مقاتلون بلا قضية.. (المرتزقة) بديلاً عن الجيوش

::cck::1749::/cck::
::introtext::

يعيد الأخذ والرد بين الحكومة العراقية والسلطات الأمريكية بشأن وضع الشركات الأمنية الخاصة العاملة في العراق، وفي مقدمتها شركة (بلاك ووتر) التي لم تجد في النهاية بداً من الاعتراف بما ظلت تشير إليها به أصابع الاتهام من تورط في قتل أعداد كبيرة من المدنيين العراقيين، إلى دائرة الضوء الوضع الشاذ التي تستفيد منه هذه الشركات الأمنية في ظل ظروف الاحتلال التي يرزح تحتها العراق منذ عام 2003. 

::/introtext::
::fulltext::

يعيد الأخذ والرد بين الحكومة العراقية والسلطات الأمريكية بشأن وضع الشركات الأمنية الخاصة العاملة في العراق، وفي مقدمتها شركة (بلاك ووتر) التي لم تجد في النهاية بداً من الاعتراف بما ظلت تشير إليها به أصابع الاتهام من تورط في قتل أعداد كبيرة من المدنيين العراقيين، إلى دائرة الضوء الوضع الشاذ التي تستفيد منه هذه الشركات الأمنية في ظل ظروف الاحتلال التي يرزح تحتها العراق منذ عام 2003.

الواقع أن الظاهرة لا تقتصر على العراق دون غيره، بل لا تكاد تخلو منها منطقة من مناطق العالم التي تشهد توترات من نوع أو آخر، ففي كل النقاط الساخنة يلحظ المرء، حيثما التفت، حضوراً متزايداً للمرتزقة في خضم الحروب المستعرة وعلى تماس مع الأزمات الناشبة هنا وهناك.

فأمريكا الجنوبية والوسطى، التي عرفت كثير من بلدانها صراعات دامية مزقتها خلال سنوات السبعينات والثمانينات من القرن الماضي، ولا يزال بعضها يعاني في الوقت نفسه من نشاط عصابات المخدرات والجماعات اليسارية العنيفة والميليشيات اليمينية المتطرفة، تتوفر فيها أرضية خصبة لتنامي مجموعات المرتزقة؛ كما أن هذه البلدان تتيح فرصاً سانحة لتوظيف عناصر نوعية من بين المنتسبين سابقاً إلى وحدات القوات الخاصة وفرق التعذيب التي خدمت تحت الأنظمة الدكتاتورية السابقة في الأرجنتين وتشيلي والسلفادور وغيرها.

أما في إفريقيا، حيث تنتشر النزاعات القبلية والعرقية وغيرها من أسباب الفوضى، فتغري وفرة الموارد الطبيعية وهشاشة الأنظمة السياسية قوى أجنبية عديدة بالسعي إلى التدخل في أوضاع بلدان القارة، كما يتطلع الطامعون من كل نوع إلى استغلال اضطراب هذه الأوضاع لتحقيق مآربهم. وفي هذا السياق تميزت أدوار مجموعات المرتزقة التي اكتشف العالم مدى نفوذها والوسائل المتاحة لها قبل نحو سنتين عندما أُحبطت محاولة للإطاحة بثيودورو أوبيانغ حاكم غينيا الاستوائية على يد مجموعة من المرتزقة تقودها عناصر من المملكة المتحدة وجنوب إفريقيا على صلة بشخصيات مالية وسياسية معروفة تبين أنها عقدت صفقة مع زعيم المعارضة في المنفى لإيصاله إلى السلطة مقابل امتيازات اقتصادية في هذا البلد الإفريقي الغني بموارده الطبيعية.

أغلب الذين ينخرطون في الجيوش الغربية الآن إنما يفعلون ذلك اضطراراً وليس بدافع الحماسة لقيم الجندية

غير أن الأمر لم يعد ينحصر في مجموعات من الأفراد المغامرين ممن ينتهزون فرص الفوضى والاضطراب بحثاً عن الثراء أو هرباً من العدالة، بل أصبحنا إزاء شركات ومؤسسات ومجموعات مصالح نافذة يتعاظم تأثيرها باطراد خاصة في أوساط رجال المال وعلى مستوى دوائر صنع القرار في بلدان عديدة في مقدمتها الولايات المتحدة الأمريكية. وهكذا تمت خصخصة عدد من النشاطات المرتبطة بالحروب المعاصرة، وتحولت تجارة (كلاب الحرب) إلى نشاط مربح يثير اهتمام كل طامع في رواتبه وعمولاته المغرية التي تجاوزت كل الأرقام المعهودة.

وإذا كانت لهذه الظاهرة المتجذرة في تاريخ البشرية تفسيراتها المرتبطة بالسلوك الشاذ لبعض الأفراد ونزوعهم نحو المغامرة والكسب بكل الطرق، وحاجة فرقاء السياسة أحياناً إلى وسطاء من هذا النوع لخوض صراعات بالوكالة، إلا أنها في مستوى تطورها الحالي لا يمكن فهمها من دون استحضار وضع الجيوش ومكانتها في المجتمعات الحديثة، ناهيك عن أنها تثير تساؤلات تتعلق بأزمة شرعية الحروب المعاصرة والإفلاس الأخلاقي لبعض ساسة العالم والارتباط الفاضح أحياناً بين مهام الحكم ومتطلبات المصالح الخاصة.

وليس من العسير إدراك عمق الأزمة المزدوجة التي تواجهها المؤسسة العسكرية في أغلب البلدان الغربية: أزمة اعتبار من خارج المؤسسة وأزمة معنويات داخلها. فالجهد الذي تبذله وزارات الدفاع وقيادات الأركان في أكثر من بلد أوروبي في الحملات الدعائية لجذب الشباب إلى الانخراط في صفوف الجيش عبر الإعلان عن حوافز من كل نوع، يكشف حجم الصعوبات التي تعترض سعيها لتغطية احتياجاتها من المكتتبين الجدد. لقد تم إلغاء الخدمة العسكرية الإجبارية، وتحولت الجيوش إلى مؤسسات محترفة تباهي بكونها تؤمن لأعضائها ظروف عمل ملائمة وتكويناً متميزاً وضمانات مستقبلية مغرية، لكن كل ذلك لم يزد، فيما يبدو،  شباب البلدان المتقدمة إلا عزوفاً عن الانخراط في صفوف الجيش.

لم تعد مؤسسة الجيش في الغرب تتمتع بتلك الصورة البهية التي تضفي عليها هالة أسطورية

ولتفسير هذا السلوك ثمة سبب وجيه هو أول ما يتبادر إلى الذهن. ونعني هنا ازدهار الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية في البلدان المذكورة. حيث من المعلوم أن الجيوش، على مر العصور وفي كل الأمم، ظلت تعتمد بالدرجة الأولى في اكتتاب السواد الأعظم من الجنود ونسبة معتبرة من القادة على أبناء الطبقات الاجتماعية الدنيا الأقل حظوة. أما اليوم فلم يعد الانخراط في صفوف الجيش وسيلة ناجعة للصعود الاجتماعي ولا حتى خياراً مهنياً مفضلاً، فقد بات الكثيرون يجدون إغراء أكبر في المهن المدنية التي تحقق لهم قدراً أوفر من رخاء العيش واسترخاء الأعصاب أكثر مما يهتمون بالقيم التي كانت المؤسسة العسكرية ترمز إليها حتى وقت قريب أو ينجذبون إلى فرص العمل التي توفرها.

غير أن هذا الاعتبار البراغماتي قد لا يكون السبب الوحيد، ولا حتى الأساسي، لاستنكاف كثير من الشباب عن الانتساب إلى المؤسسة العسكرية؛ بل لعل الأمر يرتبط أكثر من أي أمر آخر بحالة الانفصام بين القيم الشائعة في أوساط الشباب والحسابات التي ينطلق منها الساسة. ففي الغرب لم تعد مؤسسة الجيش تتمتع بتلك الصورة البهية التي تضفي عليها هالة أسطورية في عيون المجتمع عموماً وناشئته بصورة خاصة، بل أصبح الكثيرون ينظرون إليها من زاوية تورطها في تنفيذ حروب مفضوحة الدوافع وغير ذات مصداقية سياسية، فضلاً عن افتقارها إلى أي سند أخلاقي أو قانوني.

من هنا فإن أغلب الذين ينخرطون في الجيوش الغربية الآن إنما يفعلون ذلك اضطراراً وليس بدافع الحماس لقيم الجندية أو الاقتناع بالقضايا التي يفترض أن هذه الجيوش تخدمها. وبالتالي فليس من الغريب أن نلحظ أن أغلبية هؤلاء تنتمي إلى أقليات مهمشة اجتماعياً وسياسياً أو طبقات وفئات اجتماعية لها حظ ضعيف من التعليم يجد أبناؤها عادة صعوبات أكبر في الأخذ بالأسباب المعهودة للنجاح المهني والاجتماعي، بل إن بعض هذه الجيوش تجد نفسها مضطرة أحياناً إلى اكتتاب بعض الأجانب مقابل وعود بتسوية أوضاع إقامتهم وتأمين العمل لهم مستقبلاً.

صورة الجيوش الغربية في مجتمعاتها ومنشأ غالبية منتسبيها الجدد وطبيعة الحروب التي تتورط فيها، كلها أمور انعكست سلباً على الروح المعنوية لمقاتليها الذين يواجهون النكسات تلو النكسات حيثما وُجدوا رغم تفوقهم الخارق من حيث التجهيزات والتدريب. وإذا صح ما قرره أشهر منظري الحرب كارل فون كلوزفيتش من أن الحروب يكسبها من يستطيع تحطيم إرادة القتال لدى العدو، فإن المستقبل أمام الجيوش الغربية لا يبدو مشرقاً. ليس لأنها تتورط يوماً بعد يوم في مزيد من المواجهات مع نمط جديد من المقاتلين لديهم الكثير من بواعث الاندفاع في القتال والقليل مما يخسرون ـ وهي حقيقة قائمة فعلاً ـ بل لأن جنودها يخوضون معارك لم يختاروا الانخراط فيها أصلاً ومن دون قضية يقاتلون في سبيلها. وهو مأزق يبدو أن بعض الدوائر السياسية في بلدان غربية ارتأت أنها ربما ستتمكن من تجاوزه جزئياً باللجوء إلى مساعدة مقاتلين لكل واحد منهم بالفعل قضيته، لكن قضايا هؤلاء أكثر خصوصية وأقل نبلاً من تلك التي تخاض الحروب في سبيلها عادة.  

::/fulltext::

Getting your Trinity Audio player ready...

::cck::1749::/cck::
::introtext::

يعيد الأخذ والرد بين الحكومة العراقية والسلطات الأمريكية بشأن وضع الشركات الأمنية الخاصة العاملة في العراق، وفي مقدمتها شركة (بلاك ووتر) التي لم تجد في النهاية بداً من الاعتراف بما ظلت تشير إليها به أصابع الاتهام من تورط في قتل أعداد كبيرة من المدنيين العراقيين، إلى دائرة الضوء الوضع الشاذ التي تستفيد منه هذه الشركات الأمنية في ظل ظروف الاحتلال التي يرزح تحتها العراق منذ عام 2003. 

::/introtext::
::fulltext::

يعيد الأخذ والرد بين الحكومة العراقية والسلطات الأمريكية بشأن وضع الشركات الأمنية الخاصة العاملة في العراق، وفي مقدمتها شركة (بلاك ووتر) التي لم تجد في النهاية بداً من الاعتراف بما ظلت تشير إليها به أصابع الاتهام من تورط في قتل أعداد كبيرة من المدنيين العراقيين، إلى دائرة الضوء الوضع الشاذ التي تستفيد منه هذه الشركات الأمنية في ظل ظروف الاحتلال التي يرزح تحتها العراق منذ عام 2003.

الواقع أن الظاهرة لا تقتصر على العراق دون غيره، بل لا تكاد تخلو منها منطقة من مناطق العالم التي تشهد توترات من نوع أو آخر، ففي كل النقاط الساخنة يلحظ المرء، حيثما التفت، حضوراً متزايداً للمرتزقة في خضم الحروب المستعرة وعلى تماس مع الأزمات الناشبة هنا وهناك.

فأمريكا الجنوبية والوسطى، التي عرفت كثير من بلدانها صراعات دامية مزقتها خلال سنوات السبعينات والثمانينات من القرن الماضي، ولا يزال بعضها يعاني في الوقت نفسه من نشاط عصابات المخدرات والجماعات اليسارية العنيفة والميليشيات اليمينية المتطرفة، تتوفر فيها أرضية خصبة لتنامي مجموعات المرتزقة؛ كما أن هذه البلدان تتيح فرصاً سانحة لتوظيف عناصر نوعية من بين المنتسبين سابقاً إلى وحدات القوات الخاصة وفرق التعذيب التي خدمت تحت الأنظمة الدكتاتورية السابقة في الأرجنتين وتشيلي والسلفادور وغيرها.

أما في إفريقيا، حيث تنتشر النزاعات القبلية والعرقية وغيرها من أسباب الفوضى، فتغري وفرة الموارد الطبيعية وهشاشة الأنظمة السياسية قوى أجنبية عديدة بالسعي إلى التدخل في أوضاع بلدان القارة، كما يتطلع الطامعون من كل نوع إلى استغلال اضطراب هذه الأوضاع لتحقيق مآربهم. وفي هذا السياق تميزت أدوار مجموعات المرتزقة التي اكتشف العالم مدى نفوذها والوسائل المتاحة لها قبل نحو سنتين عندما أُحبطت محاولة للإطاحة بثيودورو أوبيانغ حاكم غينيا الاستوائية على يد مجموعة من المرتزقة تقودها عناصر من المملكة المتحدة وجنوب إفريقيا على صلة بشخصيات مالية وسياسية معروفة تبين أنها عقدت صفقة مع زعيم المعارضة في المنفى لإيصاله إلى السلطة مقابل امتيازات اقتصادية في هذا البلد الإفريقي الغني بموارده الطبيعية.

أغلب الذين ينخرطون في الجيوش الغربية الآن إنما يفعلون ذلك اضطراراً وليس بدافع الحماسة لقيم الجندية

غير أن الأمر لم يعد ينحصر في مجموعات من الأفراد المغامرين ممن ينتهزون فرص الفوضى والاضطراب بحثاً عن الثراء أو هرباً من العدالة، بل أصبحنا إزاء شركات ومؤسسات ومجموعات مصالح نافذة يتعاظم تأثيرها باطراد خاصة في أوساط رجال المال وعلى مستوى دوائر صنع القرار في بلدان عديدة في مقدمتها الولايات المتحدة الأمريكية. وهكذا تمت خصخصة عدد من النشاطات المرتبطة بالحروب المعاصرة، وتحولت تجارة (كلاب الحرب) إلى نشاط مربح يثير اهتمام كل طامع في رواتبه وعمولاته المغرية التي تجاوزت كل الأرقام المعهودة.

وإذا كانت لهذه الظاهرة المتجذرة في تاريخ البشرية تفسيراتها المرتبطة بالسلوك الشاذ لبعض الأفراد ونزوعهم نحو المغامرة والكسب بكل الطرق، وحاجة فرقاء السياسة أحياناً إلى وسطاء من هذا النوع لخوض صراعات بالوكالة، إلا أنها في مستوى تطورها الحالي لا يمكن فهمها من دون استحضار وضع الجيوش ومكانتها في المجتمعات الحديثة، ناهيك عن أنها تثير تساؤلات تتعلق بأزمة شرعية الحروب المعاصرة والإفلاس الأخلاقي لبعض ساسة العالم والارتباط الفاضح أحياناً بين مهام الحكم ومتطلبات المصالح الخاصة.

وليس من العسير إدراك عمق الأزمة المزدوجة التي تواجهها المؤسسة العسكرية في أغلب البلدان الغربية: أزمة اعتبار من خارج المؤسسة وأزمة معنويات داخلها. فالجهد الذي تبذله وزارات الدفاع وقيادات الأركان في أكثر من بلد أوروبي في الحملات الدعائية لجذب الشباب إلى الانخراط في صفوف الجيش عبر الإعلان عن حوافز من كل نوع، يكشف حجم الصعوبات التي تعترض سعيها لتغطية احتياجاتها من المكتتبين الجدد. لقد تم إلغاء الخدمة العسكرية الإجبارية، وتحولت الجيوش إلى مؤسسات محترفة تباهي بكونها تؤمن لأعضائها ظروف عمل ملائمة وتكويناً متميزاً وضمانات مستقبلية مغرية، لكن كل ذلك لم يزد، فيما يبدو،  شباب البلدان المتقدمة إلا عزوفاً عن الانخراط في صفوف الجيش.

لم تعد مؤسسة الجيش في الغرب تتمتع بتلك الصورة البهية التي تضفي عليها هالة أسطورية

ولتفسير هذا السلوك ثمة سبب وجيه هو أول ما يتبادر إلى الذهن. ونعني هنا ازدهار الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية في البلدان المذكورة. حيث من المعلوم أن الجيوش، على مر العصور وفي كل الأمم، ظلت تعتمد بالدرجة الأولى في اكتتاب السواد الأعظم من الجنود ونسبة معتبرة من القادة على أبناء الطبقات الاجتماعية الدنيا الأقل حظوة. أما اليوم فلم يعد الانخراط في صفوف الجيش وسيلة ناجعة للصعود الاجتماعي ولا حتى خياراً مهنياً مفضلاً، فقد بات الكثيرون يجدون إغراء أكبر في المهن المدنية التي تحقق لهم قدراً أوفر من رخاء العيش واسترخاء الأعصاب أكثر مما يهتمون بالقيم التي كانت المؤسسة العسكرية ترمز إليها حتى وقت قريب أو ينجذبون إلى فرص العمل التي توفرها.

غير أن هذا الاعتبار البراغماتي قد لا يكون السبب الوحيد، ولا حتى الأساسي، لاستنكاف كثير من الشباب عن الانتساب إلى المؤسسة العسكرية؛ بل لعل الأمر يرتبط أكثر من أي أمر آخر بحالة الانفصام بين القيم الشائعة في أوساط الشباب والحسابات التي ينطلق منها الساسة. ففي الغرب لم تعد مؤسسة الجيش تتمتع بتلك الصورة البهية التي تضفي عليها هالة أسطورية في عيون المجتمع عموماً وناشئته بصورة خاصة، بل أصبح الكثيرون ينظرون إليها من زاوية تورطها في تنفيذ حروب مفضوحة الدوافع وغير ذات مصداقية سياسية، فضلاً عن افتقارها إلى أي سند أخلاقي أو قانوني.

من هنا فإن أغلب الذين ينخرطون في الجيوش الغربية الآن إنما يفعلون ذلك اضطراراً وليس بدافع الحماس لقيم الجندية أو الاقتناع بالقضايا التي يفترض أن هذه الجيوش تخدمها. وبالتالي فليس من الغريب أن نلحظ أن أغلبية هؤلاء تنتمي إلى أقليات مهمشة اجتماعياً وسياسياً أو طبقات وفئات اجتماعية لها حظ ضعيف من التعليم يجد أبناؤها عادة صعوبات أكبر في الأخذ بالأسباب المعهودة للنجاح المهني والاجتماعي، بل إن بعض هذه الجيوش تجد نفسها مضطرة أحياناً إلى اكتتاب بعض الأجانب مقابل وعود بتسوية أوضاع إقامتهم وتأمين العمل لهم مستقبلاً.

صورة الجيوش الغربية في مجتمعاتها ومنشأ غالبية منتسبيها الجدد وطبيعة الحروب التي تتورط فيها، كلها أمور انعكست سلباً على الروح المعنوية لمقاتليها الذين يواجهون النكسات تلو النكسات حيثما وُجدوا رغم تفوقهم الخارق من حيث التجهيزات والتدريب. وإذا صح ما قرره أشهر منظري الحرب كارل فون كلوزفيتش من أن الحروب يكسبها من يستطيع تحطيم إرادة القتال لدى العدو، فإن المستقبل أمام الجيوش الغربية لا يبدو مشرقاً. ليس لأنها تتورط يوماً بعد يوم في مزيد من المواجهات مع نمط جديد من المقاتلين لديهم الكثير من بواعث الاندفاع في القتال والقليل مما يخسرون ـ وهي حقيقة قائمة فعلاً ـ بل لأن جنودها يخوضون معارك لم يختاروا الانخراط فيها أصلاً ومن دون قضية يقاتلون في سبيلها. وهو مأزق يبدو أن بعض الدوائر السياسية في بلدان غربية ارتأت أنها ربما ستتمكن من تجاوزه جزئياً باللجوء إلى مساعدة مقاتلين لكل واحد منهم بالفعل قضيته، لكن قضايا هؤلاء أكثر خصوصية وأقل نبلاً من تلك التي تخاض الحروب في سبيلها عادة.  

::/fulltext::
::cck::1749::/cck::

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *