انتخابات مجلس الشورى العُماني وترسيخ التجربة الديمقراطية

::cck::2405::/cck::
::introtext::

جاءت نتائج انتخابات مجلس الشورى في سلطنة عُمان للفترة التشريعية السادسة (2007 – 2011)، لتعكس أكثر من دلالة مهمة بالنسبة للمسيرة الديمقراطية في السلطنة. فمن ناحية، فقد جرت العملية الانتخابية في ظل أجواء تنافس حقيقي، الأمر الذي يعكس نضوج تجربة الشورى العمانية، التي انطلقت عام 1981، مع تأسيس المجلس الاستشاري. 

::/introtext::
::fulltext::

جاءت نتائج انتخابات مجلس الشورى في سلطنة عُمان للفترة التشريعية السادسة (2007 – 2011)، لتعكس أكثر من دلالة مهمة بالنسبة للمسيرة الديمقراطية في السلطنة. فمن ناحية، فقد جرت العملية الانتخابية في ظل أجواء تنافس حقيقي، الأمر الذي يعكس نضوج تجربة الشورى العمانية، التي انطلقت عام 1981، مع تأسيس المجلس الاستشاري.

توافرت هذه الأجواء على خلفية الضوابط الجديدة التي نظمت بها الانتخابات، حيث سمحت الحكومة للمرشحين بإجراء انتخابات دعائية عبر تعليق لافتات ونشر إعلانات في الصحف المحلية، ووضع ضوابط على الإنفاق المالي، وكان ذلك على خلفية التعديل الذي أدخل مؤخراً على نص المادة (44) من اللائحة التنفيذية لانتخابات المجلس، والذي وضع قواعد محددة لطرق الدعاية، وفي هذا الصدد فقد نص التعديل على أن ينحصر الإعلان في الصحف المحلية. ومن ناحية أخرى، سيمارس المجلس الجديد صلاحيات أكبر، عبر التعديلات المهمة التي أدخلت على نظامه الأساسي، ووسعت من اختصاصاته التي كان من أبرزها توسيع دور المجلس في ما يتعلق بنظر مشروعات القوانين وخطط التنمية الخمسية والموازنات العامة للدولة، وزيادة مدة عضوية المجلس لتكون أربع سنوات بدلاً من ثلاث في فترات ماضية، وجواز تجديد هذه العضوية لمدة أخرى من دون قيود تنظيمية، والعمل بأدوار الانعقاد السنوية المفتوحة المنتظمة.

كما شهد المجلس ارتفاعاً ملحوظاً في عدد المرشحين، حيث بلغ عدد المرشحين نحو 880 مرشحاً، يتنافسون على 84 مقعداً، ويفوق هذا العدد نظيره في الدورة السابقة من الانتخابات، والذين كان عددهم نحو 600 مرشح. كما أن هناك أيضاً زيادة ملحوظة في عدد الناخبين المسجلين في السجل الانتخابي لهذه الفترة، حيث بلغ عددهم نحو 388.683 ناخباً وناخبة بزيادة قدرها 50 في المائة على عدد الناخبين في انتخابات الفترة الخامسة. وقد جرت هذه الانتخابات في 102 مركز انتخابي موزعة على 61 ولاية، حيث يتفاوت عدد المراكز في كل ولاية حسب الكثافة السكانية والانتخابية، كما تم اعتماد 11 مركزاً انتخابياً في 10 دول هي، دول مجلس التعاون، بحيث يكون في دولة الإمارات مركزان، واليمن ومصر والأردن وتونس وماليزيا. كما شهدت الانتخابات إقبالاً جماهيرياً ملحوظاً؛ حيث وصلت نسبة المشاركة إلى 62.7 في المائة، ورغم أنها أقل من نسبة المشاركة في الانتخابات السابقة التي بلغت نحو 80 في المائة، فإنها تظل مرتفعة وتعكس قدراً مهماً من الوعي الجماهيري بأهمية المشاركة السياسية.

وفي هذا السياق، فقد أسفرت نتائج هذه الانتخابات عن دلالات مهمة عدة:

الحكومة العمانية سمحت للمرشحين بإجراء انتخابات دعائية عبر تعليق لافتات ونشر إعلانات في الصحف المحلية 

فمن ناحية استمرار سيطرة البعد القبلي على غيره من الأبعاد والاعتبارات الأخرى العلمية والمهنية في تحديد خيارات الناخبين، حيث أظهرت النتائج أن معظم الفائزين بمقاعد المجلس إما أنهم يتمتعون بروابط قبلية قوية أو أنهم من رجال الأعمال المعروفين في السلطنة. فالمعروف والثابت لدى الجميع، أنه رغم التطورات الجذرية التي شهدتها دول الخليج بشكل عام، ومن بينها سلطنة عُمان، والتي انتقلت بهذه الدول إلى مرحلة الحداثة خلال العقود الثلاثة الماضية، لم تستطع أن تتخلص من سيطرة الاعتبارات القبلية داخل مجتمعاتها، فلا تزال هذه الاعتبارات هي المتحكمة في مجمل العلاقات الاجتماعية والثقافية، وهي المحددة للتوجهات السياسية لمعظم مواطني دول الخليج، والالتزام القبلي يفرض على أبناء هذه القبيلة أو تلك أن تصوت لأبنائها من دون النظر إلى اعتبارات الكفاءة والمهنية، وهو ما ينعكس غالباً على أداء المجالس التشريعية والمحلية المنتخبة، الأمر الذي جعل بعض دول المنطقة تلجأ للأخذ بأسلوب الجمع بين الانتخاب والتعيين في تشكيل هذه المجالس.

ومن ناحية أخرى، أظهرت نتائج الانتخابات فشل المرأة العمانية في الوصول إلى مجلس الشورى الجديد، حيث لم تتمكن أي من الـ 21 امرأة اللاتي ترشحن في هذه الانتخابات من الفوز بأي مقعد رغم الحضور اللافت الذي سجلته المرأة العُمانية كناخبة في معظم الولايات، وهو ما يمثل انتكاسة لها مقارنة بالانتخابات السابقة التي جرت عام 2003، والتي نجحت فيها امرأتان في الفوز بعضوية المجلس، وهي نتيجة جاءت مخيبة لآمال الكثيرين الذين توقعوا أن تعزز المرأة العُمانية مكانتها السياسية في هذه الانتخابات. وهذا الفشل الذي منيت به المرأة العُمانية في انتخابات مجلس الشورى يرجع إلى النظرة الثقافية السائدة تجاه المرأة،  والتي تنطوي على التشكيك في قدرة المرأة على العمل السياسي بشكل عام. ولا يختلف غياب المرأة العُمانية عن مجلس الشورى عن الوضع العام في منطقة الخليج العربي، حيث تتعثر المرأة الخليجية في الوصول إلى المجالس النيابية المنتخبة بشكل مباشر من المواطنين، ولا تزال نسبة تمثيلها محدودة جداً في هذه المجالس، نتيجة لسيطرة بعض التقاليد القبلية والدينية التي تضع المرأة في نطاق ضيق ولا تقبل بتمثيلها للرجل في البرلمان. والجدير بالذكر، أنه يوجد تسع عضوات في مجلس الدولة العُماني، وثلاث وزيرات ووكيلات وزارات عضوات في الحكومة ورابعة بمرتبة وزيرة ووكيلات وزارات، وسفيرتان، وهو ما يعكس حرص السلطنة على تمكين المرأة سياسياً. كما أن تنامي دور المرأة في الحياة العامة في السلطنة، وتزايد عدد معدل مشاركتها في المواقع التنفيذية والجهاز الإداري للدولة، يعنيان ضرورة حدوث تنام مقابل على صعيد تفعيل دورها في الحياة السياسية، لاعتبارات كثيرة، وهو ما لم يحدث، بل فقدت المرأة من خلال هذه الانتخابات المقعدين الوحيدين لها. وقد دفع هذا الوضع كثيراً من المسؤولين إلى المطالبة بتطبيق نظام (الكوتا النسائية)، حيث إنه قد يكون الأخذ بنظام (الكوتا) هو الأنسب للخروج من أسر التقاليد القبلية التي تقلل من قيمة المرأة وتحول دون وصولها للمجالس التشريعية رغم الدعم القوي لها من جانب الحكومات، ولا يقلل من أهمية دورها السياسي؛ فقد شاركت بفاعلية وكثافة في عملية التصويت، وحققت النساء المرشحات نتائج جيدة وضعت بعضهن في الترتيب الثاني أو الثالث في بعض الولايات، كما تتمتع المرأة بمكانة سياسية مهمة في عُمان.

ومن ناحية ثالثة، لا يقلل أداء مجلس الشورى العُماني رغم التطور الذي شهده منذ تأسيسه في عام 1991، بتوجيهات عامة غير ملزمة للحكومة، من أهمية التجربة الديمقراطية العُمانية، فسلطنة عُمان كانت من أولى دول المنطقة التي أخذت بالاقتراع الحر المباشر، حيث إن صلاحياته سواء على الصعيد التشريعي أو الرقابي لا تزال محدودة، فهو مجلس استشاري تقتصر صلاحياته، وفقاً لنظامه الأساسي، على إبداء الرأي والمناقشة ورفع التوصيات، ولا يملك سلطة الرقابة الشعبية القادرة على التأثير في القرارات السياسية والاستراتيجية المتعلقة بشؤون الأمن والدفاع والسياسة الخارجية، وهو لا يقترح مشروعات القوانين وإنما يراجعها قبل اتخاذ إجراءات إصدارها ويصدر توصيات بشأنها.

هناك زيادة ملحوظة في عدد الناخبين المسجلين في السجل الانتخابي لهذه الفترة

ويقوم المجلس بالوظائف التالية وفقا لنظامه الأساسي:

* مراجعة مشروعات القوانين قبل اتخاذ إجراءات إصدارها وذلك فيما عدا القوانين التي تقتضي المصلحة العامة رفعها مباشرة إلى السلطان، ويقدم مجلس الشورى توصياته بشأن مشروعات القوانين المحالة إليه إلى مجلس الوزراء.

* تقديم ما يراه مناسباً في مجال تطوير القوانين الاقتصادية والاجتماعية النافذ في السلطنة، ويحيل المجلس مشروعات القوانين التي يتولى مراجعتها وما يراه مناسباً من تعديلات على القوانين الاقتصادية والاجتماعية النافذة مشفوعة بتوصياته إلى مجلس الوزراء.

* يشارك مجلس الشورى في إعداد مشروعات خطط التنمية الخمسية، سواء من خلال مشاركة رئيس المجلس في اللجنة العليا الرئيسية التي تضع الخطوط العامة لخطة التنمية، أو من خلال مناقشة مشروع الخطة في المجلس قبل إصدارها. ويشارك وزير الاقتصاد الوطني نائب رئيس مجلس الشؤون المالية وموارد الطاقة المشرف على وزارة المالية وكذلك الأمين العام لوزارة المالية في المناقشة التي يقوم بها مجلس الشورى لمشروع خطة التنمية الخمسية، وذلك قبل إصدار المرسوم الخاص.

* تعرض الحكومة مشروع الموازنة العامة للدولة على مجلس الشورى، ويقوم المجلس بدراسته ومناقشته في ضوء تقرير اللجنة الاقتصادية للمجلس، ويحضر جلسة المناقشة عادة وزير الاقتصاد الوطني للرد على استفسارات الأعضاء أو لإيضاح ما قد تطرحه الجلسة من جوانب.

* إبداء الرأي في الموضوعات التي يحيلها السلطان أو مجلس الوزراء إلى المجلس لدراستها، ورفع ما يراه المجلس من توصيات إلى السلطان أو إلى مجلس الوزراء حسب الجهة التي ورد منها الموضوع إلى المجلس، كما يرفع رئيس مجلس الشورى تقريراً سنوياً إلى السلطان بنتائج أعمال المجلس كل عام.

* تلقي تقارير سنوية من وزراء الخدمات عن إنجازات وخطط وزاراتهم. ويجوز للمجلس عند الضرورة دعوة أي منهم لتقديم بيان أمام المجلس حول خطط الوزارة وما تم إنجازه في مجال أو مجالات ذات صلة بها لمناقشتها وتبادل الرأي حولها.

* متابعة تنفيذ خطط التنمية الخمسية.

* مناقشة القضايا أو الموضوعات التي قد تحظى باهتمام واسع من قبل المواطنين في ظروف معينة، مثل موضوع ارتفاع أسعار بعض السلع، والأخطاء الطبية، ورسوم إعادة توصيل التيار الكهربائي، والصرف الصحي، وذلك على سبيل المثال، كما يتلقى المجلس طلبات ومقترحات المواطنين حول المسائل العامة ويحرص على بحثها والنظر فيها من خلال لجان ومكتب المجلس، وتتولى الأمانة العامة للمجلس إخطار المواطنين بما تم بشأنها.

* المشاركة في الجهود الرامية إلى المحافظة على البيئة وحمايتها من أضرار التلوث، ومناقشة الموضوعات ذات الصلة بذلك.

* تعزيز دور وعلاقات مجلس الشورى مع مجالس وبرلمانات الدول الأخرى ومع الاتحادات البرلمانية العربية والإسلامية والدولية.

وفي هذا السياق، فإنه يجب أن تكون الفترة المقبلة من عمر مجلس الشورى العُماني في تطور مستمر وأكثر فاعلية وشراكة مع الحكومة، وأن يسلط الضوء على القضايا المهمة التي تهم المواطن مثل قضايا عمل الشباب والأجور في القطاع الخاص والتعليم والبطالة.

وأخيراً، إن التجربة الفريدة التي قدمتها سلطنة عمان في الإصلاح السياسي والتى كان أبرزها إصدار النظام الأساسي للسلطنة عام 1996، الذي تضمن آليات محددة لانتقال السلطة، وإنشاء مجلس الشورى، حيث تمت زيادة عدد أعضائه من 59 عضواً في مطلع التسعينات إلى 84 عضواً حالياً. كما تم تطوير النظام الانتخابي بشكل متدرج من نظام يقوم على أساس قيام هيئة محدودة من الناخبين تضم الشيوخ والوجهاء في كل ولاية بترشيح ثلاثة أسماء يختار السلطان أحدهم، إلى نظام الاقتراع الحر المباشر، وهي خطوات متقدمة على طريق الإصلاح السياسي، ولكن هذه التجربة تبدو اليوم في حاجة إلى مزيد من الدفع والتطوير، لا سيما على صعيد تفعيل دور مجلس الشورى في العملية التشريعية والرقابية، وهذا لن يتحقق إذا لم يكن المجلس المنتخب يمتلك الصلاحيات التشريعية والرقابية التي تساعده على القيام بهذه المهام والأدوار التي يفترض أن يقوم بها. 

::/fulltext::

araa39_86-c32
Getting your Trinity Audio player ready...

::cck::2405::/cck::
::introtext::

جاءت نتائج انتخابات مجلس الشورى في سلطنة عُمان للفترة التشريعية السادسة (2007 – 2011)، لتعكس أكثر من دلالة مهمة بالنسبة للمسيرة الديمقراطية في السلطنة. فمن ناحية، فقد جرت العملية الانتخابية في ظل أجواء تنافس حقيقي، الأمر الذي يعكس نضوج تجربة الشورى العمانية، التي انطلقت عام 1981، مع تأسيس المجلس الاستشاري. 

::/introtext::
::fulltext::

جاءت نتائج انتخابات مجلس الشورى في سلطنة عُمان للفترة التشريعية السادسة (2007 – 2011)، لتعكس أكثر من دلالة مهمة بالنسبة للمسيرة الديمقراطية في السلطنة. فمن ناحية، فقد جرت العملية الانتخابية في ظل أجواء تنافس حقيقي، الأمر الذي يعكس نضوج تجربة الشورى العمانية، التي انطلقت عام 1981، مع تأسيس المجلس الاستشاري.

توافرت هذه الأجواء على خلفية الضوابط الجديدة التي نظمت بها الانتخابات، حيث سمحت الحكومة للمرشحين بإجراء انتخابات دعائية عبر تعليق لافتات ونشر إعلانات في الصحف المحلية، ووضع ضوابط على الإنفاق المالي، وكان ذلك على خلفية التعديل الذي أدخل مؤخراً على نص المادة (44) من اللائحة التنفيذية لانتخابات المجلس، والذي وضع قواعد محددة لطرق الدعاية، وفي هذا الصدد فقد نص التعديل على أن ينحصر الإعلان في الصحف المحلية. ومن ناحية أخرى، سيمارس المجلس الجديد صلاحيات أكبر، عبر التعديلات المهمة التي أدخلت على نظامه الأساسي، ووسعت من اختصاصاته التي كان من أبرزها توسيع دور المجلس في ما يتعلق بنظر مشروعات القوانين وخطط التنمية الخمسية والموازنات العامة للدولة، وزيادة مدة عضوية المجلس لتكون أربع سنوات بدلاً من ثلاث في فترات ماضية، وجواز تجديد هذه العضوية لمدة أخرى من دون قيود تنظيمية، والعمل بأدوار الانعقاد السنوية المفتوحة المنتظمة.

كما شهد المجلس ارتفاعاً ملحوظاً في عدد المرشحين، حيث بلغ عدد المرشحين نحو 880 مرشحاً، يتنافسون على 84 مقعداً، ويفوق هذا العدد نظيره في الدورة السابقة من الانتخابات، والذين كان عددهم نحو 600 مرشح. كما أن هناك أيضاً زيادة ملحوظة في عدد الناخبين المسجلين في السجل الانتخابي لهذه الفترة، حيث بلغ عددهم نحو 388.683 ناخباً وناخبة بزيادة قدرها 50 في المائة على عدد الناخبين في انتخابات الفترة الخامسة. وقد جرت هذه الانتخابات في 102 مركز انتخابي موزعة على 61 ولاية، حيث يتفاوت عدد المراكز في كل ولاية حسب الكثافة السكانية والانتخابية، كما تم اعتماد 11 مركزاً انتخابياً في 10 دول هي، دول مجلس التعاون، بحيث يكون في دولة الإمارات مركزان، واليمن ومصر والأردن وتونس وماليزيا. كما شهدت الانتخابات إقبالاً جماهيرياً ملحوظاً؛ حيث وصلت نسبة المشاركة إلى 62.7 في المائة، ورغم أنها أقل من نسبة المشاركة في الانتخابات السابقة التي بلغت نحو 80 في المائة، فإنها تظل مرتفعة وتعكس قدراً مهماً من الوعي الجماهيري بأهمية المشاركة السياسية.

وفي هذا السياق، فقد أسفرت نتائج هذه الانتخابات عن دلالات مهمة عدة:

الحكومة العمانية سمحت للمرشحين بإجراء انتخابات دعائية عبر تعليق لافتات ونشر إعلانات في الصحف المحلية 

فمن ناحية استمرار سيطرة البعد القبلي على غيره من الأبعاد والاعتبارات الأخرى العلمية والمهنية في تحديد خيارات الناخبين، حيث أظهرت النتائج أن معظم الفائزين بمقاعد المجلس إما أنهم يتمتعون بروابط قبلية قوية أو أنهم من رجال الأعمال المعروفين في السلطنة. فالمعروف والثابت لدى الجميع، أنه رغم التطورات الجذرية التي شهدتها دول الخليج بشكل عام، ومن بينها سلطنة عُمان، والتي انتقلت بهذه الدول إلى مرحلة الحداثة خلال العقود الثلاثة الماضية، لم تستطع أن تتخلص من سيطرة الاعتبارات القبلية داخل مجتمعاتها، فلا تزال هذه الاعتبارات هي المتحكمة في مجمل العلاقات الاجتماعية والثقافية، وهي المحددة للتوجهات السياسية لمعظم مواطني دول الخليج، والالتزام القبلي يفرض على أبناء هذه القبيلة أو تلك أن تصوت لأبنائها من دون النظر إلى اعتبارات الكفاءة والمهنية، وهو ما ينعكس غالباً على أداء المجالس التشريعية والمحلية المنتخبة، الأمر الذي جعل بعض دول المنطقة تلجأ للأخذ بأسلوب الجمع بين الانتخاب والتعيين في تشكيل هذه المجالس.

ومن ناحية أخرى، أظهرت نتائج الانتخابات فشل المرأة العمانية في الوصول إلى مجلس الشورى الجديد، حيث لم تتمكن أي من الـ 21 امرأة اللاتي ترشحن في هذه الانتخابات من الفوز بأي مقعد رغم الحضور اللافت الذي سجلته المرأة العُمانية كناخبة في معظم الولايات، وهو ما يمثل انتكاسة لها مقارنة بالانتخابات السابقة التي جرت عام 2003، والتي نجحت فيها امرأتان في الفوز بعضوية المجلس، وهي نتيجة جاءت مخيبة لآمال الكثيرين الذين توقعوا أن تعزز المرأة العُمانية مكانتها السياسية في هذه الانتخابات. وهذا الفشل الذي منيت به المرأة العُمانية في انتخابات مجلس الشورى يرجع إلى النظرة الثقافية السائدة تجاه المرأة،  والتي تنطوي على التشكيك في قدرة المرأة على العمل السياسي بشكل عام. ولا يختلف غياب المرأة العُمانية عن مجلس الشورى عن الوضع العام في منطقة الخليج العربي، حيث تتعثر المرأة الخليجية في الوصول إلى المجالس النيابية المنتخبة بشكل مباشر من المواطنين، ولا تزال نسبة تمثيلها محدودة جداً في هذه المجالس، نتيجة لسيطرة بعض التقاليد القبلية والدينية التي تضع المرأة في نطاق ضيق ولا تقبل بتمثيلها للرجل في البرلمان. والجدير بالذكر، أنه يوجد تسع عضوات في مجلس الدولة العُماني، وثلاث وزيرات ووكيلات وزارات عضوات في الحكومة ورابعة بمرتبة وزيرة ووكيلات وزارات، وسفيرتان، وهو ما يعكس حرص السلطنة على تمكين المرأة سياسياً. كما أن تنامي دور المرأة في الحياة العامة في السلطنة، وتزايد عدد معدل مشاركتها في المواقع التنفيذية والجهاز الإداري للدولة، يعنيان ضرورة حدوث تنام مقابل على صعيد تفعيل دورها في الحياة السياسية، لاعتبارات كثيرة، وهو ما لم يحدث، بل فقدت المرأة من خلال هذه الانتخابات المقعدين الوحيدين لها. وقد دفع هذا الوضع كثيراً من المسؤولين إلى المطالبة بتطبيق نظام (الكوتا النسائية)، حيث إنه قد يكون الأخذ بنظام (الكوتا) هو الأنسب للخروج من أسر التقاليد القبلية التي تقلل من قيمة المرأة وتحول دون وصولها للمجالس التشريعية رغم الدعم القوي لها من جانب الحكومات، ولا يقلل من أهمية دورها السياسي؛ فقد شاركت بفاعلية وكثافة في عملية التصويت، وحققت النساء المرشحات نتائج جيدة وضعت بعضهن في الترتيب الثاني أو الثالث في بعض الولايات، كما تتمتع المرأة بمكانة سياسية مهمة في عُمان.

ومن ناحية ثالثة، لا يقلل أداء مجلس الشورى العُماني رغم التطور الذي شهده منذ تأسيسه في عام 1991، بتوجيهات عامة غير ملزمة للحكومة، من أهمية التجربة الديمقراطية العُمانية، فسلطنة عُمان كانت من أولى دول المنطقة التي أخذت بالاقتراع الحر المباشر، حيث إن صلاحياته سواء على الصعيد التشريعي أو الرقابي لا تزال محدودة، فهو مجلس استشاري تقتصر صلاحياته، وفقاً لنظامه الأساسي، على إبداء الرأي والمناقشة ورفع التوصيات، ولا يملك سلطة الرقابة الشعبية القادرة على التأثير في القرارات السياسية والاستراتيجية المتعلقة بشؤون الأمن والدفاع والسياسة الخارجية، وهو لا يقترح مشروعات القوانين وإنما يراجعها قبل اتخاذ إجراءات إصدارها ويصدر توصيات بشأنها.

هناك زيادة ملحوظة في عدد الناخبين المسجلين في السجل الانتخابي لهذه الفترة

ويقوم المجلس بالوظائف التالية وفقا لنظامه الأساسي:

* مراجعة مشروعات القوانين قبل اتخاذ إجراءات إصدارها وذلك فيما عدا القوانين التي تقتضي المصلحة العامة رفعها مباشرة إلى السلطان، ويقدم مجلس الشورى توصياته بشأن مشروعات القوانين المحالة إليه إلى مجلس الوزراء.

* تقديم ما يراه مناسباً في مجال تطوير القوانين الاقتصادية والاجتماعية النافذ في السلطنة، ويحيل المجلس مشروعات القوانين التي يتولى مراجعتها وما يراه مناسباً من تعديلات على القوانين الاقتصادية والاجتماعية النافذة مشفوعة بتوصياته إلى مجلس الوزراء.

* يشارك مجلس الشورى في إعداد مشروعات خطط التنمية الخمسية، سواء من خلال مشاركة رئيس المجلس في اللجنة العليا الرئيسية التي تضع الخطوط العامة لخطة التنمية، أو من خلال مناقشة مشروع الخطة في المجلس قبل إصدارها. ويشارك وزير الاقتصاد الوطني نائب رئيس مجلس الشؤون المالية وموارد الطاقة المشرف على وزارة المالية وكذلك الأمين العام لوزارة المالية في المناقشة التي يقوم بها مجلس الشورى لمشروع خطة التنمية الخمسية، وذلك قبل إصدار المرسوم الخاص.

* تعرض الحكومة مشروع الموازنة العامة للدولة على مجلس الشورى، ويقوم المجلس بدراسته ومناقشته في ضوء تقرير اللجنة الاقتصادية للمجلس، ويحضر جلسة المناقشة عادة وزير الاقتصاد الوطني للرد على استفسارات الأعضاء أو لإيضاح ما قد تطرحه الجلسة من جوانب.

* إبداء الرأي في الموضوعات التي يحيلها السلطان أو مجلس الوزراء إلى المجلس لدراستها، ورفع ما يراه المجلس من توصيات إلى السلطان أو إلى مجلس الوزراء حسب الجهة التي ورد منها الموضوع إلى المجلس، كما يرفع رئيس مجلس الشورى تقريراً سنوياً إلى السلطان بنتائج أعمال المجلس كل عام.

* تلقي تقارير سنوية من وزراء الخدمات عن إنجازات وخطط وزاراتهم. ويجوز للمجلس عند الضرورة دعوة أي منهم لتقديم بيان أمام المجلس حول خطط الوزارة وما تم إنجازه في مجال أو مجالات ذات صلة بها لمناقشتها وتبادل الرأي حولها.

* متابعة تنفيذ خطط التنمية الخمسية.

* مناقشة القضايا أو الموضوعات التي قد تحظى باهتمام واسع من قبل المواطنين في ظروف معينة، مثل موضوع ارتفاع أسعار بعض السلع، والأخطاء الطبية، ورسوم إعادة توصيل التيار الكهربائي، والصرف الصحي، وذلك على سبيل المثال، كما يتلقى المجلس طلبات ومقترحات المواطنين حول المسائل العامة ويحرص على بحثها والنظر فيها من خلال لجان ومكتب المجلس، وتتولى الأمانة العامة للمجلس إخطار المواطنين بما تم بشأنها.

* المشاركة في الجهود الرامية إلى المحافظة على البيئة وحمايتها من أضرار التلوث، ومناقشة الموضوعات ذات الصلة بذلك.

* تعزيز دور وعلاقات مجلس الشورى مع مجالس وبرلمانات الدول الأخرى ومع الاتحادات البرلمانية العربية والإسلامية والدولية.

وفي هذا السياق، فإنه يجب أن تكون الفترة المقبلة من عمر مجلس الشورى العُماني في تطور مستمر وأكثر فاعلية وشراكة مع الحكومة، وأن يسلط الضوء على القضايا المهمة التي تهم المواطن مثل قضايا عمل الشباب والأجور في القطاع الخاص والتعليم والبطالة.

وأخيراً، إن التجربة الفريدة التي قدمتها سلطنة عمان في الإصلاح السياسي والتى كان أبرزها إصدار النظام الأساسي للسلطنة عام 1996، الذي تضمن آليات محددة لانتقال السلطة، وإنشاء مجلس الشورى، حيث تمت زيادة عدد أعضائه من 59 عضواً في مطلع التسعينات إلى 84 عضواً حالياً. كما تم تطوير النظام الانتخابي بشكل متدرج من نظام يقوم على أساس قيام هيئة محدودة من الناخبين تضم الشيوخ والوجهاء في كل ولاية بترشيح ثلاثة أسماء يختار السلطان أحدهم، إلى نظام الاقتراع الحر المباشر، وهي خطوات متقدمة على طريق الإصلاح السياسي، ولكن هذه التجربة تبدو اليوم في حاجة إلى مزيد من الدفع والتطوير، لا سيما على صعيد تفعيل دور مجلس الشورى في العملية التشريعية والرقابية، وهذا لن يتحقق إذا لم يكن المجلس المنتخب يمتلك الصلاحيات التشريعية والرقابية التي تساعده على القيام بهذه المهام والأدوار التي يفترض أن يقوم بها. 

::/fulltext::
::cck::2405::/cck::

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *