روسيا.. سياسة شرق أوسطية جديدة تنتظر التطبيق
::cck::1754::/cck::
::introtext::
حدثان فارقان في السياسة الخارجية لروسيا الاتحادية طرحا بقوة السؤال حول بزوغ سياسة شرق أوسطية لها ينتظرها بشوق وتلهف الكثيرون في هذه المنطقة الذين روعهم- ولا يزال – غياب الدور المهيب للاتحاد السوفييتي زمن الحرب الباردة ، فضلاً عن تخاذل ونفعية الدور الروسي الذي أعقب هذه الحقبة.
::/introtext::
::fulltext::
حدثان فارقان في السياسة الخارجية لروسيا الاتحادية طرحا بقوة السؤال حول بزوغ سياسة شرق أوسطية لها ينتظرها بشوق وتلهف الكثيرون في هذه المنطقة الذين روعهم- ولا يزال – غياب الدور المهيب للاتحاد السوفييتي زمن الحرب الباردة ، فضلاً عن تخاذل ونفعية الدور الروسي الذي أعقب هذه الحقبة.
الحدثان الفارقان هما : الخطاب (القتالي) للرئيس الروسي فلاديمير بوتين أمام مؤتمر ميونيخ لسياسات الأمن في 15 فبراير من العام الحالي، ثم الزيارة التاريخية إلى كل من السعودية وقطر والأردن والإمارات التي أعقبت الخطاب بأيام، حيث يمكن القول إن محتوى الخطاب وأحداث الزيارة أسسا لسياسة شرق أوسطية جديدة شرع بوتين بانتهاجها لدوافع ومبررات حاكمة وملحة.
ولأن الصراع العربي – الإسرائيلي يظل القضية المركزية التي تتمحور حولها سياسات القوة الدولية ذات المصلحة في هذه المنطقة الصاخبة من العالم، فإن البحث عن معالم سياسة خارجية جديدة لروسيا، النجم الآفل العائد، يتطلب قراءة ثلاثية الأبعاد:
البعد الأول: سمات السياسة الخارجية الروسية تجاه الشرق الأوسط إبان فترة حكم بوتين الماضية (2000-2006).
البعد الثاني: العوامل الدافعة لتغيير السياسة الخارجية الروسية تجاه الشرق الأوسط.
البعد الثالث : معالم السياسة الخارجية الروسية الجديدة في الشرق الأوسط
السياسة الخارجية الروسية الشرق الأوسطية (2000-2006)
يمكن القول إن السياسة الخارجية لروسيا منذ تولي الرئيس فلاديمير بوتين مهام منصبه عام 2000 اتصفت بخليط من البراغماتية والمصلحة الذاتية والحسابات الاقتصادية المصاحبة أحياناً بمعارضة منخفضة الصوت والحدة للسياسات الأمريكية في المنطقة، كما يمكن القول إن بوتين سعى إلى ممارسة سياسة ذات مسارين تسمح لروسيا بتطوير علاقات صداقة ومنفعة مع إسرائيل، وعلى التوازي الحفاظ على مصالح مع الدول العربية وإيران وهي بالطبيعة بديلة وفي غالبها متنافسة.
تحتل روسيا المركز الثالث في العالم من حيث حجم الاحتياطي من الذهب والعملات الصعبة
إن سياسة المسارين هذه تأسست على إدراك صناع السياسة الروس بعدم قدرتهم على تحقيق الاختراق السوفييتي السابق للمنطقة وبأن الشرق الأوسط لم يعد منطقة الاهتمام الأولى لروسيا الاتحادية حتى إن ظل منطقة يمكن ممارسة التأثير الروسي فيها، ومن ثم سعت روسيا إلى الحفاظ على دورها التقليدي كأحد موردي السلاح الرئيسيين مع محاولة فتح أسواق جديدة لشركات السلاح الروسية (وضح ذلك في زيارة بوتين الأولى للشرق الأوسط في إبريل 2005 عندما اصطحب معه الرؤساء التنفيذيين لمؤسسات (ميغ) والصادرات الدفاعية الروسية)، إضافة إلى توسيع دور شركاتها في قطاع الطاقة بعقد صفقات مع السعودية وإيران وسوريا والأردن وحتى إسرائيل.
العلاقات الروسية – الإسرائيلية .. ازدهار ومشكلات
شهدت العلاقات الروسية – الإسرائيلية مرحلة ازدهار غير مسبوقة في عهد الرئيس بوتين خاصة في المجالين الاقتصادي ومكافحة الإرهاب .. فعلى الجانب الاقتصادي تضاعفت التجارة المباشرة بين البلدين إلى ما يقرب من 1.5 مليار دولار، إضافة إلى أكثر من مليار دولار في صفقات الطاقة، وامتد التعاون ليشمل قطاعات واسعة تمتد من الصناعات الثقيلة إلى الطيران والطاقة والطب، ويبدو أن قطاع الطاقة حظي باهتمام هائل، حيث يشكل النفط الخام الروسي 88 في المائة من واردات إسرائيل، وهناك تعهد بنمو اعتماد إسرائيل على الغاز الطبيعي الروسي إلى مستوى 25 في المائة بحلول العام 2025، وإذا ما صحت التقارير عن امتداد مشروع خط الغاز الطبيعي (بلو ستريم) بين روسيا وتركيا ليشمل خط عسقلان- إيران فإن ذلك يعني أن إسرائيل ستلعب دوراً مركزياً في تصدير الغاز الروسي والأذربيجاني عبر البحر الأحمر إلى شرق آسيا وجنوب أوروبا.
على جانب مكافحة الإرهاب سعى المسؤولون الإسرائيليون إلى الربط بين الإرهاب الإسلامي في كل من الشيشان وفلسطين، وفي أعقاب تواضع مستوى أجهزة الأمن الروسية في مواجهة الهجمات التي شنها المتمردون الشيشان بدءاً من عام 1999 والتي وصلت إلى ذورتها في أحداث مدرسة بيسلان عام 2004، بدأ تسارع محموم في التعاون الأمني مع إسرائيل في مجالات ثلاثة هي التدريب وأمن الحدود والسلاح، حيث تجري قوات مكافحة الإرهاب في البلدين تدريبات سرية مشتركة، ويتولى خبراء إسرائيليون تطوير حاجز أمني على الحدود مع الشيشان أسوة بما تم في قطاع غزة والضفة الغربية.
ورغم ازدهار العلاقات الروسية – الإسرائيلية فإن مشكلات أساسية ظلت تلقي بظلالها السلبية على حدود وآفاق هذه العلاقات.
اتفاقية يوليو 2002 تتيح لروسيا بناء 6 مفاعلات نووية لإيران على مدى العقد المقبل
المسألة الإيرانية
تتمحور على نحو خاص حول التعاون الروسي في البرنامج النووي الإيراني، حيث تكمن المعضلة في اعتبار إسرائيل هذا البرنامج تهديداً وجودياً لها باعتباره وسيلة لصناعة سلاح نووي في حيازة نظام رجال دين راديكاليين لا ينفكون عن المناداة بإزالة إسرائيل من الخريطة الكونية، في الوقت الذي تعتبره روسيا مسألة اقتصادية تضمن سوقاً لتكنولوجيتها النووية المتقادمة مقارنة بالغرب ووسيلة لاستمرارها وتطويرها خاصة في ظل اتفاقية يوليو 2002 التي تتيح لروسيا بناء 6 مفاعلات نووية لإيران على مدى العقد المقبل بتكلفة تصل إلى 10 مليارات دولار. وإذا ما أضفنا إلى العامل الاقتصادي السعي الروسي إلى تحييد الدور الإيراني عن التدخل في المسألة الشيشانية لدعم المتمردين الإسلاميين هناك في مقابل التعاون النووي، فإن حظوظ النجاح الإسرائيلي في هذه المسألة تبدو منعدمة.
المسألة السورية
ظلت الديون السورية غير المدفوعة لصفقات سلاح سوفييتية سابقة عقبة أمام استئناف بيع السلاح الروسي لسوريا في أعقاب انهيار الاتحاد السوفييتي طوال عقد التسعينات بالكامل، حتى إن الصفقة الوحيدة التي نفذت في العام 2000 اقتصرت على نوع واحد من الأسلحة الدفاعية هو الصواريخ المضادة للدبابات من طرازي (Metis-M, At-14E Kornet) (استخدمت أنواع منها على يد حزب الله في حرب لبنان الأخيرة صيف 2006).
ورغم أن زيارة الرئيس السوري بشار الأسد إلى موسكو في يناير 2005 مثّلت نقطة تحول مهمة في العلاقات بين البلدين بإعلان روسيا إعفاء سوريا من 73 في المائة من الديون البالغة 13.4 مليار دولار وتمريرها لصفقة نظام دفاع جوي قصير المدى (Strelets)، فإن الضغوط المشتركة لكل من إسرائيل والولايات المتحدة نجحت في إيقاف صفقات أنظمة تسليح أكثر تطوراً طلبتها سوريا كنظام الدفاع الجوي بعيد المدى (S-300 PMU) والصواريخ الباليستية قصيرة المدى طراز (Iskandar–E) بحجة تأثيرها في ميزان التفوق العسكري الإسرائيلي وتهديدها للقوات الأمريكية المنتشرة حالياً في العراق! واعترف الرئيس بوتين بهذه الضغوط بقوله لصحيفة روسية في يناير 2006 بأنه (بينما كانت المفاوضات العسكرية تجري بيننا وبين السوريين، وفي الوقت الذي كان فيه العسكريون مستعدين لإمداد سوريا بأنظمة صاروخية متطورة جديدة من طراز (Iskandar) فإنني منعت تحقيق ذلك). وهكذا في فإن حالة سوريا توضح تعثر محاولات بوتين لممارسة سياسة متوازنة ذات مسارين في الشرق الأوسط، وأن المحصلة تشير إلى كون سوريا هي الأكثر تأثراً بالسلب من نمو العلاقات الروسية – الإسرائيلية التي أدت إلى نجاح إسرائيلي ملحوظ حتى العام 2006 في تحجيم نمو القدرات العسكرية السورية وتعاظم التفوق العسكري على حسابها في المقابل.
المسألة الفلسطينية
رغم انضمام روسيا للجنة الرباعية الدولية وتأييدها لخريطة الطريق في السعي إلى إيجاد حل للصراع الفلسطيني – الإسرائيلي عبر جهد دولي يقلل من تورطها في هذا الصراع بشكل منفرد على غرار ما كان يحدث إبان الحقبة السوفييتية، فإن استمرار رفض بوتين إدراج حركة حماس على قائمة المنظمات الإرهابية ودعوته لوفد من الحركة إلى زيارة موسكو في مارس 2006 تركا ولا يزالان آثاراً سلبية على علاقة روسيا بإسرائيل، وطرحا تساؤلات حول جدوى سياسة المسارين الشرق أوسطية لبوتين، حتى إن وزير التعليم الإسرائيلي مائير شيريت قارن دعوة بوتين إلى حماس بدعوة إسرائيلية افتراضية لزعماء المنظمات الإرهابية في الشيشان. بينما اتهم مسؤولون إسرائيليون روسيا بالنفاق، حيث يطلب الكرملين المساندة الإسرائيلية في مواجهة تهديد الإرهابيين على أراضيه، في الوقت الذي يدعو فيه منظمات إرهابية تسعى إلى تدمير إسرائيل إلى زيارته. ويبدو أن إسرائيل في المسألة الفلسطينية لا تحقق نجاحات مقارنة بالمسألة السورية، حيث إن العامل الشيشاني وسعي روسيا إلى تحييد حركات المقاومة الإسلامية عن دعم التمرد الإسلامي في حاضرتها الجنوبية الرقيقة يحظيان بأولوية قصوى لدى رجال الكرملين.

المسألة السامية
تبدي إسرائيل في كل مناسبة قلقها البالغ من تصاعد حركات معاداة السامية في روسيا خاصة في السنوات الأخيرة، وأبرز دليل ذلك مسيرات عشرات الآلاف من الفاشيين الجدد من الشباب الروس حاملي الشعارات النازية التي تجوب شوارع وميادين المدن الروسية الكبرى وهو ما عبرت عنه مراكز الأبحاث الاجتماعية الروسية بأنه (نمو عام لمشاعر كراهية الأجانب في المجتمع وتزايد تأثير المنظمات القومية المتطرفة)، في الوقت الذي يرى فيه مسؤولون في وزارة الخارجية الإسرائيلية تواطئاً من الكرملين بالسماح لظهور هذه الحركات المعادية للسامية بغية تهدئة قلق السكان الروس المسلمين (20 مليون نسمة) بشأن ما يجري في الشيشان والأقاليم الإسلامية الأخرى في روسيا الاتحادية.
العوامل الدافعة لتغيير روسيا سياستها الشرق الأوسطية
تداخلت عوامل عدة في دفع روسيا – أو بالأحرى الرئيس بوتين – لتغيير السياسة الشرق أوسطية، منها ما هو مرتبط بالنظام الدولي، ومنها ما هو مرتبط بالوضع الداخلي في روسيا، ومنها ما هو مرتبط أيضاً بمحصلة سياسة المسارين المتبعة في الشرق الأوسط.
على المستوى الدولي فإن تعثر سياسات القطب الأوحد والهيمنة الأحادية للولايات المتحدة على النظام العالمي التي تأكدت نتائجها على نحو خاص منذ النصف الثاني من العام 2006 سواء في العراق أفغانستان أو في الحرب الكونية ضد الإرهاب والتي عبر عنها بوتين في خطاب ميونيخ بأنها (سياسات لن تؤدي للأضرار بمصالح كل الدول داخل النظام الدولي فحسب، ولكنها ستهدد القطب الأوحد ذاته من خلال انهياره من الداخل عبر الزمن) مثّلا الوقت الملائم – من وجهة نظر روسيا – لطرح صياغة جديدة لمعمار نظام الأمن العالمي يعتمد النموذج متعدد الأقطاب.
إضافة إلى ذلك وليس بعيداً عنه فإن تمادي الولايات المتحدة في نشر أجزاء من منظومة الدفاع الصاروخي في أوروبا الوسطى في كل من بولندا وجمهورية التشيك على الحدود الغربية لروسيا الاتحادية بزعم مواجهة خطر تهديد الصواريخ الباليستية الإيرانية وهو ما سخر منه بوتين في خطابه، وأبرز فيه أن حقيقة هذه الخطوة الأمريكية (تهدف إلى تحييد قدرة روسيا على الانتقام النووي وهو عامل عدم استقرار هائل) دفع روسيا إلى اتخاذ عدة إجراءات مضادة من أبرزها التخلي عن الالتزام بمعاهدة القوات التقليدية في أوروبا، وتجميدها لمعاهدة القوات النووية متوسطة المدى مع الولايات المتحدة واستئنافها لدوريات القاذفات الاستراتيجية بعيدة المدى إلى مشارف الأجواء الأمريكية والأوروبية الغربية التي كانت قد أوقفتها من جانب واحد منذ العام 1992، وهي أمور يرى الكثيرون أنها تؤشر إلى حرب باردة جديدة يصبح فيها التغلغل الروسي بأدوات جديدة في الشرق الأوسط إحدى أدواتها.
وعلى المستوى الروسي الداخلي توجد جملة عناصر في الداخل الروسي ساهمت وتسهم في التوجه الروسي الشرق أوسطي الجديد، يبرز منها على نحو خاص العنصر الاقتصادي والعنصر الإسلامي، فعلى الجانب الاقتصادي يبدو أن روسيا الاتحادية بمؤشرات العام المالي 2006 قد استعادت عافيتها الاقتصادية، وأكدت انطلاقها نحو آفاق القوى الاقتصادية الكبرى في العالم، وربما يعود جزء في ذلك الإنجاز إلى الارتفاعات المتواصلة في أسعار النفط والغاز وإلى ارتفاع الطلب الاستهلاكي والاستثماري على خلفية ارتفاع مداخيل الأفراد الروس، ويكفي في هذا المجال الإشارة إلى زيادة الناتج المحلي الإجمالي في العام 2006 بنسبة 6.8 في المائة مقارنة بالعام السابق ووصوله إلى ما يعادل تريليون دولار (تجاوز بذلك إيطاليا واتجاهه خلال عام أو أكثر لتجاوز الاقتصادي الفرنسي) في الوقت الذي تحتل فيه روسيا المركز الثالث في العالم من حيث حجم الاحتياطي من الذهب والعملات الصعبة (بعد اليابان والصين) والذي بلغ في أواخر العام 2006 حوالي 303 مليار دولار (في العام 1999 إبان حكم الرئيس السابق يلتسين كان هذا الاحتياطي في حدود 9 مليارات دولار فقط). ويمكن القول إن قوة الاقتصاد الروسي وفرت زخماً للقوة الشاملة الروسية تبدو واضحة في تمويل برنامج الترسانة العسكرية الروسية الذي أعلن عنه مؤخراً بحجم 189 مليار دولار على مدى السنوات الخمس المقبلة والتي سيتم خلالها استبدال حوالي 45 في المائة من أنظمة التسليح الحالية للقوات الروسية، كما يبدو أن الوضع الاقتصادي القوي ليس بعيداً عن قرار بوتين استئناف دوريات القاذفات الاستراتيجية بعيدة المدى منذ أغسطس الماضي.
أما على الجانب الإسلامي في الداخل الروسي، فإن النجاح المحدود للقوات الروسية في استئصال حركات التمرد الإسلامية في القوقاز وتنامي الإسلام السلفي في أوساط الشباب الروس المسلمين، فضلاً عن حقيقة تصاعد نسبة النمو السكاني للمسلمين الروس (15 في المائة من سكان روسيا) مقابل تقلص أعداد السكان السلاف الأرثوذكس والدعوة المتصاعدة لإنشاء (جمهورية القوقاز الإسلامية)، كلها تفرض على صناع السياسة الروسية تدعيم جسور العلاقات مع الدول العربية والإسلامية الشرق أوسطية على أمل تحييد دعمها للمسألة الإسلامية المتنامية في الداخل الروسي في مقابل بناء علاقات مصالح متبادلة تتجاوز المستوى الذي رعته سياسة المسارين الشرق أوسطية منذ وصول بوتين إلى سدة الحكم في العام 2000.
أما على المستوى الإقليمي فهو مرتبط بقوة بما يجري في المستويين الدولي والروسي الداخلي على نحو ما عرضنا له آنفاً، يضاف إلى ذلك أن محصلة سياسة المسارين التي نهجها بوتين طوال فترة رئاسته الماضية لم تحقق شكل التوازن النفعي البراغماتي الذي تصوره عند إقراره لهذه السياسة، فمن جانب وضح إصرار المسؤولين الإسرائيليين على تحجيم أي دور روسي فاعل في حل مشكلات المنطقة وإفشال أي سعي روسي لممارسة دور منفرد أو شبه منفرد في سياسات المنطقة، ومن جانب آخر فإن تفسير النجاحات الإسرائيلية والأمريكية في تحجيم القدرات العسكرية السورية لصالح التفوق العسكري الإسرائيلي ارتبط بمزاعم تخلف التكنولوجيا العسكرية الروسية أكثر منها بخضوع روسيا للضغوط الإسرائيلية والأمريكية، وهو الأمر الذي إذا ترك من دون تغييرات في سياسة الإمدادات الروسية بالسلاح المتطور لدول المنطقة فإنه يعني خسارة سوق سلاح الشرق الأوسط الواعد، وإذا ما أضيفت إلى ذلك مداخيل النفط التي واصلت تصاعدها الهائل لدى دول المنطقة خاصة تلك المصدرة للنفط والتي انعكست في خطط تنموية وتسليحية واسعة فإن ذلك يعني أيضاً ساحة جذب للاستثمارات الروسية في أسواق النفط وأسواق سلاح بالغة الأهمية للصناعات الدفاعية الروسية لا يمكن تصور تنازل الكرملين عنها بأي حال.
معالم سياسية خارجية شرق أوسطية جديدة لروسيا
فور إلقاء خطابه (القتالي) في مؤتمر ميونيخ لسياسات الأمن توجه الرئيس فلاديمير بوتين إلى الشرق الأوسط في زيارة تاريخية إلى أربع دول من الحلفاء التقليديين للولايات المتحدة هي السعودية وقطر والأردن والإمارات. وقد طرح بوتين في هذه الزيارات ملامح سياسة واقعية جديدة (Real Politic) نحو الشرق الأوسط أكدها بأفعال وشروح عديدة شملت أبعاداً سياسية واقتصادية وعسكرية يبرز منها في الشأن السياسي اقتراب روسيا البالغ من وجهة نظر الدول العربية في معارضة الدعوة الأمريكية إلى نشر الديمقراطية وحقوق الإنسان، حيث ذكر بوتين إبان الزيارة (أنا لا أفهم لماذا بعض من شركائنا في الولايات المتحدة وأوروبا يرون أنفسهم أكثر ذكاء وأكثر حضارة، ويعتقدون بحقهم في فرض معاييرهم على الآخرين بدلاً من أن تكون نتائج تطور طبيعي مجتمعي داخلي وهو ما أدى إلى نتائج كارثية أفضل مثال عليها هو ما يحدث الآن في العراق).
بوتين سعى إلى ممارسة سياسة ذات مسارين تسمح لروسيا بتطوير علاقات صداقة
وفي الشأن الاقتصادي عرض بوتين تعاوناً موسعاًَ في بناء مفاعلات نووية سلمية وفرصاً للمساعدة على إطلاق أقمار صناعية والترحيب بالطرح القطري لإنشاء (كارتل) لمنتجي الغاز الطبيعي أسوة بمنظمة أوبك لمنتجي النفط، بالإضافة إلى دعوة البنوك الخليجية إلى فتح أفرع مملوكة لها بكاملها في روسيا.
وفي النشاط العسكري عرض بوتين إمداد المملكة العربية السعودية بدبابات (T-90) الأحدث في الترسانة المدرعة الروسية، كما عرض توريد طائرات هليوكبتر ومصانع متكاملة لإنتاج القذائف الصاروخية المضادة للدبابات، بالإضافة إلى أنظمة دفاع جوي متطورة من طراز (Pantsyr-S1). وفي واقع الأمر فإن المجال العسكري شهد تطورات مهمة من جانب روسيا في محاولتها الخروج من قيود الضغوط الإسرائيلية – الأمريكية عليها في صفقات السلاح إلى سوريا، حيث عقدت روسيا صفقة توريد نظام الدفاع الجوي المتطور (Pantsyr-S1) الذي تم نشره بالفعل على الأراضي السورية في منتصف هذا العام، (وكان موضوع تداول خلال الغارة الإسرائيلية الأخيرة على شمال سوريا في 6 سبتمبر الماضي)، كما تعددت التقارير الغربية حول نوايا بيع روسيا لمقاتلات (MiG-29) وصواريخ باليستية متطورة (Iskandar) إلى سوريا إلا أن واقع الأمر يفرض حقيقة أن أنظمة تسليح روسية أكثر تطوراً وأكثر أهمية، من وجهة نظر الجانب السوري، لا تزال بعيدة عن الطرح وتنتظر ربما جرأة روسية أكبر في ممارسة سياسة خارجية أكثر استقلالية عن الغرب في منطقة الشرق الأوسط.
وبالمحصلة فإن كلاً من خطاب بوتين الشديد اللهجة في مؤتمر ميونيخ في فبراير 2007 وما أعقبه من زيارة الشرق الأوسط تركا تعقيداً على الوضع الحالي في بؤر الشرق الأوسط الملتهبة في العراق وفي الصراع العربي – الإسرائيلي والأهم في الممانعة الإيرانية النووية للغرب.
إن شرق أوسط جديداً قادماً تتهدد فيه هيمنة الولايات المتحدة ومكانتها كقوة عظمى من جانب معسكر مضاد تتواجد فيه روسيا هو أمر أصبح مطروحاً ومحتملاً، حيث إن ثغرة عمرها 20 عاماً من الغياب الروسي عن الشرق الأوسط ربما تكون قد انقضت، وأن ورسيا تدفع طريقها حالياً للعودة عبر باب شرق أوسط أكثر اتساعاً.
وكما أن على الولايات المتحدة تذكر أنها الآن قوة مجهدة ومفرطة التمدد على اتساع الشرق الأوسط الكبير فإن على روسيا أيضاً أن تدرك أنها تحتاج إلى مزيد من الجرأة والإرادة السياسية لمعاودة اختراق الشرق الأوسط من جديد، وأن البدايات المنطقية تكمن في إعادة التوازن في خلل الميزان العسكري القائم حالياً لصالح إسرائيل والذي ساهمت فيه روسيا إلى حد كبير بخضوعها للضغوط الإسرائيلية والأمريكية بفرض قيود على صادرات السلاح إلى الشرق الأوسط على مدى 15 عاماً مضت.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::1754::/cck::
::introtext::
حدثان فارقان في السياسة الخارجية لروسيا الاتحادية طرحا بقوة السؤال حول بزوغ سياسة شرق أوسطية لها ينتظرها بشوق وتلهف الكثيرون في هذه المنطقة الذين روعهم- ولا يزال – غياب الدور المهيب للاتحاد السوفييتي زمن الحرب الباردة ، فضلاً عن تخاذل ونفعية الدور الروسي الذي أعقب هذه الحقبة.
::/introtext::
::fulltext::
حدثان فارقان في السياسة الخارجية لروسيا الاتحادية طرحا بقوة السؤال حول بزوغ سياسة شرق أوسطية لها ينتظرها بشوق وتلهف الكثيرون في هذه المنطقة الذين روعهم- ولا يزال – غياب الدور المهيب للاتحاد السوفييتي زمن الحرب الباردة ، فضلاً عن تخاذل ونفعية الدور الروسي الذي أعقب هذه الحقبة.
الحدثان الفارقان هما : الخطاب (القتالي) للرئيس الروسي فلاديمير بوتين أمام مؤتمر ميونيخ لسياسات الأمن في 15 فبراير من العام الحالي، ثم الزيارة التاريخية إلى كل من السعودية وقطر والأردن والإمارات التي أعقبت الخطاب بأيام، حيث يمكن القول إن محتوى الخطاب وأحداث الزيارة أسسا لسياسة شرق أوسطية جديدة شرع بوتين بانتهاجها لدوافع ومبررات حاكمة وملحة.
ولأن الصراع العربي – الإسرائيلي يظل القضية المركزية التي تتمحور حولها سياسات القوة الدولية ذات المصلحة في هذه المنطقة الصاخبة من العالم، فإن البحث عن معالم سياسة خارجية جديدة لروسيا، النجم الآفل العائد، يتطلب قراءة ثلاثية الأبعاد:
البعد الأول: سمات السياسة الخارجية الروسية تجاه الشرق الأوسط إبان فترة حكم بوتين الماضية (2000-2006).
البعد الثاني: العوامل الدافعة لتغيير السياسة الخارجية الروسية تجاه الشرق الأوسط.
البعد الثالث : معالم السياسة الخارجية الروسية الجديدة في الشرق الأوسط
السياسة الخارجية الروسية الشرق الأوسطية (2000-2006)
يمكن القول إن السياسة الخارجية لروسيا منذ تولي الرئيس فلاديمير بوتين مهام منصبه عام 2000 اتصفت بخليط من البراغماتية والمصلحة الذاتية والحسابات الاقتصادية المصاحبة أحياناً بمعارضة منخفضة الصوت والحدة للسياسات الأمريكية في المنطقة، كما يمكن القول إن بوتين سعى إلى ممارسة سياسة ذات مسارين تسمح لروسيا بتطوير علاقات صداقة ومنفعة مع إسرائيل، وعلى التوازي الحفاظ على مصالح مع الدول العربية وإيران وهي بالطبيعة بديلة وفي غالبها متنافسة.
تحتل روسيا المركز الثالث في العالم من حيث حجم الاحتياطي من الذهب والعملات الصعبة
إن سياسة المسارين هذه تأسست على إدراك صناع السياسة الروس بعدم قدرتهم على تحقيق الاختراق السوفييتي السابق للمنطقة وبأن الشرق الأوسط لم يعد منطقة الاهتمام الأولى لروسيا الاتحادية حتى إن ظل منطقة يمكن ممارسة التأثير الروسي فيها، ومن ثم سعت روسيا إلى الحفاظ على دورها التقليدي كأحد موردي السلاح الرئيسيين مع محاولة فتح أسواق جديدة لشركات السلاح الروسية (وضح ذلك في زيارة بوتين الأولى للشرق الأوسط في إبريل 2005 عندما اصطحب معه الرؤساء التنفيذيين لمؤسسات (ميغ) والصادرات الدفاعية الروسية)، إضافة إلى توسيع دور شركاتها في قطاع الطاقة بعقد صفقات مع السعودية وإيران وسوريا والأردن وحتى إسرائيل.
العلاقات الروسية – الإسرائيلية .. ازدهار ومشكلات
شهدت العلاقات الروسية – الإسرائيلية مرحلة ازدهار غير مسبوقة في عهد الرئيس بوتين خاصة في المجالين الاقتصادي ومكافحة الإرهاب .. فعلى الجانب الاقتصادي تضاعفت التجارة المباشرة بين البلدين إلى ما يقرب من 1.5 مليار دولار، إضافة إلى أكثر من مليار دولار في صفقات الطاقة، وامتد التعاون ليشمل قطاعات واسعة تمتد من الصناعات الثقيلة إلى الطيران والطاقة والطب، ويبدو أن قطاع الطاقة حظي باهتمام هائل، حيث يشكل النفط الخام الروسي 88 في المائة من واردات إسرائيل، وهناك تعهد بنمو اعتماد إسرائيل على الغاز الطبيعي الروسي إلى مستوى 25 في المائة بحلول العام 2025، وإذا ما صحت التقارير عن امتداد مشروع خط الغاز الطبيعي (بلو ستريم) بين روسيا وتركيا ليشمل خط عسقلان- إيران فإن ذلك يعني أن إسرائيل ستلعب دوراً مركزياً في تصدير الغاز الروسي والأذربيجاني عبر البحر الأحمر إلى شرق آسيا وجنوب أوروبا.
على جانب مكافحة الإرهاب سعى المسؤولون الإسرائيليون إلى الربط بين الإرهاب الإسلامي في كل من الشيشان وفلسطين، وفي أعقاب تواضع مستوى أجهزة الأمن الروسية في مواجهة الهجمات التي شنها المتمردون الشيشان بدءاً من عام 1999 والتي وصلت إلى ذورتها في أحداث مدرسة بيسلان عام 2004، بدأ تسارع محموم في التعاون الأمني مع إسرائيل في مجالات ثلاثة هي التدريب وأمن الحدود والسلاح، حيث تجري قوات مكافحة الإرهاب في البلدين تدريبات سرية مشتركة، ويتولى خبراء إسرائيليون تطوير حاجز أمني على الحدود مع الشيشان أسوة بما تم في قطاع غزة والضفة الغربية.
ورغم ازدهار العلاقات الروسية – الإسرائيلية فإن مشكلات أساسية ظلت تلقي بظلالها السلبية على حدود وآفاق هذه العلاقات.
اتفاقية يوليو 2002 تتيح لروسيا بناء 6 مفاعلات نووية لإيران على مدى العقد المقبل
المسألة الإيرانية
تتمحور على نحو خاص حول التعاون الروسي في البرنامج النووي الإيراني، حيث تكمن المعضلة في اعتبار إسرائيل هذا البرنامج تهديداً وجودياً لها باعتباره وسيلة لصناعة سلاح نووي في حيازة نظام رجال دين راديكاليين لا ينفكون عن المناداة بإزالة إسرائيل من الخريطة الكونية، في الوقت الذي تعتبره روسيا مسألة اقتصادية تضمن سوقاً لتكنولوجيتها النووية المتقادمة مقارنة بالغرب ووسيلة لاستمرارها وتطويرها خاصة في ظل اتفاقية يوليو 2002 التي تتيح لروسيا بناء 6 مفاعلات نووية لإيران على مدى العقد المقبل بتكلفة تصل إلى 10 مليارات دولار. وإذا ما أضفنا إلى العامل الاقتصادي السعي الروسي إلى تحييد الدور الإيراني عن التدخل في المسألة الشيشانية لدعم المتمردين الإسلاميين هناك في مقابل التعاون النووي، فإن حظوظ النجاح الإسرائيلي في هذه المسألة تبدو منعدمة.
المسألة السورية
ظلت الديون السورية غير المدفوعة لصفقات سلاح سوفييتية سابقة عقبة أمام استئناف بيع السلاح الروسي لسوريا في أعقاب انهيار الاتحاد السوفييتي طوال عقد التسعينات بالكامل، حتى إن الصفقة الوحيدة التي نفذت في العام 2000 اقتصرت على نوع واحد من الأسلحة الدفاعية هو الصواريخ المضادة للدبابات من طرازي (Metis-M, At-14E Kornet) (استخدمت أنواع منها على يد حزب الله في حرب لبنان الأخيرة صيف 2006).
ورغم أن زيارة الرئيس السوري بشار الأسد إلى موسكو في يناير 2005 مثّلت نقطة تحول مهمة في العلاقات بين البلدين بإعلان روسيا إعفاء سوريا من 73 في المائة من الديون البالغة 13.4 مليار دولار وتمريرها لصفقة نظام دفاع جوي قصير المدى (Strelets)، فإن الضغوط المشتركة لكل من إسرائيل والولايات المتحدة نجحت في إيقاف صفقات أنظمة تسليح أكثر تطوراً طلبتها سوريا كنظام الدفاع الجوي بعيد المدى (S-300 PMU) والصواريخ الباليستية قصيرة المدى طراز (Iskandar–E) بحجة تأثيرها في ميزان التفوق العسكري الإسرائيلي وتهديدها للقوات الأمريكية المنتشرة حالياً في العراق! واعترف الرئيس بوتين بهذه الضغوط بقوله لصحيفة روسية في يناير 2006 بأنه (بينما كانت المفاوضات العسكرية تجري بيننا وبين السوريين، وفي الوقت الذي كان فيه العسكريون مستعدين لإمداد سوريا بأنظمة صاروخية متطورة جديدة من طراز (Iskandar) فإنني منعت تحقيق ذلك). وهكذا في فإن حالة سوريا توضح تعثر محاولات بوتين لممارسة سياسة متوازنة ذات مسارين في الشرق الأوسط، وأن المحصلة تشير إلى كون سوريا هي الأكثر تأثراً بالسلب من نمو العلاقات الروسية – الإسرائيلية التي أدت إلى نجاح إسرائيلي ملحوظ حتى العام 2006 في تحجيم نمو القدرات العسكرية السورية وتعاظم التفوق العسكري على حسابها في المقابل.
المسألة الفلسطينية
رغم انضمام روسيا للجنة الرباعية الدولية وتأييدها لخريطة الطريق في السعي إلى إيجاد حل للصراع الفلسطيني – الإسرائيلي عبر جهد دولي يقلل من تورطها في هذا الصراع بشكل منفرد على غرار ما كان يحدث إبان الحقبة السوفييتية، فإن استمرار رفض بوتين إدراج حركة حماس على قائمة المنظمات الإرهابية ودعوته لوفد من الحركة إلى زيارة موسكو في مارس 2006 تركا ولا يزالان آثاراً سلبية على علاقة روسيا بإسرائيل، وطرحا تساؤلات حول جدوى سياسة المسارين الشرق أوسطية لبوتين، حتى إن وزير التعليم الإسرائيلي مائير شيريت قارن دعوة بوتين إلى حماس بدعوة إسرائيلية افتراضية لزعماء المنظمات الإرهابية في الشيشان. بينما اتهم مسؤولون إسرائيليون روسيا بالنفاق، حيث يطلب الكرملين المساندة الإسرائيلية في مواجهة تهديد الإرهابيين على أراضيه، في الوقت الذي يدعو فيه منظمات إرهابية تسعى إلى تدمير إسرائيل إلى زيارته. ويبدو أن إسرائيل في المسألة الفلسطينية لا تحقق نجاحات مقارنة بالمسألة السورية، حيث إن العامل الشيشاني وسعي روسيا إلى تحييد حركات المقاومة الإسلامية عن دعم التمرد الإسلامي في حاضرتها الجنوبية الرقيقة يحظيان بأولوية قصوى لدى رجال الكرملين.

المسألة السامية
تبدي إسرائيل في كل مناسبة قلقها البالغ من تصاعد حركات معاداة السامية في روسيا خاصة في السنوات الأخيرة، وأبرز دليل ذلك مسيرات عشرات الآلاف من الفاشيين الجدد من الشباب الروس حاملي الشعارات النازية التي تجوب شوارع وميادين المدن الروسية الكبرى وهو ما عبرت عنه مراكز الأبحاث الاجتماعية الروسية بأنه (نمو عام لمشاعر كراهية الأجانب في المجتمع وتزايد تأثير المنظمات القومية المتطرفة)، في الوقت الذي يرى فيه مسؤولون في وزارة الخارجية الإسرائيلية تواطئاً من الكرملين بالسماح لظهور هذه الحركات المعادية للسامية بغية تهدئة قلق السكان الروس المسلمين (20 مليون نسمة) بشأن ما يجري في الشيشان والأقاليم الإسلامية الأخرى في روسيا الاتحادية.
العوامل الدافعة لتغيير روسيا سياستها الشرق الأوسطية
تداخلت عوامل عدة في دفع روسيا – أو بالأحرى الرئيس بوتين – لتغيير السياسة الشرق أوسطية، منها ما هو مرتبط بالنظام الدولي، ومنها ما هو مرتبط بالوضع الداخلي في روسيا، ومنها ما هو مرتبط أيضاً بمحصلة سياسة المسارين المتبعة في الشرق الأوسط.
على المستوى الدولي فإن تعثر سياسات القطب الأوحد والهيمنة الأحادية للولايات المتحدة على النظام العالمي التي تأكدت نتائجها على نحو خاص منذ النصف الثاني من العام 2006 سواء في العراق أفغانستان أو في الحرب الكونية ضد الإرهاب والتي عبر عنها بوتين في خطاب ميونيخ بأنها (سياسات لن تؤدي للأضرار بمصالح كل الدول داخل النظام الدولي فحسب، ولكنها ستهدد القطب الأوحد ذاته من خلال انهياره من الداخل عبر الزمن) مثّلا الوقت الملائم – من وجهة نظر روسيا – لطرح صياغة جديدة لمعمار نظام الأمن العالمي يعتمد النموذج متعدد الأقطاب.
إضافة إلى ذلك وليس بعيداً عنه فإن تمادي الولايات المتحدة في نشر أجزاء من منظومة الدفاع الصاروخي في أوروبا الوسطى في كل من بولندا وجمهورية التشيك على الحدود الغربية لروسيا الاتحادية بزعم مواجهة خطر تهديد الصواريخ الباليستية الإيرانية وهو ما سخر منه بوتين في خطابه، وأبرز فيه أن حقيقة هذه الخطوة الأمريكية (تهدف إلى تحييد قدرة روسيا على الانتقام النووي وهو عامل عدم استقرار هائل) دفع روسيا إلى اتخاذ عدة إجراءات مضادة من أبرزها التخلي عن الالتزام بمعاهدة القوات التقليدية في أوروبا، وتجميدها لمعاهدة القوات النووية متوسطة المدى مع الولايات المتحدة واستئنافها لدوريات القاذفات الاستراتيجية بعيدة المدى إلى مشارف الأجواء الأمريكية والأوروبية الغربية التي كانت قد أوقفتها من جانب واحد منذ العام 1992، وهي أمور يرى الكثيرون أنها تؤشر إلى حرب باردة جديدة يصبح فيها التغلغل الروسي بأدوات جديدة في الشرق الأوسط إحدى أدواتها.
وعلى المستوى الروسي الداخلي توجد جملة عناصر في الداخل الروسي ساهمت وتسهم في التوجه الروسي الشرق أوسطي الجديد، يبرز منها على نحو خاص العنصر الاقتصادي والعنصر الإسلامي، فعلى الجانب الاقتصادي يبدو أن روسيا الاتحادية بمؤشرات العام المالي 2006 قد استعادت عافيتها الاقتصادية، وأكدت انطلاقها نحو آفاق القوى الاقتصادية الكبرى في العالم، وربما يعود جزء في ذلك الإنجاز إلى الارتفاعات المتواصلة في أسعار النفط والغاز وإلى ارتفاع الطلب الاستهلاكي والاستثماري على خلفية ارتفاع مداخيل الأفراد الروس، ويكفي في هذا المجال الإشارة إلى زيادة الناتج المحلي الإجمالي في العام 2006 بنسبة 6.8 في المائة مقارنة بالعام السابق ووصوله إلى ما يعادل تريليون دولار (تجاوز بذلك إيطاليا واتجاهه خلال عام أو أكثر لتجاوز الاقتصادي الفرنسي) في الوقت الذي تحتل فيه روسيا المركز الثالث في العالم من حيث حجم الاحتياطي من الذهب والعملات الصعبة (بعد اليابان والصين) والذي بلغ في أواخر العام 2006 حوالي 303 مليار دولار (في العام 1999 إبان حكم الرئيس السابق يلتسين كان هذا الاحتياطي في حدود 9 مليارات دولار فقط). ويمكن القول إن قوة الاقتصاد الروسي وفرت زخماً للقوة الشاملة الروسية تبدو واضحة في تمويل برنامج الترسانة العسكرية الروسية الذي أعلن عنه مؤخراً بحجم 189 مليار دولار على مدى السنوات الخمس المقبلة والتي سيتم خلالها استبدال حوالي 45 في المائة من أنظمة التسليح الحالية للقوات الروسية، كما يبدو أن الوضع الاقتصادي القوي ليس بعيداً عن قرار بوتين استئناف دوريات القاذفات الاستراتيجية بعيدة المدى منذ أغسطس الماضي.
أما على الجانب الإسلامي في الداخل الروسي، فإن النجاح المحدود للقوات الروسية في استئصال حركات التمرد الإسلامية في القوقاز وتنامي الإسلام السلفي في أوساط الشباب الروس المسلمين، فضلاً عن حقيقة تصاعد نسبة النمو السكاني للمسلمين الروس (15 في المائة من سكان روسيا) مقابل تقلص أعداد السكان السلاف الأرثوذكس والدعوة المتصاعدة لإنشاء (جمهورية القوقاز الإسلامية)، كلها تفرض على صناع السياسة الروسية تدعيم جسور العلاقات مع الدول العربية والإسلامية الشرق أوسطية على أمل تحييد دعمها للمسألة الإسلامية المتنامية في الداخل الروسي في مقابل بناء علاقات مصالح متبادلة تتجاوز المستوى الذي رعته سياسة المسارين الشرق أوسطية منذ وصول بوتين إلى سدة الحكم في العام 2000.
أما على المستوى الإقليمي فهو مرتبط بقوة بما يجري في المستويين الدولي والروسي الداخلي على نحو ما عرضنا له آنفاً، يضاف إلى ذلك أن محصلة سياسة المسارين التي نهجها بوتين طوال فترة رئاسته الماضية لم تحقق شكل التوازن النفعي البراغماتي الذي تصوره عند إقراره لهذه السياسة، فمن جانب وضح إصرار المسؤولين الإسرائيليين على تحجيم أي دور روسي فاعل في حل مشكلات المنطقة وإفشال أي سعي روسي لممارسة دور منفرد أو شبه منفرد في سياسات المنطقة، ومن جانب آخر فإن تفسير النجاحات الإسرائيلية والأمريكية في تحجيم القدرات العسكرية السورية لصالح التفوق العسكري الإسرائيلي ارتبط بمزاعم تخلف التكنولوجيا العسكرية الروسية أكثر منها بخضوع روسيا للضغوط الإسرائيلية والأمريكية، وهو الأمر الذي إذا ترك من دون تغييرات في سياسة الإمدادات الروسية بالسلاح المتطور لدول المنطقة فإنه يعني خسارة سوق سلاح الشرق الأوسط الواعد، وإذا ما أضيفت إلى ذلك مداخيل النفط التي واصلت تصاعدها الهائل لدى دول المنطقة خاصة تلك المصدرة للنفط والتي انعكست في خطط تنموية وتسليحية واسعة فإن ذلك يعني أيضاً ساحة جذب للاستثمارات الروسية في أسواق النفط وأسواق سلاح بالغة الأهمية للصناعات الدفاعية الروسية لا يمكن تصور تنازل الكرملين عنها بأي حال.
معالم سياسية خارجية شرق أوسطية جديدة لروسيا
فور إلقاء خطابه (القتالي) في مؤتمر ميونيخ لسياسات الأمن توجه الرئيس فلاديمير بوتين إلى الشرق الأوسط في زيارة تاريخية إلى أربع دول من الحلفاء التقليديين للولايات المتحدة هي السعودية وقطر والأردن والإمارات. وقد طرح بوتين في هذه الزيارات ملامح سياسة واقعية جديدة (Real Politic) نحو الشرق الأوسط أكدها بأفعال وشروح عديدة شملت أبعاداً سياسية واقتصادية وعسكرية يبرز منها في الشأن السياسي اقتراب روسيا البالغ من وجهة نظر الدول العربية في معارضة الدعوة الأمريكية إلى نشر الديمقراطية وحقوق الإنسان، حيث ذكر بوتين إبان الزيارة (أنا لا أفهم لماذا بعض من شركائنا في الولايات المتحدة وأوروبا يرون أنفسهم أكثر ذكاء وأكثر حضارة، ويعتقدون بحقهم في فرض معاييرهم على الآخرين بدلاً من أن تكون نتائج تطور طبيعي مجتمعي داخلي وهو ما أدى إلى نتائج كارثية أفضل مثال عليها هو ما يحدث الآن في العراق).
بوتين سعى إلى ممارسة سياسة ذات مسارين تسمح لروسيا بتطوير علاقات صداقة
وفي الشأن الاقتصادي عرض بوتين تعاوناً موسعاًَ في بناء مفاعلات نووية سلمية وفرصاً للمساعدة على إطلاق أقمار صناعية والترحيب بالطرح القطري لإنشاء (كارتل) لمنتجي الغاز الطبيعي أسوة بمنظمة أوبك لمنتجي النفط، بالإضافة إلى دعوة البنوك الخليجية إلى فتح أفرع مملوكة لها بكاملها في روسيا.
وفي النشاط العسكري عرض بوتين إمداد المملكة العربية السعودية بدبابات (T-90) الأحدث في الترسانة المدرعة الروسية، كما عرض توريد طائرات هليوكبتر ومصانع متكاملة لإنتاج القذائف الصاروخية المضادة للدبابات، بالإضافة إلى أنظمة دفاع جوي متطورة من طراز (Pantsyr-S1). وفي واقع الأمر فإن المجال العسكري شهد تطورات مهمة من جانب روسيا في محاولتها الخروج من قيود الضغوط الإسرائيلية – الأمريكية عليها في صفقات السلاح إلى سوريا، حيث عقدت روسيا صفقة توريد نظام الدفاع الجوي المتطور (Pantsyr-S1) الذي تم نشره بالفعل على الأراضي السورية في منتصف هذا العام، (وكان موضوع تداول خلال الغارة الإسرائيلية الأخيرة على شمال سوريا في 6 سبتمبر الماضي)، كما تعددت التقارير الغربية حول نوايا بيع روسيا لمقاتلات (MiG-29) وصواريخ باليستية متطورة (Iskandar) إلى سوريا إلا أن واقع الأمر يفرض حقيقة أن أنظمة تسليح روسية أكثر تطوراً وأكثر أهمية، من وجهة نظر الجانب السوري، لا تزال بعيدة عن الطرح وتنتظر ربما جرأة روسية أكبر في ممارسة سياسة خارجية أكثر استقلالية عن الغرب في منطقة الشرق الأوسط.
وبالمحصلة فإن كلاً من خطاب بوتين الشديد اللهجة في مؤتمر ميونيخ في فبراير 2007 وما أعقبه من زيارة الشرق الأوسط تركا تعقيداً على الوضع الحالي في بؤر الشرق الأوسط الملتهبة في العراق وفي الصراع العربي – الإسرائيلي والأهم في الممانعة الإيرانية النووية للغرب.
إن شرق أوسط جديداً قادماً تتهدد فيه هيمنة الولايات المتحدة ومكانتها كقوة عظمى من جانب معسكر مضاد تتواجد فيه روسيا هو أمر أصبح مطروحاً ومحتملاً، حيث إن ثغرة عمرها 20 عاماً من الغياب الروسي عن الشرق الأوسط ربما تكون قد انقضت، وأن ورسيا تدفع طريقها حالياً للعودة عبر باب شرق أوسط أكثر اتساعاً.
وكما أن على الولايات المتحدة تذكر أنها الآن قوة مجهدة ومفرطة التمدد على اتساع الشرق الأوسط الكبير فإن على روسيا أيضاً أن تدرك أنها تحتاج إلى مزيد من الجرأة والإرادة السياسية لمعاودة اختراق الشرق الأوسط من جديد، وأن البدايات المنطقية تكمن في إعادة التوازن في خلل الميزان العسكري القائم حالياً لصالح إسرائيل والذي ساهمت فيه روسيا إلى حد كبير بخضوعها للضغوط الإسرائيلية والأمريكية بفرض قيود على صادرات السلاح إلى الشرق الأوسط على مدى 15 عاماً مضت.
::/fulltext::
::cck::1754::/cck::
