجتمع العربي والخليجي نحو (التمدن)، بينما تشهد بعض المجتمعات الغربية ما تشهده من تذبذب أحياناً وارتكاس في أحيان أخرى عن الحقوق التي نصت عليها دساتيرها ومنظوماتها القيمية.

إن العامل التاريخي – الثقافي في المجتمع الخليجي له من القوة بحيث يصعب معه أي حديث عن الانسلاخ التام عن الماضي، كما أن نزوع هذه المجتمعات نحو قيم الانفتاح والتحديث واقتصاد المعرفة والعولمة هو من القوة بحيث يمكن القول إنها لا يمكن أن تقبل العودة إلى الماضي والتقوقع فيه.

بديهي إذن، أن التطور الاجتماعي وبالتالي الحقوق المدنية في مجتمع الخليج العربي لا يمكن له أن يتم إلا في حدود ما هو مشترك في هذين البعدين: الحضارة الإسلامية (البعد الثقافي التاريخي) والمدنية المعاصرة (العولمة). 

الحقوق المدنية في الإسلام

لا يمكن الحديث عن الحقوق المدنية في الإسلام من دون أن يبرز إلى الذهن مفهوم الشورى الذي كثيراً ما تتم مقارنته بالديمقراطية المعاصرة. لقد كان نظام الشورى في صدر الإسلام بمثابة قفزة استراتيجية كبرى إلى الأمام، إذ كان مضمونه يتجاوز مسألة التشاور إلى مواضيع من قبيل توحيد الأمة، والتسويات بين المصالح المختلفة، وإقامة المؤسسات البدائية للحكم الرشيد. غير أن من البديهي القول إن الشورى الإسلامية كانت محددة بسقف الثوابت الإسلامية، إذ كانت الشورى تتعاطى مع كل ما ليس فيه نص، أو كل ما فيه نص ملتبس، أو كل ما هو ظني الدلالة.

وإذا كانت الديمقراطية المعاصرة محددة هي الأخرى بسقف الدستور والقوانين، فإن الفرق بين الحالين يكمن في أن الدستور نفسه قابل للتعديل والتغيير ديمقراطياً، بينما لا تمس الشورى أياً من الثوابت الشرعية.

ويرى الدكتور حسن علي الشايقي الأستاذ المساعد بكلية الشريعة والدراسات الإسلامية في جامعة إفريقيا العالمية أن الشورى الإسلامية تختلف عن الديمقراطية بناحيتين، الأولى أن الحقوق والحريات تتحول إلى واجبات اجتماعية ودينية تأخذ طابعاً وظيفياً مرتبطاً بتحقيق المقاصد الشرعية وبتوازن يحقق مصلحة الفرد والجماعة من دون طغيان أحد الجانبين على الآخر. أما الثانية فهي أن هذه الحريات موصوفة ومقيدة في الإسلام بضوابط من الشريعة، أما في الديمقراطية المعاصرة فهذه الحقوق مطلقة ولا يحدها إلا ضابط عدم الإضرار بالغير والقانون ولكن القانون نفسه متغير. ومن هنا فإن الشورى الإسلامية مرتبطة بقيم أخلاقية نابعة من الدين نفسه وهي ثابتة غير خاضعة لتقلبات الميول والرغبات بينما الديمقراطية المعاصرة لا تستند إلى مثل هذه القيم الثابتة لأن القيم هنا نسبية تتحكم فيها رغبات وميول الأكثرية.

وبرأيي أنه من الإجحاف إسقاط أحكامنا الراهنة على الشورى في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدين لنسارع إلى الحكم بأن تلك الشورى كانت ديمقراطية منقوصة، إذ إن تناول الشورى في سياق تاريخي وسياسي متصل يؤكد أنها كانت بمثابة مشروع تقدمي باهر على خلفية سياق بدائي.

فقد أعطى الحاكم للمحكوم حق المعارضة، بل حق الخلع السياسي إذا اقتضى الأمر، وكل ذلك مستمد من النص القرآني، ومع أن الآية الكريمة 59 من سورة النساء تقول (يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم)، فإن الآية 124 من سورة البقرة تقول (لا ينال عهدي الظالمين). وقد فسّر ابن عباس رضي الله عنه معنى هذه الأخيرة بالقول  إنه (لا عهد لظالم عليك في ظلمه أن تطعه فيه).

وليست مقولة الخليفة الراشد عمر بن الخطاب (من رأى منكم فيّ اعوجاجاً فليقومه) إلا مثالاً واحداً من عشرات الأمثلة على روح المساءلة والشفافية الوليدة في مجتمع الدولة الراشدة.

ولئن تذبذب تطبيق الشورى في مسيرة التاريخ الإسلامي وغلب عليه التراجع ، فإن ما لا يختلف عليه اثنان هو أن الثوابت المرجعية الكبرى التي كان متعارفاً عليها في السنة الأولى للهجرة هي نفسها التي يتفق عليها الجمع في مطلع الألفية الثالثة بعد الميلاد، وبالتالي فإن أي عهد ميثاقي في مجتمع عربي إسلامي لا بد أن يتحرك تحت سقف تلك الثوابت وإلا فإنه سيكون في صدام مع نفسه. 

الحقوق المدنية في المجتمع الغربي

إذا كان مصطلح الشورى هو ما يتبادر إلى الذهن أولاً في الحالة الإسلامية، فإن مصطلح (الرأي العام) هو المفتاح في الحالة الثانية، فمؤسسات المجتمع المدني على عمومها هي التي تتولى (صناعة) الرأي العام في أي مجتمع غربي. ولنأخذ هنا المجتمع الأمريكي باعتباره التعبير الخالص للعولمة الاجتماعية في صيغتها العملية. فمن المتفق عليه أن ما يصنع الرأي العام في الولايات المتحدة ليس الدستور، وإن كان هذاالدستور هو المستند الذي يرتكز إليه الجميع. إذ إن الرأي العام الأمريكي هو محصلة مواقف مؤسسات المجتمع المدني من نقابات ووسائل إعلام وجمعيات ومجمّعات ضغط.. إلخ. وما من شك في أن المال هو اللاعب الأبرز في تشكيل وعي النخب العاملة في تلك المؤسسات، وبالتالي تشكيل وعي الجماهير. وليس مفهوماً كيف يمكن أن يتشكل رأي عام حر في بلد تبلغ ميزانية الإعلام فيه أكثر من 300 مليار دولار سنوياً، وجل تلك الأموال عائدة إلى جهات ذات نفوذ اقتصادي وسياسي واستراتيجي يرتبط بصميم العولمة في أكثر معانيها سلبية.

الرأي العام الأمريكي هو محصلة مواقف مؤسسات المجتمع المدني

ولن يغلب المرء في سرد عشرات الأمثلة على الكيفية التي اشتغلت فيها وسائل الإعلام الأمريكية، بإملاء من مموليها الكبار، على توجيه دفة الرأي العام بما يسهّل تنفيذ استراتيجية مرغوب فيها من قبل المؤسسة العسكرية أو النخب السياسية.. إلخ. ويكفي القول إن جريدة (نيويورك تايمز) الأكثر انتشاراً وصياغة للرأي العام اضطرت للاعتذار عن الدور الذي قامت به قبل غزو العراق والذي ساهم في تسويغ الحرب وجعلها من الضروريات المسلم بها بالنسبة للمواطن الأمريكي.

ولعل سجل السنوات السبع الأولى من الألفية الثالثة يعطي الكثير من الدلالات على أن الرأي العام صار صناعة قائمة بذاتها، ترصد لها ميزانيات وتقام لها مشاريع يرأسها خبراء، والهدف دائماً هو إما صياغة الوعي باتجاه معين أو حتى تغييب الوعي بما يخدم استراتيجيات معينة.

لقد تضمن الدستور الأمريكي الكثير من الحقوق المدنية في ما يعرف بالتعديلات (amendments) التي ألحقت بالدستور بناء على توصية من الخبير القانوني الأمريكي جورج ميسون، وتتضمن تلك الحقوق أموراً من قبيل:

¨    تقييد حرية الكونغرس في التضييق على حريات الدين والصحافة وحقوق التجمهر والاعتراض.

¨    منع السلطة من التفتيش والاحتجاز بلا مبرر وإلزامها باحترام أمن الناس في أشخاصهم وبيوتهم ووثائقهم.

¨  منع السلطة القضائية من الترخيص لأعمال التفتيش أو الاعتقال إلا بموجبات واضحة مدعومة باليمين أو البينة.

¨  ضمان المحاكمة السريعة والعادلة لكل متهم مع تفسير طبيعة وسبب التهمة الموجهة إليه ومواجهته بالشهود وحقه في استدعاء شهود يشهدون لصالحه ومحام يدافع عنه.

وهنالك العشرات والعشرات من التعديلات التي تجعل الدستور الأمريكي أقرب إلى دستور مدينة أفلاطونية فاضلة، لكن الواقع المعاصر للحريات في المجتمع الأمريكي ينم عن انعكاس في اتجاه البوصلة، ولا داعي لذكر المزيد من التفصيلات في هذا المجال، إذ إنها لا تخفى على أحد. 

الحقوق المدنية في المجتمع الخليجي

إن أي تطور في مسار الحقوق المدنية في المجتمعات الخليجية لن يحدث (في المدى المنظور على الأقل) إلا في المنطقة الوسطى بين المؤثرات الحضارية التاريخية والمؤثرات المدنية المعاصرة.

وإذا كانت دول مجلس التعاون تتقدم بالفعل على مسارات المجتمع المدني والديمقراطية والشفافية والحوكمة والحكم الرشيد، فإنها تواجه معضلة كبرى ربما تخفى على بعض المراقبين، وهي أن أي تطور في هذا السياق سيتم النظر إليه من قبل العين المغرضة على أنه رضوخ لضغوط الواقع العالمي المعاصر – الأمريكي بالتحديد.

إن المجتمعات الخليجية مجتمعات حديثة، وبالتالي فإن ما جرى ويجري من تطور في هذا الصعيد إنما يقاس بنصف قرن فقط هو المتوسط العام لعمر الدولة في هذه المنطقة من العالم. وإذا ما تحلينا بحسن النية في قياسنا لوتيرة التطورات الاجتماعية والسياسية والمدنية والاقتصادية في الواقع الخليجي العام، فسنقول إن مسار التقدم يتحرك بمعدلات أعلى بكثير من تلك التي أخبرتنا بها سجلات التاريخ عن بدايات تكون المؤسسات المدنية الغربية حتى في أمريكا نفسها.

أما إذا تخلينا عن حسن النية، فسيسهل علينا القول إن كل ما يجري من تطوير مناهج، وخطوات ديمقراطية، وإعادة هيكلة، وانفتاح، ومجتمع مدني وحقوق إنسان إنما هو رضوخ للضغط ليس إلا.

 

 

::/fulltext::
::cck::1676::/cck::

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *