منظمات المجتمع المدني.. الواقع والآفاق
::cck::1698::/cck::
::introtext::
تقاسمت الدولة ومؤسسات القطاع الخاص مسؤولية إدارة المجتمعات في غالبية دول العالم وخاصة في الدول الصناعية المتقدمة وعلى مدار قرون عديدة خلت، وتباينت عمليات التطور الحضاري في منطلقاتها الفكرية وتطبيقاتها العملية بين توسيع دور الدولة أو تقليصه. وقد شهد العقد الأخير من القرن العشرين إحياء دور تنظيمات أطُلق عليها منظمات المجتمع المدني التي ظهرت بأطر وتسميات مختلفة، كالجمعيات التعاونية والنقابات والأحزاب والاتحادات.. إلخ. وبمرور الزمن تصاعدت أعدادها، وتنامت إمكاناتها لتضطلع بمهام تنظيم المجتمع وتقديم الخدمات الثقافية والصحية والعلمية والاقتصادية.
::/introtext::
::fulltext::
تقاسمت الدولة ومؤسسات القطاع الخاص مسؤولية إدارة المجتمعات في غالبية دول العالم وخاصة في الدول الصناعية المتقدمة وعلى مدار قرون عديدة خلت، وتباينت عمليات التطور الحضاري في منطلقاتها الفكرية وتطبيقاتها العملية بين توسيع دور الدولة أو تقليصه. وقد شهد العقد الأخير من القرن العشرين إحياء دور تنظيمات أطُلق عليها منظمات المجتمع المدني التي ظهرت بأطر وتسميات مختلفة، كالجمعيات التعاونية والنقابات والأحزاب والاتحادات.. إلخ. وبمرور الزمن تصاعدت أعدادها، وتنامت إمكاناتها لتضطلع بمهام تنظيم المجتمع وتقديم الخدمات الثقافية والصحية والعلمية والاقتصادية.
منذ تسعينات القرن الماضي تصاعد دور منظمات المجتمع المدني على الصعيد العالمي، فعلى سبيل المثال بلغ عددها في الولايات المتحدة الأمريكية نحو مليوني منظمة غير حكومية، وفي الهندمليوناً وفي أوروبا الشرقية 100 ألف منظمة. ومما زاد من أهميتها اهتمام المنظمات الدولية بها، وخاصة منظمة الأمم المتحدة التي عقدت عدة مؤتمرات لهذا الغرض، كمؤتمر التنمية في البرازيل عام 1992 والمؤتمر الدولي للسكان والتنمية في القاهرة عام 1994 ومؤتمر القمة العالمية للتنمية الاجتماعية في كوبنهاجن عام 1995 والمؤتمر العالمي للمرأة في بكين عام 1995 ومؤتمر الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية في إسطنبول عام 1996.
خلفية تاريخية
استحوذ المجتمع المدني على اهتمام العديد من العلماء والمفكرين والفلاسفة، ومنذ أقدم الأزمان، وينفرد الفيلسوف اليوناني أفلاطون ( 427_347 ق.م) بكونه رسم ولأول مرة في التاريخ المدينة الفاضلة للمجتمع المدني في كتابه (الجمهورية الفاضلة) ويؤسس قوتها ووحدتها على حكم العقل، وينشأ المجتمع نتيجة لحاجة البشر إلى الآخر والتي لا يمكن إشباعها إلا بالتعاون بين أفراد ذلك المجتمع المدني، أما تلميذه أرسطو (384_322 ق.م) فيرى في المجتمع المدني كينونة سياسية وأخلاقية تنمو وتتطور بشكل طبيعي وبمراحل متطورة تبدأ من القرية إلى المدينة ينظمها الدستور والقانون. أما (أبو نصر محمد الفارابي 870 _950 م) فيذكر في تعقيبه حول آراء المدينة الفاضلة أن المدينة الفاضلة هي الدولة الفاضلة في تحديد تطابق المجتمع المدني مع المجتمع السياسي.
المجتمع المدني أصبح المقابل المختلف إلى حد التضاد لمفهوم المجتمع القبلي
وظلت مفاهيم المجتمع المدني عائمة إلى أن جاء شيخ الفلاسفة (هيغل في القرن التاسع عشر، حيث أدرج المجتمع المدني بين مؤسسات الدولة ذات السلطة والمجتمع التجاري _ الاقتصادي _ القائم على أساس الربح) سعياً منه إلى رفع قدرة المجتمع على التنظيم والتوازن. إن مناقشة هيغل للمجتمع المدني ترجع إلى آثار دراسته لفكر آدم سميث ونظريته (دعه يعمل دعه يمر) وهي أساس الفكر الاقتصادي عند الطبيعيين أو الفيزوقراطيين والذين يذهبون إلى أن رخاء الدولة يعتمد على تركها لحرية التجارة، وحرية الأفراد لكي يحققوا بقدر المستطاع أهدافهم الخاصة. وعلى نفس خطى هيغل سعى المفكر الاشتراكي (أنطونيو غرامشي 1891_ 1937) إلى تطوير هذا المفهوم من خلال زج المثقف في عملية تشكيل الرأي ورفع المستوى الثقافي عبر دعوته الملحة إلى تكوين منظمات اجتماعية ومهنية نقابية وتعددية حزبية لهدف اجتماعي صريح يضع البناء الفوقي حالة غير متنافرة مع البناء التحتي له وإيجاد طريقة للتفاعل الحيوي المستمر بينهما، من خلال منظمات المجتمع المدني المتمثلة بالاتحادات والجمعيات والأحزاب، وهي كيانات طوعية تشكل أسس منظمات المجتمع المدني.
أما في العالم العربي، فيعتبر عبد الرحمن الكواكبي أول من تصدى لهذا الموضوع في كتابه (طبائع الاستبداد) الذي أشار فيه إلى أن (الحكومة لا تخرج عن وصف الاستبداد ما لم تكن تحت المراقبة الشديدة والمحاسبة التي لا تسامح فيها)، ودعا إلى استخدام الآليات الانتخابية في الحكم، وفي العصر الراهن تحولت الحقوق السياسية والديمقراطية إلى حاجات أساسية لكل المجتمعات الإنسانية، وأضحت التطبيقات الديمقراطية هي المنطلقات الأساسية لمفهوم المجتمع المدني.
مفهوم المجتمع المدني
تتألف عبارة المجتمع المدني لغوياً من مصدرين: (مجتمع) وهو صيغة ترد في اللغة العربية إما اسم زمان، أي زمان (الاجتماع)، وإما مكان حصول هذا الحدث (مجتمع القوم، اجتماعهم أو مكانه أو زمانه). والمصدر الآخر (مدني) فهو يميل في اللغة العربية إلى المدينة (إلى الحاضرة). ويرى المفكر محمد عابد الجابري أن عبارة المجتمع المدني، بالنسبة إلى اللغة العربية، تكتسب معناها من مقابلها الذي هو (المجتمع البدوي) تماماً كما فعل ابن خلدون حينما استعمل مصطلح (الاجتماع الحضري) ومقابله (الاجتماع البدوي) كمفهومين إجرائيين في تحليل المجتمع العربي في عهده والعهود السابقة له. وبما أن القبيلة هي المكون الأساسي في البادية العربية فإن (المجتمع المدني) سيصبح المقابل المختلف إلى حد التضاد لمفهوم (المجتمع القبلي).
تعتبر الجمعيات الخيرية امتداداً لنظام الزكاة و مفهوم الصدقة الجارية
وتعني عبارة المجتمع المدني اصطلاحاً بكونه عبارة عن مجموعة من الأبنية السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والقانونية التي تنظم في إطارها شبكة معقدة من العلاقات والممارسات بين القوى والتكوينات الاجتماعية في المجتمع، ويحدث ذلك بصورة ديناميكية ومستمرة من خلال مجموعة من المؤسسات التطوعية التي تنشأ وتعمل باستقلالية عند الدولة، فيما عرّفت اللجنة الاقتصادية والاجتماعية لغربي آسيا (الإسكوا) المجتمع المدني بأنه مجموعة من التنظيمات التطوعية الحرة التي تملأ المجال العام بين الأسرة والدولة لتحقق مصالح أفرادها أو منافع جماعية ملتزمة في ذلك بقيم ومعايير الاحترام والتراضي والتسامح والإدارة السليمة للتنوع والاختلاف، وتضم مؤسسات المجتمع المدني المنظمات غير الحكومية والأحزاب والنقابات العمالية والمعاهد والجامعات المهنية والتجمعات الاجتماعية والدينية والصحافة وكل منظمات القاعدة الشعبية والنوادي الاجتماعية وما إلى ذلك من مؤسسات أو تجمعات. ومن أهم أركان عمل منظمات المجتمع المدني الأساسية التركيز على الفعل الإرادي الحر والطوعي والتنظيم والاعتماد على الأخلاقيات والسلوك أو قبول الاختلاف بين الذات والآخر.
ويتضح مما تقدم، أن المفهوم يستبعد المؤسسات الاجتماعية الأولية، كالأسرة والعشيرة والقبيلة والطائفة الإثنية، كما يستبعد منه المؤسسات الحكومية، ويبقي في نطاق المجتمع المدني المؤسسات والمنظمات غير الحكومية التي يقوم نشاطها على العمل التطوعي. وبمراجعة العديد من المصادر العلمية التي عُنيت بتعريف مفهوم المجتمع المدني يمكن استخلاص عدد من العناصر في مقدمتها الآتي:
1- المجتمع المدني هو المنظمات الوسطية والمستقلة التي تملأ الفضاء الاجتماعي بين الدولة والسوق والأسرة.
2- تقوم منظمات المجتمع المدني على أساس رابطة اختيارية يدخلها الأفراد طواعية.
3- تتطلب منظمات المجتمع المدني نظاماً قانونياً يحدد مجموعة الحقوق التي تكفل استغلال هذا المجتمع وتنظيم العلاقة بينه وبين الدولة.
4- سيادة ثقافة مدنية تقوم على أساس قبول الآخر المختلف وإقرار التعددية داخل المجتمع والقدرة على حل الصراعات بطريقة سليمة وديمقراطية.
واقع منظمات المجتمع المدني في دول مجلس التعاون الخليجي
تأثر العمل التطوعي الأهلي في دول الخليج ومنذ البداية بالظروف الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية للمجتمع العربي. وكان للقيم الدينية تأثير كبير في العمل التطوعي الأهلي، حيث تعتبر الجمعيات الخيرية وهي من أقدم الأشكال امتداداً لنظام الزكاة ومفهوم الصدقة الجارية الذي يمثل الوقف في الإسلام، انعكاساً لقيم التكافل الاجتماعي الذي تحض عليه الأديان، وقامت هذه المنظمات الدينية بدور كبير في نشر التعليم والثقافة الدينية إلى جانب تقديم الخدمات والمساعدات الاقتصادية و الاجتماعية. وفي سياق تطور المجتمعات الخليجية تم إرساء العديد من الأطر والضوابط المتقدمة التي تنظم المجتمع وفي مقدمتها الآتي:
1- الإطار السياسي
تجربة الانتخابات لا تزال حديثة على مجتمعات الدول الخليجية، رغم وجود تطبيقات لها في الكويت والبحرين، لاسيما أن تداول السلطة عادة ما يتم بصورة سليمة وفقاً للأنظمة السائدة كما لا توجد أحزاب سياسية في هذه الدول.
وتتميز دول مجلس التعاون بمستوى عال من النمو الاقتصادي وتراكم الثروة مما زاد من قدرة وسلطة الدولة على إشباع حاجات المواطنين وارتفاع مستوى الدخل الفردي، الامر الذي ساعد على الاستقرار السياسي، لذلك كانت نشأة الجمعيات التطوعية في دول مجلس التعاون ذات طابع ثقافي، فعلى سبيل المثال، ظهرت هذه الجمعيات من خلال النوادي الثقافية في البحرين 1919، والكويت 1923 وتصاعد الاهتمام بها في الستينات والسبعينات من القرن العشرين، حيث توالى إنشاء هذه المنظمات في السعودية، الكويت، قطر، سلطنة عمان والإمارات (وطبقاً لإحصائيات الشبكة العربية للمنظمات الأهلية، التقرير السنوي، القاهرة، 2002) فقد بلغ عدد الجمعيات التطوعية في دول مجلس التعاون الخليجي كما يلي: البحرين 321، السعودية 230، الكويت 103، الإمارات 113، عُمان 40، وقطر 10 جمعيات وتنحصر مهامها بأعمال تطوعية، ثقافية وتربوية واجتماعية واقتصادية.
2- الإطار القانوني
كفلت دساتير وقوانين دول مجلس التعاون الخليجي حق تكوين المنظمات والجمعيات التطوعية وكما يلي:
أولاً- الكويت : يكفل الدستور الكويتي حرية المجتمع وإنشاء الجمعيات الأهلية على أن تحصل على ترخيص لمزاولة عملها وتسجل في وزارة الشؤون الاجتماعية، وتشرف هذه الوزارة على كل منظمات المجتمع المدني ولها صلاحية إلغاء ترخيص أي منظمة لو ثبت أن نشاطاتها غير مقبولة اجتماعياً أو سياسياً أو أنها أساءت استخدام مواردها المالية. وحرم قانون الجمعيات الأهلية في الكويت ممارسة العمل السياسي.
ثانياً: السعودية: لم يكن للجمعيات التطوعية المستقلة ولا للاتحادات المهنية أو الأحزاب السياسية وجود في المملكة العربية السعودية طيلة العقود السابقة. وقد شهد العقد الأخير من القرن العشرين وحتى الوقت الحاضر، وخاصة بعد تولي الملك عبدالله بن عبد العزيز الحكم، إجازة أعداد كبيرة من الجمعيات الخيرية التطوعية وتجاوزت أعدادها (230) جمعية.
ثالثاً- الإمارات: ضمن الدستور الإماراتي حق المواطنين في مخاطبة السلطات العامة وحق تشكيل الجمعيات، إلا أن حرية الاجتماع العام وتكوين الجمعيات الأهلية تخضعان لموافقة الحكومة.
رابعاً- البحرين: ينظم قانون الجمعيات والمرسوم رقم 21 لسنة 1989 والمرسوم رقم (1) لسنة 1990 اللوائح الداخلية للجمعيات الأهلية وعلاقتها بالدولة ونشاطها في مجال جمع التبرعات وتحديد مهامها الاجتماعية والثقافية والاقتصادية.
خامساً- قطر: أكد الدستور القطري على حرية تأسيس الجمعيات وفقاً للشروط والظروف التي حددها القانون. وفي مايو 2004 منح القانون رقم ( 12 ) والذي حل محل القانون رقم ( 8 ) لعام 1998 حق تأسيس جمعيات المهن الحرة وغيرها.
سادساً- سلطنة عمان: يقر الدستور العماني حق تأسيس الجمعيات الأهلية بإشراف وزارة الشؤون الاجتماعية وعلى أساس وطني لأهداف مشروعة وبطريقة ملائمة لبنود القانون الأساسي، ويمنع تأسيس جمعيات ذات نشاط معاد للنظام الاجتماعي القائم أو ذات نشاط سري.
معوقات عمل منظمات المجتمع المدني
على الرغم من انتشار منظمات المجتمع المدني في غالبية الدول العربية بصورة عامة، وفي دول مجلس التعاون على وجه الخصوص، إلا أن العديد منها يتعرض لكثير من المعوقات، وفي مقدمتها الآتي:
1- المحددات السياسية: تشكل التطبيقات السياسية وخاصةً محدودية إجراء الانتخابات، وآليات تداول السلطة وتصنيف الحريات، ومسألة غياب الشفافية والممارسات الديمقراطية، أحد أهم المعوقات التي تواجه منظمات المجتمع المدني.
2- القيود القانونية: تواجه منظمات المجتمع المدني إشكالية الحصول على إجازة رسمية لممارسة أنشطتها المختلفة وذلك لوجود قيود قانونية تمنع ممارسة أنشطتها ووضع العراقيل التي تحول دون انطلاقتها.
3- التمويل المالي: تعاني منظمات المجتمع المدني من إشكالية التمويل بجانبيه الوطني والأجنبي لوجود قوانين وتشريعات تمنع تمويل نشاط منظمات المجتمع المدني ما لم تحدد أهدافها بشكل واضح، فيما يشكل التمويل الأجنبي معضلة تتحسب منظمات المجتمع المدني التعاطي معه لتحاشي الأهداف غير المعلنة التي يخطط لها المانحون لهذه المنظمات.
4- تقييد الحريات : لا تزال مساحة الحريات المتاحة محدودة مقارنة بمواقع كثيرة في دول العالم، فسلطة الدولة لا تزال شبة مطلقة وغير خاضعة للمساءلة أو التداول وذلك لاعتبارات تاريخية وسياسية واقتصادية.
5- الأنظمة الداخلية : على الرغم من النجاحات التي حققتها بعض منظمات المجتمع المدني في المجتمعات التي عملت فيها، إلا أن هذه التأثيرات ظلت محدودة وجزئية، وذلك بسبب أن النظم والهياكل الداخلية تحد من توزيع السلطة والموارد داخل هذه المجتمعات ما أدى إلى إخفاق عدد كبير من هذه المنظمات في تحقيق رسالتها الإنسانية.
مقومات نجاح منظمات المجتمع المدني
شهدت العقود الأخيرة من القرن العشرين تطورات إيجابية ونمواً غير مسبوق في تأسيس منظمات المجتمع المدني، وكان ذلك نتاجاً لمتغيرات عديدة، سياسية واقتصادية واجتماعية بعضها له سمة عالمية والأخرى محلية، وفي مقدمتها:
1- السياسات الاقتصادية: اتبعت معظم البلدان العربية ومنها دول مجلس التعاون الخليجي منذ منتصف الثمانينات سياسة التحرير الاقتصادي وتخلي الدولة عن جزء من الدور المحوري الذي كانت تشغله اقتصادياً واجتماعياً ما أتاح الفرصة لتنامي دور الجمعيات الأهلية في مختلف ميادين الحياة الاقتصادية والاجتماعية والصحية والثقافية.
2- التحولات الديموغرافية : تزايد عدد السكان في الدول العربية، ما أدى إلى تزايد احتياجات السكان فضلاً عن النمو الحضري الذي لم تواكبه تنمية اقتصادية تتناسب ومجمل التطورات التي شهدها المستوى العام للسكان.
3- دور المؤسسات المالية الدولية: مارست المؤسسات المالية الدولية ضغوطاً لتطبيق برامج التحرر الاقتصادي والتكيف الهيكلي، ما دفع إلى البحث عن فاعلين جدد غير حكوميين يتم التعامل معهم. فضلاً عن الدور الذي لعبته أيضاً منظمة الأمم المتحدة في مؤتمراتها المختلفة الداعمة والمشجعة للمنظمات غير الحكومية وعلى مستوى مختلف دول العالم .
وقد ساهمت هذه المتغيرات بإحداث تحولات جذرية على مستوى الكم والكيف في أوضاع المنظمات غير الحكومية العربية، ما أتاح الفرصة لإعادة النظر بدراسة وتقييم دور منظمات المجتمع المدني كقطاع ثالث يضطلع بقيادة التحولات الاجتماعية والاقتصادية والعلمية بالتعاون مع الدولة والقطاع الخاص في مختلف المجتمعات العربية.
وأخيراً نستخلص مما تقدم أن منظومة القيم والتقاليد الاجتماعية والدينية المتأصلة في المجتمع العربي تؤثر في مسار وآليات عمل منظمات المجتمع المدني باتجاهين: الأول، إيجابي يدعم ويؤيد تشكيل المنظمات التطوعية التي تخدم المجتمع. والثاني، سلبي ويرى بهذه المنظمات وسيلة لتكريس قيم وتقاليد قد تكون مستوردة من الخارج، وأنها قد تروج لأفكار هدامة تتنافى وقيم المجتمع العربي. وفي واقع الأمر أن التقليص التدريجي لدور الدولة وتشجيع الخصخصة وانتشار خطوات الإصلاح الاقتصادي ستدفع نحو اتساع دور منظمات المجتمع المدني وخاصة في دول مجلس التعاون الخليجي المتطورة اقتصادياً ما يتطلب وضع منهجيات عمل واضحة المعالم تتناسب ومستوى التطور الاجتماعي والسياسي والاقتصادي في المجتمع الخليجي.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::1698::/cck::
::introtext::
تقاسمت الدولة ومؤسسات القطاع الخاص مسؤولية إدارة المجتمعات في غالبية دول العالم وخاصة في الدول الصناعية المتقدمة وعلى مدار قرون عديدة خلت، وتباينت عمليات التطور الحضاري في منطلقاتها الفكرية وتطبيقاتها العملية بين توسيع دور الدولة أو تقليصه. وقد شهد العقد الأخير من القرن العشرين إحياء دور تنظيمات أطُلق عليها منظمات المجتمع المدني التي ظهرت بأطر وتسميات مختلفة، كالجمعيات التعاونية والنقابات والأحزاب والاتحادات.. إلخ. وبمرور الزمن تصاعدت أعدادها، وتنامت إمكاناتها لتضطلع بمهام تنظيم المجتمع وتقديم الخدمات الثقافية والصحية والعلمية والاقتصادية.
::/introtext::
::fulltext::
تقاسمت الدولة ومؤسسات القطاع الخاص مسؤولية إدارة المجتمعات في غالبية دول العالم وخاصة في الدول الصناعية المتقدمة وعلى مدار قرون عديدة خلت، وتباينت عمليات التطور الحضاري في منطلقاتها الفكرية وتطبيقاتها العملية بين توسيع دور الدولة أو تقليصه. وقد شهد العقد الأخير من القرن العشرين إحياء دور تنظيمات أطُلق عليها منظمات المجتمع المدني التي ظهرت بأطر وتسميات مختلفة، كالجمعيات التعاونية والنقابات والأحزاب والاتحادات.. إلخ. وبمرور الزمن تصاعدت أعدادها، وتنامت إمكاناتها لتضطلع بمهام تنظيم المجتمع وتقديم الخدمات الثقافية والصحية والعلمية والاقتصادية.
منذ تسعينات القرن الماضي تصاعد دور منظمات المجتمع المدني على الصعيد العالمي، فعلى سبيل المثال بلغ عددها في الولايات المتحدة الأمريكية نحو مليوني منظمة غير حكومية، وفي الهندمليوناً وفي أوروبا الشرقية 100 ألف منظمة. ومما زاد من أهميتها اهتمام المنظمات الدولية بها، وخاصة منظمة الأمم المتحدة التي عقدت عدة مؤتمرات لهذا الغرض، كمؤتمر التنمية في البرازيل عام 1992 والمؤتمر الدولي للسكان والتنمية في القاهرة عام 1994 ومؤتمر القمة العالمية للتنمية الاجتماعية في كوبنهاجن عام 1995 والمؤتمر العالمي للمرأة في بكين عام 1995 ومؤتمر الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية في إسطنبول عام 1996.
خلفية تاريخية
استحوذ المجتمع المدني على اهتمام العديد من العلماء والمفكرين والفلاسفة، ومنذ أقدم الأزمان، وينفرد الفيلسوف اليوناني أفلاطون ( 427_347 ق.م) بكونه رسم ولأول مرة في التاريخ المدينة الفاضلة للمجتمع المدني في كتابه (الجمهورية الفاضلة) ويؤسس قوتها ووحدتها على حكم العقل، وينشأ المجتمع نتيجة لحاجة البشر إلى الآخر والتي لا يمكن إشباعها إلا بالتعاون بين أفراد ذلك المجتمع المدني، أما تلميذه أرسطو (384_322 ق.م) فيرى في المجتمع المدني كينونة سياسية وأخلاقية تنمو وتتطور بشكل طبيعي وبمراحل متطورة تبدأ من القرية إلى المدينة ينظمها الدستور والقانون. أما (أبو نصر محمد الفارابي 870 _950 م) فيذكر في تعقيبه حول آراء المدينة الفاضلة أن المدينة الفاضلة هي الدولة الفاضلة في تحديد تطابق المجتمع المدني مع المجتمع السياسي.
المجتمع المدني أصبح المقابل المختلف إلى حد التضاد لمفهوم المجتمع القبلي
وظلت مفاهيم المجتمع المدني عائمة إلى أن جاء شيخ الفلاسفة (هيغل في القرن التاسع عشر، حيث أدرج المجتمع المدني بين مؤسسات الدولة ذات السلطة والمجتمع التجاري _ الاقتصادي _ القائم على أساس الربح) سعياً منه إلى رفع قدرة المجتمع على التنظيم والتوازن. إن مناقشة هيغل للمجتمع المدني ترجع إلى آثار دراسته لفكر آدم سميث ونظريته (دعه يعمل دعه يمر) وهي أساس الفكر الاقتصادي عند الطبيعيين أو الفيزوقراطيين والذين يذهبون إلى أن رخاء الدولة يعتمد على تركها لحرية التجارة، وحرية الأفراد لكي يحققوا بقدر المستطاع أهدافهم الخاصة. وعلى نفس خطى هيغل سعى المفكر الاشتراكي (أنطونيو غرامشي 1891_ 1937) إلى تطوير هذا المفهوم من خلال زج المثقف في عملية تشكيل الرأي ورفع المستوى الثقافي عبر دعوته الملحة إلى تكوين منظمات اجتماعية ومهنية نقابية وتعددية حزبية لهدف اجتماعي صريح يضع البناء الفوقي حالة غير متنافرة مع البناء التحتي له وإيجاد طريقة للتفاعل الحيوي المستمر بينهما، من خلال منظمات المجتمع المدني المتمثلة بالاتحادات والجمعيات والأحزاب، وهي كيانات طوعية تشكل أسس منظمات المجتمع المدني.
أما في العالم العربي، فيعتبر عبد الرحمن الكواكبي أول من تصدى لهذا الموضوع في كتابه (طبائع الاستبداد) الذي أشار فيه إلى أن (الحكومة لا تخرج عن وصف الاستبداد ما لم تكن تحت المراقبة الشديدة والمحاسبة التي لا تسامح فيها)، ودعا إلى استخدام الآليات الانتخابية في الحكم، وفي العصر الراهن تحولت الحقوق السياسية والديمقراطية إلى حاجات أساسية لكل المجتمعات الإنسانية، وأضحت التطبيقات الديمقراطية هي المنطلقات الأساسية لمفهوم المجتمع المدني.
مفهوم المجتمع المدني
تتألف عبارة المجتمع المدني لغوياً من مصدرين: (مجتمع) وهو صيغة ترد في اللغة العربية إما اسم زمان، أي زمان (الاجتماع)، وإما مكان حصول هذا الحدث (مجتمع القوم، اجتماعهم أو مكانه أو زمانه). والمصدر الآخر (مدني) فهو يميل في اللغة العربية إلى المدينة (إلى الحاضرة). ويرى المفكر محمد عابد الجابري أن عبارة المجتمع المدني، بالنسبة إلى اللغة العربية، تكتسب معناها من مقابلها الذي هو (المجتمع البدوي) تماماً كما فعل ابن خلدون حينما استعمل مصطلح (الاجتماع الحضري) ومقابله (الاجتماع البدوي) كمفهومين إجرائيين في تحليل المجتمع العربي في عهده والعهود السابقة له. وبما أن القبيلة هي المكون الأساسي في البادية العربية فإن (المجتمع المدني) سيصبح المقابل المختلف إلى حد التضاد لمفهوم (المجتمع القبلي).
تعتبر الجمعيات الخيرية امتداداً لنظام الزكاة و مفهوم الصدقة الجارية
وتعني عبارة المجتمع المدني اصطلاحاً بكونه عبارة عن مجموعة من الأبنية السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والقانونية التي تنظم في إطارها شبكة معقدة من العلاقات والممارسات بين القوى والتكوينات الاجتماعية في المجتمع، ويحدث ذلك بصورة ديناميكية ومستمرة من خلال مجموعة من المؤسسات التطوعية التي تنشأ وتعمل باستقلالية عند الدولة، فيما عرّفت اللجنة الاقتصادية والاجتماعية لغربي آسيا (الإسكوا) المجتمع المدني بأنه مجموعة من التنظيمات التطوعية الحرة التي تملأ المجال العام بين الأسرة والدولة لتحقق مصالح أفرادها أو منافع جماعية ملتزمة في ذلك بقيم ومعايير الاحترام والتراضي والتسامح والإدارة السليمة للتنوع والاختلاف، وتضم مؤسسات المجتمع المدني المنظمات غير الحكومية والأحزاب والنقابات العمالية والمعاهد والجامعات المهنية والتجمعات الاجتماعية والدينية والصحافة وكل منظمات القاعدة الشعبية والنوادي الاجتماعية وما إلى ذلك من مؤسسات أو تجمعات. ومن أهم أركان عمل منظمات المجتمع المدني الأساسية التركيز على الفعل الإرادي الحر والطوعي والتنظيم والاعتماد على الأخلاقيات والسلوك أو قبول الاختلاف بين الذات والآخر.
ويتضح مما تقدم، أن المفهوم يستبعد المؤسسات الاجتماعية الأولية، كالأسرة والعشيرة والقبيلة والطائفة الإثنية، كما يستبعد منه المؤسسات الحكومية، ويبقي في نطاق المجتمع المدني المؤسسات والمنظمات غير الحكومية التي يقوم نشاطها على العمل التطوعي. وبمراجعة العديد من المصادر العلمية التي عُنيت بتعريف مفهوم المجتمع المدني يمكن استخلاص عدد من العناصر في مقدمتها الآتي:
1- المجتمع المدني هو المنظمات الوسطية والمستقلة التي تملأ الفضاء الاجتماعي بين الدولة والسوق والأسرة.
2- تقوم منظمات المجتمع المدني على أساس رابطة اختيارية يدخلها الأفراد طواعية.
3- تتطلب منظمات المجتمع المدني نظاماً قانونياً يحدد مجموعة الحقوق التي تكفل استغلال هذا المجتمع وتنظيم العلاقة بينه وبين الدولة.
4- سيادة ثقافة مدنية تقوم على أساس قبول الآخر المختلف وإقرار التعددية داخل المجتمع والقدرة على حل الصراعات بطريقة سليمة وديمقراطية.
واقع منظمات المجتمع المدني في دول مجلس التعاون الخليجي
تأثر العمل التطوعي الأهلي في دول الخليج ومنذ البداية بالظروف الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية للمجتمع العربي. وكان للقيم الدينية تأثير كبير في العمل التطوعي الأهلي، حيث تعتبر الجمعيات الخيرية وهي من أقدم الأشكال امتداداً لنظام الزكاة ومفهوم الصدقة الجارية الذي يمثل الوقف في الإسلام، انعكاساً لقيم التكافل الاجتماعي الذي تحض عليه الأديان، وقامت هذه المنظمات الدينية بدور كبير في نشر التعليم والثقافة الدينية إلى جانب تقديم الخدمات والمساعدات الاقتصادية و الاجتماعية. وفي سياق تطور المجتمعات الخليجية تم إرساء العديد من الأطر والضوابط المتقدمة التي تنظم المجتمع وفي مقدمتها الآتي:
1- الإطار السياسي
تجربة الانتخابات لا تزال حديثة على مجتمعات الدول الخليجية، رغم وجود تطبيقات لها في الكويت والبحرين، لاسيما أن تداول السلطة عادة ما يتم بصورة سليمة وفقاً للأنظمة السائدة كما لا توجد أحزاب سياسية في هذه الدول.
وتتميز دول مجلس التعاون بمستوى عال من النمو الاقتصادي وتراكم الثروة مما زاد من قدرة وسلطة الدولة على إشباع حاجات المواطنين وارتفاع مستوى الدخل الفردي، الامر الذي ساعد على الاستقرار السياسي، لذلك كانت نشأة الجمعيات التطوعية في دول مجلس التعاون ذات طابع ثقافي، فعلى سبيل المثال، ظهرت هذه الجمعيات من خلال النوادي الثقافية في البحرين 1919، والكويت 1923 وتصاعد الاهتمام بها في الستينات والسبعينات من القرن العشرين، حيث توالى إنشاء هذه المنظمات في السعودية، الكويت، قطر، سلطنة عمان والإمارات (وطبقاً لإحصائيات الشبكة العربية للمنظمات الأهلية، التقرير السنوي، القاهرة، 2002) فقد بلغ عدد الجمعيات التطوعية في دول مجلس التعاون الخليجي كما يلي: البحرين 321، السعودية 230، الكويت 103، الإمارات 113، عُمان 40، وقطر 10 جمعيات وتنحصر مهامها بأعمال تطوعية، ثقافية وتربوية واجتماعية واقتصادية.
2- الإطار القانوني
كفلت دساتير وقوانين دول مجلس التعاون الخليجي حق تكوين المنظمات والجمعيات التطوعية وكما يلي:
أولاً- الكويت : يكفل الدستور الكويتي حرية المجتمع وإنشاء الجمعيات الأهلية على أن تحصل على ترخيص لمزاولة عملها وتسجل في وزارة الشؤون الاجتماعية، وتشرف هذه الوزارة على كل منظمات المجتمع المدني ولها صلاحية إلغاء ترخيص أي منظمة لو ثبت أن نشاطاتها غير مقبولة اجتماعياً أو سياسياً أو أنها أساءت استخدام مواردها المالية. وحرم قانون الجمعيات الأهلية في الكويت ممارسة العمل السياسي.
ثانياً: السعودية: لم يكن للجمعيات التطوعية المستقلة ولا للاتحادات المهنية أو الأحزاب السياسية وجود في المملكة العربية السعودية طيلة العقود السابقة. وقد شهد العقد الأخير من القرن العشرين وحتى الوقت الحاضر، وخاصة بعد تولي الملك عبدالله بن عبد العزيز الحكم، إجازة أعداد كبيرة من الجمعيات الخيرية التطوعية وتجاوزت أعدادها (230) جمعية.
ثالثاً- الإمارات: ضمن الدستور الإماراتي حق المواطنين في مخاطبة السلطات العامة وحق تشكيل الجمعيات، إلا أن حرية الاجتماع العام وتكوين الجمعيات الأهلية تخضعان لموافقة الحكومة.
رابعاً- البحرين: ينظم قانون الجمعيات والمرسوم رقم 21 لسنة 1989 والمرسوم رقم (1) لسنة 1990 اللوائح الداخلية للجمعيات الأهلية وعلاقتها بالدولة ونشاطها في مجال جمع التبرعات وتحديد مهامها الاجتماعية والثقافية والاقتصادية.
خامساً- قطر: أكد الدستور القطري على حرية تأسيس الجمعيات وفقاً للشروط والظروف التي حددها القانون. وفي مايو 2004 منح القانون رقم ( 12 ) والذي حل محل القانون رقم ( 8 ) لعام 1998 حق تأسيس جمعيات المهن الحرة وغيرها.
سادساً- سلطنة عمان: يقر الدستور العماني حق تأسيس الجمعيات الأهلية بإشراف وزارة الشؤون الاجتماعية وعلى أساس وطني لأهداف مشروعة وبطريقة ملائمة لبنود القانون الأساسي، ويمنع تأسيس جمعيات ذات نشاط معاد للنظام الاجتماعي القائم أو ذات نشاط سري.
معوقات عمل منظمات المجتمع المدني
على الرغم من انتشار منظمات المجتمع المدني في غالبية الدول العربية بصورة عامة، وفي دول مجلس التعاون على وجه الخصوص، إلا أن العديد منها يتعرض لكثير من المعوقات، وفي مقدمتها الآتي:
1- المحددات السياسية: تشكل التطبيقات السياسية وخاصةً محدودية إجراء الانتخابات، وآليات تداول السلطة وتصنيف الحريات، ومسألة غياب الشفافية والممارسات الديمقراطية، أحد أهم المعوقات التي تواجه منظمات المجتمع المدني.
2- القيود القانونية: تواجه منظمات المجتمع المدني إشكالية الحصول على إجازة رسمية لممارسة أنشطتها المختلفة وذلك لوجود قيود قانونية تمنع ممارسة أنشطتها ووضع العراقيل التي تحول دون انطلاقتها.
3- التمويل المالي: تعاني منظمات المجتمع المدني من إشكالية التمويل بجانبيه الوطني والأجنبي لوجود قوانين وتشريعات تمنع تمويل نشاط منظمات المجتمع المدني ما لم تحدد أهدافها بشكل واضح، فيما يشكل التمويل الأجنبي معضلة تتحسب منظمات المجتمع المدني التعاطي معه لتحاشي الأهداف غير المعلنة التي يخطط لها المانحون لهذه المنظمات.
4- تقييد الحريات : لا تزال مساحة الحريات المتاحة محدودة مقارنة بمواقع كثيرة في دول العالم، فسلطة الدولة لا تزال شبة مطلقة وغير خاضعة للمساءلة أو التداول وذلك لاعتبارات تاريخية وسياسية واقتصادية.
5- الأنظمة الداخلية : على الرغم من النجاحات التي حققتها بعض منظمات المجتمع المدني في المجتمعات التي عملت فيها، إلا أن هذه التأثيرات ظلت محدودة وجزئية، وذلك بسبب أن النظم والهياكل الداخلية تحد من توزيع السلطة والموارد داخل هذه المجتمعات ما أدى إلى إخفاق عدد كبير من هذه المنظمات في تحقيق رسالتها الإنسانية.
مقومات نجاح منظمات المجتمع المدني
شهدت العقود الأخيرة من القرن العشرين تطورات إيجابية ونمواً غير مسبوق في تأسيس منظمات المجتمع المدني، وكان ذلك نتاجاً لمتغيرات عديدة، سياسية واقتصادية واجتماعية بعضها له سمة عالمية والأخرى محلية، وفي مقدمتها:
1- السياسات الاقتصادية: اتبعت معظم البلدان العربية ومنها دول مجلس التعاون الخليجي منذ منتصف الثمانينات سياسة التحرير الاقتصادي وتخلي الدولة عن جزء من الدور المحوري الذي كانت تشغله اقتصادياً واجتماعياً ما أتاح الفرصة لتنامي دور الجمعيات الأهلية في مختلف ميادين الحياة الاقتصادية والاجتماعية والصحية والثقافية.
2- التحولات الديموغرافية : تزايد عدد السكان في الدول العربية، ما أدى إلى تزايد احتياجات السكان فضلاً عن النمو الحضري الذي لم تواكبه تنمية اقتصادية تتناسب ومجمل التطورات التي شهدها المستوى العام للسكان.
3- دور المؤسسات المالية الدولية: مارست المؤسسات المالية الدولية ضغوطاً لتطبيق برامج التحرر الاقتصادي والتكيف الهيكلي، ما دفع إلى البحث عن فاعلين جدد غير حكوميين يتم التعامل معهم. فضلاً عن الدور الذي لعبته أيضاً منظمة الأمم المتحدة في مؤتمراتها المختلفة الداعمة والمشجعة للمنظمات غير الحكومية وعلى مستوى مختلف دول العالم .
وقد ساهمت هذه المتغيرات بإحداث تحولات جذرية على مستوى الكم والكيف في أوضاع المنظمات غير الحكومية العربية، ما أتاح الفرصة لإعادة النظر بدراسة وتقييم دور منظمات المجتمع المدني كقطاع ثالث يضطلع بقيادة التحولات الاجتماعية والاقتصادية والعلمية بالتعاون مع الدولة والقطاع الخاص في مختلف المجتمعات العربية.
وأخيراً نستخلص مما تقدم أن منظومة القيم والتقاليد الاجتماعية والدينية المتأصلة في المجتمع العربي تؤثر في مسار وآليات عمل منظمات المجتمع المدني باتجاهين: الأول، إيجابي يدعم ويؤيد تشكيل المنظمات التطوعية التي تخدم المجتمع. والثاني، سلبي ويرى بهذه المنظمات وسيلة لتكريس قيم وتقاليد قد تكون مستوردة من الخارج، وأنها قد تروج لأفكار هدامة تتنافى وقيم المجتمع العربي. وفي واقع الأمر أن التقليص التدريجي لدور الدولة وتشجيع الخصخصة وانتشار خطوات الإصلاح الاقتصادي ستدفع نحو اتساع دور منظمات المجتمع المدني وخاصة في دول مجلس التعاون الخليجي المتطورة اقتصادياً ما يتطلب وضع منهجيات عمل واضحة المعالم تتناسب ومستوى التطور الاجتماعي والسياسي والاقتصادي في المجتمع الخليجي.
::/fulltext::
::cck::1698::/cck::
