المجتمع المدني في دول الخليج العربية.. رؤية من الداخل

::cck::1674::/cck::
::introtext::

لاشك في أن استعمال مصطلح المجتمع المدني نشأ من واقع تطور الحياة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية على مدى عقود إن لم يكن على مدى قرون من الزمن، لذا لا بد لنا من العودة إلى التاريخ لتفحص هذا المصطلح لكي يكون مدخلاً لحاضرنا ونستشف منه مستقبلنا.

::/introtext::
::fulltext::

لا شك في أن استعمال مصطلح المجتمع المدني نشأ من واقع تطور الحياة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية على مدى عقود إن لم يكن على مدى قرون من الزمن، لذا لا بد لنا من العودة إلى التاريخ لتفحص هذا المصطلح لكي يكون مدخلاً لحاضرنا ونستشف منه مستقبلنا.

استعمل مفهوم المجتمع المدني في الفكر الغربي منذ عصر النهضة في القرن الثامن عشر؛للدلالة على تجاوز المجتمعات الحالة التي نشأت عليها فيما قبل عصر النهضة إلى مجتمعات تتسم بالنظام مما نقلها إلى الحالة المدنية التي تتمثل في القوانين والدساتير التي تنظم شؤون الحياة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية. فتوماس هوبس يعرف المجتمع المدني بأنه هو المجتمع القائم على التعاقد، أما جون لوك فقد اعتبر الحكم المطلق لا يتفق مع طبيعة المجتمع المدني، وإنما يجوز برأيه عزل السلطة إذا أخلّت بنصوص العقد، وبهذا جعل لوك المجتمع مصدر شرعية الدولة، فيما يرى جان جاك روسو أن السيادة لا يمكن أن تكون موضوع تفويض، بل يمكن انتقالها ولا يمكن أن يتنازل الشعب عن السيادة والحكم. ولو انتقلنا إلى فترة أخرى في تطور الفكر الأوروبي حول مفهوم المجتمع المدني لوجدنا مثلاً أن  المجتمع المدني لدى هيغل يمثل الحيز الاجتماعي والأخلاقي الواقع بين العائلة والدولة وهذا يعني أن تشكيل المجتمع المدني يتم بعد بناء الدولة، فيما يقول ماركس إن المجتمع المدني هو الأساس الواقعي للدولة المكون من مجموع العلاقات المادية للإفراد في مرحلة محددة من مراحل تطور قوى الإنتاج أو القاعدة التي تحدد طبيعة البنية الفوقية بما فيها من الدولة والنظم والحضارة والمعتقدات ،ويرى المفكر والفيلسوف الإيطالي غرامشي أن المجتمع المدني هو مجال للتنافس الأيديولوجي وهو مسرح التاريخ وفضاء يكوّن الأيديولوجيات المختلفة التي تشد الجسد الاجتماعي بعضه إلى بعض، أما ألكسي توكفيل فقد أشار في كتابه (الديمقراطية في أمريكا) إلى تلك السلسلة اللامتناهية من الجمعيات والنوادي التي ينظم إليها المواطنون بكل عفوية.

ويذكر التاريخ أن أرسطو هو أول من استخدم تسمية المجتمع المدني، وقد عنى أرسطو بالمجتمع المدني بأنه المجموعات البشرية التي تعيش في موقع أو موطن معين أو مدينة معينة من دون أن تكون مرتبطة بنظام معين كأسرة أو عشيرة أو قبيلة. وابن خلدون أيضاً يرى أن ما نسمعه من السياسة المدنية فليس من هذا الباب الشرعي المحكوم بالتنزيل وإنما معناه عند الحكومات ما يكفي لكي يكون عليه كل واحد في المجتمع نفسه وخلقه حتى يستغنوا عنالحكام خاصة. أي أن يسود نظام من القيم والتعدد والتكامل والأخلاق بين الناس يستطيعون من خلاله أن يحكموا أنفسهم من دون الحاجة لتدخل المؤسسات الحكومية بينهم، وبهذا يكون ابن خلدون قد وضع الاستقلال المدني بعيداً عن الحكومات، أي أن تكون هناك استقلاليةلأنشطة وبرامج وأهداف وفعاليات جمعيات المجتمع المدني بموازاة المؤسسات الحكوميةبحيث يتكاملان ولا يتعارضان، ولا تكون هناك وصايا على مؤسسات المجتمع المدني وفعالياته من قبل المؤسسات الحكومية. وهذه إحدى الأدبيات التي تحدد مفهوم مؤسسات المجتمع المدني التي تشكل بمجموعها المجتمع المدني.

هذه هي في الحقيقة بعض التفسيرات التي أوردها بتصرف من بعض العلماء من زمن سابق عن المجتمعات المدنية وتعريفاتها، ونلاحظ هنا أن المجتمع المدني طوّر نفسه بنفسه من خلال الدخول بالتفاصيل الدقيقة التي تسيّر عمل المجتمع المدني كاللوائح والقوانين (قانون المرور، قانون مزاولة مهنة الطب، اللوائح الداخلية لمنظمات المجتمع المدني على سبيل المثال وليس الحصر)، حيث تطور من تفسير للمجتمع المدني إلى تحديد مفهوم المجتمع المدني الذي يقوم على مؤسسات تعتني بمصالح المنتمين لها، لذا اقترح مركز دراسات الوحدة العربية في بيروت عام 1992 تعريفاً للمجتمع المدني حيث قال إنه مجموع المؤسسات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية التي تعمل في ميادينها المختلفة في استقلال عن سلطة الدول لتحقيق أغراض متعددة.

المجتمعات الخليجية راغبة في الانتقال من مرحلة إلى أخرى بسلاسة من خلال المطالبة السلمية بتمدين مجتمعاتها 

ومن هنا يمكننا القول إن المجتمع المدني يرتكز على ركائز أساسية وإذا لم تتوفر هذه الركائز فلا يمكننا أن نطلق على أي مجتمع إنساني تسمية مجتمع مدني: 

الركيزة الأولى: يجب أن تتوفر إرادة الفعل الحر والطوعي. 

الركيزة الثانية:  التنظيم الذي يساهم في تهيئة التنسيق بين أعضاء المؤسسة وبين المؤسسة والمؤسسات الأخرى. 

الركيزة الثالثة: وهي المهمة أيضاً في هذا السياق وهي الالتزام المنهجي بتلك اللوائح والقوانين المنظمة لسير المجتمع المدني بكافة أنواعها وأشكالها، بحيث يكون الخروج عنها ومنها وعليها بمثابة خرق يجب إيقافه.

إذاً المجتمع المدني هو ذاك الإطار الاجتماعي الخاضع لنظام معين ينضبط له الأفراد المكونون له، من دون أن يتم ذلك نتيجة سلطة قهرية، حيث يلتزم الفرد بمجموعة من الضوابط بشكل إرادي نظراً للاقتناع الذي يحصل عنده بأهميتها بالنسبة للسير الجيد للحياة الجماعية التي تتوافق مع مصالح الفرد المنتمي إلى هذا المجتمع وأهدافه وطموحاته. وبثبوت هذا النظام داخل المجتمع المدني يمكننـا القولإنه يتمتع باستقلالية نسبية عن المؤسسات المشكلة للدولة، لأنه لا يتوقف عليها دائماً في مواصلة سيره والحفاظ عليه.

وإذا نظرنا إلى كل هذه التعريفات والحقائق التاريخية التي أوردناها والتي لا بد منها للدخول إلى حاضر ومستقبل المجتمع المدني في دول الخليج العربية فسنجد أن المجتمع المدني الخليجي مر بثلاث مراحل متفاوتة:

المرحلة الأولى: جاءت مع بدايات النصف الأول للقرن العشرين خاصة في مملكة البحرين والكويت، حيث تميزت هذه المرحلة بالمطالبة بالمشاركة باتخاذ القرارات التي تهم المجتمع سواء من قبل الساسة أو من قبل المهنيين والتجار والمثقفين.

المرحلة الثانية: هي مرحلة الخمسينات وتحديداً بعد ثورة 23 يوليو في مصر وبعد انتشار المد القومي واتساع موجة الثورات التي اجتاحت المنطقة في فترة الخمسينات والستينات من القرن الماضي والتي لحقها استقلال معظم الدول العربية عن الهيمنة الاستعمارية الأوروبية وتبلور دور الدولة الحديثة بتسيير شؤون المجتمع، ما أعطى دفعة قوية نحو تبني دساتير تنظم العلاقات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية وما حوته هذه الدساتير من مواد جازت تكوين التجمعات والنقابات العمالية، وكانت بدايتها من الكويت ثم انتقلت التجربة الجديدة إلى البحرين.

المرحلة الثالثة: ما بعد الطفرة النفطية التي بدأت معها خطط التنمية الاقتصادية والسياسية  والتعليمية تأخذ مكانها الصحيح مع ترسيخ مؤسسات الدولة مثل البرلمان الكويتي والبرلمان البحريني والنقابات العمالية وجمعيات النفع العام وأندية رياضية وثقافية ومسارح التي باشرت دورها بتنمية المجتمع من خلال المشاركة في الشأن العام وما يطرحه المجتمع من قضايا تهمه، ويمكننا أن نقول إنها هي المرحلة الأهم على طريق تأسيس مجتمع مدني في الخليج العربي.

دور القبيلة أعطى المجتمعات الخليجية خاصية ميزتها عن بقية المجتمعات المحيطة

وإذا نظرنا إلى طبيعة التنظيمات المدنية الحالية فنجدها قد تنوعت ما بين دينية ونسائية وخيرية ومهنية وتعاونية وثقافية وأدبية ورياضية، إلا أنها لم تصل إلى مرحلة تعتبر من المراحل المهمة في تطور كل مجتمع مدني ألا وهي تشكيل الأحزاب السياسية وإن تقدمت البحرين على بقية دول الخليج العربية في هذا الجانب عندما أقرت إنشاء جمعيات نفع عام تحمل الطابع السياسي إلا أنها لم تسم أحزاباً سياسية بمفهومها الواسع، حتى الكويت التي لها تجربة سياسية متميزة ورائدة في منطقة الخليج لم تصل إلى مرحلة إقرار الأحزاب السياسية المبنية على أسس تنظيمية تنموية، وقد قدرت إحدى الدراسات عدد مؤسسات المجتمع المدني الخليجية في الدول الست بحوالي 2000 مؤسسة، ويعتبر هذا العدد من مؤسسات المجتمع المدني في دول الخليج عدداً لا بأس به مقارنة بعدد سكان منطقة الخليج، وحداثة التجربة التنظيمية قياساً بعمر الشعوب، كما أن هذا العدد يعطي مؤشراً إلى تنامي دور مؤسسات المجتمع المدني في عملية اتخاذ القرار.

ونظراً للخصوصية التي تمتع بها المجتمع الخليجي انطلاقاً من تاريخه القديم والحديث وانتشار الصحراء وفقر الموارد الطبيعية في هذه المنطقة قبل الاكتشافات البترولية التي تلاحقت في النصف الثاني من القرن العشرين عدا موقعه الاستراتيجي بين قارة إفريقيا وأوروبا وآسيا فإن كل ذلك حال دون أن يكون ضمن المستعمرات التي سيطرت عليها القوى الاستعمارية الكبرى بشكل مباشر والذي اتسم به الاستعمار العالمي مثل الاستعمار الإنجليزي للهند والفرنسي للجزائر ودول شمال إفريقيا الذي استقر فيها قروناً وأثر في هذه المجتمعات تأثيراً واضحاً من خلال الثقافة واللغة والأدب، وحتى الاستعمار التركي إبان الخلافة الإسلامية التي كانت تسيطر على منطقة الشرق الأوسط بكامله، لم يكن له وجود بمعنى الكلمة في منطقة الخليج إلا فيما ندر في بعض المحميات التي لم يكن لها أثر بالغ في الشؤون الداخلية للمجتمعات الخليجية لأنها كانت مجتمعات صغيرة مما أعطاها حرية نسبية بتسيير شؤونها الحياتية وتنظيمها، كما أن ارتباطها الاجتماعي المبني على دور القبيلة أعطى المجتمعات الخليجية خاصية ميزتها عن بقية المجتمعات المحيطة، هذه هي رؤيتي للمجتمعات الخليجية على المستوى التاريخي الذي يصعب علينا اختصاره بهذا الشكل والذي يحتاج إلى كثير من التفصيل والغوص في أعماق الحقائق لكي نصل في النهاية إلى نتيجة أكثر موضوعية، ولكنني اختصرتها قدر الإمكان لكي يكون لنا مجال أكثر لاستشراف آفاق مستقبل المجتمع المدني لدول الخليج العربية مبني على تلك الحقائق التاريخية.

إقرار الكويت دستورها في نوفمبر 1962 كان فاتحة لتأسيس مجتمع مدني قائم على أسس قانونية وتشريعية 

وبعد كل ما تقدم حول الرؤية التاريخية للمجتمع المدني لدول الخليج، نرى أن مستقبل المجتمع المدني بعد كل ما أقر من دساتير في مختلف دول الخليج العربية عدا المملكة العربية السعودية التي لا تزال متمسكة بعدم إقرار دستور مكتوب ومتفق عليه لتسيير الحياة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية بمختلف جوانبها، إلا أن إقرار الكويت دستورها في نوفمبر عام 1962 كان فاتحة لتأسيس مجتمع مدني قائم على أسس قانونية وتشريعية، وتم على أثر ذلك قيام مؤسسات المجتمع المدني التي تعبر عن الوجه المدني لأية دولة، ومن ثم تم إقرار دستور البحرين مر بنفس التجربة الكويتية التي تم تعليق العمل ببعض المواد الدستورية والخاصة بالشأن السياسي العام وإغلاق مؤسسات المجتمع المدني التي عارضت العودة إلى إدارة الدولة إلى ما قبل إقرار الدستور، وكان لمؤسسات المجتمع المدني في كلتا الدولتين دور بارز في الرجوع عن قرار إلغاء الدستور والعودة بإدارة الدولة إلى ما قبل تمدين المجتمع، وبذلك الموقف من مؤسسات المجتمع المدني أثبت أن مجتمعات الخليج لا يمكن أن تعود إلى ما قبل تمدين الدولة، وفي السنوات اللاحقة تم إقرار دساتير في كل من قطر والإمارات العربية المتحدة وسلطنة عمان، كما أقر إنشاء مجلس شورى في المملكة العربية السعودية في منتصف التسعينات ولحقه إنشاء بعض مؤسسات المجتمع المدني، وتعتبر هذه الخطوة متقدمة بترسيخ مبدأ المجتمع المدني الذي اكتملت حلقاته في دول الخليج العربية، وإن كانت كافة الخطوات أخذت نصف قرن في رحلة الانتقال من مرحلة إدارة المجتمع بحكم مطلق إلى إدارة المجتمع بواسطة المشاركة في اتخاذ قرارات، إلا أنها تعتبر خطوات مهمة ستلحقها ولا شك خطوات أخرى سيفرضها الواقع والتطور الاجتماعي والاقتصادي والعولمة السائرة بوتيرة سريعة وثورة الاتصالات مما يفرض حتمية التواكب مع مستجدات العصر الحديث.

وهنا لا يمكننا إغفال مناهضي هذا الانتقال من قبل العديد من الأجنحة التي ترى أن هذا الانتقال والخطوات التي اتخذت بتمدين المجتمع ونقله من حال إلى حال آخر مختلف تمام الاختلاف يمسان مصالحها، وبالتالي فإن تأخير إقرارها والحد من نشاطها يعدان بمثابة هدف سام لها، خاصة أن الانتقال من مرحلة الحكم المطلق إلى مرحلة الحكم المبني على أسس قانونية سيحد من الصلاحيات التي تتمتع بها الأجنحة المناوئة للمدنية، وهذه الفترة الانتقالية هي الفترة الانتقالية نفسها التي مرت بها دول أوروبا التي تخللها صراع دام بين القوى المدنية ومناهضيها. ومن الواضح أن المجتمعات الخليجية راغبة في الانتقال من مرحلة إلى أخرى بسلاسة من خلال المطالبة السلمية بتمدين مجتمعاتها. وانطلاقاً من هذه الرؤية لا شك أن آفاق مستقبل المجتمع المدني لدول الخليج العربية إذا سارت على هذه الوتيرة وإن كانت بطيئة بعض الشيء إلا أنها سوف تصل إلى مرحلة المجتمع المدني بكل ما تعنيه هذه الكلمة من معنى، قد تطول هذه المرحلة وقد تقصر ويعتمد ذلك على مدى ما يقدمه مثقفو المجتمع الخليجي من طموحات ترسخ مبدأ فصل السلطات و(قوننة) إدارة المجتمع وفق رؤية مستقبلية يكون فيها حكم الفصل للدساتير والقوانين المنظمة، وبوجود هذا الزخم والضغط الكبير سواء من الخارج أو من الداخل نحو تمدين المجتمعات الخليجية فإن الوقت لن يطول كثيراً وسوف نشهد نقلات نوعية وخطوات تشير إلى أن المجتمع المدني الخليجي وصل إلى نقطة اللاعودة وأن قطار المدنية انطلق ولن يوقفه لا المناوئون ولا السلطات. 

 

 

::/fulltext::

Getting your Trinity Audio player ready...

::cck::1674::/cck::
::introtext::

لاشك في أن استعمال مصطلح المجتمع المدني نشأ من واقع تطور الحياة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية على مدى عقود إن لم يكن على مدى قرون من الزمن، لذا لا بد لنا من العودة إلى التاريخ لتفحص هذا المصطلح لكي يكون مدخلاً لحاضرنا ونستشف منه مستقبلنا.

::/introtext::
::fulltext::

لا شك في أن استعمال مصطلح المجتمع المدني نشأ من واقع تطور الحياة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية على مدى عقود إن لم يكن على مدى قرون من الزمن، لذا لا بد لنا من العودة إلى التاريخ لتفحص هذا المصطلح لكي يكون مدخلاً لحاضرنا ونستشف منه مستقبلنا.

استعمل مفهوم المجتمع المدني في الفكر الغربي منذ عصر النهضة في القرن الثامن عشر؛للدلالة على تجاوز المجتمعات الحالة التي نشأت عليها فيما قبل عصر النهضة إلى مجتمعات تتسم بالنظام مما نقلها إلى الحالة المدنية التي تتمثل في القوانين والدساتير التي تنظم شؤون الحياة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية. فتوماس هوبس يعرف المجتمع المدني بأنه هو المجتمع القائم على التعاقد، أما جون لوك فقد اعتبر الحكم المطلق لا يتفق مع طبيعة المجتمع المدني، وإنما يجوز برأيه عزل السلطة إذا أخلّت بنصوص العقد، وبهذا جعل لوك المجتمع مصدر شرعية الدولة، فيما يرى جان جاك روسو أن السيادة لا يمكن أن تكون موضوع تفويض، بل يمكن انتقالها ولا يمكن أن يتنازل الشعب عن السيادة والحكم. ولو انتقلنا إلى فترة أخرى في تطور الفكر الأوروبي حول مفهوم المجتمع المدني لوجدنا مثلاً أن  المجتمع المدني لدى هيغل يمثل الحيز الاجتماعي والأخلاقي الواقع بين العائلة والدولة وهذا يعني أن تشكيل المجتمع المدني يتم بعد بناء الدولة، فيما يقول ماركس إن المجتمع المدني هو الأساس الواقعي للدولة المكون من مجموع العلاقات المادية للإفراد في مرحلة محددة من مراحل تطور قوى الإنتاج أو القاعدة التي تحدد طبيعة البنية الفوقية بما فيها من الدولة والنظم والحضارة والمعتقدات ،ويرى المفكر والفيلسوف الإيطالي غرامشي أن المجتمع المدني هو مجال للتنافس الأيديولوجي وهو مسرح التاريخ وفضاء يكوّن الأيديولوجيات المختلفة التي تشد الجسد الاجتماعي بعضه إلى بعض، أما ألكسي توكفيل فقد أشار في كتابه (الديمقراطية في أمريكا) إلى تلك السلسلة اللامتناهية من الجمعيات والنوادي التي ينظم إليها المواطنون بكل عفوية.

ويذكر التاريخ أن أرسطو هو أول من استخدم تسمية المجتمع المدني، وقد عنى أرسطو بالمجتمع المدني بأنه المجموعات البشرية التي تعيش في موقع أو موطن معين أو مدينة معينة من دون أن تكون مرتبطة بنظام معين كأسرة أو عشيرة أو قبيلة. وابن خلدون أيضاً يرى أن ما نسمعه من السياسة المدنية فليس من هذا الباب الشرعي المحكوم بالتنزيل وإنما معناه عند الحكومات ما يكفي لكي يكون عليه كل واحد في المجتمع نفسه وخلقه حتى يستغنوا عنالحكام خاصة. أي أن يسود نظام من القيم والتعدد والتكامل والأخلاق بين الناس يستطيعون من خلاله أن يحكموا أنفسهم من دون الحاجة لتدخل المؤسسات الحكومية بينهم، وبهذا يكون ابن خلدون قد وضع الاستقلال المدني بعيداً عن الحكومات، أي أن تكون هناك استقلاليةلأنشطة وبرامج وأهداف وفعاليات جمعيات المجتمع المدني بموازاة المؤسسات الحكوميةبحيث يتكاملان ولا يتعارضان، ولا تكون هناك وصايا على مؤسسات المجتمع المدني وفعالياته من قبل المؤسسات الحكومية. وهذه إحدى الأدبيات التي تحدد مفهوم مؤسسات المجتمع المدني التي تشكل بمجموعها المجتمع المدني.

هذه هي في الحقيقة بعض التفسيرات التي أوردها بتصرف من بعض العلماء من زمن سابق عن المجتمعات المدنية وتعريفاتها، ونلاحظ هنا أن المجتمع المدني طوّر نفسه بنفسه من خلال الدخول بالتفاصيل الدقيقة التي تسيّر عمل المجتمع المدني كاللوائح والقوانين (قانون المرور، قانون مزاولة مهنة الطب، اللوائح الداخلية لمنظمات المجتمع المدني على سبيل المثال وليس الحصر)، حيث تطور من تفسير للمجتمع المدني إلى تحديد مفهوم المجتمع المدني الذي يقوم على مؤسسات تعتني بمصالح المنتمين لها، لذا اقترح مركز دراسات الوحدة العربية في بيروت عام 1992 تعريفاً للمجتمع المدني حيث قال إنه مجموع المؤسسات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية التي تعمل في ميادينها المختلفة في استقلال عن سلطة الدول لتحقيق أغراض متعددة.

المجتمعات الخليجية راغبة في الانتقال من مرحلة إلى أخرى بسلاسة من خلال المطالبة السلمية بتمدين مجتمعاتها 

ومن هنا يمكننا القول إن المجتمع المدني يرتكز على ركائز أساسية وإذا لم تتوفر هذه الركائز فلا يمكننا أن نطلق على أي مجتمع إنساني تسمية مجتمع مدني: 

الركيزة الأولى: يجب أن تتوفر إرادة الفعل الحر والطوعي. 

الركيزة الثانية:  التنظيم الذي يساهم في تهيئة التنسيق بين أعضاء المؤسسة وبين المؤسسة والمؤسسات الأخرى. 

الركيزة الثالثة: وهي المهمة أيضاً في هذا السياق وهي الالتزام المنهجي بتلك اللوائح والقوانين المنظمة لسير المجتمع المدني بكافة أنواعها وأشكالها، بحيث يكون الخروج عنها ومنها وعليها بمثابة خرق يجب إيقافه.

إذاً المجتمع المدني هو ذاك الإطار الاجتماعي الخاضع لنظام معين ينضبط له الأفراد المكونون له، من دون أن يتم ذلك نتيجة سلطة قهرية، حيث يلتزم الفرد بمجموعة من الضوابط بشكل إرادي نظراً للاقتناع الذي يحصل عنده بأهميتها بالنسبة للسير الجيد للحياة الجماعية التي تتوافق مع مصالح الفرد المنتمي إلى هذا المجتمع وأهدافه وطموحاته. وبثبوت هذا النظام داخل المجتمع المدني يمكننـا القولإنه يتمتع باستقلالية نسبية عن المؤسسات المشكلة للدولة، لأنه لا يتوقف عليها دائماً في مواصلة سيره والحفاظ عليه.

وإذا نظرنا إلى كل هذه التعريفات والحقائق التاريخية التي أوردناها والتي لا بد منها للدخول إلى حاضر ومستقبل المجتمع المدني في دول الخليج العربية فسنجد أن المجتمع المدني الخليجي مر بثلاث مراحل متفاوتة:

المرحلة الأولى: جاءت مع بدايات النصف الأول للقرن العشرين خاصة في مملكة البحرين والكويت، حيث تميزت هذه المرحلة بالمطالبة بالمشاركة باتخاذ القرارات التي تهم المجتمع سواء من قبل الساسة أو من قبل المهنيين والتجار والمثقفين.

المرحلة الثانية: هي مرحلة الخمسينات وتحديداً بعد ثورة 23 يوليو في مصر وبعد انتشار المد القومي واتساع موجة الثورات التي اجتاحت المنطقة في فترة الخمسينات والستينات من القرن الماضي والتي لحقها استقلال معظم الدول العربية عن الهيمنة الاستعمارية الأوروبية وتبلور دور الدولة الحديثة بتسيير شؤون المجتمع، ما أعطى دفعة قوية نحو تبني دساتير تنظم العلاقات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية وما حوته هذه الدساتير من مواد جازت تكوين التجمعات والنقابات العمالية، وكانت بدايتها من الكويت ثم انتقلت التجربة الجديدة إلى البحرين.

المرحلة الثالثة: ما بعد الطفرة النفطية التي بدأت معها خطط التنمية الاقتصادية والسياسية  والتعليمية تأخذ مكانها الصحيح مع ترسيخ مؤسسات الدولة مثل البرلمان الكويتي والبرلمان البحريني والنقابات العمالية وجمعيات النفع العام وأندية رياضية وثقافية ومسارح التي باشرت دورها بتنمية المجتمع من خلال المشاركة في الشأن العام وما يطرحه المجتمع من قضايا تهمه، ويمكننا أن نقول إنها هي المرحلة الأهم على طريق تأسيس مجتمع مدني في الخليج العربي.

دور القبيلة أعطى المجتمعات الخليجية خاصية ميزتها عن بقية المجتمعات المحيطة

وإذا نظرنا إلى طبيعة التنظيمات المدنية الحالية فنجدها قد تنوعت ما بين دينية ونسائية وخيرية ومهنية وتعاونية وثقافية وأدبية ورياضية، إلا أنها لم تصل إلى مرحلة تعتبر من المراحل المهمة في تطور كل مجتمع مدني ألا وهي تشكيل الأحزاب السياسية وإن تقدمت البحرين على بقية دول الخليج العربية في هذا الجانب عندما أقرت إنشاء جمعيات نفع عام تحمل الطابع السياسي إلا أنها لم تسم أحزاباً سياسية بمفهومها الواسع، حتى الكويت التي لها تجربة سياسية متميزة ورائدة في منطقة الخليج لم تصل إلى مرحلة إقرار الأحزاب السياسية المبنية على أسس تنظيمية تنموية، وقد قدرت إحدى الدراسات عدد مؤسسات المجتمع المدني الخليجية في الدول الست بحوالي 2000 مؤسسة، ويعتبر هذا العدد من مؤسسات المجتمع المدني في دول الخليج عدداً لا بأس به مقارنة بعدد سكان منطقة الخليج، وحداثة التجربة التنظيمية قياساً بعمر الشعوب، كما أن هذا العدد يعطي مؤشراً إلى تنامي دور مؤسسات المجتمع المدني في عملية اتخاذ القرار.

ونظراً للخصوصية التي تمتع بها المجتمع الخليجي انطلاقاً من تاريخه القديم والحديث وانتشار الصحراء وفقر الموارد الطبيعية في هذه المنطقة قبل الاكتشافات البترولية التي تلاحقت في النصف الثاني من القرن العشرين عدا موقعه الاستراتيجي بين قارة إفريقيا وأوروبا وآسيا فإن كل ذلك حال دون أن يكون ضمن المستعمرات التي سيطرت عليها القوى الاستعمارية الكبرى بشكل مباشر والذي اتسم به الاستعمار العالمي مثل الاستعمار الإنجليزي للهند والفرنسي للجزائر ودول شمال إفريقيا الذي استقر فيها قروناً وأثر في هذه المجتمعات تأثيراً واضحاً من خلال الثقافة واللغة والأدب، وحتى الاستعمار التركي إبان الخلافة الإسلامية التي كانت تسيطر على منطقة الشرق الأوسط بكامله، لم يكن له وجود بمعنى الكلمة في منطقة الخليج إلا فيما ندر في بعض المحميات التي لم يكن لها أثر بالغ في الشؤون الداخلية للمجتمعات الخليجية لأنها كانت مجتمعات صغيرة مما أعطاها حرية نسبية بتسيير شؤونها الحياتية وتنظيمها، كما أن ارتباطها الاجتماعي المبني على دور القبيلة أعطى المجتمعات الخليجية خاصية ميزتها عن بقية المجتمعات المحيطة، هذه هي رؤيتي للمجتمعات الخليجية على المستوى التاريخي الذي يصعب علينا اختصاره بهذا الشكل والذي يحتاج إلى كثير من التفصيل والغوص في أعماق الحقائق لكي نصل في النهاية إلى نتيجة أكثر موضوعية، ولكنني اختصرتها قدر الإمكان لكي يكون لنا مجال أكثر لاستشراف آفاق مستقبل المجتمع المدني لدول الخليج العربية مبني على تلك الحقائق التاريخية.

إقرار الكويت دستورها في نوفمبر 1962 كان فاتحة لتأسيس مجتمع مدني قائم على أسس قانونية وتشريعية 

وبعد كل ما تقدم حول الرؤية التاريخية للمجتمع المدني لدول الخليج، نرى أن مستقبل المجتمع المدني بعد كل ما أقر من دساتير في مختلف دول الخليج العربية عدا المملكة العربية السعودية التي لا تزال متمسكة بعدم إقرار دستور مكتوب ومتفق عليه لتسيير الحياة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية بمختلف جوانبها، إلا أن إقرار الكويت دستورها في نوفمبر عام 1962 كان فاتحة لتأسيس مجتمع مدني قائم على أسس قانونية وتشريعية، وتم على أثر ذلك قيام مؤسسات المجتمع المدني التي تعبر عن الوجه المدني لأية دولة، ومن ثم تم إقرار دستور البحرين مر بنفس التجربة الكويتية التي تم تعليق العمل ببعض المواد الدستورية والخاصة بالشأن السياسي العام وإغلاق مؤسسات المجتمع المدني التي عارضت العودة إلى إدارة الدولة إلى ما قبل إقرار الدستور، وكان لمؤسسات المجتمع المدني في كلتا الدولتين دور بارز في الرجوع عن قرار إلغاء الدستور والعودة بإدارة الدولة إلى ما قبل تمدين المجتمع، وبذلك الموقف من مؤسسات المجتمع المدني أثبت أن مجتمعات الخليج لا يمكن أن تعود إلى ما قبل تمدين الدولة، وفي السنوات اللاحقة تم إقرار دساتير في كل من قطر والإمارات العربية المتحدة وسلطنة عمان، كما أقر إنشاء مجلس شورى في المملكة العربية السعودية في منتصف التسعينات ولحقه إنشاء بعض مؤسسات المجتمع المدني، وتعتبر هذه الخطوة متقدمة بترسيخ مبدأ المجتمع المدني الذي اكتملت حلقاته في دول الخليج العربية، وإن كانت كافة الخطوات أخذت نصف قرن في رحلة الانتقال من مرحلة إدارة المجتمع بحكم مطلق إلى إدارة المجتمع بواسطة المشاركة في اتخاذ قرارات، إلا أنها تعتبر خطوات مهمة ستلحقها ولا شك خطوات أخرى سيفرضها الواقع والتطور الاجتماعي والاقتصادي والعولمة السائرة بوتيرة سريعة وثورة الاتصالات مما يفرض حتمية التواكب مع مستجدات العصر الحديث.

وهنا لا يمكننا إغفال مناهضي هذا الانتقال من قبل العديد من الأجنحة التي ترى أن هذا الانتقال والخطوات التي اتخذت بتمدين المجتمع ونقله من حال إلى حال آخر مختلف تمام الاختلاف يمسان مصالحها، وبالتالي فإن تأخير إقرارها والحد من نشاطها يعدان بمثابة هدف سام لها، خاصة أن الانتقال من مرحلة الحكم المطلق إلى مرحلة الحكم المبني على أسس قانونية سيحد من الصلاحيات التي تتمتع بها الأجنحة المناوئة للمدنية، وهذه الفترة الانتقالية هي الفترة الانتقالية نفسها التي مرت بها دول أوروبا التي تخللها صراع دام بين القوى المدنية ومناهضيها. ومن الواضح أن المجتمعات الخليجية راغبة في الانتقال من مرحلة إلى أخرى بسلاسة من خلال المطالبة السلمية بتمدين مجتمعاتها. وانطلاقاً من هذه الرؤية لا شك أن آفاق مستقبل المجتمع المدني لدول الخليج العربية إذا سارت على هذه الوتيرة وإن كانت بطيئة بعض الشيء إلا أنها سوف تصل إلى مرحلة المجتمع المدني بكل ما تعنيه هذه الكلمة من معنى، قد تطول هذه المرحلة وقد تقصر ويعتمد ذلك على مدى ما يقدمه مثقفو المجتمع الخليجي من طموحات ترسخ مبدأ فصل السلطات و(قوننة) إدارة المجتمع وفق رؤية مستقبلية يكون فيها حكم الفصل للدساتير والقوانين المنظمة، وبوجود هذا الزخم والضغط الكبير سواء من الخارج أو من الداخل نحو تمدين المجتمعات الخليجية فإن الوقت لن يطول كثيراً وسوف نشهد نقلات نوعية وخطوات تشير إلى أن المجتمع المدني الخليجي وصل إلى نقطة اللاعودة وأن قطار المدنية انطلق ولن يوقفه لا المناوئون ولا السلطات. 

 

 

::/fulltext::
::cck::1674::/cck::

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *