الفكر الاستراتيجي العسكري الأمريكي يتجه نحو سياسة (خصخصة العنف)

::cck::1750::/cck::
::introtext::

نناقش في هذا المقال التبعات القانونية لنشاط شركات الحماية في العراق انطلاقاً من التغير الحاصل في الفكر الاستراتيجي العسكري الأمريكي على العقيدة العسكرية للولايات المتحدة، محاولين كشف بعض القضايا القانونية المتعلقة بمزاولة هذه الشركات نشاطها في العراق، خاصة بعد أن تراجع رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي عن قراره مؤخراً بإيقاف عمل نشاط شركة (بلاك ووتر) الأمريكية، في إشارة لفتت الانتباه إلى نشاط هذه الشركات من جهة وسرعة رجوع الحكومة عن موقفها بإيقاف هذه الشركة من جهة أخرى. وهو ما أثار العديد من علامات الاستفهام حول السيادة المزعومة للدولة الجديدة.

::/introtext::
::fulltext::

نناقش في هذا المقال التبعات القانونية لنشاط شركات الحماية في العراق انطلاقاً من التغير الحاصل في الفكر الاستراتيجي العسكري الأمريكي على العقيدة العسكرية للولايات المتحدة، محاولين كشف بعض القضايا القانونية المتعلقة بمزاولة هذه الشركات نشاطها في العراق، خاصة بعد أن تراجع رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي عن قراره مؤخراً بإيقاف عمل نشاط شركة (بلاك ووتر) الأمريكية، في إشارة لفتت الانتباه إلى نشاط هذه الشركات من جهة وسرعة رجوع الحكومة عن موقفها بإيقاف هذه الشركة من جهة أخرى. وهو ما أثار العديد من علامات الاستفهام حول السيادة المزعومة للدولة الجديدة.

إن استخدام محاربين ذوي كفاءة عالية في الأعمال الحربية مقابل أجر مادي من دون أن يرتبط بجنسية الجهة التي تستخدمهم، أمر شهده التاريخ الإنساني على مدى القرون الماضية. فالرومان على سبيل المثال لا الحصر من أوائل الإمبراطوريات الاستعمارية التي استغلت البرابرة مثال (الجرمان والسلاف والهون) في حروبها. وتعد مهنة الارتزاق مهنة قديمة توارثتها بعض الأنظمة لغايات تنفيذ سياسات غير قانونية لا تربطها بأي تبعات قانونية أو أخلاقية أو التزامات دولية. ومن دون الدخول بدهاليز تاريخية حول نشاط وتطور مهنة الارتزاق أو نشاط هذه الشركات، نود الإشارة في قفزة تاريخية إلى عصر العولمة، الذي كان له أعظم الأثر في التغيير الذي طال العلاقات الدولية وتنامي دور الشركات المتعددة الجنسية؛ بحيث أصبح لهذه المؤسسات الضخمة والمندمجة دور كبير في رسم بعض السياسات الخاصة لبعض الأطراف على حساب القواعد والسلوك العام السائد في حقبة الدولة القومية. فالأخيرة لم تعد تحكم وسائل الإنتاج في هذا العصر الذي أصبح فيه للقطاع الخاص دور ريادي في توجيه الدول والمنظمات حتى لو اقتضى الأمر تغييب الدولة ومؤسساتها مقابل مصالح فئات مختلفة. ومن هذه الشركات التي أخذت تتبوأ دوراً قيادياً في توجيه مصالح الدول القومية هي تلك المتعلقة بتوفير الأمن والحماية، التي هي تعبير عن المزاوجة بين القطاعين العام والخاص؛ حيث يوكل الأول للثانية بعض المهام التي تدخل في صميم عمله ليقوم بها. 

الولايات المتحدة وخصخصة القطاع الخاص 

إن مفهوم خصخصة القطاع العسكري بدأ يتصاعد في الفكر الاستراتيجي العسكري للولايات المتحدة بعد حرب الخليج الثانية في العام 1991، ويرجع ذلك إلى اعتبارات أيديولوجية واقتصادية وتاريخية مختلفة؛ فما بين تخفيض النفقات والتكاليف المادية والبشرية وبين الاستجابة لمتطلبات عولمة المصانع العسكرية والخصخصة الليبرالية، بالإضافة إلى الإرث التاريخي المكتسب في التقاليد الأمريكية التي أعطت للقطاع الخاص مهمة مشاركة الحكومة في استخدام القوة لجلب الخارج على القانون ضمن مبدأ (حياً أو ميتاً)، أخذت الولايات المتحدة تنظر إلى القطاع الخاص كونه شريكاً في المخاطر وليس كونه شريكاً في الأرباح فقط. 

خصخصة القطاع العسكري هي فكرة حديثة نسبياً بالنسبة للإدارة الأمريكية على الرغم من أنها فكرة قديمة سبق واستخدمتها الإدارات الأمريكية المتعاقبة، لكن لم تكن بهذه الصورة التي هي عليها الآن؛ وربما يرجع الفضل بالتوسع باستخدام القطاع المدني في الأعمال العسكرية على نطاق واسع في الولايات المتحدة إلى نائب الرئيس ديك تشيني في الفترة التي كان فيها وزيراً للدفاع في رئاسة بوش الأب، حيث طرح فكرة (the logistical side of contingency operations)، واستطاع الحصول لشركة هالبترون على عقد لدراسة إمكانية توفير الدعم اللوجستي للقوات الأمريكية المنتشرة في العالم. وهي الشركة التي ترأس مجلس إدارتها لفترة طويلة.

ولم يكن أمر نجاح هذه العقود الخاصة ذا بال كبير بقدر ما أصبحت هذه الشركة من أكبر الشركات المحتكرة للعمل العسكري الخاص. ففي الفترة بين ديسمبر1992 إلى مارس 1993 كانت هالبترون المورد الأساسي للمؤن والدعم اللوجستي للجيش الأمريكي في الصومال. يضاف إلى ما سبق أن الولايات المتحدة تسعى إلى الاستعانة بهذه الشركات ضمن رؤية ترى أن (الولايات المتحدة، التي تخوض (ضد الإرهاب) في العالم حروباً بسيطة إنما دائمة، تحضر في الوقت نفسه قواتها المسلحة للمواجهات الكبرى، فلا يمكنها أن تضعف صورة زعاماتها للعالم بانسحابها من مناطق ذات أهمية أقل استراتيجية)، أو في العراق لواجبات ومهام أقل أهمية إلى القطاع الخاص للتخفيف عن قواتها المسلحة عبء المهمات الأقل حيوية.

لم يعد أمر الحماية واستخدام السلاح أو القوة من الواجبات الحصرية للحكومة أو الدولة في الولايات المتحدة 

أي بكلمة أخرى، إن الفكر الاستراتيجي العسكري لدى الولايات المتحدة يتجه نحو خصخصة العمل المسلح بمعنى أنه لم يعد أمر الحماية واستخدام السلاح أو القوة من الواجبات الحصرية للحكومة أو الدولة، بل يجدر نقل جزء من المسؤوليات الخاصة باستخدام القوة إلى أطراف خاصة. ولعل هذه النظرية انطلقت من فرضية تقول إن العقود التي تمنح للقطاع الخاص، خاصة تلك التي تجرى في مناطق قتالية (العراق وأفغانستان) أو متوترة (إعصار كاترينا) سواء في داخل البلاد أو الخارج، والتي يجني من ورائها أصحابها أو أصحاب رؤوس الأموال الأرباح لا بد أن يتحمل القطاع الخاص جزءاً من الخسائر المادية التي يتحملها الجيش أو الشرطة. أي المشاركة في الأرباح والخسائر وعدم جني الأرباح فقط جراء الحصول على هذه العقود المربحة خاصة عندما تكون أرباحاً مؤكدة. 

هكذا يمكن القول إن أحد مبادئ العقيدة العسكرية الأمريكية الحالية هو تخليص الجيش الأمريكي من أعباء وظائف قد تعيق عمل الجندي النظامي وتعرضه للخطر، على الرغم من كون هذه الوظائف جزءاً من مهامه ومهام الحكومة والجيش الأمريكي حصرياً. لذا شهد الجيش الأمريكي في العراق تنامياً بعدد الموظفين العاملين بموجب عقود مع وزارة الدفاع. وهو ما دفع (روبرت هارناج) رئيس الاتحاد الأمريكي للموظفين الفيدراليين للتصريح (بأن هذا التحول نحو خصخصة قطاعات الحرب يهدف إلى التنصل الرسمي من المسؤولية الأخلاقية والقانونية إزاء ما ينجم عن الحروب).

طبيعة العقود الممنوحة للشركات الأمنية لا تضع معايير على عمل أفراد الحماية 

وضمن هذا التوجه ازداد عدد العقود التي نظمتها الولايات المتحدة مع الشركات الخاصة العسكرية خلال الأعوام (1994 – 2004م) حيث بلغت أكثر من 3000 عقد، وبلغت قيمتها 300 مليار دولار، ازداد فيه عدد الأفراد المدنيين (العسكريين) في القوات المسلحة. فخلال حرب الخليج الأولى كانت النسبة واحداً من القطاع الخاص في كل 100 جندي، ليصل الرقم في العام 2003 إلى واحد في كل 10، وهو ما جعلهم يشكلون المرتبة الثانية من القوات المسلحة في العراق بعد الولايات المتحدة بنسبة تصل إلى  20 في المائة من عموم القوات الموجودة في العراق. وعلى الرغم من المحاذير التي تكمن وراء نشاط هذه الشركات إلا أنها تحظى بالتأييد والدعم من قبل جماعات اقتصادية وحكومية، ليس للدور الذي تقوم فيه بخدمة تطور الصناعة العسكرية الحربية فقط، بل للمكاسب المالية المتحققة والأرباح الخيالية الناتجة عن هذه التجارة. لذا، حضي نشاط هذه الشركات في بعض البلدان مثل إفريقيا وأوروبا رغم أعمالها القمعية والسيئة بموافقة وتأييد رجال السياسة والحكم في الولايات المتحدة وبريطانيا. فعلى سبيل المثال كان الرئيس الأمريكي ووزير دفاعه السابق دونالد رامسفيلد ووزيرة خارجيته كوندوليزا رايس ، ووزير خارجية بريطانيا السابقجاك سترو على علم بدور ونشاط إحدى شركات الحماية بالانقلاب الذي حدث في (غينيا الاستوائية)، لكن لم يقوموا بأي دور لإيقافه. فلقد أصبح نشاط القطاع الخاص وشركات الحماية من الأمور الحيوية في الفكر الاستراتيجي العسكري للولايات المتحدة، ويعلق أحد مسؤولي البنتاغون قائلاً إنه أصبح الاعتماد على هؤلاء أمراً حيوياً؛ بحيث لا يمكن تخيل دخول الولايات المتحدة في حرب ما دون مساعدة هذه الشركات الخاصة. 

الأساس القانوني لعملهم في العراق

تطلق البنتاغون على هؤلاء بـ (المتعاقدين)، في حين تفضل الحكومة العراقية وصفهم بالمتعاقدين أو الحرس. وهو وصف قصد منه تخفيف حدة الاستياء الشعبي من الأعمال السيئة التي يقومون بها وتبرير وجودهم في العراق كونهم جاءوا لأعمال تتعلق بإعادة بناء العراق. وفي هذا الإطار يجدر بنا الإجابة عن سؤال مهم وأساسي وهو ما الغطاء القانوني وراء عمل هؤلاء في العراق، وكيف تسوغ قوة الاحتلال والقوات المتعددة الجنسية والحكومة العراقية وجودهم؟ وهل يقع هؤلاء ضمن حماية وحصانة القانون الدولي والاتفاقيات الدولية المتعلقة بحالة الحرب؟

كان من أوائل الأوامر والقوانين، التي شرعتها سلطات الاحتلال في العراق، إلغاء أو حل الكيانات السياسية (القانون رقم 2) وتشريع عمل شركات الحماية الخاصة في العراق بموجب القانون رقم 17. وذلك للتعويض عن حل الميليشيات المسلحة التابعة للأحزاب السياسية التي جاءت خلف جيوش الاحتلال التي رفضت إدارة جارنر وما أعقبها إدارة بريمر عملها. وهو ما يبرر وجود 20 ألف شخص ضمن قوة حماية الدكتور أحمد الجلبي رئيس مؤتمر الوطني العراقي، وهو أبرز المعارضين لنظام الرئيس العراقي السابق صدام حسين، حيث رفض وصفهم بالميليشيا، الأمر الذي استغل فيه الجلبي قانون عمل شركات الحماية الذي أصدره بريمر للعمل في العراق ضمن هذا الإطار، ويذكر أن معظم أفراد هذه القوة هم من العرب والأكراد الذي أقنعتهم، وجندتهم الحكومة الأمريكية للعمل معها منذ مطلع التسعينات. 

القانون الذي أصدره بريمر أعطى حصانة للشركات الأمنية ضد ملاحقة القانون العراقي 

أصدر الحاكم المدني السابق للعراق بول بريمر القرار رقم 17 بتاريخ 27-6-2004م عن سلطة الائتلاف، الذي منح هذه الشركات حرية العمل في العراق لتأدية مهامها باعتبارها توفر خدمات الحماية، كما منحها حصانة قضائية ضد ملاحقة القانون العراقي لها، بحيث سيكون أفراد هذه الشركات بمنأى عن الاعتقال أو الاحتجاز، وقد أعطى القانون للسلطات المتعددة الجنسية الحق في احتجاز أي منهم فيما لو تجاوزوا صلاحياتهم، وحجبت هذا الأمر عن الحكومة العراقية. 

ويتضح من القانون أعلاه انعدام سلطة الدولة العراقية على أفراد الشركات الأمنية، بل إنه جعلهم فئة متميزة بحيث لا يخضعون للقانون العسكري الأمريكي المطبق على الجنود وفي الوقت نفسه لا يخضعون للقوانين العراقية، الأمر الذي أفرز العديد من التداعيات: 

1- في ظل حالة الفلتان الأمني والخوف الذي يعتري عمل هؤلاء جعلهم يتصرفون بصورة غير منضبطة، الأمر الذي تسبب في حالة من اللامبالاة وهو ما انعكس في تصعيد وقتل أي شخص يجتاز المركبات التي يستقلونها ذات الدفع الرباعي، وهو ما دفع البعض إلى وصف ذلك كأحد الأشكال المعبرة عن الاحتلال.

2- في ظل غياب آلية واضحة للتعامل بين المؤسسات الحكومية العراقية وهذه الشركات أو التعامل مع أفرادها، جعل المواطن عرضة للتجاوزات التي يسببها أفراد هذه الشركات وهو ما انعكس في آلاف القضايا المرفوعة لدى القضاء العراقي، وجعل الحكومة في حرج بين تأمين حياة المواطن العراقي وعدم وجود مسوغ قانوني أو قضائي لملاحقة هؤلاء. وعلق أحد الضباط العراقيين على ذلك قائلاً إن هؤلاء يقتلون الناس ثم يغادرون الموقع كأن شيئاً لم يكن، وعند الاتصال بالشركات التي يعملون فيها ينكرون الأمر بتاتاً.

3- لقد ترك هذا الأمر للشركات الأمنية ذاتها في رسم تعاليمها وقواعدها للعمل في العراق، خاصة تلك المتعلقة باستخدام السلاح لغايات القتل أو التهديد باستخدامها. ويعلق أحد الجنرالات في الجيش الأمريكي قائلاً إن هؤلاء الأفراد لديهم القواعد والإجراءات نفسها الممنوحة للجندي الأمريكي في التعامل مع الخطر، أي الاستخدام التدريجي للقوة بحيث يصرخ الجندي ثم يظهر سلاحه ثم يطلق النار من أجل القتل. وتكمن الخطورة هنا في أن هذه التعليمات تتم مراقبتها وتدريب الجنود عليها، على العكس من أفراد هذه الشركات، الأمر الذي يوحي بالاعتقاد أن هؤلاء يستخدمون القوة دون أي اعتبار.

4- انعدام إجراءات الرقابة والمتابعة على أعمال هذه الشركات، حيث إن طبيعة العقود الممنوحة لهذه الشركات لا تضع معايير على عمل أفراد الحماية؟ إذ يعين أفراد الحماية بصفتهم مقاولين مستقلين (independent contractors) في شركات حماية تتبع لشركات حماية أخرى فرعية والتي هي بدورها تتبع لشركات حماية عملاقة يتم التعاقد معها من قبل المقاول الرئيسي. هذا النهج جعل من المراقبة الحكومية على هذه الشركات شبه معدومة، أي أن مراقبة الزبون لنشاط الشركات التي توفر له هذه الخدمات غير موجودة.

إن عمل أفراد الشركات الخاصة في وسط فراغ قضائي يؤدي إلى التشجيع على التجاوزات، ويفسد نوعية النتائج المتوخاة من التعاقد معهم، ويؤدي أيضاً إلى عدم احترام حقوق الإنسان، حيث أشار تينس روس، المدير التنفيذي لجمعية مراقبة حقوق الإنسان (Human Right Watch) إلى أنه (إذا كانت (البنتاغون) تنوي استخدام متعاقدين من القطاع الخاص من أجل مهمات عسكرية أو استخباراتية، فيجب عليها التأكد من أنهم خاضعون لبعض القيود والأشكال الرقابية القانونية .. ذلك أن السماح لهؤلاء بالعمل وسط فراغ قضائي يعتبر تشجيعاً للتجاوزات).

لقد استمرت الحصانة القضائية التي يتمتع بها هؤلاء حتى بعد نقل السيادة إلى الحكومة العراقية المنتخبة، فرغم التجاوزات التي ارتكبها هؤلاء طوال الفترة التي أعقبت نقل السيادة لم يقدم أحد منهم للقضاء، بل يكتسب أفراد هذه الشركات ميزة إضافية، حيث إنهم في حل من أي التزام قانوني أو قضائي عراقي كان أو أي التزام تفرضه دولها، خاصة تلك التي ليست لديها قوانين تكافح ظاهرة الارتزاق، فعلى سبيل المثال يتعرض الجنود الأمريكيون الذين تورطوا في فضيحة سجن أبو غريب إلى المساءلة من قبل محكمة عسكرية، في حين كان هناك شخصان من هذه الشركات قد تورطا في أعمال اغتصاب وتعذيب لم تطلهما المحاكم العسكرية الأمريكية باعتبارهما مدنيين، ولم تطلهما المحاكم العراقية أيضاً لأنهم أجانب في حماية سلطة الاحتلال. 

ولم يقف الأمر عند هذا الحد، بل سنت التشريعات التي تضمن نشاط هذه الشركات من دون رقابة الحكومة أو مؤسساتها الأمنية على هذه الشركات أو الأفراد العاملين فيها؛ فقد سوغ قانون إدارة الدولة العراقية الصادرة عن سلطة الائتلاف لهذه الشركات العمل بحرية بموجب المادة 26 الفقرة (أ)، وجاء الدستور العراقي الأخير ليؤكد هذا الأمر في المادة رقم 130، حيث نصت على (أن القوانين الحالية تبقى سارية المفعول ما لم يتم تعديلها أو إلغاؤها بموجب فقرات هذا الدستور). أي بكلمة أخرى لم تكن لرئيس الوزراء العراقي المالكي القدرة على منع أو إيقاف نشاط شركة بلاك ووتر المتهمة بقيامها بجرائم بحق المدنيين العراقيين لانعدام أي مسوغ قانوني يمكن التعويل عليه لاتخاذ إجراء بحق هذه الشركات.

لقد حاولت التشريعات الدولية تقنين القواعد الخاصة بالمرتزقة للحد من هذه الظاهرة وفرض العقوبات على الدول والهيئات التي تستخدم هؤلاء لغايات خاصة. ففي العام 1977 وخلال مؤتمر تطوير القانون الدولي الإنساني وتطبيقه في النزاعات المسلحة، أكد عدد من الوفود على ضرورة حجب وصف المحاربين على هؤلاء، ذلك الوصف الذي منع هؤلاء المرتزقة من التمتع بوصف المحارب عبر البروتوكول (رقم 1) من المادة 47 من اتفاقية جنيف قبل تعديله، الذي ينص على أن أي شخص يقع في قبضة الدولة منهم كونه أسير حرب له كامل الحقوق في الرعاية والحماية. لكن جرى تعديل هذا البروتوكول بحيث حجب عن هؤلاء وصف المحاربين، واعتبرت أعمالهم تقع ضمن وصف جرائم الحرب، كما رفع عنهم الحماية التي كانت توفرها (المادة 1) من اتفاقية أسرى الحرب؛ وعليه لا يخضع هؤلاء للامتيازات التي توفرها لهم هذه الاتفاقيات بالصورة التي تخضع لها الجيوش النظامية.

ففي العراق تسري مبادئ القانون الدولي المتعلق بالاحتلال الحربي وأحكام اتفاقيات جنيف لعام 1949 وخاصة الرابعة منها على القوات النظامية لجيوش الدول التي شاركت في الحرب العدائية عليه، في حين توجد مجموعات مسلحة انضوت تحت وصف الشركات الأمنية لا يسري عليها وصف الجيش النظامي، ولا يخضع أفرادها لقواعد هذه الاتفاقيات كونها خليطاً من جنسيات أجنبية مختلفة تمتهن العنف لغايات المال فقط، إذ يتم استخدامهم من دول مثل الفلبين وجنوب إفريقيا وهندوراس وليبيريا وساحل العاج وأنغولا لغايات القيام بأعمال عسكرية يكون الغرض الأساسي من قيامهم بها هو الربح المادي أو تحقيق غايات خاصة أخرى مثل الوعود بالحصول على الجنسية الأمريكية (الغرين كارت) على سبيل المثال.

::/fulltext::

276-5fe
Getting your Trinity Audio player ready...

::cck::1750::/cck::
::introtext::

نناقش في هذا المقال التبعات القانونية لنشاط شركات الحماية في العراق انطلاقاً من التغير الحاصل في الفكر الاستراتيجي العسكري الأمريكي على العقيدة العسكرية للولايات المتحدة، محاولين كشف بعض القضايا القانونية المتعلقة بمزاولة هذه الشركات نشاطها في العراق، خاصة بعد أن تراجع رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي عن قراره مؤخراً بإيقاف عمل نشاط شركة (بلاك ووتر) الأمريكية، في إشارة لفتت الانتباه إلى نشاط هذه الشركات من جهة وسرعة رجوع الحكومة عن موقفها بإيقاف هذه الشركة من جهة أخرى. وهو ما أثار العديد من علامات الاستفهام حول السيادة المزعومة للدولة الجديدة.

::/introtext::
::fulltext::

نناقش في هذا المقال التبعات القانونية لنشاط شركات الحماية في العراق انطلاقاً من التغير الحاصل في الفكر الاستراتيجي العسكري الأمريكي على العقيدة العسكرية للولايات المتحدة، محاولين كشف بعض القضايا القانونية المتعلقة بمزاولة هذه الشركات نشاطها في العراق، خاصة بعد أن تراجع رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي عن قراره مؤخراً بإيقاف عمل نشاط شركة (بلاك ووتر) الأمريكية، في إشارة لفتت الانتباه إلى نشاط هذه الشركات من جهة وسرعة رجوع الحكومة عن موقفها بإيقاف هذه الشركة من جهة أخرى. وهو ما أثار العديد من علامات الاستفهام حول السيادة المزعومة للدولة الجديدة.

إن استخدام محاربين ذوي كفاءة عالية في الأعمال الحربية مقابل أجر مادي من دون أن يرتبط بجنسية الجهة التي تستخدمهم، أمر شهده التاريخ الإنساني على مدى القرون الماضية. فالرومان على سبيل المثال لا الحصر من أوائل الإمبراطوريات الاستعمارية التي استغلت البرابرة مثال (الجرمان والسلاف والهون) في حروبها. وتعد مهنة الارتزاق مهنة قديمة توارثتها بعض الأنظمة لغايات تنفيذ سياسات غير قانونية لا تربطها بأي تبعات قانونية أو أخلاقية أو التزامات دولية. ومن دون الدخول بدهاليز تاريخية حول نشاط وتطور مهنة الارتزاق أو نشاط هذه الشركات، نود الإشارة في قفزة تاريخية إلى عصر العولمة، الذي كان له أعظم الأثر في التغيير الذي طال العلاقات الدولية وتنامي دور الشركات المتعددة الجنسية؛ بحيث أصبح لهذه المؤسسات الضخمة والمندمجة دور كبير في رسم بعض السياسات الخاصة لبعض الأطراف على حساب القواعد والسلوك العام السائد في حقبة الدولة القومية. فالأخيرة لم تعد تحكم وسائل الإنتاج في هذا العصر الذي أصبح فيه للقطاع الخاص دور ريادي في توجيه الدول والمنظمات حتى لو اقتضى الأمر تغييب الدولة ومؤسساتها مقابل مصالح فئات مختلفة. ومن هذه الشركات التي أخذت تتبوأ دوراً قيادياً في توجيه مصالح الدول القومية هي تلك المتعلقة بتوفير الأمن والحماية، التي هي تعبير عن المزاوجة بين القطاعين العام والخاص؛ حيث يوكل الأول للثانية بعض المهام التي تدخل في صميم عمله ليقوم بها. 

الولايات المتحدة وخصخصة القطاع الخاص 

إن مفهوم خصخصة القطاع العسكري بدأ يتصاعد في الفكر الاستراتيجي العسكري للولايات المتحدة بعد حرب الخليج الثانية في العام 1991، ويرجع ذلك إلى اعتبارات أيديولوجية واقتصادية وتاريخية مختلفة؛ فما بين تخفيض النفقات والتكاليف المادية والبشرية وبين الاستجابة لمتطلبات عولمة المصانع العسكرية والخصخصة الليبرالية، بالإضافة إلى الإرث التاريخي المكتسب في التقاليد الأمريكية التي أعطت للقطاع الخاص مهمة مشاركة الحكومة في استخدام القوة لجلب الخارج على القانون ضمن مبدأ (حياً أو ميتاً)، أخذت الولايات المتحدة تنظر إلى القطاع الخاص كونه شريكاً في المخاطر وليس كونه شريكاً في الأرباح فقط. 

خصخصة القطاع العسكري هي فكرة حديثة نسبياً بالنسبة للإدارة الأمريكية على الرغم من أنها فكرة قديمة سبق واستخدمتها الإدارات الأمريكية المتعاقبة، لكن لم تكن بهذه الصورة التي هي عليها الآن؛ وربما يرجع الفضل بالتوسع باستخدام القطاع المدني في الأعمال العسكرية على نطاق واسع في الولايات المتحدة إلى نائب الرئيس ديك تشيني في الفترة التي كان فيها وزيراً للدفاع في رئاسة بوش الأب، حيث طرح فكرة (the logistical side of contingency operations)، واستطاع الحصول لشركة هالبترون على عقد لدراسة إمكانية توفير الدعم اللوجستي للقوات الأمريكية المنتشرة في العالم. وهي الشركة التي ترأس مجلس إدارتها لفترة طويلة.

ولم يكن أمر نجاح هذه العقود الخاصة ذا بال كبير بقدر ما أصبحت هذه الشركة من أكبر الشركات المحتكرة للعمل العسكري الخاص. ففي الفترة بين ديسمبر1992 إلى مارس 1993 كانت هالبترون المورد الأساسي للمؤن والدعم اللوجستي للجيش الأمريكي في الصومال. يضاف إلى ما سبق أن الولايات المتحدة تسعى إلى الاستعانة بهذه الشركات ضمن رؤية ترى أن (الولايات المتحدة، التي تخوض (ضد الإرهاب) في العالم حروباً بسيطة إنما دائمة، تحضر في الوقت نفسه قواتها المسلحة للمواجهات الكبرى، فلا يمكنها أن تضعف صورة زعاماتها للعالم بانسحابها من مناطق ذات أهمية أقل استراتيجية)، أو في العراق لواجبات ومهام أقل أهمية إلى القطاع الخاص للتخفيف عن قواتها المسلحة عبء المهمات الأقل حيوية.

لم يعد أمر الحماية واستخدام السلاح أو القوة من الواجبات الحصرية للحكومة أو الدولة في الولايات المتحدة 

أي بكلمة أخرى، إن الفكر الاستراتيجي العسكري لدى الولايات المتحدة يتجه نحو خصخصة العمل المسلح بمعنى أنه لم يعد أمر الحماية واستخدام السلاح أو القوة من الواجبات الحصرية للحكومة أو الدولة، بل يجدر نقل جزء من المسؤوليات الخاصة باستخدام القوة إلى أطراف خاصة. ولعل هذه النظرية انطلقت من فرضية تقول إن العقود التي تمنح للقطاع الخاص، خاصة تلك التي تجرى في مناطق قتالية (العراق وأفغانستان) أو متوترة (إعصار كاترينا) سواء في داخل البلاد أو الخارج، والتي يجني من ورائها أصحابها أو أصحاب رؤوس الأموال الأرباح لا بد أن يتحمل القطاع الخاص جزءاً من الخسائر المادية التي يتحملها الجيش أو الشرطة. أي المشاركة في الأرباح والخسائر وعدم جني الأرباح فقط جراء الحصول على هذه العقود المربحة خاصة عندما تكون أرباحاً مؤكدة. 

هكذا يمكن القول إن أحد مبادئ العقيدة العسكرية الأمريكية الحالية هو تخليص الجيش الأمريكي من أعباء وظائف قد تعيق عمل الجندي النظامي وتعرضه للخطر، على الرغم من كون هذه الوظائف جزءاً من مهامه ومهام الحكومة والجيش الأمريكي حصرياً. لذا شهد الجيش الأمريكي في العراق تنامياً بعدد الموظفين العاملين بموجب عقود مع وزارة الدفاع. وهو ما دفع (روبرت هارناج) رئيس الاتحاد الأمريكي للموظفين الفيدراليين للتصريح (بأن هذا التحول نحو خصخصة قطاعات الحرب يهدف إلى التنصل الرسمي من المسؤولية الأخلاقية والقانونية إزاء ما ينجم عن الحروب).

طبيعة العقود الممنوحة للشركات الأمنية لا تضع معايير على عمل أفراد الحماية 

وضمن هذا التوجه ازداد عدد العقود التي نظمتها الولايات المتحدة مع الشركات الخاصة العسكرية خلال الأعوام (1994 – 2004م) حيث بلغت أكثر من 3000 عقد، وبلغت قيمتها 300 مليار دولار، ازداد فيه عدد الأفراد المدنيين (العسكريين) في القوات المسلحة. فخلال حرب الخليج الأولى كانت النسبة واحداً من القطاع الخاص في كل 100 جندي، ليصل الرقم في العام 2003 إلى واحد في كل 10، وهو ما جعلهم يشكلون المرتبة الثانية من القوات المسلحة في العراق بعد الولايات المتحدة بنسبة تصل إلى  20 في المائة من عموم القوات الموجودة في العراق. وعلى الرغم من المحاذير التي تكمن وراء نشاط هذه الشركات إلا أنها تحظى بالتأييد والدعم من قبل جماعات اقتصادية وحكومية، ليس للدور الذي تقوم فيه بخدمة تطور الصناعة العسكرية الحربية فقط، بل للمكاسب المالية المتحققة والأرباح الخيالية الناتجة عن هذه التجارة. لذا، حضي نشاط هذه الشركات في بعض البلدان مثل إفريقيا وأوروبا رغم أعمالها القمعية والسيئة بموافقة وتأييد رجال السياسة والحكم في الولايات المتحدة وبريطانيا. فعلى سبيل المثال كان الرئيس الأمريكي ووزير دفاعه السابق دونالد رامسفيلد ووزيرة خارجيته كوندوليزا رايس ، ووزير خارجية بريطانيا السابقجاك سترو على علم بدور ونشاط إحدى شركات الحماية بالانقلاب الذي حدث في (غينيا الاستوائية)، لكن لم يقوموا بأي دور لإيقافه. فلقد أصبح نشاط القطاع الخاص وشركات الحماية من الأمور الحيوية في الفكر الاستراتيجي العسكري للولايات المتحدة، ويعلق أحد مسؤولي البنتاغون قائلاً إنه أصبح الاعتماد على هؤلاء أمراً حيوياً؛ بحيث لا يمكن تخيل دخول الولايات المتحدة في حرب ما دون مساعدة هذه الشركات الخاصة. 

الأساس القانوني لعملهم في العراق

تطلق البنتاغون على هؤلاء بـ (المتعاقدين)، في حين تفضل الحكومة العراقية وصفهم بالمتعاقدين أو الحرس. وهو وصف قصد منه تخفيف حدة الاستياء الشعبي من الأعمال السيئة التي يقومون بها وتبرير وجودهم في العراق كونهم جاءوا لأعمال تتعلق بإعادة بناء العراق. وفي هذا الإطار يجدر بنا الإجابة عن سؤال مهم وأساسي وهو ما الغطاء القانوني وراء عمل هؤلاء في العراق، وكيف تسوغ قوة الاحتلال والقوات المتعددة الجنسية والحكومة العراقية وجودهم؟ وهل يقع هؤلاء ضمن حماية وحصانة القانون الدولي والاتفاقيات الدولية المتعلقة بحالة الحرب؟

كان من أوائل الأوامر والقوانين، التي شرعتها سلطات الاحتلال في العراق، إلغاء أو حل الكيانات السياسية (القانون رقم 2) وتشريع عمل شركات الحماية الخاصة في العراق بموجب القانون رقم 17. وذلك للتعويض عن حل الميليشيات المسلحة التابعة للأحزاب السياسية التي جاءت خلف جيوش الاحتلال التي رفضت إدارة جارنر وما أعقبها إدارة بريمر عملها. وهو ما يبرر وجود 20 ألف شخص ضمن قوة حماية الدكتور أحمد الجلبي رئيس مؤتمر الوطني العراقي، وهو أبرز المعارضين لنظام الرئيس العراقي السابق صدام حسين، حيث رفض وصفهم بالميليشيا، الأمر الذي استغل فيه الجلبي قانون عمل شركات الحماية الذي أصدره بريمر للعمل في العراق ضمن هذا الإطار، ويذكر أن معظم أفراد هذه القوة هم من العرب والأكراد الذي أقنعتهم، وجندتهم الحكومة الأمريكية للعمل معها منذ مطلع التسعينات. 

القانون الذي أصدره بريمر أعطى حصانة للشركات الأمنية ضد ملاحقة القانون العراقي 

أصدر الحاكم المدني السابق للعراق بول بريمر القرار رقم 17 بتاريخ 27-6-2004م عن سلطة الائتلاف، الذي منح هذه الشركات حرية العمل في العراق لتأدية مهامها باعتبارها توفر خدمات الحماية، كما منحها حصانة قضائية ضد ملاحقة القانون العراقي لها، بحيث سيكون أفراد هذه الشركات بمنأى عن الاعتقال أو الاحتجاز، وقد أعطى القانون للسلطات المتعددة الجنسية الحق في احتجاز أي منهم فيما لو تجاوزوا صلاحياتهم، وحجبت هذا الأمر عن الحكومة العراقية. 

ويتضح من القانون أعلاه انعدام سلطة الدولة العراقية على أفراد الشركات الأمنية، بل إنه جعلهم فئة متميزة بحيث لا يخضعون للقانون العسكري الأمريكي المطبق على الجنود وفي الوقت نفسه لا يخضعون للقوانين العراقية، الأمر الذي أفرز العديد من التداعيات: 

1- في ظل حالة الفلتان الأمني والخوف الذي يعتري عمل هؤلاء جعلهم يتصرفون بصورة غير منضبطة، الأمر الذي تسبب في حالة من اللامبالاة وهو ما انعكس في تصعيد وقتل أي شخص يجتاز المركبات التي يستقلونها ذات الدفع الرباعي، وهو ما دفع البعض إلى وصف ذلك كأحد الأشكال المعبرة عن الاحتلال.

2- في ظل غياب آلية واضحة للتعامل بين المؤسسات الحكومية العراقية وهذه الشركات أو التعامل مع أفرادها، جعل المواطن عرضة للتجاوزات التي يسببها أفراد هذه الشركات وهو ما انعكس في آلاف القضايا المرفوعة لدى القضاء العراقي، وجعل الحكومة في حرج بين تأمين حياة المواطن العراقي وعدم وجود مسوغ قانوني أو قضائي لملاحقة هؤلاء. وعلق أحد الضباط العراقيين على ذلك قائلاً إن هؤلاء يقتلون الناس ثم يغادرون الموقع كأن شيئاً لم يكن، وعند الاتصال بالشركات التي يعملون فيها ينكرون الأمر بتاتاً.

3- لقد ترك هذا الأمر للشركات الأمنية ذاتها في رسم تعاليمها وقواعدها للعمل في العراق، خاصة تلك المتعلقة باستخدام السلاح لغايات القتل أو التهديد باستخدامها. ويعلق أحد الجنرالات في الجيش الأمريكي قائلاً إن هؤلاء الأفراد لديهم القواعد والإجراءات نفسها الممنوحة للجندي الأمريكي في التعامل مع الخطر، أي الاستخدام التدريجي للقوة بحيث يصرخ الجندي ثم يظهر سلاحه ثم يطلق النار من أجل القتل. وتكمن الخطورة هنا في أن هذه التعليمات تتم مراقبتها وتدريب الجنود عليها، على العكس من أفراد هذه الشركات، الأمر الذي يوحي بالاعتقاد أن هؤلاء يستخدمون القوة دون أي اعتبار.

4- انعدام إجراءات الرقابة والمتابعة على أعمال هذه الشركات، حيث إن طبيعة العقود الممنوحة لهذه الشركات لا تضع معايير على عمل أفراد الحماية؟ إذ يعين أفراد الحماية بصفتهم مقاولين مستقلين (independent contractors) في شركات حماية تتبع لشركات حماية أخرى فرعية والتي هي بدورها تتبع لشركات حماية عملاقة يتم التعاقد معها من قبل المقاول الرئيسي. هذا النهج جعل من المراقبة الحكومية على هذه الشركات شبه معدومة، أي أن مراقبة الزبون لنشاط الشركات التي توفر له هذه الخدمات غير موجودة.

إن عمل أفراد الشركات الخاصة في وسط فراغ قضائي يؤدي إلى التشجيع على التجاوزات، ويفسد نوعية النتائج المتوخاة من التعاقد معهم، ويؤدي أيضاً إلى عدم احترام حقوق الإنسان، حيث أشار تينس روس، المدير التنفيذي لجمعية مراقبة حقوق الإنسان (Human Right Watch) إلى أنه (إذا كانت (البنتاغون) تنوي استخدام متعاقدين من القطاع الخاص من أجل مهمات عسكرية أو استخباراتية، فيجب عليها التأكد من أنهم خاضعون لبعض القيود والأشكال الرقابية القانونية .. ذلك أن السماح لهؤلاء بالعمل وسط فراغ قضائي يعتبر تشجيعاً للتجاوزات).

لقد استمرت الحصانة القضائية التي يتمتع بها هؤلاء حتى بعد نقل السيادة إلى الحكومة العراقية المنتخبة، فرغم التجاوزات التي ارتكبها هؤلاء طوال الفترة التي أعقبت نقل السيادة لم يقدم أحد منهم للقضاء، بل يكتسب أفراد هذه الشركات ميزة إضافية، حيث إنهم في حل من أي التزام قانوني أو قضائي عراقي كان أو أي التزام تفرضه دولها، خاصة تلك التي ليست لديها قوانين تكافح ظاهرة الارتزاق، فعلى سبيل المثال يتعرض الجنود الأمريكيون الذين تورطوا في فضيحة سجن أبو غريب إلى المساءلة من قبل محكمة عسكرية، في حين كان هناك شخصان من هذه الشركات قد تورطا في أعمال اغتصاب وتعذيب لم تطلهما المحاكم العسكرية الأمريكية باعتبارهما مدنيين، ولم تطلهما المحاكم العراقية أيضاً لأنهم أجانب في حماية سلطة الاحتلال. 

ولم يقف الأمر عند هذا الحد، بل سنت التشريعات التي تضمن نشاط هذه الشركات من دون رقابة الحكومة أو مؤسساتها الأمنية على هذه الشركات أو الأفراد العاملين فيها؛ فقد سوغ قانون إدارة الدولة العراقية الصادرة عن سلطة الائتلاف لهذه الشركات العمل بحرية بموجب المادة 26 الفقرة (أ)، وجاء الدستور العراقي الأخير ليؤكد هذا الأمر في المادة رقم 130، حيث نصت على (أن القوانين الحالية تبقى سارية المفعول ما لم يتم تعديلها أو إلغاؤها بموجب فقرات هذا الدستور). أي بكلمة أخرى لم تكن لرئيس الوزراء العراقي المالكي القدرة على منع أو إيقاف نشاط شركة بلاك ووتر المتهمة بقيامها بجرائم بحق المدنيين العراقيين لانعدام أي مسوغ قانوني يمكن التعويل عليه لاتخاذ إجراء بحق هذه الشركات.

لقد حاولت التشريعات الدولية تقنين القواعد الخاصة بالمرتزقة للحد من هذه الظاهرة وفرض العقوبات على الدول والهيئات التي تستخدم هؤلاء لغايات خاصة. ففي العام 1977 وخلال مؤتمر تطوير القانون الدولي الإنساني وتطبيقه في النزاعات المسلحة، أكد عدد من الوفود على ضرورة حجب وصف المحاربين على هؤلاء، ذلك الوصف الذي منع هؤلاء المرتزقة من التمتع بوصف المحارب عبر البروتوكول (رقم 1) من المادة 47 من اتفاقية جنيف قبل تعديله، الذي ينص على أن أي شخص يقع في قبضة الدولة منهم كونه أسير حرب له كامل الحقوق في الرعاية والحماية. لكن جرى تعديل هذا البروتوكول بحيث حجب عن هؤلاء وصف المحاربين، واعتبرت أعمالهم تقع ضمن وصف جرائم الحرب، كما رفع عنهم الحماية التي كانت توفرها (المادة 1) من اتفاقية أسرى الحرب؛ وعليه لا يخضع هؤلاء للامتيازات التي توفرها لهم هذه الاتفاقيات بالصورة التي تخضع لها الجيوش النظامية.

ففي العراق تسري مبادئ القانون الدولي المتعلق بالاحتلال الحربي وأحكام اتفاقيات جنيف لعام 1949 وخاصة الرابعة منها على القوات النظامية لجيوش الدول التي شاركت في الحرب العدائية عليه، في حين توجد مجموعات مسلحة انضوت تحت وصف الشركات الأمنية لا يسري عليها وصف الجيش النظامي، ولا يخضع أفرادها لقواعد هذه الاتفاقيات كونها خليطاً من جنسيات أجنبية مختلفة تمتهن العنف لغايات المال فقط، إذ يتم استخدامهم من دول مثل الفلبين وجنوب إفريقيا وهندوراس وليبيريا وساحل العاج وأنغولا لغايات القيام بأعمال عسكرية يكون الغرض الأساسي من قيامهم بها هو الربح المادي أو تحقيق غايات خاصة أخرى مثل الوعود بالحصول على الجنسية الأمريكية (الغرين كارت) على سبيل المثال.

::/fulltext::
::cck::1750::/cck::

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *