الاضطرابات في باكستان وانعكاساتها على منطقة الخليج
::cck::2408::/cck::
::introtext::
عقب أسبوع من فرض حالة الطوارئ في الثالث من نوفمبر الماضي، أعلن الرئيس الباكستاني برويز مشرف تحت ضغوط متواصلة من الولايات المتحدة وفي ظل تصاعد المعارضة الداخلية لنظامه، أن الانتخابات العامة سوف تجرى قبل التاسع من شهر يناير 2008.
::/introtext::
::fulltext::
عقب أسبوع من فرض حالة الطوارئ في الثالث من نوفمبر الماضي، أعلن الرئيس الباكستاني برويز مشرف تحت ضغوط متواصلة من الولايات المتحدة وفي ظل تصاعد المعارضة الداخلية لنظامه، أن الانتخابات العامة سوف تجرى قبل التاسع من شهر يناير 2008.
على الرغم من أن الرئيس مشرف يبدو وكأنه يتحدى العاصفة التي يواجهها، فإن موقفه يصبح أكثر ضعفاً وهو يلجأ إلى اتخاذ هذه الإجراءات المتعجلة لمعالجة الوضع السائد، حيث رفض تحديد تاريخ لرفع حالة الطوارئ، وقال إنها قد تستمر حتى إلى ما بعد إجراء الانتخابات؛ وذلك بسبب الأحداث الجارية على صعيد جبهة الإرهاب. فقد سرت شائعات بأن الرئيس مشرف، الذي لا يزال أيضاً القائد العام للجيش، لجأ إلى اتخاذ هذه الخطوة التي تنطوي على شيء من التهور بوصفها آخر إجراء لاستباق قرار من قبل أعضاء المحكمة العليا البالغ عددهم أحد عشر عضواً، والذين تمت إقالتهم، والذي كان سيصدر ضد إعادة انتخاب مشرف رئيساً للبلاد، وبعد الانتخابات التي فاز فيها في أكتوبر الماضي. وبينما تواصل الولايات المتحدة ممارسة ضغوط على مشرف وتطالبه برفع حالة الطوارئ على وجه السرعة والتخلي عن منصبه كقائد عام للجيش في أقرب وقت، فإنها لم تطالبه بإعادة قضاة المحكمة العليا المفصولين إلى مناصبهم. بالإضافة إلى اعتقال قضاة المحكمة العليا السابقين، وعشرات المحامين والنشطاء وقادة الأحزاب السياسية وأعضائها، اتخذت الحكومة الباكستانية إجراءات صارمة ضد بعض وسائل الإعلام ، وخاصة قنوات التلفزة الخاصة، على ما وصفته بخلق مناخ من التشكيك والسلبية على النحو الذي ساعد على تغذية حالة المواجهة بين الجهازين التنفيذي والتشريعي للدولة، وأثار مشاعر السخط والتحريض ضد الدولة إثر عملية المسجد الأحمر التي سميت (عملية الصمت).
قال الرئيس مشرف في معرض خطابه الذي أعلن فيه فرض حالة الطوارئ: إن أحد الأسباب الرئيسية التي دعته إلى إعلان حالة الطوارئ هو أن القضاء في باكستان قوّض الجهود التي تبذلها الحكومة لمكافحة الإرهاب وذلك لقيامه بإطلاق سراح العناصر المتهمة بالضلوع في الأعمال الإرهابية وإعادة تنصيب قيادة الهيئة التعليمية الدينية في المسجد الأحمر. وكانت موجة من الهجمات الانتحارية الكبيرة التي استهدفت بصفة رئيسية قوات الأمن الحكومية قد وقعت عقب عملية اجتياح المسجد الأحمر في شهر يوليو الماضي.
غير أن الأمر الذي يثير قلقاً أمنياً كبيراً هو تدهور الوضع الأمني في باكستان. فالولايات المتحدة تضغط من أجل العودة إلى الحكم الديمقراطي في باكستان، وهناك اعتقاد بأن الحكومة المنتخبة ديمقراطياً سوف تنجح في استئصال الإرهاب والتطرف. وفي الوقت نفسه تواصل إدارة جورج بوش دعم الرئيس مشرف الذي ظل يشكل حليفاً يمكن الاعتماد عليه في الحرب على الإرهاب. لقد منحت واشنطن منذ أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001 أكثر من عشرة مليارات دولار إلى باكستان وذلك على شكل مساعدات عسكرية إلى جانب الدعم السياسي والاقتصادي الكبير، ولكن نظراً لضعف الموقف السياسي والتراجع السريع لشعبية ومكانة حزب الرابطة الإسلامية الذي يدعم الرئيس مشرف، فقد برز اتجاه يشير إلى أن التوصل إلى تحالف مع حزب سياسي علماني يلتزم بالديمقراطية، مثل حزب الشعب الباكستاني الذي تقوده السيدة/ بي نظير بوتو، قد يساعد الجنرال مشرف على استعادة نفوذه.

ومع تزايد عدد المدن التي يستولي عليها المتطرفون الإسلاميون في منطقة وادي سوات الواقع في إقليم الحدود الشمالية – الغربية من باكستان، تحدثت تقارير عن قيام المتطرفين بأعمال نهب وسلب وقطع رؤوس بالإضافة إلى إزالة علم البلاد من على المباني الحكومية، الأمر الذي شكل صدمة، وأثار الرعب في أوساط الشعب. وهناك حضور مكثف للقوات المسلحة في إقليم وزيرستان، وتجري اشتباكات مستمرة بين هذه القوات وعناصر من طالبان وبعض القبائل المتعاطفة مع المتطرفين. وكان من المفترض أن يساعد فرض حالة الطوارئ على معالجة قضية الإرهاب وإزالة سيطرة المتطرفين. غير أن سياسة الحكومة المتمثلة في العمليات العسكرية الرامية للقضاء على المتطرفين في هذه المناطق لم تسفر عن أي تغيير يذكر.
ولكي نتوصل إلى تقييم موضوعي للوضع في باكستان، ينبغي أن نأخذ في الحسبان قضية الأمن التي تعد ذات أهمية كبيرة. فهل يحتمل الوضع الأمني في باكستان إجراء انتخابات في وقت تتواصل فيه حالة الرعب والاضطراب الناجمة عن الهجمات الانتحارية؟ لقد شاهدنا كيف أن عودة بي نظير بوتو إلى باكستان في الثامن من أكتوبر، عقب منفاها الاختياري الذي استمر لأكثر من ثماني سنوات، شهدت هجوماً انتحارياً كبيراً نجم عنه سقوط (139) قتيلاً وأكثر من خمسمائة جريح. كما يعد أحدث هجوم انتحاري والذي تم تنفيذه داخل منزل الوزير الاتحادي عامر مقام خان في بيشاور في التاسع من نوفمبر الماضي، تطوراً خطيراً أيضاً وهو الأكثر إثارة للقلق. وإذا تم إجراء الانتخابات على الرغم من تدهور الوضع الأمني في البلاد مع عدم السماح لجميع القادة السياسيين الرئيسيين بالمشاركة فيها، فإن من المحتمل أن تصبح باكستان دولة محكومة بنظام شبه ديمقراطي تهيمن عليه النزاعات، مثلما هي الحال في العراق تحت حكومة نوري المالكي وأفغانستان تحت حكومة الرئيس قرضاي. وفي ضوء المتابعة الوثيقة من قبل واشنطن لتطورات الأوضاع في باكستان، فقد نتوقع أن (تصر) الولايات المتحدة على عودة نواز شريف، الذي يتزعم حزب الرابطة الإسلامية، من المنفى لكي يشارك في الانتخابات، حيث إن مشاركته في الانتخابات قد تساعد على الأقل في إضفاء بعض المصداقية على رغبة الولايات المتحدة في نشر القيم الديمقراطية وإجراء انتخابات حرة ونزيهة.
إن اتفاق تقاسم السلطة الذي عملت واشنطن على تسهيله بين بوتو ومشرف هو الذي مكّن بوتو من العودة إلى باكستان بعد منحها عفواً وإسقاط كل التهم السياسية والجنائية التي كانت مرفوعة بحقها، وذلك بموجب قانون المصالحة الوطنية (الذي يواجه اعتراضات حالية ستبت فيها المحكمة العليا).
وهنا ينبغي ألا نغفل أهمية التصريحات المثيرة للجدل التي صدرت في وقت سابق عن بوتو والتي قالت فيها: إنه في حالة عودتها للحكم فإنها سوف تسمح للوكالة الدولية للطاقة الذرية بمقابلة العالم النووي الباكستاني الدكتور عبدالقدير خان كما ستسمح بتنفيذ ضربات جوية أمريكية داخل أراضي باكستان ضد تنظيم القاعدة. ومع أن هذه التصريحات قد تكون حققت نوعاً من الدعم لبوتو في واشنطن، على النحو الذي يبدو واضحاً من التصريحات المتحمسة الصادرة عن بعض أعضاء الكونغرس الأمريكي، فإنها لم تقابل بالاستحسان والقبول من الأوساط السياسية والعسكرية في باكستان.
الولايات المتحدة لم تطالب مشرف بإعادة قضاة المحكمة العليا المفصولين إلى مناصبهم
ردود الأفعال في منطقة الخليج
لقد تمتعت باكستان بفترة استقرار على صعيد النمو الاقتصادي، وشهدت بعض مشروعات الاستثمار الضخمة من دول الخليج خلال السنوات الثماني الماضية، وكانت باكستان قد قامت ببعض الجهود المنظمة لجذب المستثمرين، يدعمها في ذلك الاستقرار الاقتصادي الذي شهدته، وحرصها على التحول إلى حاضنة لسوق موارد الطاقة والتجارة لقارة آسيا ودول الخليج. وكانت دول الخليج، وخاصة دول مجلس التعاون الخليجي، قد أبدت رغبة متزايدة في الاستثمار في القطاعات الرئيسية في باكستان، مثل قطاع الطاقة والحديد والعقارات والاتصالات. ومن المؤكد أن تقلق هذه الدول على أمن استثماراتها خلال فترة عدم الاستقرار التي تسود باكستان حالياً.
وفي ما يتعلق بالعلاقات مع دول الخليج، فهناك حدث غير عادي شهدته العلاقات الوثيقة بين باكستان وهذه الدول، وهو محاولة العودة التي قام بها رئيس الوزراء السابق نواز شريف من المنفى إلى باكستان في شهر سبتمبر الماضي. ففي تلك الحالة أظهرت المملكة العربية السعودية دعماً غير عادي لحكومة باكستان وطلبت من نواز شريف بصورة علنية أن يفي بتعهداته.
إن تزايد التعاون الاستخباري مع دول الخليج عقب أحداث الحادي عشر من سبتمبر يعد مهماً، خاصة إذا أخذنا في الحسبان وضعية باكستان بوصفها دولة مواجهة في الحرب على الإرهاب. وبالإضافة إلى ذلك فإن الحاجة إلى مكافحة الخطر الأمني الناجم عن الجماعات الإرهابية الدولية وبروز الجماعات الجهادية المتطرفة يدفعان الجانبين نحو مزيد من التقارب. وعلى ضوء ما تم من نقاش في اجتماعات منظمة المؤتمر الإسلامي ومجلس التعاون الخليجي، فقد اتضحت ضرورة أن تعمل الدول الإسلامية معاً من أجل الحد من انتشار التطرف ومكافحة الجهود التي تبذلها الجماعات الإرهابية لتشويه سمعة الإسلام والإساءة إليه.
وقياساً على الماضي، فإن العلاقات بين باكستان ودول الخليج لن تتأثر بأي تغيير في القيادة السياسية. وفي الواقع فإن بوسع دول الخليج أن تقوم بدور رئيسي في الوقت الحالي لضمان عودة الاستقرار إلى باكستان خلال هذه الفترة الانتقالية الصعبة. ومع أن الموقف التصعيدي من قبل إيران وتزايد نشاط طالبان في أفغانستان اللذين يظلان موضع اهتمام في دول الخليج، فإن تدهور الوضع الأمني في باكستان يعد أيضاً قضية مهمة. وفي ضوء الاهتمام الإعلامي الواضح بمجريات الأحداث في باكستان، يمكن القول إن دول الخليج تشعر بالقلق إزاء التطورات الجارية في باكستان، ولكنها تأمل في الوقت نفسه بأن يتم التوصل إلى معالجة تحظى بموافقة كل الأطراف المعنية، وتحقق الاستقرار الدائم في باكستان.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::2408::/cck::
::introtext::
عقب أسبوع من فرض حالة الطوارئ في الثالث من نوفمبر الماضي، أعلن الرئيس الباكستاني برويز مشرف تحت ضغوط متواصلة من الولايات المتحدة وفي ظل تصاعد المعارضة الداخلية لنظامه، أن الانتخابات العامة سوف تجرى قبل التاسع من شهر يناير 2008.
::/introtext::
::fulltext::
عقب أسبوع من فرض حالة الطوارئ في الثالث من نوفمبر الماضي، أعلن الرئيس الباكستاني برويز مشرف تحت ضغوط متواصلة من الولايات المتحدة وفي ظل تصاعد المعارضة الداخلية لنظامه، أن الانتخابات العامة سوف تجرى قبل التاسع من شهر يناير 2008.
على الرغم من أن الرئيس مشرف يبدو وكأنه يتحدى العاصفة التي يواجهها، فإن موقفه يصبح أكثر ضعفاً وهو يلجأ إلى اتخاذ هذه الإجراءات المتعجلة لمعالجة الوضع السائد، حيث رفض تحديد تاريخ لرفع حالة الطوارئ، وقال إنها قد تستمر حتى إلى ما بعد إجراء الانتخابات؛ وذلك بسبب الأحداث الجارية على صعيد جبهة الإرهاب. فقد سرت شائعات بأن الرئيس مشرف، الذي لا يزال أيضاً القائد العام للجيش، لجأ إلى اتخاذ هذه الخطوة التي تنطوي على شيء من التهور بوصفها آخر إجراء لاستباق قرار من قبل أعضاء المحكمة العليا البالغ عددهم أحد عشر عضواً، والذين تمت إقالتهم، والذي كان سيصدر ضد إعادة انتخاب مشرف رئيساً للبلاد، وبعد الانتخابات التي فاز فيها في أكتوبر الماضي. وبينما تواصل الولايات المتحدة ممارسة ضغوط على مشرف وتطالبه برفع حالة الطوارئ على وجه السرعة والتخلي عن منصبه كقائد عام للجيش في أقرب وقت، فإنها لم تطالبه بإعادة قضاة المحكمة العليا المفصولين إلى مناصبهم. بالإضافة إلى اعتقال قضاة المحكمة العليا السابقين، وعشرات المحامين والنشطاء وقادة الأحزاب السياسية وأعضائها، اتخذت الحكومة الباكستانية إجراءات صارمة ضد بعض وسائل الإعلام ، وخاصة قنوات التلفزة الخاصة، على ما وصفته بخلق مناخ من التشكيك والسلبية على النحو الذي ساعد على تغذية حالة المواجهة بين الجهازين التنفيذي والتشريعي للدولة، وأثار مشاعر السخط والتحريض ضد الدولة إثر عملية المسجد الأحمر التي سميت (عملية الصمت).
قال الرئيس مشرف في معرض خطابه الذي أعلن فيه فرض حالة الطوارئ: إن أحد الأسباب الرئيسية التي دعته إلى إعلان حالة الطوارئ هو أن القضاء في باكستان قوّض الجهود التي تبذلها الحكومة لمكافحة الإرهاب وذلك لقيامه بإطلاق سراح العناصر المتهمة بالضلوع في الأعمال الإرهابية وإعادة تنصيب قيادة الهيئة التعليمية الدينية في المسجد الأحمر. وكانت موجة من الهجمات الانتحارية الكبيرة التي استهدفت بصفة رئيسية قوات الأمن الحكومية قد وقعت عقب عملية اجتياح المسجد الأحمر في شهر يوليو الماضي.
غير أن الأمر الذي يثير قلقاً أمنياً كبيراً هو تدهور الوضع الأمني في باكستان. فالولايات المتحدة تضغط من أجل العودة إلى الحكم الديمقراطي في باكستان، وهناك اعتقاد بأن الحكومة المنتخبة ديمقراطياً سوف تنجح في استئصال الإرهاب والتطرف. وفي الوقت نفسه تواصل إدارة جورج بوش دعم الرئيس مشرف الذي ظل يشكل حليفاً يمكن الاعتماد عليه في الحرب على الإرهاب. لقد منحت واشنطن منذ أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001 أكثر من عشرة مليارات دولار إلى باكستان وذلك على شكل مساعدات عسكرية إلى جانب الدعم السياسي والاقتصادي الكبير، ولكن نظراً لضعف الموقف السياسي والتراجع السريع لشعبية ومكانة حزب الرابطة الإسلامية الذي يدعم الرئيس مشرف، فقد برز اتجاه يشير إلى أن التوصل إلى تحالف مع حزب سياسي علماني يلتزم بالديمقراطية، مثل حزب الشعب الباكستاني الذي تقوده السيدة/ بي نظير بوتو، قد يساعد الجنرال مشرف على استعادة نفوذه.

ومع تزايد عدد المدن التي يستولي عليها المتطرفون الإسلاميون في منطقة وادي سوات الواقع في إقليم الحدود الشمالية – الغربية من باكستان، تحدثت تقارير عن قيام المتطرفين بأعمال نهب وسلب وقطع رؤوس بالإضافة إلى إزالة علم البلاد من على المباني الحكومية، الأمر الذي شكل صدمة، وأثار الرعب في أوساط الشعب. وهناك حضور مكثف للقوات المسلحة في إقليم وزيرستان، وتجري اشتباكات مستمرة بين هذه القوات وعناصر من طالبان وبعض القبائل المتعاطفة مع المتطرفين. وكان من المفترض أن يساعد فرض حالة الطوارئ على معالجة قضية الإرهاب وإزالة سيطرة المتطرفين. غير أن سياسة الحكومة المتمثلة في العمليات العسكرية الرامية للقضاء على المتطرفين في هذه المناطق لم تسفر عن أي تغيير يذكر.
ولكي نتوصل إلى تقييم موضوعي للوضع في باكستان، ينبغي أن نأخذ في الحسبان قضية الأمن التي تعد ذات أهمية كبيرة. فهل يحتمل الوضع الأمني في باكستان إجراء انتخابات في وقت تتواصل فيه حالة الرعب والاضطراب الناجمة عن الهجمات الانتحارية؟ لقد شاهدنا كيف أن عودة بي نظير بوتو إلى باكستان في الثامن من أكتوبر، عقب منفاها الاختياري الذي استمر لأكثر من ثماني سنوات، شهدت هجوماً انتحارياً كبيراً نجم عنه سقوط (139) قتيلاً وأكثر من خمسمائة جريح. كما يعد أحدث هجوم انتحاري والذي تم تنفيذه داخل منزل الوزير الاتحادي عامر مقام خان في بيشاور في التاسع من نوفمبر الماضي، تطوراً خطيراً أيضاً وهو الأكثر إثارة للقلق. وإذا تم إجراء الانتخابات على الرغم من تدهور الوضع الأمني في البلاد مع عدم السماح لجميع القادة السياسيين الرئيسيين بالمشاركة فيها، فإن من المحتمل أن تصبح باكستان دولة محكومة بنظام شبه ديمقراطي تهيمن عليه النزاعات، مثلما هي الحال في العراق تحت حكومة نوري المالكي وأفغانستان تحت حكومة الرئيس قرضاي. وفي ضوء المتابعة الوثيقة من قبل واشنطن لتطورات الأوضاع في باكستان، فقد نتوقع أن (تصر) الولايات المتحدة على عودة نواز شريف، الذي يتزعم حزب الرابطة الإسلامية، من المنفى لكي يشارك في الانتخابات، حيث إن مشاركته في الانتخابات قد تساعد على الأقل في إضفاء بعض المصداقية على رغبة الولايات المتحدة في نشر القيم الديمقراطية وإجراء انتخابات حرة ونزيهة.
إن اتفاق تقاسم السلطة الذي عملت واشنطن على تسهيله بين بوتو ومشرف هو الذي مكّن بوتو من العودة إلى باكستان بعد منحها عفواً وإسقاط كل التهم السياسية والجنائية التي كانت مرفوعة بحقها، وذلك بموجب قانون المصالحة الوطنية (الذي يواجه اعتراضات حالية ستبت فيها المحكمة العليا).
وهنا ينبغي ألا نغفل أهمية التصريحات المثيرة للجدل التي صدرت في وقت سابق عن بوتو والتي قالت فيها: إنه في حالة عودتها للحكم فإنها سوف تسمح للوكالة الدولية للطاقة الذرية بمقابلة العالم النووي الباكستاني الدكتور عبدالقدير خان كما ستسمح بتنفيذ ضربات جوية أمريكية داخل أراضي باكستان ضد تنظيم القاعدة. ومع أن هذه التصريحات قد تكون حققت نوعاً من الدعم لبوتو في واشنطن، على النحو الذي يبدو واضحاً من التصريحات المتحمسة الصادرة عن بعض أعضاء الكونغرس الأمريكي، فإنها لم تقابل بالاستحسان والقبول من الأوساط السياسية والعسكرية في باكستان.
الولايات المتحدة لم تطالب مشرف بإعادة قضاة المحكمة العليا المفصولين إلى مناصبهم
ردود الأفعال في منطقة الخليج
لقد تمتعت باكستان بفترة استقرار على صعيد النمو الاقتصادي، وشهدت بعض مشروعات الاستثمار الضخمة من دول الخليج خلال السنوات الثماني الماضية، وكانت باكستان قد قامت ببعض الجهود المنظمة لجذب المستثمرين، يدعمها في ذلك الاستقرار الاقتصادي الذي شهدته، وحرصها على التحول إلى حاضنة لسوق موارد الطاقة والتجارة لقارة آسيا ودول الخليج. وكانت دول الخليج، وخاصة دول مجلس التعاون الخليجي، قد أبدت رغبة متزايدة في الاستثمار في القطاعات الرئيسية في باكستان، مثل قطاع الطاقة والحديد والعقارات والاتصالات. ومن المؤكد أن تقلق هذه الدول على أمن استثماراتها خلال فترة عدم الاستقرار التي تسود باكستان حالياً.
وفي ما يتعلق بالعلاقات مع دول الخليج، فهناك حدث غير عادي شهدته العلاقات الوثيقة بين باكستان وهذه الدول، وهو محاولة العودة التي قام بها رئيس الوزراء السابق نواز شريف من المنفى إلى باكستان في شهر سبتمبر الماضي. ففي تلك الحالة أظهرت المملكة العربية السعودية دعماً غير عادي لحكومة باكستان وطلبت من نواز شريف بصورة علنية أن يفي بتعهداته.
إن تزايد التعاون الاستخباري مع دول الخليج عقب أحداث الحادي عشر من سبتمبر يعد مهماً، خاصة إذا أخذنا في الحسبان وضعية باكستان بوصفها دولة مواجهة في الحرب على الإرهاب. وبالإضافة إلى ذلك فإن الحاجة إلى مكافحة الخطر الأمني الناجم عن الجماعات الإرهابية الدولية وبروز الجماعات الجهادية المتطرفة يدفعان الجانبين نحو مزيد من التقارب. وعلى ضوء ما تم من نقاش في اجتماعات منظمة المؤتمر الإسلامي ومجلس التعاون الخليجي، فقد اتضحت ضرورة أن تعمل الدول الإسلامية معاً من أجل الحد من انتشار التطرف ومكافحة الجهود التي تبذلها الجماعات الإرهابية لتشويه سمعة الإسلام والإساءة إليه.
وقياساً على الماضي، فإن العلاقات بين باكستان ودول الخليج لن تتأثر بأي تغيير في القيادة السياسية. وفي الواقع فإن بوسع دول الخليج أن تقوم بدور رئيسي في الوقت الحالي لضمان عودة الاستقرار إلى باكستان خلال هذه الفترة الانتقالية الصعبة. ومع أن الموقف التصعيدي من قبل إيران وتزايد نشاط طالبان في أفغانستان اللذين يظلان موضع اهتمام في دول الخليج، فإن تدهور الوضع الأمني في باكستان يعد أيضاً قضية مهمة. وفي ضوء الاهتمام الإعلامي الواضح بمجريات الأحداث في باكستان، يمكن القول إن دول الخليج تشعر بالقلق إزاء التطورات الجارية في باكستان، ولكنها تأمل في الوقت نفسه بأن يتم التوصل إلى معالجة تحظى بموافقة كل الأطراف المعنية، وتحقق الاستقرار الدائم في باكستان.
::/fulltext::
::cck::2408::/cck::
