سياسة روسيا الخليجية: خطوة نحو إعادة الاستقرار للتوازن الدولي

::cck::1869::/cck::
::introtext::

تشهد البيئة العالمية تناقضات عديدة بين قواها الفاعلة، فتلك القوى تتنافس فيما بينها وتتصارع من أجل تبوؤ مرتبة أفضل في سلم القطبية الدولية. ويساعدها على ذلك، أن الوضع الذي تعانيه الولايات المتحدة في الاحتفاظ بموقعها أصبح حرجاً، إذ ظهرت اختلالات في القوة الأمريكية التنافسية مقارنة بقوى منافسة، مما صار يعطي للولايات المتحدة مرتبة دولية غير متساوية مع إمكاناتها العسكرية. 

::/introtext::
::fulltext::

تشهد البيئة العالمية تناقضات عديدة بين قواها الفاعلة، فتلك القوى تتنافس فيما بينها وتتصارع من أجل تبوؤ مرتبة أفضل في سلم القطبية الدولية. ويساعدها على ذلك، أن الوضع الذي تعانيه الولايات المتحدة في الاحتفاظ بموقعها أصبح حرجاً، إذ ظهرت اختلالات في القوة الأمريكية التنافسية مقارنة بقوى منافسة، مما صار يعطي للولايات المتحدة مرتبة دولية غير متساوية مع إمكاناتها العسكرية.

رغم أن تلك البيئة تؤشر إلى أن احتمالات المواجهة بين تلك القوى عالية التكلفة، بل ومستحيلة وغير مرغوبة في المرحلة المنظورة، وهذا ما يجعلها تبقي تناقضاتها عند مستوى الحد الأدنى الحرج المطلوب عدم التصعيد أكثر منه، إلا أن ذلك لم ينف أن تلك القوى صارت تبحث عن منافذ لاختراق السيادة الأمريكية العالمية على النظام الدولي عبر سياسات التعاون الثنائية (الشراكة): روسيا والصين، روسيا والهند، فضلاً عن سعي هذه القوى الدؤوب من أجل تعزيز مفردات قوتها الذاتية العسكرية والاقتصادية، وحتى لمجالاتها الثقافية؛ وأصبح بإمكانها أن تؤثر في مجالات دولية أوسع؛ حتى يسهل عليها في وقت لاحق فرض أنموذجها للنظم والتفاعلات الإقليمية، وبالتالي للنظام والتفاعلات العالمية، أو احتواء المجالات الاستراتيجية المهمة: المنطقة العربية، إفريقيا، وآسيا، أو في أقل تقدير، استثمار النظم/ الدول الإقليمية بقصد توسيع مجالات نفوذها وسحب ميادين الصراع بعيداً عنها.

ولعل روسيا قوة رائدة تحاول الإسراع في معدلات نمو قواها لكي تجد لها مكاناً يتناسب وما كانت تتمتع به قبل عقدين. وهنا من الضروري الإشارة إلى مضمون عناصر التأثير في إعادة الدفع بالقوة الروسية نحو النهوض، إلا أنه في الوقت نفسه علينا توخي الموضوعية في تقدير مكانة القوة الروسية في الهرمية الدولية، فالتحديات التي يطلقها سياسيون روس من قبيل: اختبار صاروخ (S-24) المتعدد الرؤوس العابر للقارات، زرع علم روسي في القطب الشمالي وتحليق القاذفات الروسية في سمائه مثلما كانت تفعل أثناء الحرب الباردة.. كل ذلك لا يسعف بالقول إن روسيا تظهر في صورة القوة العظمى، أو إثبات قدرتها على استعادة ثقلها الاستراتيجي، إنما يمكنه أن يسعف في القول إنه يرمي إلى إيقاظ روسيا من غيبوبتها التي وقعت فيها عقب تفكك منظومة الاتحاد السوفييتي، وقيام الولايات المتحدة بتوسيع حلف الأطلسي إلى دول كانت داخل تلك المنظومة في القوقاز وآسيا الوسطى وأوروبا الشرقية.

وقد زاد التحدي بإدراك روسيا مخاطر نشر الولايات المتحدة منظومات الدرع الصاروخية في بلدان شرق أوروبا، وأعلن الرئيس بوتين أن نشر الدروع يجعل أوروبا برميل بارود، وأن ملئها بأسلحة جديدة أمر خطر وضار، ويلحق الضرر بأمن روسيا؛ الأمر الذي دفع بالرئيس الروسي بوتين إلى إطلاق تحذيرات صريحة، غير مبهمة ابتدأها بالإعلان في نوفمبر 2006 تخصيص 200 مليار دولار لبرنامج تحديث المعدات العسكرية الروسية للفترة (2007-2017)، ثم في مؤتمر ميونيخ للأمن في فبراير 2007، وفي نهاية شهر آيار منه عندما قامت روسيا بإجراء التجربة الصاروخية لصاروخ عابر للقارات في 29 منه ليعكس رسالة موجهة إلى الولايات المتحدة بأن روسيا بإمكانها إعادة التوازن الاستراتيجي العالمي، وأنها تستطيع تهديد العمق الاستراتيجي الأمريكي.

ورغم نمو الناتج الإجمالي الروسي، وارتفاع حجم احتياطي الذهب والعملات الأجنبية، إلا أن التساؤل الذي يبقى قائماً هو، هل تملك روسيا فرصة النهوض، والقدرة على أن تكون منافساً للولايات المتحدة؟ وكذلك ما الأدوار التي قد تلعبها روسيا في إعادة توزيع علاقات القوى، وتغيير علاقات الاختلال في النظام الدولي عبر المشاركة بتفاعلات كثيفة، واعتماد مواقف فاعلة في أكثر مواضع وأقاليم العالم أهمية.

المنطقة العربية باتت تعطي فرصاً مهمة قابلة للاستثمار لمن يطمح إلى أداء أدوار في المستقبل 

إن المسألة المهم إدراكها هي أن الولايات المتحدة يتزايد الإجهاد على مواردها في العراق وأفغانستان، ووسط آسيا وشرقها وجنوبها، وشرق أوروبا ووسطها، في الوقت الذي تتزايد موارد القوى المنافسة مثل الصين والهند وروسيا، وصار يدفع بقيادات تلك القوى للبحث في كافة السبل التي تقلص الفجوة مع الولايات المتحدة.وهذا ما صار يجبر المسؤولين الأمريكيين على البحث عن بدائل مناسبة لديمومة السيطرة على النظام الدولي، وجدت بدائلها في إشراك الحلفاء في مهامها لترتيب النظم الإقليمية المختلفة وغيرها من التفاعلات الدولية، والسيطرة أو الاقتراب من المناطق الحيوية في العالم، وكذلك في زيادة الفوضى لإجهاد موارد القوى المنافسة في التصدي لتداعيات تلك الفوضى على مصالحها. أما روسيا وإزاء سياسات الولايات المتحدة في محاصرتها، فقد اتجهت إلى اختراق المنظومة الأمريكية في وسط آسيا وبحر قزوين ووسط أوروبا، بل إنها سعت إلى أبعد ما هو متعلق بمحيطها، وباتت تنظر إلى مناطق نفوذ الولايات المتحدة، وأهمها المنطقة العربية. ويلاحظ مثلاً، سعيها إلى استغلال تورط الولايات المتحدة في العراق وأفغانستان لتكسب تنازلات في قضايا عدة في تخومها، ولجأت إلى إيران باعتبارها خصماً مناوئاً للولايات المتحدة، وجسراً إقليمياً ينقلها إلى سوريا ولبنان وفلسطين، وتعهدت لها باستكمال العمل في مفاعل (بوشهر) النووي ومحطات توليد الطاقة الهيدروكهربائية وعدة عقود لتصدير السلاح. 

روسيا والمنطقة العربية: سياسات ملء الفراغ

لا تزال روسيا لا تملك القوة ولا الإرادة على مواجهة الولايات المتحدة خارج دائرة الخطاب السياسي، بل إنها تظهر بين الحين والآخر أن مصالحها الحيوية ليست عرضة للتأثر بالتناقض الموجود بينهما. ومن ثم فهي ترتقي عليها عندما تتم مناقشة قضية فيها مصلحة أمريكية مهمة ليست على تخومها، وتستجيب لمقتضيات تلك المصلحة في تصريف الأوضاع السياسية، مقابل الحصول على بعض التنازلات الأمريكية. فروسيا تعرف الخطوط الحمراء للولايات المتحدة، ولا تعمد إلى تجاوزها في هذه المرحلة، إلا أن هذا الأمر يتطلب تحليلاً أكثر دقة للمتوقع من أدوار روسية، فروسيا باتت تملك من الموارد والإمكانات ما يكفي لتحقيق استقرار أكبر عند تخومها وتوجيه الفائض لخدمة مصالح أبعد جغرافياً، فإذا ما أخذنا المنطقة العربية كمثال، نلاحظ أنها اليوم باتت تعطي فرصاً مهمة قابلة للاستثمار لمن يطمح لأداء أدوار في المستقبل المتوسط؛ من الصعب تجاوزها. وتأتي هنا أهمية الإشارة إلى منطقة الخليج العربي في تصحيح بعض أوجه الخلل في علاقات القوى الدولية من واقع مخزون وتجارة الموارد الهيدروكربونية. بل ووقوعها في منطقة الاختلاف والخلاف الحضاري بين الديانات السماوية والحضارات والأمم التي تعتقد بها، وتسعى إلى أن تكون القيم والاعتقادات الدينية والحضارية أحد أفرعها السياسية. وهكذا وجدنا على مدى العقود الأخيرة تصارعاً ظاهراً في أحيان وخفياً في أحيان أخرى للسيطرة أو التأثير فيها، رغبة في تنفيذ أجندات عالمية فاعلة. وتحاول الولايات المتحدة جاهدة تحديد المسموح وغير المسموح من تفاعلات فيها، رغم أنها تبدو مجهدة في مواردها لتحقيق استمرارية السيطرة على هذه المنطقة.

وضاعف من الأثر أعلاه، ظهور متغيرات مهمة باتت تحكم العلاقات الإقليمية، وأهمها:

1- تغير علاقات التوازن / الخلل في منطقة الخليج العربي لصالح بروز أدوار إيران الإقليمية. فاحتلال العراق انتهى إلى تمدد النفوذ الإيراني إقليمياً، واعترفت الإدارة الأمريكية بذلك. وكانت اللقاءات الأمريكية – الإيرانية عام 2007 نقطة تحول في قبول التوازنات الإقليمية، الأمر الذي أثار ويثير جدلاً في أروقة الدبلوماسية العربية، وتحديداً الخليجية حول مستقبل العراق في حال قررت أمريكا الانسحاب منه والدور الإيراني المرتقب لملء الفراغ الذي سينتج عن مثل هذا الانسحاب.

2- دول الخليج العربية صارت تبحث عن توسعة في البدائل السياسية الدولية، بمعنى أنها لم تعد تريد الاقتصار على الدول الغربية في إدارة ملف البدائل السياسية، في ظرف تتزايد المخاطر التي تتعرض لها، داخلية تتعلق بمشكلة بدائل ما بعد الحقبة النفطية، وعالمية تتعلق بضغوط الولايات المتحدة لفرض الإصلاح، وإقليمية تتعلق بتداعيات تغير التوجهات الاجتماعية نحو صعود الجماعات المتشددة الناجم عن الاضطراب الإقليمي، وتكريس الهاجس الأمني (وما ترتب عليه من إنفاق واسع) للفقر الذي لم يجر حله رغم انقضاء عقود من الصراع وإجهاد الموارد.

3-إن سلوك إيران يتعارض مع مصالح العرب كونه قاد إلى تصادم في الرؤى وصراع على أحقية كل طرف في قضايا تاريخية، إلا أن الصدام بينها والولايات المتحدة سيكون على حساب تلك المصالح كذلك. فأي صراع محتمل بين الغرب وإيران سوف يجد في أراضي دول الخليج ميداناً رحباً، ولن تستطيع دول الخليج التخلص من تبعاته، وبالتالي على هذه الدول خفض نسبة الآثار المحتملة لهكذا صراع على أراضيها.

إن المنطقة تحوي عناصر تفجر لم يجر حلها، والأزمات المترتبة عليها لم تعد إقليمية محضة ومثالها المتعلق بنهج إيران السياسي، وهي تخص منطقة الخليج العربي أو تصيبها في الصميم، كونها تحوي صراعاً على هوية المنطقة ومستقبلها، وتمس قوى فاعلة في العالم ودورها فيه. ولذلك فإن النتيجة المحتملة للفشل في الوصول إلى تسوية للأزمات أو تصاعد الاحتقان قد يدفع إلى ترجيح احتمال أن تفجر معضلات جاهزة للاشتعال؛ ولن تسلم دول الخليج كلياً أو جزئياً من تداعياتها.

 وتأتي أهمية تلك المتغيرات من كثرة الأطراف الفاعلة ومن أهمية المنطقة، إذ لا يستبعد ظهور مساهمات للصين الطامحة إلى الحصول على مصادر للطاقة، أو لروسيا التي يؤثر فيها دافع استعادة المجد الإمبراطوري عبر مجاراة الولايات المتحدة سياسياً واستراتيجياً. وليس ثمة مكان أكثر ملاءمة لهذه المجاراة من المنطقة العربية، كونهاأقربالاحتمالات لإعادة النهوض. وبالتالي، ليس مصادفة، أن يزداد التسليح الروسي لسوريا كماً ونوعاً، وظهور أحاديث للرئيس بوتين عن التناقضات التي تترتب على مسايرة السياسة الأمريكية، والإعلان عن استحالة تطبيق النموذج الأمريكي، وأن هناك بدائل يمكن للدول النظر فيها. بل تحظى سياسة إيران بدعم من روسيا من دون أن تصطف معها أو تقود تياراً عالمياً لها. ويضفي الدعم الروسي لتحالف الممانعة في المنطقة طابعاً عالمياً على الصراع الذي قد يفجر حرباً كبرى. والمتغيرات الثلاثة صارت تعطي لروسيا فرصة تحرك بهامش مناورة أوسع نسبياً مما ساد في السبعة عشر عاماً الماضية. فإيران في أجندة الإدارة الأمريكية ومطلوب تغيير نهجها، والخليجيون الباحثون عن بدائل تطرح عليهم خيارات، ومنها إمكانية ضغط الروس على الإيرانيين لكي يقللوا من تأثير أي مواجهة محتملة على الأراضي الخليجية، كما أن عضوية روسيا في مجلس الأمن يمكن استخدامها للحيلولة دون تمرير أي إجراء قد تراه روسيا مبالغاً فيه ضد إيران.

لا تزال روسيا لا تملك القوة ولا الإرادة على مواجهة الولايات المتحدة خارج دائرة الخطاب السياسي

لقد أدركت القيادات الروسية أن الجمود وعدم التمكن من تسويةالنزاعات العالقة واستمرار التناقضات الملتهبة بين الأطراف المختلفة، ناهيك عن مشكلات الإرهاب وتزايد مخاطر انتشار أسلحة الدمار الشامل، كل هذا له تداعياته وتهديداته على الأمن الإقليمي والعالمي وعلى مصالح روسيا، وهو مايفسر سعيها إلى إيجاد صيغ لتسوية النزاعات المعقدة وترسيخ آليات لتعاون يلبي مصالح كل الأطراف. وما يواجهها في علاقاتها مع دول المنطقة أن التوجه الروسي العام إلى المنطقة يقوم علىبذل الجهود الممكنة لتمتين العلاقات مع الدول العربية وإسرائيل، علاوة على إيران، بشكل ينعكس إيجاباً على وزنها وتأثيرها وامتلاك هامش للحركة في المنطقة، ومحاولة استغلال واقعة كون روسيا مزيجاً لنتاج حضارات مختلفة بحكم تكوينها القومي والديني، الأمر الذي جعلها جزءاً من العالمين المسيحي والإسلامي. ورغم أنه من غير المحتمل أن تعمل روسيا في سياق هذا الجهد على تحدي الهيمنة الأمريكية في المنطقة، لكن يجب ألا ننسى أن هذه العملية هي طريق له اتجاهان، فمصالح الأطراف المختلفة في الإقليم تحوي عناصر متناقضة يصعب التوفيق بينها، وتفرض على الأطراف الخارجية انحيازات سياسية محددة. والواضح أنه في المعضلة العراقية ذات التداعيات الخطرة على مقدرات دول وشعوب الإقليم، وتحديداً دول الخليج العربية، تبقى لروسيا فرصة تأثير محدودة جداً على أداء أدوار لتسويتها كون الولايات المتحدة لها أجنداتها في التسوية التي ستكون مخرجاً لعلاقات معقدة مع إيران.

لقد توصلت روسيا ودول الخليج إلى أجندة مشتركة بعد فترة طويلة من الجفاء تشمل التعاون في مجالات النفط ومكافحة الإرهاب ومبيعات الأسلحة. ويجري هذا التحول والتركيز الجديد في سياق تعبر فيه دول الخليج عن حرصها على الإبقاء على خياراتها الجيوسياسية مفتوحة أمام كل الاحتمالات، ومراجعة مدى فاعلية دور الولايات المتحدة، بوصفها الضامن الوحيد لأمن المنطقة، مع مواصلة التفكير الجدي في استنباط آلية للأمن تستوعب مجموعة من الأطراف الدولية الفاعلة بضمنها روسيا. 

علاقات روسيا الخليجية والتوازن العالمي 

إجمالاً، نرى أنه لكي تعلق الدول الخليجية آمالاً على روسيا، أو أن روسيا إذا ما أرادت أداء أدوار في المنطقة تسعفها في الارتقاء بوضعها في سلم الهرمية الدولية فإن عليها تذكر بديهيات السياسة الدولية، وأولها أن الدول في البيئة الدولية لا تستوي موضوعياً في قدراتها ومن ثم نوعية تأثيرها، والتباين هو الذي يسمح ببروز علاقات القوة بين القوى الدولية المختلفة: فكلما اتسعت شمولية عناصر القوة التي تمتلكها دولة، اتسعت في المقابل مجالات وهامش حركتها السياسية الدولية؛ وتزداد مع ما تهيئه البيئة الخارجية من فرص للحركة. ويبنى نوع سلوكها الدولي غالباً على ذلك الواقع بدرجة مهمة، ومن ثم فإن عليها اعتماد أنماط محددة من السلوك في السياسة الدولية، لا سيما أن دونها أو أكثر منها قد يحملها تكاليف غير مرغوبة. بمعنى أن يكون السلوك السياسي الخارجي متوافقاً مع ما تملكه الدولة من إمكانات، وإلا أصبحت حركتها الدولية مجردة إلى حد كبير من متغيرات الفاعلية. فالخلل في العلاقة بين قوة الدولة وحركتها الدولية يؤدي غالباً إلى نتيجتين: إما أن تكون السياسة الخارجية مجردة من الفاعلية يطغى عليها الخطاب السياسي، أو أن تكون قوة الدولة غير مستغلة تماماً.

والأكثر من ذلك أنه إذا لم تكن هناك استراتيجية توائم بين القوة والسياسة الخارجية وتركت التصرفات للواقعية والظروف فقد يؤدي ذلك إلى معالجة كل قضية معالجة منفصلة وفقاً لما يمليه الموقف. وبذلك تصبح كل مسألة قضية مستقلة بذاتها، واتباع هكذا سياسات يحتاج إلى طاقات كبيرة، كما سيصعب التنسيق بينها في النهاية.

ومن المعضلات التي تواجه روسيا هنا، أن الولايات المتحدة تعمل على استمرارية وجود قوة عالمية واحدة مهيمنة على العالم، وتكتسب سياستها أهميتها وقوتها من المكونات والعناصر الداعمة لها، سواء ما تملكه من موارد وإمكانات متمثلة في القوة العسكرية باعتبارها أحد أهم خياراتها الاستراتيجية الناجعة، أو ما كان منه عناصر خارجية جراء ما تتيحه البيئة الدولية من فرص قابلة للتوظيف متمثلة في وجود نزعة الشك في علاقات القوى الكبرى الأخرى، وعدم وجود إرادة لمقاومة الولايات المتحدة. وبالنتيجة، تسعى الولايات المتحدة إلى تعطيل إمكانية ظهور منافسين محتملين، طالما أن ذلك يؤثر في حرية حركتها وموقعها، وليس بالضرورة أن يكونوا مؤهلين لملء دور سيطرة بديل، ولكن مجرد أن يكونوا قادرين على تأكيد استقلاليتهم في نظام عالمي. وهؤلاء المنافسون هم أوروبا بالطبع والصين وروسيا، التي تعتبرها الولايات المتحدة عدواً رئيسياً عليها أن تواجهه عسكرياً في يوم ما.

وكذلك فإن تبني نهج امتلاك عناصر القوة قد يسهم في تعديل ميزان القوى ومن ثم سيفرض ضرورة اعتماد سياسات دولية جديدة تتكافأ معها، وهذا ما يقود إلى إعادة صياغة النظام الدولي. ورغم ذلك، جاء التقدم التكنولوجي وثورة المعلومات والارتفاع الباهظ في بناء القوة العسكرية أو إدامتها، وتراجع الهاجس الأمني العسكري مقابل بروز مشكلات تنموية تفوق في تكاليفها ما للصراعات المسلحة من أثر في السياسة الدولية. إن إشكالية روسيا الأكبر هي في استباق الزمن، أم انتظاره في تقرير قضية ما العمل من أجل بناء نظام دولي؟ فالإسراع ببناء القوة أو إقامة تحالفات ينطوي على فرض حقائق تسهم بتسريع معدلات إعادة صياغة علاقات التوازن الدولي ومن ثم لهيكلية النظام الدولي، لكنه خيار مكلف، فإزاء أي تحول في علاقات القوة الدولية لصالح واحدة أو أكثر من القوى الكبرى (سواء بامتلاك عناصر قوة إضافية أو إعادة صياغة علاقات تحالف مع بعضها البعض) سيتطلب من الولايات المتحدة للحفاظ على موقعها العالمي اعتماد سياسات جديدة تضبط أنساق التوازن الممكنة أو المتصورة.

ويبقى أمام روسيا خيار انتظار حدوث تآكل في قوة وسيطرة الولايات المتحدة، حيث ستكون عندها فرص روسيا في ملء الفراغ يسيرة وغير مكلفة، وهذا ما يفرض عليها التمهيد لحركتها صوب الأقاليم الأكثر أهمية في النظام الدولي. وربما يكون هذا ما يفسر بدء روسيا تحركها الحذر نحو مناطق قد تسعف بوقت مبكر في تغيير علاقات القوى عبر إجهاد الموارد للقوة الأمريكية بانغماسها كلاعب إقليمي أكثر منه كموازن إقليمي، وكانت المنطقة العربية بشكل عام، ومنطقة الخليج بشكل خاص، واحدة من تلك المناطق التي تغري الروس بالحركة صوبها. فهل نعي ذلك؟

::/fulltext::

234-beb
Getting your Trinity Audio player ready...

::cck::1869::/cck::
::introtext::

تشهد البيئة العالمية تناقضات عديدة بين قواها الفاعلة، فتلك القوى تتنافس فيما بينها وتتصارع من أجل تبوؤ مرتبة أفضل في سلم القطبية الدولية. ويساعدها على ذلك، أن الوضع الذي تعانيه الولايات المتحدة في الاحتفاظ بموقعها أصبح حرجاً، إذ ظهرت اختلالات في القوة الأمريكية التنافسية مقارنة بقوى منافسة، مما صار يعطي للولايات المتحدة مرتبة دولية غير متساوية مع إمكاناتها العسكرية. 

::/introtext::
::fulltext::

تشهد البيئة العالمية تناقضات عديدة بين قواها الفاعلة، فتلك القوى تتنافس فيما بينها وتتصارع من أجل تبوؤ مرتبة أفضل في سلم القطبية الدولية. ويساعدها على ذلك، أن الوضع الذي تعانيه الولايات المتحدة في الاحتفاظ بموقعها أصبح حرجاً، إذ ظهرت اختلالات في القوة الأمريكية التنافسية مقارنة بقوى منافسة، مما صار يعطي للولايات المتحدة مرتبة دولية غير متساوية مع إمكاناتها العسكرية.

رغم أن تلك البيئة تؤشر إلى أن احتمالات المواجهة بين تلك القوى عالية التكلفة، بل ومستحيلة وغير مرغوبة في المرحلة المنظورة، وهذا ما يجعلها تبقي تناقضاتها عند مستوى الحد الأدنى الحرج المطلوب عدم التصعيد أكثر منه، إلا أن ذلك لم ينف أن تلك القوى صارت تبحث عن منافذ لاختراق السيادة الأمريكية العالمية على النظام الدولي عبر سياسات التعاون الثنائية (الشراكة): روسيا والصين، روسيا والهند، فضلاً عن سعي هذه القوى الدؤوب من أجل تعزيز مفردات قوتها الذاتية العسكرية والاقتصادية، وحتى لمجالاتها الثقافية؛ وأصبح بإمكانها أن تؤثر في مجالات دولية أوسع؛ حتى يسهل عليها في وقت لاحق فرض أنموذجها للنظم والتفاعلات الإقليمية، وبالتالي للنظام والتفاعلات العالمية، أو احتواء المجالات الاستراتيجية المهمة: المنطقة العربية، إفريقيا، وآسيا، أو في أقل تقدير، استثمار النظم/ الدول الإقليمية بقصد توسيع مجالات نفوذها وسحب ميادين الصراع بعيداً عنها.

ولعل روسيا قوة رائدة تحاول الإسراع في معدلات نمو قواها لكي تجد لها مكاناً يتناسب وما كانت تتمتع به قبل عقدين. وهنا من الضروري الإشارة إلى مضمون عناصر التأثير في إعادة الدفع بالقوة الروسية نحو النهوض، إلا أنه في الوقت نفسه علينا توخي الموضوعية في تقدير مكانة القوة الروسية في الهرمية الدولية، فالتحديات التي يطلقها سياسيون روس من قبيل: اختبار صاروخ (S-24) المتعدد الرؤوس العابر للقارات، زرع علم روسي في القطب الشمالي وتحليق القاذفات الروسية في سمائه مثلما كانت تفعل أثناء الحرب الباردة.. كل ذلك لا يسعف بالقول إن روسيا تظهر في صورة القوة العظمى، أو إثبات قدرتها على استعادة ثقلها الاستراتيجي، إنما يمكنه أن يسعف في القول إنه يرمي إلى إيقاظ روسيا من غيبوبتها التي وقعت فيها عقب تفكك منظومة الاتحاد السوفييتي، وقيام الولايات المتحدة بتوسيع حلف الأطلسي إلى دول كانت داخل تلك المنظومة في القوقاز وآسيا الوسطى وأوروبا الشرقية.

وقد زاد التحدي بإدراك روسيا مخاطر نشر الولايات المتحدة منظومات الدرع الصاروخية في بلدان شرق أوروبا، وأعلن الرئيس بوتين أن نشر الدروع يجعل أوروبا برميل بارود، وأن ملئها بأسلحة جديدة أمر خطر وضار، ويلحق الضرر بأمن روسيا؛ الأمر الذي دفع بالرئيس الروسي بوتين إلى إطلاق تحذيرات صريحة، غير مبهمة ابتدأها بالإعلان في نوفمبر 2006 تخصيص 200 مليار دولار لبرنامج تحديث المعدات العسكرية الروسية للفترة (2007-2017)، ثم في مؤتمر ميونيخ للأمن في فبراير 2007، وفي نهاية شهر آيار منه عندما قامت روسيا بإجراء التجربة الصاروخية لصاروخ عابر للقارات في 29 منه ليعكس رسالة موجهة إلى الولايات المتحدة بأن روسيا بإمكانها إعادة التوازن الاستراتيجي العالمي، وأنها تستطيع تهديد العمق الاستراتيجي الأمريكي.

ورغم نمو الناتج الإجمالي الروسي، وارتفاع حجم احتياطي الذهب والعملات الأجنبية، إلا أن التساؤل الذي يبقى قائماً هو، هل تملك روسيا فرصة النهوض، والقدرة على أن تكون منافساً للولايات المتحدة؟ وكذلك ما الأدوار التي قد تلعبها روسيا في إعادة توزيع علاقات القوى، وتغيير علاقات الاختلال في النظام الدولي عبر المشاركة بتفاعلات كثيفة، واعتماد مواقف فاعلة في أكثر مواضع وأقاليم العالم أهمية.

المنطقة العربية باتت تعطي فرصاً مهمة قابلة للاستثمار لمن يطمح إلى أداء أدوار في المستقبل 

إن المسألة المهم إدراكها هي أن الولايات المتحدة يتزايد الإجهاد على مواردها في العراق وأفغانستان، ووسط آسيا وشرقها وجنوبها، وشرق أوروبا ووسطها، في الوقت الذي تتزايد موارد القوى المنافسة مثل الصين والهند وروسيا، وصار يدفع بقيادات تلك القوى للبحث في كافة السبل التي تقلص الفجوة مع الولايات المتحدة.وهذا ما صار يجبر المسؤولين الأمريكيين على البحث عن بدائل مناسبة لديمومة السيطرة على النظام الدولي، وجدت بدائلها في إشراك الحلفاء في مهامها لترتيب النظم الإقليمية المختلفة وغيرها من التفاعلات الدولية، والسيطرة أو الاقتراب من المناطق الحيوية في العالم، وكذلك في زيادة الفوضى لإجهاد موارد القوى المنافسة في التصدي لتداعيات تلك الفوضى على مصالحها. أما روسيا وإزاء سياسات الولايات المتحدة في محاصرتها، فقد اتجهت إلى اختراق المنظومة الأمريكية في وسط آسيا وبحر قزوين ووسط أوروبا، بل إنها سعت إلى أبعد ما هو متعلق بمحيطها، وباتت تنظر إلى مناطق نفوذ الولايات المتحدة، وأهمها المنطقة العربية. ويلاحظ مثلاً، سعيها إلى استغلال تورط الولايات المتحدة في العراق وأفغانستان لتكسب تنازلات في قضايا عدة في تخومها، ولجأت إلى إيران باعتبارها خصماً مناوئاً للولايات المتحدة، وجسراً إقليمياً ينقلها إلى سوريا ولبنان وفلسطين، وتعهدت لها باستكمال العمل في مفاعل (بوشهر) النووي ومحطات توليد الطاقة الهيدروكهربائية وعدة عقود لتصدير السلاح. 

روسيا والمنطقة العربية: سياسات ملء الفراغ

لا تزال روسيا لا تملك القوة ولا الإرادة على مواجهة الولايات المتحدة خارج دائرة الخطاب السياسي، بل إنها تظهر بين الحين والآخر أن مصالحها الحيوية ليست عرضة للتأثر بالتناقض الموجود بينهما. ومن ثم فهي ترتقي عليها عندما تتم مناقشة قضية فيها مصلحة أمريكية مهمة ليست على تخومها، وتستجيب لمقتضيات تلك المصلحة في تصريف الأوضاع السياسية، مقابل الحصول على بعض التنازلات الأمريكية. فروسيا تعرف الخطوط الحمراء للولايات المتحدة، ولا تعمد إلى تجاوزها في هذه المرحلة، إلا أن هذا الأمر يتطلب تحليلاً أكثر دقة للمتوقع من أدوار روسية، فروسيا باتت تملك من الموارد والإمكانات ما يكفي لتحقيق استقرار أكبر عند تخومها وتوجيه الفائض لخدمة مصالح أبعد جغرافياً، فإذا ما أخذنا المنطقة العربية كمثال، نلاحظ أنها اليوم باتت تعطي فرصاً مهمة قابلة للاستثمار لمن يطمح لأداء أدوار في المستقبل المتوسط؛ من الصعب تجاوزها. وتأتي هنا أهمية الإشارة إلى منطقة الخليج العربي في تصحيح بعض أوجه الخلل في علاقات القوى الدولية من واقع مخزون وتجارة الموارد الهيدروكربونية. بل ووقوعها في منطقة الاختلاف والخلاف الحضاري بين الديانات السماوية والحضارات والأمم التي تعتقد بها، وتسعى إلى أن تكون القيم والاعتقادات الدينية والحضارية أحد أفرعها السياسية. وهكذا وجدنا على مدى العقود الأخيرة تصارعاً ظاهراً في أحيان وخفياً في أحيان أخرى للسيطرة أو التأثير فيها، رغبة في تنفيذ أجندات عالمية فاعلة. وتحاول الولايات المتحدة جاهدة تحديد المسموح وغير المسموح من تفاعلات فيها، رغم أنها تبدو مجهدة في مواردها لتحقيق استمرارية السيطرة على هذه المنطقة.

وضاعف من الأثر أعلاه، ظهور متغيرات مهمة باتت تحكم العلاقات الإقليمية، وأهمها:

1- تغير علاقات التوازن / الخلل في منطقة الخليج العربي لصالح بروز أدوار إيران الإقليمية. فاحتلال العراق انتهى إلى تمدد النفوذ الإيراني إقليمياً، واعترفت الإدارة الأمريكية بذلك. وكانت اللقاءات الأمريكية – الإيرانية عام 2007 نقطة تحول في قبول التوازنات الإقليمية، الأمر الذي أثار ويثير جدلاً في أروقة الدبلوماسية العربية، وتحديداً الخليجية حول مستقبل العراق في حال قررت أمريكا الانسحاب منه والدور الإيراني المرتقب لملء الفراغ الذي سينتج عن مثل هذا الانسحاب.

2- دول الخليج العربية صارت تبحث عن توسعة في البدائل السياسية الدولية، بمعنى أنها لم تعد تريد الاقتصار على الدول الغربية في إدارة ملف البدائل السياسية، في ظرف تتزايد المخاطر التي تتعرض لها، داخلية تتعلق بمشكلة بدائل ما بعد الحقبة النفطية، وعالمية تتعلق بضغوط الولايات المتحدة لفرض الإصلاح، وإقليمية تتعلق بتداعيات تغير التوجهات الاجتماعية نحو صعود الجماعات المتشددة الناجم عن الاضطراب الإقليمي، وتكريس الهاجس الأمني (وما ترتب عليه من إنفاق واسع) للفقر الذي لم يجر حله رغم انقضاء عقود من الصراع وإجهاد الموارد.

3-إن سلوك إيران يتعارض مع مصالح العرب كونه قاد إلى تصادم في الرؤى وصراع على أحقية كل طرف في قضايا تاريخية، إلا أن الصدام بينها والولايات المتحدة سيكون على حساب تلك المصالح كذلك. فأي صراع محتمل بين الغرب وإيران سوف يجد في أراضي دول الخليج ميداناً رحباً، ولن تستطيع دول الخليج التخلص من تبعاته، وبالتالي على هذه الدول خفض نسبة الآثار المحتملة لهكذا صراع على أراضيها.

إن المنطقة تحوي عناصر تفجر لم يجر حلها، والأزمات المترتبة عليها لم تعد إقليمية محضة ومثالها المتعلق بنهج إيران السياسي، وهي تخص منطقة الخليج العربي أو تصيبها في الصميم، كونها تحوي صراعاً على هوية المنطقة ومستقبلها، وتمس قوى فاعلة في العالم ودورها فيه. ولذلك فإن النتيجة المحتملة للفشل في الوصول إلى تسوية للأزمات أو تصاعد الاحتقان قد يدفع إلى ترجيح احتمال أن تفجر معضلات جاهزة للاشتعال؛ ولن تسلم دول الخليج كلياً أو جزئياً من تداعياتها.

 وتأتي أهمية تلك المتغيرات من كثرة الأطراف الفاعلة ومن أهمية المنطقة، إذ لا يستبعد ظهور مساهمات للصين الطامحة إلى الحصول على مصادر للطاقة، أو لروسيا التي يؤثر فيها دافع استعادة المجد الإمبراطوري عبر مجاراة الولايات المتحدة سياسياً واستراتيجياً. وليس ثمة مكان أكثر ملاءمة لهذه المجاراة من المنطقة العربية، كونهاأقربالاحتمالات لإعادة النهوض. وبالتالي، ليس مصادفة، أن يزداد التسليح الروسي لسوريا كماً ونوعاً، وظهور أحاديث للرئيس بوتين عن التناقضات التي تترتب على مسايرة السياسة الأمريكية، والإعلان عن استحالة تطبيق النموذج الأمريكي، وأن هناك بدائل يمكن للدول النظر فيها. بل تحظى سياسة إيران بدعم من روسيا من دون أن تصطف معها أو تقود تياراً عالمياً لها. ويضفي الدعم الروسي لتحالف الممانعة في المنطقة طابعاً عالمياً على الصراع الذي قد يفجر حرباً كبرى. والمتغيرات الثلاثة صارت تعطي لروسيا فرصة تحرك بهامش مناورة أوسع نسبياً مما ساد في السبعة عشر عاماً الماضية. فإيران في أجندة الإدارة الأمريكية ومطلوب تغيير نهجها، والخليجيون الباحثون عن بدائل تطرح عليهم خيارات، ومنها إمكانية ضغط الروس على الإيرانيين لكي يقللوا من تأثير أي مواجهة محتملة على الأراضي الخليجية، كما أن عضوية روسيا في مجلس الأمن يمكن استخدامها للحيلولة دون تمرير أي إجراء قد تراه روسيا مبالغاً فيه ضد إيران.

لا تزال روسيا لا تملك القوة ولا الإرادة على مواجهة الولايات المتحدة خارج دائرة الخطاب السياسي

لقد أدركت القيادات الروسية أن الجمود وعدم التمكن من تسويةالنزاعات العالقة واستمرار التناقضات الملتهبة بين الأطراف المختلفة، ناهيك عن مشكلات الإرهاب وتزايد مخاطر انتشار أسلحة الدمار الشامل، كل هذا له تداعياته وتهديداته على الأمن الإقليمي والعالمي وعلى مصالح روسيا، وهو مايفسر سعيها إلى إيجاد صيغ لتسوية النزاعات المعقدة وترسيخ آليات لتعاون يلبي مصالح كل الأطراف. وما يواجهها في علاقاتها مع دول المنطقة أن التوجه الروسي العام إلى المنطقة يقوم علىبذل الجهود الممكنة لتمتين العلاقات مع الدول العربية وإسرائيل، علاوة على إيران، بشكل ينعكس إيجاباً على وزنها وتأثيرها وامتلاك هامش للحركة في المنطقة، ومحاولة استغلال واقعة كون روسيا مزيجاً لنتاج حضارات مختلفة بحكم تكوينها القومي والديني، الأمر الذي جعلها جزءاً من العالمين المسيحي والإسلامي. ورغم أنه من غير المحتمل أن تعمل روسيا في سياق هذا الجهد على تحدي الهيمنة الأمريكية في المنطقة، لكن يجب ألا ننسى أن هذه العملية هي طريق له اتجاهان، فمصالح الأطراف المختلفة في الإقليم تحوي عناصر متناقضة يصعب التوفيق بينها، وتفرض على الأطراف الخارجية انحيازات سياسية محددة. والواضح أنه في المعضلة العراقية ذات التداعيات الخطرة على مقدرات دول وشعوب الإقليم، وتحديداً دول الخليج العربية، تبقى لروسيا فرصة تأثير محدودة جداً على أداء أدوار لتسويتها كون الولايات المتحدة لها أجنداتها في التسوية التي ستكون مخرجاً لعلاقات معقدة مع إيران.

لقد توصلت روسيا ودول الخليج إلى أجندة مشتركة بعد فترة طويلة من الجفاء تشمل التعاون في مجالات النفط ومكافحة الإرهاب ومبيعات الأسلحة. ويجري هذا التحول والتركيز الجديد في سياق تعبر فيه دول الخليج عن حرصها على الإبقاء على خياراتها الجيوسياسية مفتوحة أمام كل الاحتمالات، ومراجعة مدى فاعلية دور الولايات المتحدة، بوصفها الضامن الوحيد لأمن المنطقة، مع مواصلة التفكير الجدي في استنباط آلية للأمن تستوعب مجموعة من الأطراف الدولية الفاعلة بضمنها روسيا. 

علاقات روسيا الخليجية والتوازن العالمي 

إجمالاً، نرى أنه لكي تعلق الدول الخليجية آمالاً على روسيا، أو أن روسيا إذا ما أرادت أداء أدوار في المنطقة تسعفها في الارتقاء بوضعها في سلم الهرمية الدولية فإن عليها تذكر بديهيات السياسة الدولية، وأولها أن الدول في البيئة الدولية لا تستوي موضوعياً في قدراتها ومن ثم نوعية تأثيرها، والتباين هو الذي يسمح ببروز علاقات القوة بين القوى الدولية المختلفة: فكلما اتسعت شمولية عناصر القوة التي تمتلكها دولة، اتسعت في المقابل مجالات وهامش حركتها السياسية الدولية؛ وتزداد مع ما تهيئه البيئة الخارجية من فرص للحركة. ويبنى نوع سلوكها الدولي غالباً على ذلك الواقع بدرجة مهمة، ومن ثم فإن عليها اعتماد أنماط محددة من السلوك في السياسة الدولية، لا سيما أن دونها أو أكثر منها قد يحملها تكاليف غير مرغوبة. بمعنى أن يكون السلوك السياسي الخارجي متوافقاً مع ما تملكه الدولة من إمكانات، وإلا أصبحت حركتها الدولية مجردة إلى حد كبير من متغيرات الفاعلية. فالخلل في العلاقة بين قوة الدولة وحركتها الدولية يؤدي غالباً إلى نتيجتين: إما أن تكون السياسة الخارجية مجردة من الفاعلية يطغى عليها الخطاب السياسي، أو أن تكون قوة الدولة غير مستغلة تماماً.

والأكثر من ذلك أنه إذا لم تكن هناك استراتيجية توائم بين القوة والسياسة الخارجية وتركت التصرفات للواقعية والظروف فقد يؤدي ذلك إلى معالجة كل قضية معالجة منفصلة وفقاً لما يمليه الموقف. وبذلك تصبح كل مسألة قضية مستقلة بذاتها، واتباع هكذا سياسات يحتاج إلى طاقات كبيرة، كما سيصعب التنسيق بينها في النهاية.

ومن المعضلات التي تواجه روسيا هنا، أن الولايات المتحدة تعمل على استمرارية وجود قوة عالمية واحدة مهيمنة على العالم، وتكتسب سياستها أهميتها وقوتها من المكونات والعناصر الداعمة لها، سواء ما تملكه من موارد وإمكانات متمثلة في القوة العسكرية باعتبارها أحد أهم خياراتها الاستراتيجية الناجعة، أو ما كان منه عناصر خارجية جراء ما تتيحه البيئة الدولية من فرص قابلة للتوظيف متمثلة في وجود نزعة الشك في علاقات القوى الكبرى الأخرى، وعدم وجود إرادة لمقاومة الولايات المتحدة. وبالنتيجة، تسعى الولايات المتحدة إلى تعطيل إمكانية ظهور منافسين محتملين، طالما أن ذلك يؤثر في حرية حركتها وموقعها، وليس بالضرورة أن يكونوا مؤهلين لملء دور سيطرة بديل، ولكن مجرد أن يكونوا قادرين على تأكيد استقلاليتهم في نظام عالمي. وهؤلاء المنافسون هم أوروبا بالطبع والصين وروسيا، التي تعتبرها الولايات المتحدة عدواً رئيسياً عليها أن تواجهه عسكرياً في يوم ما.

وكذلك فإن تبني نهج امتلاك عناصر القوة قد يسهم في تعديل ميزان القوى ومن ثم سيفرض ضرورة اعتماد سياسات دولية جديدة تتكافأ معها، وهذا ما يقود إلى إعادة صياغة النظام الدولي. ورغم ذلك، جاء التقدم التكنولوجي وثورة المعلومات والارتفاع الباهظ في بناء القوة العسكرية أو إدامتها، وتراجع الهاجس الأمني العسكري مقابل بروز مشكلات تنموية تفوق في تكاليفها ما للصراعات المسلحة من أثر في السياسة الدولية. إن إشكالية روسيا الأكبر هي في استباق الزمن، أم انتظاره في تقرير قضية ما العمل من أجل بناء نظام دولي؟ فالإسراع ببناء القوة أو إقامة تحالفات ينطوي على فرض حقائق تسهم بتسريع معدلات إعادة صياغة علاقات التوازن الدولي ومن ثم لهيكلية النظام الدولي، لكنه خيار مكلف، فإزاء أي تحول في علاقات القوة الدولية لصالح واحدة أو أكثر من القوى الكبرى (سواء بامتلاك عناصر قوة إضافية أو إعادة صياغة علاقات تحالف مع بعضها البعض) سيتطلب من الولايات المتحدة للحفاظ على موقعها العالمي اعتماد سياسات جديدة تضبط أنساق التوازن الممكنة أو المتصورة.

ويبقى أمام روسيا خيار انتظار حدوث تآكل في قوة وسيطرة الولايات المتحدة، حيث ستكون عندها فرص روسيا في ملء الفراغ يسيرة وغير مكلفة، وهذا ما يفرض عليها التمهيد لحركتها صوب الأقاليم الأكثر أهمية في النظام الدولي. وربما يكون هذا ما يفسر بدء روسيا تحركها الحذر نحو مناطق قد تسعف بوقت مبكر في تغيير علاقات القوى عبر إجهاد الموارد للقوة الأمريكية بانغماسها كلاعب إقليمي أكثر منه كموازن إقليمي، وكانت المنطقة العربية بشكل عام، ومنطقة الخليج بشكل خاص، واحدة من تلك المناطق التي تغري الروس بالحركة صوبها. فهل نعي ذلك؟

::/fulltext::
::cck::1869::/cck::

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *