بعد الصحوة الروسية: مداخل سياسة موسكو الخارجية في الشرق الأوسط
::cck::1859::/cck::
::introtext::
ما لم يعد موضع جدال ونقاش أن الدب الروسي قد صحا من غفوته الشتوية، وانتقل من الغيبوبة إلى حالة الانتعاش في الداخل، وإلى الحضور المحسوس في المحيط الدولي، في انبعاث لا تخطئه العين، فيه استرجاع ( خاصة في الخارج) لشيء من الوهج السوفييتي في عز الحرب الباردة وبما يرشحه لاستعادة المزيد منه، باستثناء الأيديولوجيا التي تخفف منها نظام ما بعد الانهيار وتركها للتاريخ.
::/introtext::
::fulltext::
ما لم يعد موضع جدال ونقاش أن الدب الروسي قد صحا من غفوته الشتوية، وانتقل من الغيبوبة إلى حالة الانتعاش في الداخل، وإلى الحضور المحسوس في المحيط الدولي، في انبعاث لا تخطئه العين، فيه استرجاع ( خاصة في الخارج) لشيء من الوهج السوفييتي في عز الحرب الباردة وبما يرشحه لاستعادة المزيد منه، باستثناء الأيديولوجيا التي تخفف منها نظام ما بعد الانهيار وتركها للتاريخ.
إن أكثر ما يلفت في هذا النهوض -ولو النسبي- سرعته وزخمه، فقد بدا وكأنه اختصر الزمن، فليس قليلاً أن تعمل موسكو وتنجح في لملمة أشلائها بعد انفجار إمبراطوريتها العملاقة، وفي فترة أقل من عقدين من الزمن لم يكن من المتوقع في حساب التاريخ وشواهده أن تسترجع من العافية في زمن قصير ما يكفي لجعلها لاعباً -ولو من دون تاج الدولة العظمى- على المسرح الدولي، لا سيما أن الانهيار حدث من الداخل تحت وطأة ثقل وترهل الجسم السوفييتي المتورم والواهن. فقد كان من المفترض في ضوء ذلك أن تبقى روسيا مطمورة تحت أنقاض ذلك الزلزال المدمر والمدوي لردح طويل من الزمن. لكن ما حصل كان بخلاف ذلك، فالشتاء الروسي هذه المرة لم يكن طويلاً، كان بعمر الزمن كومضة عين. أول ثماني سنوات من ولاية الرئيس يلتسين الانتقالية كانت فترة انكسار على كافة المستويات، فالأوضاع كانت في أحسن أحوالها مخلخلة على صورة رئيس تلك الحقبة: (براغي) الاتحاد السوفييتي كانت رخوة ومهددة بالانحلال، الخزينة مفلسة، الديون متراكمة، العملة منهارة، الجيش معنوياته على شفير الانهيار، بالكاد تصله رواتبه الهزيلة. وهكذا كان الوضع السياسي وسط حالة اجتماعية بائسة وشعور متعاظم بالإهانة والذل، حيث كانت روسيا في غرفة العناية الفائقة، كانت بمثابة الرجل المريض الذي تنهش به فيروسات الفقر والمديونية وعصابات المافيا. بعدها ومع قدوم الرئيس فلاديمير بوتين، بدأت بوادر الانفراج تتوالى وبوتيرة قياسية، فسرعان ما أخذت الصورة تتبدل، وطلعت روسيا المريضة من غرفة العناية، (مع بداية ولاية الرئيس الثانية)، ثم اتجهت في استدارة خاطفة نحو قيامة لا تزال مسيرتها مستمرة، حيث شخصية بوتين كانت حاسمة في هذا الانتقال.
فالرجل المتخرج في مدرسة الاستخبارات السوفييتية السابقة، لا يساوم على روسيته، وإلى حدود التعصب لها، فهو مسكون بهاجس الدولة العظمى واستعادة مكانتها وثقلها وبالتالي امتلاكها للنفوذ الذي يليق بها، كما يطمح إلى استرجاع موقع الند المتكافئ في علاقته مع الغرب بشكل خاص، فهو يتقن مزج الليونة بروح التحدي، ويبدو وكأن رد الاعتبار هو شغله الشاغل. باختصار إنه يتصرف بما يفيد ومن غير مواربة، وأن التعامل مع روسيا كرجل مريض انتهى أوانه لذلك أطلقوا عليه لقب (القيصر الجديد). لكن هذا القيصر لم يكن لينجح في تعويم روسيا والتحول إلى رقم يحسب حسابه في خريطة المعادلات الدولية لولا الظروف المواتية التي أسعفته في الداخل والخارج، حيث إن خصوصيات زعامته كانت ضرورية لكنها غير كافية على الأقل لتحقيق النقلة النوعية التي قادها بهذه السرعة وهذا الزخم، ففي الداخل كانت الطاقة الغزيرة (نفط وغاز) وأسعارها الجنونية، أما في الخارج فكانت سياسات إدارة الرئيس بوش الخاطئة في حساباتها، المتهورة في رهاناتها، والاستفزازية في مقاصدها. كل هذه الظروف شكلت الرافعة للنهوض ومكنت بوتين من تحقيق الانعطافة بالوضع الروسي نحو سكة التعافي.
فبلاده أكبر مصدّر للطاقة في العالم ترقد فوق أكبر مستودع للغاز في الكرة الأرضية، وتزود أوروبا بـ 26 في المائة من احتياجاتها منه، غزارة رافقها في زمن بوتين الثاني ارتفاع جنوني في الأسعار، فتدفق (البترودولار) على الخزانة الروسية كالطوفان، حيث كانت لحظة تضافرت خلالها كل عوامل البحبوحة، التي ساعدت موسكو على تسديد ديونها – بل سمحت لها بشطب ديون لها على الآخرين (مثل 80 في المائة من هذه الديون على العراق) وتعزيز احتياطها بالعملة الصعبة، فضلاً عن تحسين الأوضاع المعيشية للروس ورفع مستويات رواتبهم واستطراداً تحقيق قدر ملحوظ من الأمن الاقتصادي والاجتماعي وبالتالي الاستقرار السياسي، كما جرى في خضم هذه الطفرة تدعيم وتعزيز الصناعة العسكرية الروسية وصناعة الطيران المدني، ففي مايو الماضي أجرت موسكو اختباراً لصاروخ (س 24) المتعدد الرؤوس والقادر على اختراق أي جهاز دفاع مضاد للصواريخ، وفي شهر سبتمبر الماضي أجرت أيضاً تجربة اختبارية للقنبلة (الفراغية) المتطورة التي يوازي انفجارها أضعاف قنبلة نووية، وازدادت النفقات العسكرية لروسيا 69 في المائة منذ 2003، ثم ارتفعت 23 في المائة في السنة الحالية ليبلغ الإجمالي 60 مليار دولار، وهي تقترب من 4 في المائة من ناتجها القومي خلال السنوات العشر المقبلة. وقد تحققت مثل هذه القفزة وأكثر في حجم مبيعاتها الحربية، ففي العام المنصرم بلغ حجمها 8.1 مليار دولار (28 في المائة) مباشرة بعد الولايات المتحدة 10.3 مليار دولار (35.8 في المائة) من إجمالي المبيعات العسكرية الدولية 28.8 مليار دولار للدول النامية، أما إجمالي هذه المبيعات للدول الغنية والنامية معاً فقد بلغ 40.3 مليار دولار، وبقيت روسيا الثانية في هذا الإجمالي 8.7 مليار دولار بعد أمريكا 16.9 مليار.
أيضاً اقتحمت روسيا ميدان صناعة الطيران المدني التجاري، وعرضت مؤخراً طائرة ركاب وهي في صدد الإعداد لصفقات مع بعض الدول. وطبعاً كل هذه الأرقام لا تزال متواضعة بالمقارنة مع غيرها خاصة مع أمريكا وبالذات على صعيد الإنفاق العسكري، فالحصة الروسية تبلغ 60 مليار دولار توازي فقط عُشر الإنفاق الأمريكي. لكن ذلك قياساً بما كانت الأمور عليه بعد الانهيار وحتى عام 2000، يشكل نقلة نوعية ملحوظة، خاصة أنها لا تزال متواصلة ومتصاعدة.
بوتين الرجل المتخرج في مدرسة الاستخبارات السوفييتية السابقة لا يساوم على روسيته
وبدأ الرئيس بوتين متكئاً على هذه التحولات الإيجابية في الداخل من تحسين الأوضاع واستعادة المعنويات، والتي رفعت رصيده إلى حوالي 70 في المائة من التأييد الشعبي، بالالتفات إلى الساحة الخارجية ليشعرها بالعودة الروسية إليها ويحملها على تغيير قواعد اللعبة مع روسيا، وخاصة واشنطن عبر الساحة الأوروبية وذلك رداً على ما اعتبرته موسكو استفزازاً لها ومحاولة لعزلها ومحاصرتها من خلال مواصلة إدارة بوش لتوسيع الناتو الذي وصل فلكه إلى تخومها، وكذلك من خلال إصرارها على نصب شبكة صاروخية مضادة للصواريخ في بولندا والتشيك. ولتبليغ الرسالة عمل بوتين على توظيف أوراق عدة: استئناف الطلعات الجوية العسكرية في الأجواء المحاذية وأحياناً تعمدت خرقها، وكذلك وقفت روسيا بقوة مع بلغراد ضد استقلال كوسوفو.
وفي هذا الصدد حذرت موسكو من الإقدام على إعلان هذا الاستقلال في الموعد الأقصى المحدد 10 ديسمبر المقبل، مع التلويح بأنه لو أصر الأمريكيون والأوروبيون على ذلك فإن روسيا لن تتردد في دعم استقلال ثلاث مقاطعات أعلنت تمردها على حكومتي جورجيا وملدوفيا، وربما تشجيع الصرب في البوسنة على طلب الانضمام إلى صربيا. وطبعاً هذا بالإضافة إلى مفتاح الغاز الروسي لأوروبا، الذي تمسك به موسكو والذي سبق واستخدمته في عز الشتاء الماضي، يوم أوقفت تدفق هذا الغاز إلى القارة التي هي بأشد الحاجة إليه.
وهكذا بدت السياسة الروسية البوتينية وكأنها مبنية على مبدأ (رد الصاع صاعين)، لواشنطن وحلفائها، حين أرادوا إغراقه بسباق تسلح – كما فعل ريغان في أواخر أيام الاتحاد السوفييتي – فقبل بوتين التحدي، لأن وفرة السيولة النفطية – الغازية بين يديه تمكنه من ذلك. فهم شدوا الخناق بالناتو وشبكات الصواريخ المضادة على بلاده، فرّد بإثارة المتاعب لخصومه في روسيا البيضاء وأوكرانيا والقوقاز، ناهيك عن البلقان، بل عملت موسكو على توسيع مساحة تواجدها فغزت استثماراتها إفريقيا في مزاحمة مع الصين وواشنطن. أما الشرق الأوسط فكان الساحة التي رأى فيها الرئيس الروسي المكان الأكثر ملاءمة لمشاكسة واشنطن، فهي محقونة كفاية ضد سياسات هذه الأخيره. وبقدر ما النفور من إدارة بوش درجته عالية فيها، بقدر ما هي – أي المنطقة – جاهزة للعودة الروسية، وهذه المرة المقبولية في المنطقة، لشراكة مع موسكو، أعلى وأفضل من السابق، عندما كانت الأيديولوجيا الشيوعية تقف حجر عثرة وتخوف من الذهاب عميقاً مع الاتحاد السوفييتي القديم. واليوم أصبحت هذه العقدة غير قائمة.
جرى في خضم الطفرة في أسعار البترول تدعيم وتعزيز الصناعة العسكرية الروسية
ويدرك بوتين، لا شك، هذا الواقع، كما أدرك أن من يقتحم تخومه الأوروبية متورط في العراق وغارق في رماله. وعلى أرضية هذه المعطيات سلك مداخل عدة إلى المنطقة لتوطيد علاقات موسكو مع أطرافها، وبما يوفر له الحضور اللازم، إذا لم يكن لمزاحمة الولايات المتحدة فيها، فعلى الأقل لزيادة متاعبها وأوجاع رأسها الشرق أوسطية. وفتح بوتين حنفية بيع السلاح، فمثلاً الجزائر عقدت صفقة سلاح روسي بمبلغ 4 مليارات وسوريا أيضاً أبرمت صفقات صاروخية ودفاعات جوية كبيرة. وكذلك بادر بوتين إلى فتح طرق دبلوماسية إلى عواصم عربية كانت في السابق باردة، في أحسن أحوالها، أو شبه مهجورة. وتمثل ذلك في زياراته الخليجية إلى السعودية وقطر والإمارات، وما نتج عن ذلك من إنعاش وتعزيز للعلاقات التجارية والسياحية وحتى العسكرية – ولو الخفيفة – والأمنية بين موسكو وهذه الدول، لكن رهانه الكبير بقي على إيران حيث وقف إلى جانبها ومنحها مظلته الواقية في مجلس الأمن في الموضوع النووي ورفض الموافقة على فرض عقوبات اقتصادية ضدها، وحذر مراراً وتكراراً من الخيار العسكري الأمريكي واستهداف المنشآت النووية الإيرانية. هذا عدا عن الصفقات العسكرية بين موسكو وطهران، حيث قام الرئيس بوتين بزيارة تاريخية إلى إيران هي الأولى منذ عام 1943، يوم التقى الزعيم السوفييتي ستالين مع تشرشل والرئيس روزفلت في قمة ثلاثية عقدت في طهران.
وهكذا، في مسيرة إصرارها على العودة إلى احتلال مقعد يتناسب مع حجمها على الطاولة الدولية، تتحرك روسيا بوتين على مروحة واسعة من الخيارات والأوراق. وحتماً موسكو اليوم – وحتى الغد القريب – ليست موسكو السوفييت من حيث الثقل والامتداد وبالتالي النفوذ. لكن ثمة فوارق سواء بين الأمس واليوم تصب في تعزيز عملية الاقتحام الروسي الجديد: من متانة الجبهة الداخلية في روسيا، سواء لجهة الاستقرار أو الالتفاف حول قيادة بوتين، فضلاً عن حالة اليسر المتوفرة، إلى تقلص التزامات موسكو، الأقل انفلاشاً وبما لا يقاس مع حجم التزاماتها السوفييتية السابقة، مروراً بغياب (البعبع) الشيوعي الذي كان من أقوى الأسلحة بأيدي واشنطن والغرب، ثم هناك التذمر الواسع، بل النقمة الواسعة، على الانفلات الأمريكي ووجود قدر من العطش لكبحه، إذا لم يكن من موقع الردع فعلى الأقل من موقع القدرة على تنغيص استباحته، ويعتبر الشرق الأوسط هنا أرضاً خصبة لمثل هذا الدور الروسي، الذي يشرف بوتين مباشرة على نسج خيوطه وشبكة علاقاته، ويعزز هذا التوجه عزم الرئيس الروسي على البقاء منخرطاً في الحياة السياسية وصناعة القرار الروسي.
فقد ألمح بوتين قبل فترة إلى رغبته في شغل منصب رئيس الوزراء بعد انتهاء مدة رئاسته عام 2008. وثمة توقعات تتحدث عن اعتزامه العودة إلى الرئاسة عام 2012. وكانت الرسالة من كل ذلك أن روسيا المنبعثة من جديد عازمة على الاستمرار في هذا الخط، وأمام أمريكا والغرب خياران: إما شبه حرب باردة جديدة أو التراجع والتعاون مع موسكو في عدة ملفات تشغل العواصم الغربية وتشكل تحديات كبيرة لها: انتشار أسلحة الدمار، محاربة الإرهاب، السلام والاستقرار في الشرق الأوسط. حيث إن لعبة روسيا مركبة في هذا الإطار، وليست من العيار القادر على التهديد، لكن بالتأكيد هي قادرة على الإرباك، وبالتالي على إعادة قدر من التوازن في المعادلة الدولية، المحتاجة إلى تعدد الأقطاب فيها (كما كان يدعو الرئيس الفرنسي السابق جاك شيراك) والأوراق التي تمسك بها موسكو مؤثرة في هذا المجال، فها هو بوتين يقول لواشنطن والأوروبيين، من خلال زيارته إلى طهران ولقاءاته مع القيادة الإيرانية على هامش قمة دول بحر قزوين (إن حل ملف إيران النووي يمر في موسكو، وهو مرور له ثمن) وكذلك هي ورقة السلاح والتسليح، ناهيك عن ورقة الممانعة في مجلس الأمن الدولي.
قبل 50 سنة ردت موسكو السوفييتية على مذهب آيزنهاور الدفاعي بوجه الخطر الأحمر، بإطلاق صاروخ (سبوتنك) الفضائي. تطور أربك واشنطن يومذاك وحملها على الدخول في سباق تسلح، انتهى لمصلحتها لأسباب كثيرة، على رأسها نقاط الضعف السوفييتي، الذاتية والموضوعية. واليوم يبدو التاريخ وكأنه يكرر نفسه ولو بصورة مصغرة، فالرئيس بوتين نجح في خلق إشكاليات لا يستهان بها أمام واشنطن خاصة في منطقتنا، فهل يتكرر المشهد من حيث نهاياته؟ المباراة لا تزال في بدايتها، والمؤكد فيها أن مبادرة الهجوم لا تزال بيد واشنطن، لكن الدفاع الروسي يعتمد تكتيك التسلل إلى نقاط الضعف في هذا الهجوم. وتعد ساحة الشرق الأوسط أساسية في هذه المنازلة.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::1859::/cck::
::introtext::
ما لم يعد موضع جدال ونقاش أن الدب الروسي قد صحا من غفوته الشتوية، وانتقل من الغيبوبة إلى حالة الانتعاش في الداخل، وإلى الحضور المحسوس في المحيط الدولي، في انبعاث لا تخطئه العين، فيه استرجاع ( خاصة في الخارج) لشيء من الوهج السوفييتي في عز الحرب الباردة وبما يرشحه لاستعادة المزيد منه، باستثناء الأيديولوجيا التي تخفف منها نظام ما بعد الانهيار وتركها للتاريخ.
::/introtext::
::fulltext::
ما لم يعد موضع جدال ونقاش أن الدب الروسي قد صحا من غفوته الشتوية، وانتقل من الغيبوبة إلى حالة الانتعاش في الداخل، وإلى الحضور المحسوس في المحيط الدولي، في انبعاث لا تخطئه العين، فيه استرجاع ( خاصة في الخارج) لشيء من الوهج السوفييتي في عز الحرب الباردة وبما يرشحه لاستعادة المزيد منه، باستثناء الأيديولوجيا التي تخفف منها نظام ما بعد الانهيار وتركها للتاريخ.
إن أكثر ما يلفت في هذا النهوض -ولو النسبي- سرعته وزخمه، فقد بدا وكأنه اختصر الزمن، فليس قليلاً أن تعمل موسكو وتنجح في لملمة أشلائها بعد انفجار إمبراطوريتها العملاقة، وفي فترة أقل من عقدين من الزمن لم يكن من المتوقع في حساب التاريخ وشواهده أن تسترجع من العافية في زمن قصير ما يكفي لجعلها لاعباً -ولو من دون تاج الدولة العظمى- على المسرح الدولي، لا سيما أن الانهيار حدث من الداخل تحت وطأة ثقل وترهل الجسم السوفييتي المتورم والواهن. فقد كان من المفترض في ضوء ذلك أن تبقى روسيا مطمورة تحت أنقاض ذلك الزلزال المدمر والمدوي لردح طويل من الزمن. لكن ما حصل كان بخلاف ذلك، فالشتاء الروسي هذه المرة لم يكن طويلاً، كان بعمر الزمن كومضة عين. أول ثماني سنوات من ولاية الرئيس يلتسين الانتقالية كانت فترة انكسار على كافة المستويات، فالأوضاع كانت في أحسن أحوالها مخلخلة على صورة رئيس تلك الحقبة: (براغي) الاتحاد السوفييتي كانت رخوة ومهددة بالانحلال، الخزينة مفلسة، الديون متراكمة، العملة منهارة، الجيش معنوياته على شفير الانهيار، بالكاد تصله رواتبه الهزيلة. وهكذا كان الوضع السياسي وسط حالة اجتماعية بائسة وشعور متعاظم بالإهانة والذل، حيث كانت روسيا في غرفة العناية الفائقة، كانت بمثابة الرجل المريض الذي تنهش به فيروسات الفقر والمديونية وعصابات المافيا. بعدها ومع قدوم الرئيس فلاديمير بوتين، بدأت بوادر الانفراج تتوالى وبوتيرة قياسية، فسرعان ما أخذت الصورة تتبدل، وطلعت روسيا المريضة من غرفة العناية، (مع بداية ولاية الرئيس الثانية)، ثم اتجهت في استدارة خاطفة نحو قيامة لا تزال مسيرتها مستمرة، حيث شخصية بوتين كانت حاسمة في هذا الانتقال.
فالرجل المتخرج في مدرسة الاستخبارات السوفييتية السابقة، لا يساوم على روسيته، وإلى حدود التعصب لها، فهو مسكون بهاجس الدولة العظمى واستعادة مكانتها وثقلها وبالتالي امتلاكها للنفوذ الذي يليق بها، كما يطمح إلى استرجاع موقع الند المتكافئ في علاقته مع الغرب بشكل خاص، فهو يتقن مزج الليونة بروح التحدي، ويبدو وكأن رد الاعتبار هو شغله الشاغل. باختصار إنه يتصرف بما يفيد ومن غير مواربة، وأن التعامل مع روسيا كرجل مريض انتهى أوانه لذلك أطلقوا عليه لقب (القيصر الجديد). لكن هذا القيصر لم يكن لينجح في تعويم روسيا والتحول إلى رقم يحسب حسابه في خريطة المعادلات الدولية لولا الظروف المواتية التي أسعفته في الداخل والخارج، حيث إن خصوصيات زعامته كانت ضرورية لكنها غير كافية على الأقل لتحقيق النقلة النوعية التي قادها بهذه السرعة وهذا الزخم، ففي الداخل كانت الطاقة الغزيرة (نفط وغاز) وأسعارها الجنونية، أما في الخارج فكانت سياسات إدارة الرئيس بوش الخاطئة في حساباتها، المتهورة في رهاناتها، والاستفزازية في مقاصدها. كل هذه الظروف شكلت الرافعة للنهوض ومكنت بوتين من تحقيق الانعطافة بالوضع الروسي نحو سكة التعافي.
فبلاده أكبر مصدّر للطاقة في العالم ترقد فوق أكبر مستودع للغاز في الكرة الأرضية، وتزود أوروبا بـ 26 في المائة من احتياجاتها منه، غزارة رافقها في زمن بوتين الثاني ارتفاع جنوني في الأسعار، فتدفق (البترودولار) على الخزانة الروسية كالطوفان، حيث كانت لحظة تضافرت خلالها كل عوامل البحبوحة، التي ساعدت موسكو على تسديد ديونها – بل سمحت لها بشطب ديون لها على الآخرين (مثل 80 في المائة من هذه الديون على العراق) وتعزيز احتياطها بالعملة الصعبة، فضلاً عن تحسين الأوضاع المعيشية للروس ورفع مستويات رواتبهم واستطراداً تحقيق قدر ملحوظ من الأمن الاقتصادي والاجتماعي وبالتالي الاستقرار السياسي، كما جرى في خضم هذه الطفرة تدعيم وتعزيز الصناعة العسكرية الروسية وصناعة الطيران المدني، ففي مايو الماضي أجرت موسكو اختباراً لصاروخ (س 24) المتعدد الرؤوس والقادر على اختراق أي جهاز دفاع مضاد للصواريخ، وفي شهر سبتمبر الماضي أجرت أيضاً تجربة اختبارية للقنبلة (الفراغية) المتطورة التي يوازي انفجارها أضعاف قنبلة نووية، وازدادت النفقات العسكرية لروسيا 69 في المائة منذ 2003، ثم ارتفعت 23 في المائة في السنة الحالية ليبلغ الإجمالي 60 مليار دولار، وهي تقترب من 4 في المائة من ناتجها القومي خلال السنوات العشر المقبلة. وقد تحققت مثل هذه القفزة وأكثر في حجم مبيعاتها الحربية، ففي العام المنصرم بلغ حجمها 8.1 مليار دولار (28 في المائة) مباشرة بعد الولايات المتحدة 10.3 مليار دولار (35.8 في المائة) من إجمالي المبيعات العسكرية الدولية 28.8 مليار دولار للدول النامية، أما إجمالي هذه المبيعات للدول الغنية والنامية معاً فقد بلغ 40.3 مليار دولار، وبقيت روسيا الثانية في هذا الإجمالي 8.7 مليار دولار بعد أمريكا 16.9 مليار.
أيضاً اقتحمت روسيا ميدان صناعة الطيران المدني التجاري، وعرضت مؤخراً طائرة ركاب وهي في صدد الإعداد لصفقات مع بعض الدول. وطبعاً كل هذه الأرقام لا تزال متواضعة بالمقارنة مع غيرها خاصة مع أمريكا وبالذات على صعيد الإنفاق العسكري، فالحصة الروسية تبلغ 60 مليار دولار توازي فقط عُشر الإنفاق الأمريكي. لكن ذلك قياساً بما كانت الأمور عليه بعد الانهيار وحتى عام 2000، يشكل نقلة نوعية ملحوظة، خاصة أنها لا تزال متواصلة ومتصاعدة.
بوتين الرجل المتخرج في مدرسة الاستخبارات السوفييتية السابقة لا يساوم على روسيته
وبدأ الرئيس بوتين متكئاً على هذه التحولات الإيجابية في الداخل من تحسين الأوضاع واستعادة المعنويات، والتي رفعت رصيده إلى حوالي 70 في المائة من التأييد الشعبي، بالالتفات إلى الساحة الخارجية ليشعرها بالعودة الروسية إليها ويحملها على تغيير قواعد اللعبة مع روسيا، وخاصة واشنطن عبر الساحة الأوروبية وذلك رداً على ما اعتبرته موسكو استفزازاً لها ومحاولة لعزلها ومحاصرتها من خلال مواصلة إدارة بوش لتوسيع الناتو الذي وصل فلكه إلى تخومها، وكذلك من خلال إصرارها على نصب شبكة صاروخية مضادة للصواريخ في بولندا والتشيك. ولتبليغ الرسالة عمل بوتين على توظيف أوراق عدة: استئناف الطلعات الجوية العسكرية في الأجواء المحاذية وأحياناً تعمدت خرقها، وكذلك وقفت روسيا بقوة مع بلغراد ضد استقلال كوسوفو.
وفي هذا الصدد حذرت موسكو من الإقدام على إعلان هذا الاستقلال في الموعد الأقصى المحدد 10 ديسمبر المقبل، مع التلويح بأنه لو أصر الأمريكيون والأوروبيون على ذلك فإن روسيا لن تتردد في دعم استقلال ثلاث مقاطعات أعلنت تمردها على حكومتي جورجيا وملدوفيا، وربما تشجيع الصرب في البوسنة على طلب الانضمام إلى صربيا. وطبعاً هذا بالإضافة إلى مفتاح الغاز الروسي لأوروبا، الذي تمسك به موسكو والذي سبق واستخدمته في عز الشتاء الماضي، يوم أوقفت تدفق هذا الغاز إلى القارة التي هي بأشد الحاجة إليه.
وهكذا بدت السياسة الروسية البوتينية وكأنها مبنية على مبدأ (رد الصاع صاعين)، لواشنطن وحلفائها، حين أرادوا إغراقه بسباق تسلح – كما فعل ريغان في أواخر أيام الاتحاد السوفييتي – فقبل بوتين التحدي، لأن وفرة السيولة النفطية – الغازية بين يديه تمكنه من ذلك. فهم شدوا الخناق بالناتو وشبكات الصواريخ المضادة على بلاده، فرّد بإثارة المتاعب لخصومه في روسيا البيضاء وأوكرانيا والقوقاز، ناهيك عن البلقان، بل عملت موسكو على توسيع مساحة تواجدها فغزت استثماراتها إفريقيا في مزاحمة مع الصين وواشنطن. أما الشرق الأوسط فكان الساحة التي رأى فيها الرئيس الروسي المكان الأكثر ملاءمة لمشاكسة واشنطن، فهي محقونة كفاية ضد سياسات هذه الأخيره. وبقدر ما النفور من إدارة بوش درجته عالية فيها، بقدر ما هي – أي المنطقة – جاهزة للعودة الروسية، وهذه المرة المقبولية في المنطقة، لشراكة مع موسكو، أعلى وأفضل من السابق، عندما كانت الأيديولوجيا الشيوعية تقف حجر عثرة وتخوف من الذهاب عميقاً مع الاتحاد السوفييتي القديم. واليوم أصبحت هذه العقدة غير قائمة.
جرى في خضم الطفرة في أسعار البترول تدعيم وتعزيز الصناعة العسكرية الروسية
ويدرك بوتين، لا شك، هذا الواقع، كما أدرك أن من يقتحم تخومه الأوروبية متورط في العراق وغارق في رماله. وعلى أرضية هذه المعطيات سلك مداخل عدة إلى المنطقة لتوطيد علاقات موسكو مع أطرافها، وبما يوفر له الحضور اللازم، إذا لم يكن لمزاحمة الولايات المتحدة فيها، فعلى الأقل لزيادة متاعبها وأوجاع رأسها الشرق أوسطية. وفتح بوتين حنفية بيع السلاح، فمثلاً الجزائر عقدت صفقة سلاح روسي بمبلغ 4 مليارات وسوريا أيضاً أبرمت صفقات صاروخية ودفاعات جوية كبيرة. وكذلك بادر بوتين إلى فتح طرق دبلوماسية إلى عواصم عربية كانت في السابق باردة، في أحسن أحوالها، أو شبه مهجورة. وتمثل ذلك في زياراته الخليجية إلى السعودية وقطر والإمارات، وما نتج عن ذلك من إنعاش وتعزيز للعلاقات التجارية والسياحية وحتى العسكرية – ولو الخفيفة – والأمنية بين موسكو وهذه الدول، لكن رهانه الكبير بقي على إيران حيث وقف إلى جانبها ومنحها مظلته الواقية في مجلس الأمن في الموضوع النووي ورفض الموافقة على فرض عقوبات اقتصادية ضدها، وحذر مراراً وتكراراً من الخيار العسكري الأمريكي واستهداف المنشآت النووية الإيرانية. هذا عدا عن الصفقات العسكرية بين موسكو وطهران، حيث قام الرئيس بوتين بزيارة تاريخية إلى إيران هي الأولى منذ عام 1943، يوم التقى الزعيم السوفييتي ستالين مع تشرشل والرئيس روزفلت في قمة ثلاثية عقدت في طهران.
وهكذا، في مسيرة إصرارها على العودة إلى احتلال مقعد يتناسب مع حجمها على الطاولة الدولية، تتحرك روسيا بوتين على مروحة واسعة من الخيارات والأوراق. وحتماً موسكو اليوم – وحتى الغد القريب – ليست موسكو السوفييت من حيث الثقل والامتداد وبالتالي النفوذ. لكن ثمة فوارق سواء بين الأمس واليوم تصب في تعزيز عملية الاقتحام الروسي الجديد: من متانة الجبهة الداخلية في روسيا، سواء لجهة الاستقرار أو الالتفاف حول قيادة بوتين، فضلاً عن حالة اليسر المتوفرة، إلى تقلص التزامات موسكو، الأقل انفلاشاً وبما لا يقاس مع حجم التزاماتها السوفييتية السابقة، مروراً بغياب (البعبع) الشيوعي الذي كان من أقوى الأسلحة بأيدي واشنطن والغرب، ثم هناك التذمر الواسع، بل النقمة الواسعة، على الانفلات الأمريكي ووجود قدر من العطش لكبحه، إذا لم يكن من موقع الردع فعلى الأقل من موقع القدرة على تنغيص استباحته، ويعتبر الشرق الأوسط هنا أرضاً خصبة لمثل هذا الدور الروسي، الذي يشرف بوتين مباشرة على نسج خيوطه وشبكة علاقاته، ويعزز هذا التوجه عزم الرئيس الروسي على البقاء منخرطاً في الحياة السياسية وصناعة القرار الروسي.
فقد ألمح بوتين قبل فترة إلى رغبته في شغل منصب رئيس الوزراء بعد انتهاء مدة رئاسته عام 2008. وثمة توقعات تتحدث عن اعتزامه العودة إلى الرئاسة عام 2012. وكانت الرسالة من كل ذلك أن روسيا المنبعثة من جديد عازمة على الاستمرار في هذا الخط، وأمام أمريكا والغرب خياران: إما شبه حرب باردة جديدة أو التراجع والتعاون مع موسكو في عدة ملفات تشغل العواصم الغربية وتشكل تحديات كبيرة لها: انتشار أسلحة الدمار، محاربة الإرهاب، السلام والاستقرار في الشرق الأوسط. حيث إن لعبة روسيا مركبة في هذا الإطار، وليست من العيار القادر على التهديد، لكن بالتأكيد هي قادرة على الإرباك، وبالتالي على إعادة قدر من التوازن في المعادلة الدولية، المحتاجة إلى تعدد الأقطاب فيها (كما كان يدعو الرئيس الفرنسي السابق جاك شيراك) والأوراق التي تمسك بها موسكو مؤثرة في هذا المجال، فها هو بوتين يقول لواشنطن والأوروبيين، من خلال زيارته إلى طهران ولقاءاته مع القيادة الإيرانية على هامش قمة دول بحر قزوين (إن حل ملف إيران النووي يمر في موسكو، وهو مرور له ثمن) وكذلك هي ورقة السلاح والتسليح، ناهيك عن ورقة الممانعة في مجلس الأمن الدولي.
قبل 50 سنة ردت موسكو السوفييتية على مذهب آيزنهاور الدفاعي بوجه الخطر الأحمر، بإطلاق صاروخ (سبوتنك) الفضائي. تطور أربك واشنطن يومذاك وحملها على الدخول في سباق تسلح، انتهى لمصلحتها لأسباب كثيرة، على رأسها نقاط الضعف السوفييتي، الذاتية والموضوعية. واليوم يبدو التاريخ وكأنه يكرر نفسه ولو بصورة مصغرة، فالرئيس بوتين نجح في خلق إشكاليات لا يستهان بها أمام واشنطن خاصة في منطقتنا، فهل يتكرر المشهد من حيث نهاياته؟ المباراة لا تزال في بدايتها، والمؤكد فيها أن مبادرة الهجوم لا تزال بيد واشنطن، لكن الدفاع الروسي يعتمد تكتيك التسلل إلى نقاط الضعف في هذا الهجوم. وتعد ساحة الشرق الأوسط أساسية في هذه المنازلة.
::/fulltext::
::cck::1859::/cck::
