دور دول مجلس التعاون الخليجي في منظمة التجارة العالمية

::cck::2268::/cck::
::introtext::

سارعت حكومات دول مجلس التعاون إلى الدخول في منظمة التجارة العالمية خوفاً من تصبح على هامش النظام التجاري العالمي الجديد الآخذ بالتشكل بعد انتهاء الحرب الباردة، وأملاً في أن تتمكن من لعب دور فاعل ومؤثر يحمي مصالحها الوطنية من خلال إطار المنظمة الدولية. ولكن، ومع مرور اثني عشر عاماً على إنشاء المنظمة، ترى هل تمكنت دول المجلس من تحقيق هذا الأمل؟

::/introtext::
::fulltext::

سارعت حكومات دول مجلس التعاون إلى الدخول في منظمة التجارة العالمية خوفاً من تصبح على هامش النظام التجاري العالمي الجديد الآخذ بالتشكل بعد انتهاء الحرب الباردة، وأملاً في أن تتمكن من لعب دور فاعل ومؤثر يحمي مصالحها الوطنية من خلال إطار المنظمة الدولية. ولكن، ومع مرور اثني عشر عاماً على إنشاء المنظمة، ترى هل تمكنت دول المجلس من تحقيق هذا الأمل؟

قامت منظمة التجارة العالمية في الأول من يناير 1995 على أنقاض ما كان يسمى الاتفاقية العامة للتعريفات الجمركية والتجارة لعام 1947. وقد وقعت الأطراف المتعاقدة في 15 إبريل من عام 1994 على ما يقارب 13 اتفاقية متعددة الأطراف شملت الصيغة النهائية لاتفاقية (GATT) لعام 1994 مع الاتفاقية الخاصة بتجارة الخدمات(GATS) والاتفاقيـة الخاصة بالجوانب التجاريـة المتعلقة بالاستثمار( (TRIMsوالاتفاقية الخاصة بالجوانب المتعلقة بالملكية الفكرية (TRIPs (واتفاقية إنشاء منظمة التجارة العالمية وآلية عملها كمؤسسة ومنتدى دولي يحكم منازعات التجارة الدولية، بالإضافة إلى عدة اتفاقيات جماعية ملزمة للأطراف الموقعة عليها فقط مثل الاتفاقية الخاصة بالطيران المدني وتلك الخاصة بالمنتجات الحيوانية. وقد نصت الاتفاقيات المتعددة الأطراف على ضرورة مواصلة جهود تحرير التجارة الدولية من القيود وذلك من خلال جولات التفاوض التي ستنطلق في المستقبل.

ومع ختام جولة الأورغواي بالتوقيع في مراكش على إنشاء منظمة التجارة العالمية في إبريل عام 1994، سارعت دول المجلس إلى الإنضمام إلى المنظمة بشكل فردي ومن دون تنسيق يذكر، وربما يكون هذا بسبب اتباعها آليات دخول مختلفة. فقد استفادت كل من دولة الكويت من عضويتها المباشرة كطرف متعاقد في (الغات) منذ عام 1963 ودولة الإمارات العربية المتحدة ودولة قطر ومملكة البحرين من عضويتها غير المباشرة في الغات (حيث كانت المملكة المتحدة – العضو في الغات – تمثل مصالح الدول الثلاث الخارجية في عام 1947) لكي تحصل الدول الأربع على عضوية المنظمة بشكل تلقائي ومن دون مفاوضات مع الأعضاء الآخرين في المنظمة. وعليه، فقد كانت جداول الالتزامات الوطنية لتلك الدول متشابهة إلى حد كبير بحيث لم تقدم أية دولة تنازلات أو إعفاءات حقيقية للأعضاء في المنظمة، بالإضافة إلى ذلك، فقد استفادت دول المجلس من تصنيفها على أنها بلدان نامية مما جعلها مؤهلة لفترة سماح تمتد إلى سبع سنوات من تاريخ الدخول مع مساعدات فنية في مجالات الاتفاقيات المبرمة.

وبالمقابل تقدمت كل من سلطنة عمان والمملكة العربية السعودية – شأنهما شأن كل الدول التي لم تكن طرفاً في الغات عام 1947 – بطلبات العضوية عن طريق التفاوض المباشر، حيث انضمت سلطنة عمان إلى المنظمة في عام 2000 بعد مفاوضات مع الأعضاء استمرت ما يقارب خمس سنوات، وانضمت المملكة العربية السعودية في عام 2005 بعد مفاوضات شاقة وعسيرة استمرت عشر سنوات. وكانت التزامات الدولتين متقاربة إلى حد ما، لكنهما مختلفتان عن دول المجلس الأخرى وخاصة في مجال خفض الدعم وتخفيض التعرفة الجمركية عن الصناعات الوطنية وخاصة البتروكيماوية، وكذلك في مجال الاستثمار وتحرير قطاع الخدمات، حيث اضطرت الدولتان إلى تقديم تعهدات فورية ومستقبلية لزيادة نسبة تملك الأجانب في قطاع الخدمات المالية والمهنية وقطاع الاتصالات وقطاع تجارة الجملة والتجزئة وغيرها.

ومع مناقشة الأعضاء في المؤتمر الوزاري الأول في سنغافورة وسائل تطوير عمل المنظمة وتوسيع نطاقها لتشمل كل قطاعات جديدة أو مكملة مثل علاقة التجارة بالاستثمار، وعلاقة التجارة بالمنافسة، والشفافية في المشتريات الحكومية وكذلك القضايا المرتبطة بتسهيل إجراءات التجارة، نشطت حركة مؤسسات المجتمع المدني في الدول الصناعية وازدادت قوة واتساعاَ، وخاصة بعد تسرب نصوص الاتفاقية المتعددة الأطراف للاستثمار والتي أعدها الاتحاد الأوروبي، حيث بلغت ذروتها عند انعقاد المؤتمر الوزاري الثالث الذي عقد في سياتل عام 1998، حيث استطاعت الاحتجاجات العنيفة وأعمال الشغب التي واكبت أعمال المؤتمر التأثير في أعمال المؤتمر، وبالتالي إفشال إطلاق جولة جديدة للمفاوضات التجارية المتعددة الأطراف. وفي ظل هذه المعارضة الشعبية العنيفة والمتزايدة في العواصم الأوروبية والأمريكية وحتى الآسيوية وتداعيات أحداث 11 سبتمبر 2001 على الاقتصاد والأمن العالميين آنذاك، أتى انعقاد المؤتمر الوزاري الرابع للمنظمة في نوفمبر 2001 في الدوحة ليمنح دول المجلس فرصة تاريخية للمشاركة الفعالة في هذا المنتدى العالمي بما يعكس حرصها على تماسك النظام التجاري العالمي في تلك الأوقات العصيبة ويحمي مصالحها الوطنية من خلال تنسيق المواقف فيما بينها في عدد من القضايا الحيوية، أهمها:

1-     دعم عضوية المملكة العربية السعودية وتسريع مفاوضات انضمامها (خاصة بعد شكوى السفير السعودي في مؤتمر سياتل من تمادي بعض البلدان الأعضاء في طلباتها ومماطلتها أثناء التفاوض)، وكذلك دعم عضوية بقية الدول العربية والإسلامية التي لم تنضم بعد.  

2-     التنسيق والتعاون مع الدول النامية الكبيرة الرافضة لتوسيع نطاق اتفاقية الخدمات ( GATS) لتشمل خدمات أخرى مثل الخدمات الخاصة بصناعة النفط. 

3-     التنسيق والتعاون مع الدول النامية الفاعلة لعدم إدراج معايير العمل ضمن مفاوضات الدوحة وإبقائها في إطار منظمة العمل الدولية.

4-     معارضة تغيير تصنيف دول مجلس التعاون من دول نامية إلى دول متقدمة مما قد يحرمها من الإعفاءات والتسهيلات المقدمة إلى الدول النامية. 

5-     التنسيق والتعاون مع الدول النامية للتأكيد على عدم استخدام معايير البيئة كوسيلة للمزيد من الإجراءات الحمائية التي تؤثر سلباً في صادرات الدول الخليجية.

وبالفعل، وبسبب الأجواء الهادئة جداً التي نعم فيها المشاركون واستغلال تداعيات أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001 في إثارة قلق المشاركين على استقرار النظام الاقتصادي العالمي، تمكن المؤتمر من إطلاق جولة الدوحة للمفاوضات لتحرير تجارة المنتجات الزراعية والمنسوجات والألبسة ومراجعة وتوسيع نطاق اتفاقية الخدمات، بالإضافة إلى القضايا التي طُرحت مؤخراً في سنغافورة وغيرها. أما جهود دول المجلس، فإنه وفيما عدا نجاحها في توفير الأمن والهدوء للمشاركين في المؤتمر، فإنها لم تفلح في معظم القضايا المشار إليها. (على سبيل المثال، انتظرت المملكة العربية السعودية أربعة أعوام أخرى حتى أصبحت عضواً في المنظمة).

حتى الآن لم يتمكن أعضاء المنظمة الـ (151) من تبديد خلافاتهم والالتقاء على نقاط الاتفاق 

وما أن انفض المؤتمر الوزاري، وبدأت المفاوضات على مساراتها المختلفة، حتى ظهرت الخلافات تغذيها المصالح الوطنية أو السياسية في الدول الأعضاء تارة والمصالح التجارية للشركات العالمية والمؤسسات الدولية تارة أخرى، مما ساهم فيما بعد في ظهور العديد من التكتلات التجارية بما تحمل من رؤى متعددة لقضايا ومسارات المفاوضات. ولتفادي ذلك لجأت بعض المسارات إلى التفاوض الأحادي السري (وخاصة في اتفاقية تحرير الخدمات والتنازلات المرتبطة بها)، حيث جرى التفاوض مع كل دولة على حدة حتى لا يسمح للدول الصغيرة (وخاصة النامية منها) بالاستفادة من خبرات الدول الأخرى والتنسيق فيما بينها. واستمرت الخلافات بين الدول النامية والدول الصناعية في عدد من القضايا الجوهرية أهمها رفع الدعم عن المنتجات الزراعية  وفتح أسواق الدول النامية والأقل نمواً أمام المنتجات غير الزراعية للدول الصناعية وأخيراً معارضة معظم الدول النامية للاتفاقية المتعددة للاستثمار، ولم تفلح مبادرة الدول المتقدمة في اللحظة الأخيرة  بما عرف فيما بعد بمبادرة ( anything but Arms) في تفادي انهيار المؤتمر الوزاري الخامس الذي عقد في كانكون في سبتمبر 2003. وبعد فترة من التشاؤم امتدت أشهر عدة ، عاد الأعضاء إلى مائدة المفاوضات واستطاعوا الاتفاق على ما سمي ( July Package) في 31 يوليو 2004 والذي تم بموجبه الاتفاق على ضرورة العمل على الوصول إلى اتفاق في كل قضايا جولة الدوحة وإسقاط المفاوضات المثيرة للجدل المتعلقة باتفاقية الاستثمار المتعددة الأطراف. وفي المؤتمر الوزاري الذي عقد في هونغ كونغ ديسمبر 2005 عاد الأعضاء للتأكيد على ضرورة الالتزام بأجندة الدوحة والمضي قدماً لتحقيقها وجسر الهوة بينهم كما تم تحديد جداول زمنية جديدة للانتهاء من القضايا الخلافية وخاصة المتعلقة برفع الدعم عن المنتجات الزراعية في الدول المتقدمة بحلول يوليو 2006. ولكن، وحتى تاريخه لم يتمكن أعضاء المنظمة الـ 151 من تبديد خلافاتهم والالتقاء على نقاط الاتفاق وترك نقاط الاختلاف إلى وقت لاحق من دون خلط وربط الاثنين معاً مما يجعل الاتفاق أمراً عسيراً بل يكاد يكون مستحيلاً. وهذا هو الذي دفع الكتل الاقتصادية الرئيسية كالاتحاد الأوروبي أو الدول الصناعية كالولايات المتحدة الأمريكية واليابان والصين للتفاوض على اتفاقيات تجارة حرة ثنائية مباشرة مع شركائها من الكتل والدول الأخرى من دون انتظار مسار المفاوضات المتعددة الأطراف. 

وفي ضوء هذا الدور المتنامي للتكتلات التجارية الإقليمية والدولية سواء على صعيد المفاوضات المتعددة الأطراف أو الترتيبات الثنائية، بدت خطوات تعزيز التكامل الاقتصادي والتجاري بين دول المجلس، والتي تؤهلها للعب دور فاعل ومؤثر على مسرح التجارة العالمي، بطيئة ودون الطموحات. ففي حين شكلت الاتفاقية الاقتصادية الموحدة الموقعة في عام 1981 خطة عمل اقتصادية متكاملة ونواة لتحقيق المواطنة الاقتصادية وفق خطوات متدرجة بدءاً بإقامة الاتحاد الجمركي واستكمال السوق الخليجية المشتركة وانتهاء بالاتحاد النقدي والاقتصادي، إلا أن الخطوة الأولى لإنشاء الاتحاد الجمركي جاءت في الأول من يناير 2003، الذي اعتمد على نظام نقطة الدخول الواحدة والتعرفة الجمركية الموحدة تجاه العالم الخارجي، بالإضافة إلى معاملة السلع المنتجة في أي من دول المجلس معاملة المنتجات الوطنية، ويسمح لها بالتنقل بكامل حريتها بين الدول الأعضاء. ولكن التطبيق تعثر مجدداً واستمرت الجهود حتى أكتوبر 2006، حيث تم إعلام منظمة التجارة العالمية بالتطبيق الكامل لنصوص الاتحاد الجمركي. أما الخطوة الثانية، فقد تم الاتفاق على بنود السوق الخليجية المشتركة في عام 2002، والتي من شأنها تكريس مفهوم المواطنة دون تفريق أو تمييز في كل القطاعات الاقتصادية، على أن يتم استكمال متطلباتها قبل نهاية العام 2007. وحيث إننا، وحتى الآن، لم نشهد تنفيذ القرارات ذات العلاقة فالأرجح أننا سوف نشهد تأجيلها إلى أجل آخر. وأخيراً، الخطوة الثالثة وهي التكامل النقدي وإصدار عملة خليجية موحدة في عام 2010، والتي تهدف إلى توحيد العملة وإحراز مستوى عالٍ من التقارب والتنسيق في السياسات الاقتصادية والمالية والتشريعات المصرفية.

وأدى تدهور قيمة الدولار الأمريكي مؤخراً إلى تزايد الضغوط التضخمية على ميزانيات دول المجلس ومن ثم تراجع بعض دول المجلس، أو التفكير في التراجع، عن القرار المشترك بإبقاء ربط العملات الخليجية بالدولار الأمريكي إلى حين إصدار العملة النقدية الموحدة. وعليه، فقد بدأنا نسمع، منذ الآن، عن إمكانية تأخر إصدار العملة الخليجية.     

وفي الختام، يمكننا القول إنه على الرغم من الازدياد الكبير في حجم الاستثمارات الأجنبية والتبادل التجاري من وإلى دول المجلس، إلا أن عوامل كثيرة حدت من إمكانية تأسيس دور فاعل ومؤثر لدول المجلس في أروقة المنظمة الدولية، منها الدخول الفردي لدول المجلس وتأخر عضوية المملكة العربية السعودية في المنظمة حتى عام 2005، وكذلك الظروف الاستثنائية المحيطة بجولة الدوحة والتعثر المستمر لمسارات التفاوض، وأخيراً ضعف التنسيق بين دول المجلس أثناء المفاوضات وعدم ديناميكية الخطوات والقرارات في تحقيق التكامل الاقتصادي بينها كهدف استراتيجي وضرورة اقتصادية تفرضها المستجدات الراهنة والعولمة الاقتصادية وما نتج عنها من بروز كيانات ومصالح اقتصادية دولية كبرى لا تلتفت إلى الكيانات الفردية أو الصغيرة. 

::/fulltext::

araa39_39-bd1
Getting your Trinity Audio player ready...

::cck::2268::/cck::
::introtext::

سارعت حكومات دول مجلس التعاون إلى الدخول في منظمة التجارة العالمية خوفاً من تصبح على هامش النظام التجاري العالمي الجديد الآخذ بالتشكل بعد انتهاء الحرب الباردة، وأملاً في أن تتمكن من لعب دور فاعل ومؤثر يحمي مصالحها الوطنية من خلال إطار المنظمة الدولية. ولكن، ومع مرور اثني عشر عاماً على إنشاء المنظمة، ترى هل تمكنت دول المجلس من تحقيق هذا الأمل؟

::/introtext::
::fulltext::

سارعت حكومات دول مجلس التعاون إلى الدخول في منظمة التجارة العالمية خوفاً من تصبح على هامش النظام التجاري العالمي الجديد الآخذ بالتشكل بعد انتهاء الحرب الباردة، وأملاً في أن تتمكن من لعب دور فاعل ومؤثر يحمي مصالحها الوطنية من خلال إطار المنظمة الدولية. ولكن، ومع مرور اثني عشر عاماً على إنشاء المنظمة، ترى هل تمكنت دول المجلس من تحقيق هذا الأمل؟

قامت منظمة التجارة العالمية في الأول من يناير 1995 على أنقاض ما كان يسمى الاتفاقية العامة للتعريفات الجمركية والتجارة لعام 1947. وقد وقعت الأطراف المتعاقدة في 15 إبريل من عام 1994 على ما يقارب 13 اتفاقية متعددة الأطراف شملت الصيغة النهائية لاتفاقية (GATT) لعام 1994 مع الاتفاقية الخاصة بتجارة الخدمات(GATS) والاتفاقيـة الخاصة بالجوانب التجاريـة المتعلقة بالاستثمار( (TRIMsوالاتفاقية الخاصة بالجوانب المتعلقة بالملكية الفكرية (TRIPs (واتفاقية إنشاء منظمة التجارة العالمية وآلية عملها كمؤسسة ومنتدى دولي يحكم منازعات التجارة الدولية، بالإضافة إلى عدة اتفاقيات جماعية ملزمة للأطراف الموقعة عليها فقط مثل الاتفاقية الخاصة بالطيران المدني وتلك الخاصة بالمنتجات الحيوانية. وقد نصت الاتفاقيات المتعددة الأطراف على ضرورة مواصلة جهود تحرير التجارة الدولية من القيود وذلك من خلال جولات التفاوض التي ستنطلق في المستقبل.

ومع ختام جولة الأورغواي بالتوقيع في مراكش على إنشاء منظمة التجارة العالمية في إبريل عام 1994، سارعت دول المجلس إلى الإنضمام إلى المنظمة بشكل فردي ومن دون تنسيق يذكر، وربما يكون هذا بسبب اتباعها آليات دخول مختلفة. فقد استفادت كل من دولة الكويت من عضويتها المباشرة كطرف متعاقد في (الغات) منذ عام 1963 ودولة الإمارات العربية المتحدة ودولة قطر ومملكة البحرين من عضويتها غير المباشرة في الغات (حيث كانت المملكة المتحدة – العضو في الغات – تمثل مصالح الدول الثلاث الخارجية في عام 1947) لكي تحصل الدول الأربع على عضوية المنظمة بشكل تلقائي ومن دون مفاوضات مع الأعضاء الآخرين في المنظمة. وعليه، فقد كانت جداول الالتزامات الوطنية لتلك الدول متشابهة إلى حد كبير بحيث لم تقدم أية دولة تنازلات أو إعفاءات حقيقية للأعضاء في المنظمة، بالإضافة إلى ذلك، فقد استفادت دول المجلس من تصنيفها على أنها بلدان نامية مما جعلها مؤهلة لفترة سماح تمتد إلى سبع سنوات من تاريخ الدخول مع مساعدات فنية في مجالات الاتفاقيات المبرمة.

وبالمقابل تقدمت كل من سلطنة عمان والمملكة العربية السعودية – شأنهما شأن كل الدول التي لم تكن طرفاً في الغات عام 1947 – بطلبات العضوية عن طريق التفاوض المباشر، حيث انضمت سلطنة عمان إلى المنظمة في عام 2000 بعد مفاوضات مع الأعضاء استمرت ما يقارب خمس سنوات، وانضمت المملكة العربية السعودية في عام 2005 بعد مفاوضات شاقة وعسيرة استمرت عشر سنوات. وكانت التزامات الدولتين متقاربة إلى حد ما، لكنهما مختلفتان عن دول المجلس الأخرى وخاصة في مجال خفض الدعم وتخفيض التعرفة الجمركية عن الصناعات الوطنية وخاصة البتروكيماوية، وكذلك في مجال الاستثمار وتحرير قطاع الخدمات، حيث اضطرت الدولتان إلى تقديم تعهدات فورية ومستقبلية لزيادة نسبة تملك الأجانب في قطاع الخدمات المالية والمهنية وقطاع الاتصالات وقطاع تجارة الجملة والتجزئة وغيرها.

ومع مناقشة الأعضاء في المؤتمر الوزاري الأول في سنغافورة وسائل تطوير عمل المنظمة وتوسيع نطاقها لتشمل كل قطاعات جديدة أو مكملة مثل علاقة التجارة بالاستثمار، وعلاقة التجارة بالمنافسة، والشفافية في المشتريات الحكومية وكذلك القضايا المرتبطة بتسهيل إجراءات التجارة، نشطت حركة مؤسسات المجتمع المدني في الدول الصناعية وازدادت قوة واتساعاَ، وخاصة بعد تسرب نصوص الاتفاقية المتعددة الأطراف للاستثمار والتي أعدها الاتحاد الأوروبي، حيث بلغت ذروتها عند انعقاد المؤتمر الوزاري الثالث الذي عقد في سياتل عام 1998، حيث استطاعت الاحتجاجات العنيفة وأعمال الشغب التي واكبت أعمال المؤتمر التأثير في أعمال المؤتمر، وبالتالي إفشال إطلاق جولة جديدة للمفاوضات التجارية المتعددة الأطراف. وفي ظل هذه المعارضة الشعبية العنيفة والمتزايدة في العواصم الأوروبية والأمريكية وحتى الآسيوية وتداعيات أحداث 11 سبتمبر 2001 على الاقتصاد والأمن العالميين آنذاك، أتى انعقاد المؤتمر الوزاري الرابع للمنظمة في نوفمبر 2001 في الدوحة ليمنح دول المجلس فرصة تاريخية للمشاركة الفعالة في هذا المنتدى العالمي بما يعكس حرصها على تماسك النظام التجاري العالمي في تلك الأوقات العصيبة ويحمي مصالحها الوطنية من خلال تنسيق المواقف فيما بينها في عدد من القضايا الحيوية، أهمها:

1-     دعم عضوية المملكة العربية السعودية وتسريع مفاوضات انضمامها (خاصة بعد شكوى السفير السعودي في مؤتمر سياتل من تمادي بعض البلدان الأعضاء في طلباتها ومماطلتها أثناء التفاوض)، وكذلك دعم عضوية بقية الدول العربية والإسلامية التي لم تنضم بعد.  

2-     التنسيق والتعاون مع الدول النامية الكبيرة الرافضة لتوسيع نطاق اتفاقية الخدمات ( GATS) لتشمل خدمات أخرى مثل الخدمات الخاصة بصناعة النفط. 

3-     التنسيق والتعاون مع الدول النامية الفاعلة لعدم إدراج معايير العمل ضمن مفاوضات الدوحة وإبقائها في إطار منظمة العمل الدولية.

4-     معارضة تغيير تصنيف دول مجلس التعاون من دول نامية إلى دول متقدمة مما قد يحرمها من الإعفاءات والتسهيلات المقدمة إلى الدول النامية. 

5-     التنسيق والتعاون مع الدول النامية للتأكيد على عدم استخدام معايير البيئة كوسيلة للمزيد من الإجراءات الحمائية التي تؤثر سلباً في صادرات الدول الخليجية.

وبالفعل، وبسبب الأجواء الهادئة جداً التي نعم فيها المشاركون واستغلال تداعيات أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001 في إثارة قلق المشاركين على استقرار النظام الاقتصادي العالمي، تمكن المؤتمر من إطلاق جولة الدوحة للمفاوضات لتحرير تجارة المنتجات الزراعية والمنسوجات والألبسة ومراجعة وتوسيع نطاق اتفاقية الخدمات، بالإضافة إلى القضايا التي طُرحت مؤخراً في سنغافورة وغيرها. أما جهود دول المجلس، فإنه وفيما عدا نجاحها في توفير الأمن والهدوء للمشاركين في المؤتمر، فإنها لم تفلح في معظم القضايا المشار إليها. (على سبيل المثال، انتظرت المملكة العربية السعودية أربعة أعوام أخرى حتى أصبحت عضواً في المنظمة).

حتى الآن لم يتمكن أعضاء المنظمة الـ (151) من تبديد خلافاتهم والالتقاء على نقاط الاتفاق 

وما أن انفض المؤتمر الوزاري، وبدأت المفاوضات على مساراتها المختلفة، حتى ظهرت الخلافات تغذيها المصالح الوطنية أو السياسية في الدول الأعضاء تارة والمصالح التجارية للشركات العالمية والمؤسسات الدولية تارة أخرى، مما ساهم فيما بعد في ظهور العديد من التكتلات التجارية بما تحمل من رؤى متعددة لقضايا ومسارات المفاوضات. ولتفادي ذلك لجأت بعض المسارات إلى التفاوض الأحادي السري (وخاصة في اتفاقية تحرير الخدمات والتنازلات المرتبطة بها)، حيث جرى التفاوض مع كل دولة على حدة حتى لا يسمح للدول الصغيرة (وخاصة النامية منها) بالاستفادة من خبرات الدول الأخرى والتنسيق فيما بينها. واستمرت الخلافات بين الدول النامية والدول الصناعية في عدد من القضايا الجوهرية أهمها رفع الدعم عن المنتجات الزراعية  وفتح أسواق الدول النامية والأقل نمواً أمام المنتجات غير الزراعية للدول الصناعية وأخيراً معارضة معظم الدول النامية للاتفاقية المتعددة للاستثمار، ولم تفلح مبادرة الدول المتقدمة في اللحظة الأخيرة  بما عرف فيما بعد بمبادرة ( anything but Arms) في تفادي انهيار المؤتمر الوزاري الخامس الذي عقد في كانكون في سبتمبر 2003. وبعد فترة من التشاؤم امتدت أشهر عدة ، عاد الأعضاء إلى مائدة المفاوضات واستطاعوا الاتفاق على ما سمي ( July Package) في 31 يوليو 2004 والذي تم بموجبه الاتفاق على ضرورة العمل على الوصول إلى اتفاق في كل قضايا جولة الدوحة وإسقاط المفاوضات المثيرة للجدل المتعلقة باتفاقية الاستثمار المتعددة الأطراف. وفي المؤتمر الوزاري الذي عقد في هونغ كونغ ديسمبر 2005 عاد الأعضاء للتأكيد على ضرورة الالتزام بأجندة الدوحة والمضي قدماً لتحقيقها وجسر الهوة بينهم كما تم تحديد جداول زمنية جديدة للانتهاء من القضايا الخلافية وخاصة المتعلقة برفع الدعم عن المنتجات الزراعية في الدول المتقدمة بحلول يوليو 2006. ولكن، وحتى تاريخه لم يتمكن أعضاء المنظمة الـ 151 من تبديد خلافاتهم والالتقاء على نقاط الاتفاق وترك نقاط الاختلاف إلى وقت لاحق من دون خلط وربط الاثنين معاً مما يجعل الاتفاق أمراً عسيراً بل يكاد يكون مستحيلاً. وهذا هو الذي دفع الكتل الاقتصادية الرئيسية كالاتحاد الأوروبي أو الدول الصناعية كالولايات المتحدة الأمريكية واليابان والصين للتفاوض على اتفاقيات تجارة حرة ثنائية مباشرة مع شركائها من الكتل والدول الأخرى من دون انتظار مسار المفاوضات المتعددة الأطراف. 

وفي ضوء هذا الدور المتنامي للتكتلات التجارية الإقليمية والدولية سواء على صعيد المفاوضات المتعددة الأطراف أو الترتيبات الثنائية، بدت خطوات تعزيز التكامل الاقتصادي والتجاري بين دول المجلس، والتي تؤهلها للعب دور فاعل ومؤثر على مسرح التجارة العالمي، بطيئة ودون الطموحات. ففي حين شكلت الاتفاقية الاقتصادية الموحدة الموقعة في عام 1981 خطة عمل اقتصادية متكاملة ونواة لتحقيق المواطنة الاقتصادية وفق خطوات متدرجة بدءاً بإقامة الاتحاد الجمركي واستكمال السوق الخليجية المشتركة وانتهاء بالاتحاد النقدي والاقتصادي، إلا أن الخطوة الأولى لإنشاء الاتحاد الجمركي جاءت في الأول من يناير 2003، الذي اعتمد على نظام نقطة الدخول الواحدة والتعرفة الجمركية الموحدة تجاه العالم الخارجي، بالإضافة إلى معاملة السلع المنتجة في أي من دول المجلس معاملة المنتجات الوطنية، ويسمح لها بالتنقل بكامل حريتها بين الدول الأعضاء. ولكن التطبيق تعثر مجدداً واستمرت الجهود حتى أكتوبر 2006، حيث تم إعلام منظمة التجارة العالمية بالتطبيق الكامل لنصوص الاتحاد الجمركي. أما الخطوة الثانية، فقد تم الاتفاق على بنود السوق الخليجية المشتركة في عام 2002، والتي من شأنها تكريس مفهوم المواطنة دون تفريق أو تمييز في كل القطاعات الاقتصادية، على أن يتم استكمال متطلباتها قبل نهاية العام 2007. وحيث إننا، وحتى الآن، لم نشهد تنفيذ القرارات ذات العلاقة فالأرجح أننا سوف نشهد تأجيلها إلى أجل آخر. وأخيراً، الخطوة الثالثة وهي التكامل النقدي وإصدار عملة خليجية موحدة في عام 2010، والتي تهدف إلى توحيد العملة وإحراز مستوى عالٍ من التقارب والتنسيق في السياسات الاقتصادية والمالية والتشريعات المصرفية.

وأدى تدهور قيمة الدولار الأمريكي مؤخراً إلى تزايد الضغوط التضخمية على ميزانيات دول المجلس ومن ثم تراجع بعض دول المجلس، أو التفكير في التراجع، عن القرار المشترك بإبقاء ربط العملات الخليجية بالدولار الأمريكي إلى حين إصدار العملة النقدية الموحدة. وعليه، فقد بدأنا نسمع، منذ الآن، عن إمكانية تأخر إصدار العملة الخليجية.     

وفي الختام، يمكننا القول إنه على الرغم من الازدياد الكبير في حجم الاستثمارات الأجنبية والتبادل التجاري من وإلى دول المجلس، إلا أن عوامل كثيرة حدت من إمكانية تأسيس دور فاعل ومؤثر لدول المجلس في أروقة المنظمة الدولية، منها الدخول الفردي لدول المجلس وتأخر عضوية المملكة العربية السعودية في المنظمة حتى عام 2005، وكذلك الظروف الاستثنائية المحيطة بجولة الدوحة والتعثر المستمر لمسارات التفاوض، وأخيراً ضعف التنسيق بين دول المجلس أثناء المفاوضات وعدم ديناميكية الخطوات والقرارات في تحقيق التكامل الاقتصادي بينها كهدف استراتيجي وضرورة اقتصادية تفرضها المستجدات الراهنة والعولمة الاقتصادية وما نتج عنها من بروز كيانات ومصالح اقتصادية دولية كبرى لا تلتفت إلى الكيانات الفردية أو الصغيرة. 

::/fulltext::
::cck::2268::/cck::

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *