الشراكة الخليجية-الأوروبية (الفرص والقيود)
::cck::2378::/cck::
::introtext::
السؤال المطروح هل التباين بين المجموعة الأوروبية ومنطقة الخليج في المساحة والدخل والعدد السكاني والفارق الزمني في قيام كل منهما يحقق ضمانات النجاح لمشروع الشراكة لكل أطرافه؟ أم أن مثل هذا التباين سيحقق امتيازات لطرف على حساب طرف آخر، رغم القناعة بأهمية الشراكة من أطراف الحوار التي هي على قناعة تامةبضرورته وأهميته وجدواه، وأنه حاجة ملحة لمواجهة التحديات، ويخدم المصالحالمشتركة؟
::/introtext::
::fulltext::
السؤال المطروح هل التباين بين المجموعة الأوروبية ومنطقة الخليج في المساحة والدخل والعدد السكاني والفارق الزمني في قيام كل منهما يحقق ضمانات النجاح لمشروع الشراكة لكل أطرافه؟ أم أن مثل هذا التباين سيحقق امتيازات لطرف على حساب طرف آخر، رغم القناعة بأهمية الشراكة من أطراف الحوار التي هي على قناعة تامةبضرورته وأهميته وجدواه، وأنه حاجة ملحة لمواجهة التحديات، ويخدم المصالحالمشتركة؟
هل تأتي الشراكة على حساب أطراف أخرى مثل الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا من جهة والصين واليابان والهند التي ستشكل ثلاثة أرباع الاقتصاد العالمي في عام 2032 من جهة أخرى؟ وهل هنالك قيود أمريكية تمنع أو تعرقل، ولو ضمنياً، أي تحالفات اقتصادية وشراكات أوروبية-عربية وتنعكس خليجياً؟
أسئلة عديدة تدور في رحى الفكر الأوروبي-الخليجي، وتحتاج إلى مواجهة بروح التفاؤل والعمل الدؤوب للوصول إلى النتائج قبل انتهاء عصر النفط الذي يمثل لمنطقة الخليج إحدى أوراقها التفاوضية القوية في الوقت الراهن.
المعروف أن أوروبا تريد إدارة مشتركة بينها وبين دول مجلس التعاون الخليجي لأسواق الطاقة فيما تريد دول المجلس عدم اقتصار مثل هذا التنسيق على الشق التجاري، ولكن إقامة هيكل أو إطار للحوار بين المنتجين والمستهلكين قد تشمل جوانب سياسية عامة تخص الطاقة والبيئة وغير ذلك. وهذا يبرز ويعزز مبدأ التكافؤ ومدى إمكان تحقيقه في الاتفاق.
ولفهم ذلك الدور في الشراكة، لا بد من التعرف أولاً على خصائص الأطراف، ومنها أن أوروبا هي إحدى القارات السبع على الكرة الأرضية وهي ثاني أصغر قارة من حيث الحجم بعد أستراليا، وتبلغ مساحاتها حوالي 10 ملايين كيلومتر مربع، وهو ما يوازي 2 في المائة من حجم الكرة الأرضية، ويسكنها 11 في المائة من سكان الأرض أي 710 ملايين نسمة.
ومن حيث الاقتصاد فإن الدخل القومي لأوروبا الغربية تضاعف ثلاث مرات ونصف المرة بالقيمة الحقيقية في الأعوام الخمسة الماضية من 3.4 تريليون دولار إلى نحو 12 تريليوناً، يضاف إليها نحو 4 تريليونات لأوروبا الشرقية بمجموع إجمالي 16 تريليوناً لثمان وأربعين دولة أوروبية.
في المقابل فإن مجلس التعاون الخليجي الذي تأسس في 25 مايو 1981، ويتكون من البحرين والكويت وسلطنة عُمان وقطر والسعودية والإمارات بحجم سكاني يبلغ 35 مليون نسمة، وجميعهم مواطنون تشكل السعودية منهم 23 مليون نسمة (وهي بحصة تقريبية 66 في المائة من السكان الخليجيين) حسب آخر إحصائية عربية، تضاعف الناتج المحلي الإجمالي بالمعدل نفسه فقفز من 350.362 مليار دولار في عام 2002 إلى نحو 749.425 مليار دولار عام 2007، وتوقع له 819.970 مليار دولار في عام 2008 قبل أن يصل سعر البرميل الخام الأمريكي إلى 94 دولاراً، للمملكة العربية السعودية مساهمة في نصف الرقم.
دول مجلس التعاون اندمجت في الاقتصادالعالمي كدول تشكل ضلعاً مهمة في الرؤية الاقتصادية الدولية لعصر ما بعد النفط
وتبلغ مساحة دول مجلس التعاون الست حوالي 2.5 مليون كيلومتر مربع، وتشكل مساحتها 18 في المائة من مساحة الوطن العربي؛ والأرض المزروعة فيها لا تزيد على 2.4 في المائة من إجماليها في الوطن العربي.
وتشكل الدول الست فيما بينها وحدة جغرافية طبيعية متكاملة وحدودها متصلة لا تفصل بينها عوائق طبيعية أو سياسية وظروفها متشابهة وحياتها واحدة، وتمثل كياناً طبيعياً واحداً ذا وعاء استثماري تجاوز نصف تريليون دولار، ولكنها ترزح تحت ضعف الموارد المائية.
هذه المقارنة تجعل من المجموعة الأوروبية (حوتاً) ضخماً في مقابل (سمكة) خليجية، لكنها كما يقولون السمكة الذهبية، لا يمكن ابتلاعها وفي الوقت نفسه لا تهدد الحوت، وبإمكانهما معاً السباحة في تيار ملاحي استثماري في مناح كافة على الرغم من فارق نسبي يتجاوز الثمانين في المائة في كل شيء لصالح المجموعة الأوروبية، ولكن إذا ما انعكست الأرقام المالية على نسب السكان لتضاءل الفارق بنسبة عشرة في المائة لصالح دول مجلس التعاون.
وإذا كانت الشراكة الأوروبية-العربية لا تمثل من حيث السكان مجموع سكان الصين بمفردها أو الهند، ولا تشكل عشر الاقتصاد العالمي، فإنها ضرورة ملحة في عصر التكتلات الاقتصادية بين القارات وليس عبر البحار فقط، وهي رقم في التجارة العالمية، حيث كان حجم المبادلات التجارية الأوروبية-الخليجية فيها ما قيمته نصف المبلغ الإجمالي للمبادلات الأوروبية-الأمريكية. وإذا ما أضيفت (رؤية دبي) الاستثمارية إليها من حيث إعادة التصدير وتدوير الصادرات الأوروبية إلى الشرق الأقصى وأستراليا والعكس من خلال شبكة موانئ عالمية ومطارات ضخمة ومخازن عملاقة لكافة أنواع البضائع، فإن هذا الرقم مهيئ ضمناً للزيادة في حدود الضعفين خلال خمس سنوات.
وربما ينبغي على منطقة الخليج أن تنوع شراكاتها ولا يحصرها خاصة في عصر يتوقع للنفط أن ينتهي (خلال أربعين عاماً) مع مراعاة ارتفاع برميل النفط الذي سيتجاوز المائة دولار في السنة المقبلة، وقد يصل إلى مائتي دولار في خلال أقل من خمسة عشر عاماً، وهو ما يدفع دول مجلس التعاون إلى استثمار فرق ارتفاع عوائد النفط في مشروعات مشتركة تؤمن لهم دخلاً سنوياً يفوق ما يعود به النفط عليهم، سواء كانت استثمارات أولية في بنى تحتية تنتهي بنهاية عام 2013 أو التوجه إلى شراء شركات صناعية وسياحية وطيران وخدمات وتقنية حيوية وتكنولوجيا واتصالات وغيرها بحيث لا تزيد المساهمة على خمس وثلاثين في المائة من الأسهم لتفادي المخاطر، وفي الوقت نفسه لجعل النسب مقبولة لدى الغرب، خاصة بعد تجربة الكويت في بريطانيا من خلال شركة ((Q8 وتجربة دبي مع صفقة الموانئ في أمريكا.
ويجب التأكد من سلامة البيئة للمشروعات المشتركة، خاصة أن الغرب يرى ومعه أمريكا في دول الخليج مكاناً متميزاً لمشروعات التكرير ومحطاته العملاقة على أساس تأمين الموارد المالية لهذه المشروعات من دول الخليج، وهو ما سيضيف عبئاً مالياً وبيئياً مستقبلياً، خاصة إذا ما انتهى عصر النفط، حيث ستكون تلك المحطات عبارة عن هياكل حديدية بلا فائدة وهو ما يجب الالتفات إليه من الجوانب كافة.
الاتحادالأوروبي لم يستطع حتى الآن أن يستفيد من الإمكانات المتاحة في دول الخليج
لقد بدأت الخطوات لإقامةشراكة خليجية-أوروبية منذ عام 1988 تهدف إلى تطوير وتنظيم سبل التعاون في قطاعات مختلفة أهمها الطاقة (النفط والغاز والطاقة المتجددة) والتجارة والصناعة (التحويلية على الأغلب)، وزيادة الرقع الزراعية (من خلال وجود المصادر البديلة عن المياه وتحسين نوعية المزروعات)، وإقامة منطقة تجارة حرة أوروبية-عربية، ومشروعات مشتركة فيمجالات نقل التكنولوجيا والتدريب، مع تطبيق مبدأ الدولة الأولى بالرعاية.
ومع الطفرة العمرانية التي تشهدها الدول الخليجية لعب الاستثمار العقاري، (دون أن يكون ضمن بنود الاتفاق)، دوراً حيوياً في تنويع الشراكة من خلال شركات الاستشارات الهندسية والمقاولات وموردي مواد البناء.
ومع هذا فقد بلغ عجز ميزان المبادلات الخليجية مع الاتحاد الأوروبي منذ توقيع اتفاقية التعاون الأولى في لوكسمبورغ عام 1988 (130) مليار دولار، وقدر بالنسبة لعام 2000 وحده زهاء بـ 19 مليار دولار، وهو ما يجب الالتفات إليه.
ورغم وجود اتفاقيات ثنائية وتجارة بينية على انفراد بين دول أوروبية وخليجية تعود إلى سنوات الاستعمار، وقبل أن تحصل الدول الخليجية على استقلالها، إلا أنهوبعد مرور نحو عشرين عاماً لم تحرز أية اتفاقية تقدماً ملحوظاً، ولم يحقق المفاوضون أياً منالنقاط التي تم الاتفاق عليها في اتفاقية المبادئ ويرجع ذلك لأسباب منها:
أولاً: قرار الاتحاد الأوروبي استبعاد المنتجات البتروكيماوية (وهي أساس الدخل القومي لدول الخليج) من تبادلالإعفاءات بين الجانبين بحجة أنها منتجات حساسة.
ثانياً:وجود اختلافات بين الجانبين بشأن تحديد أنواع السلع ومستوى وفترات الحمايةالجمركية التي تطبقها كل من الدول الخليجية-الأوروبية.
ثالثاً: فرض الضرائب المتزايد على المنتجات الخليجية قد تصل إلى ثلثي سعرالمستهلك النهائي مما يحرم هذه المنتجات من القدرة على المنافسة.
رابعاً: الاتجاه إلى فرض ضريبة الكربون كنسبة من كل برميل فقط بحجة حمايةالبيئة.
خامساً:المطالبة بتحرير كامل لتجارة الخدمات في دول الخليج بصورة أكبر منالسقف الذي تعهدت به دول الخليج المنضمة إلى اتفاقية منظمة التجارةالعالمية.
سادساً: تأخر قيام الاتحاد الجمركي لدول الخليج، الأمر الذي انتهى بقيامالاتحاد الجمركي وتوحيد التعرفة الجمركية بينها اعتباراً من يناير 2005.
سابعاً: تأخر قيام الوحدة النقدية الخليجية إلى عام 2010.
ثامناً: اجتمع وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي يومي 9 و10 إبريل 2007 في لوكسمبورغ لمناقشة لقاء المنامة الوزاري الأوروبي-الخليجي، لكن من دون التوصل إلى إصدار تفويض قانوني للمفوضية الأوروبية للبدء في مرحلة متقدمة من المفاوضات الجديدة مع دول مجلس التعاون الخليجي على طريق طرح منطقة التبادل الحر المنشود بين الطرفين.
يرى الغرب وأمريكا في دول الخليج مكاناً متميزاً لمشروعات التكرير ومحطاته العملاقة
إن دول مجلس التعاون اندمجت في الاقتصادالعالمي ليست كدول منتجة للنفط فحسب، بل كدول تشكل ضلعاً مهمة في الرؤية الاقتصادية الدولية لعصر ما بعد النفط، من خلال المشروعات العملاقة والخدمات التحتية وهي بحاجة إلى الخبرات الغربية في السكك الحديدية والمطارات والتقنيات الحيوية والمعلوماتية وإدارة الشركات الكبرى ومخاطر الاستثمارات عابرة القارات وغيرها مما تتميز به المجموعة الأوروبية في مقابل ما يمكن أن تقدمه دول مجلس التعاون من خبرات متنوعة مالية ونفطية ومشاركة مالية في بناء اقتصاد أوروبي-خليجي جديد، كما أن المساحات الشاسعة غير المأهولة سكانياً وانتشار الصحراء إضافة إلى الخبرات الأوروبية في إقامة مشروعات تحلية المياه وشق الأقنية والأنهار الصناعية بإمكانها أن تحول مساحات كبيرة إلى أراض زراعية مستفيدة من رؤوس الأموال الناتجة عن ارتفاع النفط وتوجيه فروق الأسعار إلى مشروعات مائية ضخمة يمكن لها استيعاب المزيد من الصناعات والسكان.
إن الاتحادالأوروبي لم يستطع حتى الآن أن يستفيد من الإمكانيات المتاحة في دول الخليج، رغم التباين الذي تحدثنا عنه في الفقرات السابقة، فتراجعتنسبة مساهمته في الميزان التجاري مع دول مجلس التعاون، وتقدمت عليه الولايات المتحدةالأمريكية، وبدأت الصين تدخل كمنافس قوي مستفيدة من اتفاقية التجارة العالمية وقربها النسبي من دول الخليج (عشر ساعات طيران مقارنة مع عشرين ساعة مع الولايات المتحدة في المعدل)، الأمر الذي يدعو إلى العمل على تجاوزكافة العراقيل التي تحول دون قيام منطقة التجارة الحرة بين الجانبين.
ولعل أهم مشروع بإمكان الخليج وأوروبا القيام به وتنفيذه فوراً خلال عشر سنوات من الآن، هو إنشاء جسر يربط المغرب بجبل طارق، ويربط أيضاً أوروبا بالوطن العربي، ويؤمن انتقال السلع وتدفق التجارة والسياحة، ضمن مجموعات من الجزر والفنادق المائية بتكاليف تصل إلى خمسة مليارات دولار عند مدخل البحر الأبيض المتوسط، وهو مبلغ لا يقارن بحجم التبادل التجاري بين أوروبا ومنطقة الخليج من جهة والوطن العربي من جهة أخرى، ويكون بمثابة أول مشروع خليجي-أوروبي واقعي، وهو جدير بأن يطرح في الحوار الأوروبي-العربي المقرر له أن ينعقد في دبي في (10 و11 فبراير من عام 2008) بعد أن تعطل الحوار منذ أول إعلان في فالنسيا أكثر من عشر سنوات، واستطاعت دبي أن تؤمن له الانعقاد وبالتأكيد النجاح. وبإمكان دبي بما تملكه من رؤية وخبرة في إنجاز المشروعات العملاقة والجزر الاصطناعية المائية مثل النخلة وجزر العالم وغيرها أن تؤمن الأفكار والمال والنجاح لمثل هذا المشروع الحيوي على مستوى العالم بمشاركة دول مجلس التعاون والمجموعة الأوروبية.
فإذا كانت هناك نقاط خلافية، كما يشير المفاوضون من الجانبين، تتعلقبتحرير تجارة الخدمات والاستثمار والمشتريات الحكومية فيمكن أن يتم التغلبعليها من خلال قيام مشروعات على أرض الواقع تمهد فيما بعد لقيام منطقة التجارة الحرة في دول الخليج وعند مدخل البحر الأبيض المتوسط أيضاً في تلك الجزر الاصطناعية التي ستكون الجسر بين أوروبا والوطن العربي.
إن الفرص كبيرة وسانحة اليوم قبل الغد، والقيود أغلالها تزداد أمريكياً بتراجع الدولار والسياسات والبتر دولارية، والمنافسة الصينية-الهندية تدق الأبواب، لذا فإن اغتنام الفرص لن يستمر طويلاً ولابد من حراك.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::2378::/cck::
::introtext::
السؤال المطروح هل التباين بين المجموعة الأوروبية ومنطقة الخليج في المساحة والدخل والعدد السكاني والفارق الزمني في قيام كل منهما يحقق ضمانات النجاح لمشروع الشراكة لكل أطرافه؟ أم أن مثل هذا التباين سيحقق امتيازات لطرف على حساب طرف آخر، رغم القناعة بأهمية الشراكة من أطراف الحوار التي هي على قناعة تامةبضرورته وأهميته وجدواه، وأنه حاجة ملحة لمواجهة التحديات، ويخدم المصالحالمشتركة؟
::/introtext::
::fulltext::
السؤال المطروح هل التباين بين المجموعة الأوروبية ومنطقة الخليج في المساحة والدخل والعدد السكاني والفارق الزمني في قيام كل منهما يحقق ضمانات النجاح لمشروع الشراكة لكل أطرافه؟ أم أن مثل هذا التباين سيحقق امتيازات لطرف على حساب طرف آخر، رغم القناعة بأهمية الشراكة من أطراف الحوار التي هي على قناعة تامةبضرورته وأهميته وجدواه، وأنه حاجة ملحة لمواجهة التحديات، ويخدم المصالحالمشتركة؟
هل تأتي الشراكة على حساب أطراف أخرى مثل الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا من جهة والصين واليابان والهند التي ستشكل ثلاثة أرباع الاقتصاد العالمي في عام 2032 من جهة أخرى؟ وهل هنالك قيود أمريكية تمنع أو تعرقل، ولو ضمنياً، أي تحالفات اقتصادية وشراكات أوروبية-عربية وتنعكس خليجياً؟
أسئلة عديدة تدور في رحى الفكر الأوروبي-الخليجي، وتحتاج إلى مواجهة بروح التفاؤل والعمل الدؤوب للوصول إلى النتائج قبل انتهاء عصر النفط الذي يمثل لمنطقة الخليج إحدى أوراقها التفاوضية القوية في الوقت الراهن.
المعروف أن أوروبا تريد إدارة مشتركة بينها وبين دول مجلس التعاون الخليجي لأسواق الطاقة فيما تريد دول المجلس عدم اقتصار مثل هذا التنسيق على الشق التجاري، ولكن إقامة هيكل أو إطار للحوار بين المنتجين والمستهلكين قد تشمل جوانب سياسية عامة تخص الطاقة والبيئة وغير ذلك. وهذا يبرز ويعزز مبدأ التكافؤ ومدى إمكان تحقيقه في الاتفاق.
ولفهم ذلك الدور في الشراكة، لا بد من التعرف أولاً على خصائص الأطراف، ومنها أن أوروبا هي إحدى القارات السبع على الكرة الأرضية وهي ثاني أصغر قارة من حيث الحجم بعد أستراليا، وتبلغ مساحاتها حوالي 10 ملايين كيلومتر مربع، وهو ما يوازي 2 في المائة من حجم الكرة الأرضية، ويسكنها 11 في المائة من سكان الأرض أي 710 ملايين نسمة.
ومن حيث الاقتصاد فإن الدخل القومي لأوروبا الغربية تضاعف ثلاث مرات ونصف المرة بالقيمة الحقيقية في الأعوام الخمسة الماضية من 3.4 تريليون دولار إلى نحو 12 تريليوناً، يضاف إليها نحو 4 تريليونات لأوروبا الشرقية بمجموع إجمالي 16 تريليوناً لثمان وأربعين دولة أوروبية.
في المقابل فإن مجلس التعاون الخليجي الذي تأسس في 25 مايو 1981، ويتكون من البحرين والكويت وسلطنة عُمان وقطر والسعودية والإمارات بحجم سكاني يبلغ 35 مليون نسمة، وجميعهم مواطنون تشكل السعودية منهم 23 مليون نسمة (وهي بحصة تقريبية 66 في المائة من السكان الخليجيين) حسب آخر إحصائية عربية، تضاعف الناتج المحلي الإجمالي بالمعدل نفسه فقفز من 350.362 مليار دولار في عام 2002 إلى نحو 749.425 مليار دولار عام 2007، وتوقع له 819.970 مليار دولار في عام 2008 قبل أن يصل سعر البرميل الخام الأمريكي إلى 94 دولاراً، للمملكة العربية السعودية مساهمة في نصف الرقم.
دول مجلس التعاون اندمجت في الاقتصادالعالمي كدول تشكل ضلعاً مهمة في الرؤية الاقتصادية الدولية لعصر ما بعد النفط
وتبلغ مساحة دول مجلس التعاون الست حوالي 2.5 مليون كيلومتر مربع، وتشكل مساحتها 18 في المائة من مساحة الوطن العربي؛ والأرض المزروعة فيها لا تزيد على 2.4 في المائة من إجماليها في الوطن العربي.
وتشكل الدول الست فيما بينها وحدة جغرافية طبيعية متكاملة وحدودها متصلة لا تفصل بينها عوائق طبيعية أو سياسية وظروفها متشابهة وحياتها واحدة، وتمثل كياناً طبيعياً واحداً ذا وعاء استثماري تجاوز نصف تريليون دولار، ولكنها ترزح تحت ضعف الموارد المائية.
هذه المقارنة تجعل من المجموعة الأوروبية (حوتاً) ضخماً في مقابل (سمكة) خليجية، لكنها كما يقولون السمكة الذهبية، لا يمكن ابتلاعها وفي الوقت نفسه لا تهدد الحوت، وبإمكانهما معاً السباحة في تيار ملاحي استثماري في مناح كافة على الرغم من فارق نسبي يتجاوز الثمانين في المائة في كل شيء لصالح المجموعة الأوروبية، ولكن إذا ما انعكست الأرقام المالية على نسب السكان لتضاءل الفارق بنسبة عشرة في المائة لصالح دول مجلس التعاون.
وإذا كانت الشراكة الأوروبية-العربية لا تمثل من حيث السكان مجموع سكان الصين بمفردها أو الهند، ولا تشكل عشر الاقتصاد العالمي، فإنها ضرورة ملحة في عصر التكتلات الاقتصادية بين القارات وليس عبر البحار فقط، وهي رقم في التجارة العالمية، حيث كان حجم المبادلات التجارية الأوروبية-الخليجية فيها ما قيمته نصف المبلغ الإجمالي للمبادلات الأوروبية-الأمريكية. وإذا ما أضيفت (رؤية دبي) الاستثمارية إليها من حيث إعادة التصدير وتدوير الصادرات الأوروبية إلى الشرق الأقصى وأستراليا والعكس من خلال شبكة موانئ عالمية ومطارات ضخمة ومخازن عملاقة لكافة أنواع البضائع، فإن هذا الرقم مهيئ ضمناً للزيادة في حدود الضعفين خلال خمس سنوات.
وربما ينبغي على منطقة الخليج أن تنوع شراكاتها ولا يحصرها خاصة في عصر يتوقع للنفط أن ينتهي (خلال أربعين عاماً) مع مراعاة ارتفاع برميل النفط الذي سيتجاوز المائة دولار في السنة المقبلة، وقد يصل إلى مائتي دولار في خلال أقل من خمسة عشر عاماً، وهو ما يدفع دول مجلس التعاون إلى استثمار فرق ارتفاع عوائد النفط في مشروعات مشتركة تؤمن لهم دخلاً سنوياً يفوق ما يعود به النفط عليهم، سواء كانت استثمارات أولية في بنى تحتية تنتهي بنهاية عام 2013 أو التوجه إلى شراء شركات صناعية وسياحية وطيران وخدمات وتقنية حيوية وتكنولوجيا واتصالات وغيرها بحيث لا تزيد المساهمة على خمس وثلاثين في المائة من الأسهم لتفادي المخاطر، وفي الوقت نفسه لجعل النسب مقبولة لدى الغرب، خاصة بعد تجربة الكويت في بريطانيا من خلال شركة ((Q8 وتجربة دبي مع صفقة الموانئ في أمريكا.
ويجب التأكد من سلامة البيئة للمشروعات المشتركة، خاصة أن الغرب يرى ومعه أمريكا في دول الخليج مكاناً متميزاً لمشروعات التكرير ومحطاته العملاقة على أساس تأمين الموارد المالية لهذه المشروعات من دول الخليج، وهو ما سيضيف عبئاً مالياً وبيئياً مستقبلياً، خاصة إذا ما انتهى عصر النفط، حيث ستكون تلك المحطات عبارة عن هياكل حديدية بلا فائدة وهو ما يجب الالتفات إليه من الجوانب كافة.
الاتحادالأوروبي لم يستطع حتى الآن أن يستفيد من الإمكانات المتاحة في دول الخليج
لقد بدأت الخطوات لإقامةشراكة خليجية-أوروبية منذ عام 1988 تهدف إلى تطوير وتنظيم سبل التعاون في قطاعات مختلفة أهمها الطاقة (النفط والغاز والطاقة المتجددة) والتجارة والصناعة (التحويلية على الأغلب)، وزيادة الرقع الزراعية (من خلال وجود المصادر البديلة عن المياه وتحسين نوعية المزروعات)، وإقامة منطقة تجارة حرة أوروبية-عربية، ومشروعات مشتركة فيمجالات نقل التكنولوجيا والتدريب، مع تطبيق مبدأ الدولة الأولى بالرعاية.
ومع الطفرة العمرانية التي تشهدها الدول الخليجية لعب الاستثمار العقاري، (دون أن يكون ضمن بنود الاتفاق)، دوراً حيوياً في تنويع الشراكة من خلال شركات الاستشارات الهندسية والمقاولات وموردي مواد البناء.
ومع هذا فقد بلغ عجز ميزان المبادلات الخليجية مع الاتحاد الأوروبي منذ توقيع اتفاقية التعاون الأولى في لوكسمبورغ عام 1988 (130) مليار دولار، وقدر بالنسبة لعام 2000 وحده زهاء بـ 19 مليار دولار، وهو ما يجب الالتفات إليه.
ورغم وجود اتفاقيات ثنائية وتجارة بينية على انفراد بين دول أوروبية وخليجية تعود إلى سنوات الاستعمار، وقبل أن تحصل الدول الخليجية على استقلالها، إلا أنهوبعد مرور نحو عشرين عاماً لم تحرز أية اتفاقية تقدماً ملحوظاً، ولم يحقق المفاوضون أياً منالنقاط التي تم الاتفاق عليها في اتفاقية المبادئ ويرجع ذلك لأسباب منها:
أولاً: قرار الاتحاد الأوروبي استبعاد المنتجات البتروكيماوية (وهي أساس الدخل القومي لدول الخليج) من تبادلالإعفاءات بين الجانبين بحجة أنها منتجات حساسة.
ثانياً:وجود اختلافات بين الجانبين بشأن تحديد أنواع السلع ومستوى وفترات الحمايةالجمركية التي تطبقها كل من الدول الخليجية-الأوروبية.
ثالثاً: فرض الضرائب المتزايد على المنتجات الخليجية قد تصل إلى ثلثي سعرالمستهلك النهائي مما يحرم هذه المنتجات من القدرة على المنافسة.
رابعاً: الاتجاه إلى فرض ضريبة الكربون كنسبة من كل برميل فقط بحجة حمايةالبيئة.
خامساً:المطالبة بتحرير كامل لتجارة الخدمات في دول الخليج بصورة أكبر منالسقف الذي تعهدت به دول الخليج المنضمة إلى اتفاقية منظمة التجارةالعالمية.
سادساً: تأخر قيام الاتحاد الجمركي لدول الخليج، الأمر الذي انتهى بقيامالاتحاد الجمركي وتوحيد التعرفة الجمركية بينها اعتباراً من يناير 2005.
سابعاً: تأخر قيام الوحدة النقدية الخليجية إلى عام 2010.
ثامناً: اجتمع وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي يومي 9 و10 إبريل 2007 في لوكسمبورغ لمناقشة لقاء المنامة الوزاري الأوروبي-الخليجي، لكن من دون التوصل إلى إصدار تفويض قانوني للمفوضية الأوروبية للبدء في مرحلة متقدمة من المفاوضات الجديدة مع دول مجلس التعاون الخليجي على طريق طرح منطقة التبادل الحر المنشود بين الطرفين.
يرى الغرب وأمريكا في دول الخليج مكاناً متميزاً لمشروعات التكرير ومحطاته العملاقة
إن دول مجلس التعاون اندمجت في الاقتصادالعالمي ليست كدول منتجة للنفط فحسب، بل كدول تشكل ضلعاً مهمة في الرؤية الاقتصادية الدولية لعصر ما بعد النفط، من خلال المشروعات العملاقة والخدمات التحتية وهي بحاجة إلى الخبرات الغربية في السكك الحديدية والمطارات والتقنيات الحيوية والمعلوماتية وإدارة الشركات الكبرى ومخاطر الاستثمارات عابرة القارات وغيرها مما تتميز به المجموعة الأوروبية في مقابل ما يمكن أن تقدمه دول مجلس التعاون من خبرات متنوعة مالية ونفطية ومشاركة مالية في بناء اقتصاد أوروبي-خليجي جديد، كما أن المساحات الشاسعة غير المأهولة سكانياً وانتشار الصحراء إضافة إلى الخبرات الأوروبية في إقامة مشروعات تحلية المياه وشق الأقنية والأنهار الصناعية بإمكانها أن تحول مساحات كبيرة إلى أراض زراعية مستفيدة من رؤوس الأموال الناتجة عن ارتفاع النفط وتوجيه فروق الأسعار إلى مشروعات مائية ضخمة يمكن لها استيعاب المزيد من الصناعات والسكان.
إن الاتحادالأوروبي لم يستطع حتى الآن أن يستفيد من الإمكانيات المتاحة في دول الخليج، رغم التباين الذي تحدثنا عنه في الفقرات السابقة، فتراجعتنسبة مساهمته في الميزان التجاري مع دول مجلس التعاون، وتقدمت عليه الولايات المتحدةالأمريكية، وبدأت الصين تدخل كمنافس قوي مستفيدة من اتفاقية التجارة العالمية وقربها النسبي من دول الخليج (عشر ساعات طيران مقارنة مع عشرين ساعة مع الولايات المتحدة في المعدل)، الأمر الذي يدعو إلى العمل على تجاوزكافة العراقيل التي تحول دون قيام منطقة التجارة الحرة بين الجانبين.
ولعل أهم مشروع بإمكان الخليج وأوروبا القيام به وتنفيذه فوراً خلال عشر سنوات من الآن، هو إنشاء جسر يربط المغرب بجبل طارق، ويربط أيضاً أوروبا بالوطن العربي، ويؤمن انتقال السلع وتدفق التجارة والسياحة، ضمن مجموعات من الجزر والفنادق المائية بتكاليف تصل إلى خمسة مليارات دولار عند مدخل البحر الأبيض المتوسط، وهو مبلغ لا يقارن بحجم التبادل التجاري بين أوروبا ومنطقة الخليج من جهة والوطن العربي من جهة أخرى، ويكون بمثابة أول مشروع خليجي-أوروبي واقعي، وهو جدير بأن يطرح في الحوار الأوروبي-العربي المقرر له أن ينعقد في دبي في (10 و11 فبراير من عام 2008) بعد أن تعطل الحوار منذ أول إعلان في فالنسيا أكثر من عشر سنوات، واستطاعت دبي أن تؤمن له الانعقاد وبالتأكيد النجاح. وبإمكان دبي بما تملكه من رؤية وخبرة في إنجاز المشروعات العملاقة والجزر الاصطناعية المائية مثل النخلة وجزر العالم وغيرها أن تؤمن الأفكار والمال والنجاح لمثل هذا المشروع الحيوي على مستوى العالم بمشاركة دول مجلس التعاون والمجموعة الأوروبية.
فإذا كانت هناك نقاط خلافية، كما يشير المفاوضون من الجانبين، تتعلقبتحرير تجارة الخدمات والاستثمار والمشتريات الحكومية فيمكن أن يتم التغلبعليها من خلال قيام مشروعات على أرض الواقع تمهد فيما بعد لقيام منطقة التجارة الحرة في دول الخليج وعند مدخل البحر الأبيض المتوسط أيضاً في تلك الجزر الاصطناعية التي ستكون الجسر بين أوروبا والوطن العربي.
إن الفرص كبيرة وسانحة اليوم قبل الغد، والقيود أغلالها تزداد أمريكياً بتراجع الدولار والسياسات والبتر دولارية، والمنافسة الصينية-الهندية تدق الأبواب، لذا فإن اغتنام الفرص لن يستمر طويلاً ولابد من حراك.
::/fulltext::
::cck::2378::/cck::
