قراءة في “وثيقة الخليج” والتحديات الداخلية لدول مجلس التعاون
::cck::2147::/cck::
::introtext::
لاشك في أن دول مجلس التعاون الخليجي تواجه تحديات كبيرة على الصعيدين الإقليمي والدولي، كما أنها تواجه تحديات داخلية لا تقل أهمية عن التحديات الإقليمية والدولية، لذلك أنشأت دول مجلس التعاون الخليجي مجلساً فيما بينها منذ أكثر من ربع قرن لتنسيق مختلف المواقف التي تمر بها منطقة الخليج، واستمرت دول مجلس التعاون في تجمعها الإقليمي تنسق فيما بينها لحفظ مصالحها في منطقة تسودها الاضطرابات والحروب والتحديات.
::/introtext::
::fulltext::
لاشك في أن دول مجلس التعاون الخليجي تواجه تحديات كبيرة على الصعيدين الإقليمي والدولي، كما أنها تواجه تحديات داخلية لا تقل أهمية عن التحديات الإقليمية والدولية، لذلك أنشأت دول مجلس التعاون الخليجي مجلساً فيما بينها منذ أكثر من ربع قرن لتنسيق مختلف المواقف التي تمر بها منطقة الخليج، واستمرت دول مجلس التعاون في تجمعها الإقليمي تنسق فيما بينها لحفظ مصالحها في منطقة تسودها الاضطرابات والحروب والتحديات.
لقد استبشر أبناء الخليج خيراً بهذا المجلس علّه يرفع الكثير من المعاناة التي تواجههم، خاصة أن الأهداف التي جاءت ضمن ديباجة إنشاء مجلس التعاون هي التنسيق والتكامل بين دوله، إلا أن هذا المجلس في حقيقته لم يرتق إلى مستوى طموح أبناء الخليج بالتكامل على كل الصعد مما خلق حالة من عدم الاطمئنان لمسيرته لدى شعوب مجلس التعاون الخليجي بعد سنوات طوال من القمم السنوية، وظل المجلس يجتمع في قمته السنوية سنة بعد أخرى من دون أن تلوح بالأفق أية بادرة يمكنها أن ترفع من الحالة المعنوية لشعوب دول مجلس التعاون التي وصلوا إليها، ووضح ذلك من خلال ما تنشره الصحف الخليجية في استطلاع للرأي الذي تجريه قبل انعقاد كل قمة خليجية، حيث ذكر الكثير من المفكرين والساسة والكتّاب أن مجلس التعاون الخليجي لم يحقق الطموح المرجو منه، وفي ظل هذه الحالة المعنوية المتدنية التي وصل إليها المجتمع الخليجي بجميع شعوبه بادرت مجموعة من نساء الخليج في ندوة عقدت بمملكة البحرين تحت عنوان (مشاركة المرأة الخليجية في الشأن العام) في إبريل عام 2007 والتي شاركت فيها نخبة مثقفة من نساء الخليج وعدد من كتّاب الرأي والساسة الخليجيين، إلى تبني توصية تطالب بأن تعقد مؤسسات المجتمع المدني في دول مجلس التعاون الخليجي وشخصيات مهتمة بالشأن العام مؤتمراً موازياً لمؤتمر قادة دول مجلس التعاون الخليجي، تعبر فيه عن همومها الحالية ورؤيتها المستقبلية.
ومن المهم أن نؤكد ونقول للحقيقة والتاريخ إن هذه التوصية جاءت من المرأة الخليجية التي بادرت إلى طرح هذه الفكرة غير المسبوقة في مسيرة المجلس وتبنتها كتوصية في ختام ندوتها وعلى أثرها تم تشكيل لجنة تحضيرية للإعداد للمؤتمر الموازي لمؤسسات المجتمع المدني، وقطعت هذه اللجنة شوطاً كبيراً بالإعداد لذلك المؤتمر، وحصلت في سبيل ذلك على دعم الفيدرالية الدولية لحقوق الإنسان، كما أعربت عنه السيدة ستيفاني عضو مجلس إدارة الفيدرالية الدولية لحقوق الإنسان، وحصلت أيضاً على دعم الجامعة العربية المفتوحة بعد توجيه خطاب لها بهذا المعنى، إلا أن التحديات التي واجهت اللجنة التحضيرية كانت كفيلة بـ (قتل) ذلك المؤتمر الموازي الذي كان من المأمول له أن يعبر عن هموم مواطني دول مجلس التعاون لرفعها إلى قادتها في قمتهم بطريقة حضارية راقية كفيلة بأن تضع دول مجلس التعاون في مصاف الدول الكبيرة التي تعتني لا بل تطلب من مؤسساتها المدنية المشاركة في إبداء رأيها حول كافة مناحي الحياة لكي تقوم بتحقيق هذه الرؤى، إلا أن فشل عقد مؤتمر مواز لمؤسسات المجتمع المدني الخليجية نتيجة لعدم موافقة الجهات المسؤولة، وجدت اللجنة التحضيرية نفسها أمام واقع يرفض عقد مؤتمراً لمؤسسات المجتمع المدني مواز لمؤتمر قمة قادة مجلس التعاون الخليجي، مما خلق تحدياً جدياً للجنة التحضيرية، ولذلك أخذت على عاتقها صياغة وثيقة سمتها (وثيقة الخليج) عبّرت بها عن رؤيتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية والأمنية والبيئية، وقامت بعد ذلك بتوزيعها على مؤسسات المجتمع المدني الخليجية وشخصيات مهتمة بالشأن العام للتوقيع عليها، حيث وقع عليها أكثر من مائة شخصية ومؤسسة من مؤسسات المجتمع المدني الخليجية، وجاءت فيها رؤى لم تكن مسبوقة بتاريخ دول مجلس التعاون الخليجي، ولا شك في أن تأثيرها كان كبيراً وهائلاً، ولا أدل على ذلك إلا تجاهل الصحافة الخليجية لمدلول هذه الوثيقة.

إن الرؤية السياسية كانت ذات نفس جديد يتواكب مع متطلبات العصر الحديث، فكون أن تكون الرؤية السياسية تطمح إلى مشاركة فعلية وحقيقية في المساهمة في تيسير شؤون الدولة جنباً إلى جنب مع مراكز اتخاذ القرار، فهذا يشير إلى أن مؤسسات المجتمع المدني وضعت طلبها على محك عملية الإصلاح التي تقوم بها دول مجلس التعاون الخليجي التي طالبت سابقاً من أمريكا والاتحاد الأوروبي والمؤسسات الدولية التي تضغط عليها لتقوم بعملية إصلاح، وكان الرد دائماً يقول إن عملية الإصلاح يجب أن تنبع من الداخل ولا يمكن فرضه من الخارج. وهنا لا أعتقد أن دول مجلس التعاون الخليجي وجدت نفسها في مأزق فقط وإنما كانت أمام حالة جديدة لم تكن موجودة على ساحتها المحلية من قبل بهذا الزخم والإقبال من مثقفي دول مجلس التعاون ومؤسساته المدنية، لذا أعتقد أن دول مجلس التعاون مطالبة الآن وأكثر من أي وقت مضى بأن تتعامل مع هذه الحالة الجديدة التي أوجدتها مؤسسات المجتمع المدني وشخصيات مهتمة بالشأن العام وفق منظور آخر غير المنظور الذي واجهته دول مجلس التعاون الخليجي، خاصة أن الطموح الذي جاء بالرؤية السياسية ليس بالقليل وإنما هو رؤية كبيرة وتحد سياسي كبير داخلي يواجه دول مجلس التعاون الخليجي.
أما الرؤية الاجتماعية، فقد شكّل هم التركيبة السكانية لدول مجلس التعاون الخليجي محوراً أساسياً لها، وعبرت عن تخوف مشروع من الفجوة السكانية بين سكان المجتمع الخليجي ذوي العادات والتقاليد الواحدة والمترابطة والنابعة من منبع واحد وبين ثقافات وعادات مختلفة طغت على المجتمعات الخليجية بشكل جعل مؤسسات المجتمع المدني تتخوف من الاستمرار بانتهاج هذه السياسة السكانية التي تخل بالتركيبة المجتمعية لدول الخليج، كما أن استحقاق هذا الاختلاف بالتركيبة السكانية سوف يدفعه المواطن الخليجي بالنهاية، محذرة من إحداث خلخلة في المجتمع الخليجي. ومن جانب آخر فقد ركزت الرؤية الاجتماعية على الاهتمام بالعنصر البشري الخليجي باعتباره محور التنمية المستدامة، ولم تغب المرأة أيضاً عن هذه الرؤية لما لها من دور محوري وكبير في تنشئة الأجيال، واعتبرت أن الاهتمام بدور المرأة وإعطاءها المزيد من الحرية والاستقلالية بالقرار سوف يكون لهما مردود إيجابي على الطفل الذي سيكون قائد المستقبل.
أما من جانب الرؤية الاقتصادية، فقد كانت ذات مدلول شامل يعبر عن تخوف من مستقبل غير مضمون بالارتكاز على جانب أحادي للموارد الاقتصادية والمتمثل في البترول القابل للنضوب لا محالة، كما أن غياب استراتيجيات ما بعد نضوب هذا المورد الأحادي شكل عبئاً إضافياً حملته الرؤية متخوفة من مستقبل الأجيال القادمة لشعوب الخليج، وأيضاً الفقر الذي تتسم به بعض المجتمعات الخليجية شكل هاجساً، وطالبت الرؤية بسد الفجوة الآخذة بالاتساع بين الفقراء والأغنياء من شعوب الخليج، وأخيراً طالبت تلك الرؤية بأن تضع دول الخليج رؤية تكاملية اقتصادية بينها والأهم هنا المطالبة بشفافية في الصرف، وهذا المحور بحد ذاته شكل نقلة نوعية قد تجد دول مجلس التعاون الخليجي نفسها أمام محور جديد بالمطالبة من مؤسسات المجتمع المدني.
وفي الجانب الأمني وما طرحته رؤية مؤسسات المجتمع المدني، فقد كانت المطالبة بوضع صيغ وترتيبات واضحة لصيانة الأمن في المنطقة بعيداً عن إملاءات الدول الكبرى، وهنا تكون الرؤية قد وصلت إلى مرحلة من النضج والإحساس بالمسؤولية الأمنية التي يجب أن تنبع من داخل دول مجلس التعاون الخليجي، ولا يكون الاستناد إلى الاتفاقيات الأمنية هو محور الأمن في الخليج، وإنما الاعتماد على الأمن الذاتي من خلال تقوية قوة (درع الجزيرة) التي أثبتت فشل استراتيجيتها من خلال عجزها عن حفظ أمن الكويت إبان الغزو العراقي لها، كما أن رفض الرؤية القيام بأي عمل عسكري ضد إيران يعبر عن تخوف مشروع من إرهاصات تداعيات هذا العمل العسكري على أمن دول مجلس التعاون الخليجي وتكلفتها البشرية. أما ما جاء فيها من مطالبة بإخلاء المنطقة من أسلحة الدمار الشامل وشمولها كافة الدول بما فيها إسرائيل فقد شكل نقلة نوعية بالمطالبات، حيث لم تقتصر على المطالبة بإخلاء منطقة الخليج وإنما شملت الشرق الأوسط بمجمله، وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على أن هذه الرؤية لها بعد شرق أوسطي لا يقل أهمية عن البعد الإقليمي، أما من ناحية ربط العراق بأمن الخليج فقد نبع من إحساس هذه الرؤية بأن أمن الخليج مترابط، ولا يمكن فصل أمن العراق عن الأمن العام لمنطقة الخليج، لذا كانت المطالبة بضرورة ترك أمور العراق الداخلية بيد أبنائه ضرورة يحتمها الواقع والمستقبل.
يجب ألا يكون الاستناد إلى الاتفاقيات الأمنية هو محور الأمن الوحيد في منطقة الخليج
ومن الجانب البيئي فقد خلصت الوثيقة إلى أن الجانب البيئي لدول الخليج أصابه العطب والتلف والتدمير الكبير على مدى العقود الماضية نتيجة لثلاث حروب طاحنة كانت كفيلة بتدمير البيئة الخليجية تدميراً شاملاً عجزت عنده دول مجلس التعاون الخليجي من التعامل معه، كما أن التعامل مع إنتاج البترول منذ أكثر من خمسين عاماً في ظل غياب تشريعات تحمي البيئة شكل إضراراً بالبيئة البحرية والبرية والجوية بشكل لم يكن مسبوقاً، ودقت ناقوس الخطر نتيجة لهذا الاستهلاك المفرط للبيئة، وطالبت بأن يكون هناك دور بارز لمؤسسات المجتمع المدني العاملة في مجال المحافظة على البيئة، وأن تكون هناك تشريعات تتواكب مع ما تتطلبه المرحلتان الحالية والمقبلة من استحقاق بيئي بات على دول مجلس التعاون الخليجي دفعه نحو التحقق على أرض الواقع حفاظاً على الصحة العامة لشعوب دول مجلس التعاون الخليجي.
وكان من الواضح خلال مسيرة مجلس التعاون الخليجي التي استمرت أكثر من ربع قرن أن التحديات التي واجهته هي تحديات إقليمية خارجية، إلا أنه وبعد هذه الوثيقة التي رفعها الموقعون عليها من أبناء الخليج إلى قادة مجلس التعاون الخليجي في قمتهم (2007) تعتبر وثيقة تاريخية من دون جدال، ولأول مرة يحدث في تاريخ مجلس التعاون الخليجي أن تخاطب نخبة مثقفة من أبناء الخليج قادتهم، معبرين عن رؤاهم الحالية والمستقبلية، وانطلاقاً من هذه الوثيقة فإن مجلس التعاون الخليجي واجه للمرة الأولى في تاريخه تحدياً داخلياً مما أربك الأمانة العامة لمجلس التعاون الخليجي كون هذه الحالة جديدة لم يسبق أن واجهها مجلس التعاون من قبل، ووفقاً لما أعلن عنه من قبل اللجنة التحضيرية من خلال المؤتمر الصحفي الذي نشر في صحافة مملكة البحرين فإن الاستمرار بالدفع بالعملية الديمقراطية نحو المزيد من الحريات والمزيد من الشفافية وتأطير أسس العلاقة بين حكومات دول مجلس التعاون وشعوبها من خلال وضع دساتير عصرية تتناسب وتتناغم مع مستجدات الساحة الدولية، فإن دول الخليج مطالبة الآن وفي هذا الوقت بالتحديد بالتعامل مع هذه الحالة الجديدة وفق معطيات العصر، كما أن الحراك الآن منصب على إنشاء تحالف خليجي للإصلاح والتغيير لكي يكون النواة الأولى التي تخرج من رحم الخليج لتطالب بوضع الإصلاح والتغيير على المحك على اعتبار أن كل دول مجلس التعاون الخليجي لديها أجندة إصلاح وتغيير كما تزعم، فهل يكون هذا الحراك هو الانطلاقة الفعلية إلى عالم خليجي جديد؟ وهل ينجح ذلك التحالف في الدفع بعملية الإصلاح والتغيير؟ سؤالان نترك إجابتهما للقادم من الأيام.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::2147::/cck::
::introtext::
لاشك في أن دول مجلس التعاون الخليجي تواجه تحديات كبيرة على الصعيدين الإقليمي والدولي، كما أنها تواجه تحديات داخلية لا تقل أهمية عن التحديات الإقليمية والدولية، لذلك أنشأت دول مجلس التعاون الخليجي مجلساً فيما بينها منذ أكثر من ربع قرن لتنسيق مختلف المواقف التي تمر بها منطقة الخليج، واستمرت دول مجلس التعاون في تجمعها الإقليمي تنسق فيما بينها لحفظ مصالحها في منطقة تسودها الاضطرابات والحروب والتحديات.
::/introtext::
::fulltext::
لاشك في أن دول مجلس التعاون الخليجي تواجه تحديات كبيرة على الصعيدين الإقليمي والدولي، كما أنها تواجه تحديات داخلية لا تقل أهمية عن التحديات الإقليمية والدولية، لذلك أنشأت دول مجلس التعاون الخليجي مجلساً فيما بينها منذ أكثر من ربع قرن لتنسيق مختلف المواقف التي تمر بها منطقة الخليج، واستمرت دول مجلس التعاون في تجمعها الإقليمي تنسق فيما بينها لحفظ مصالحها في منطقة تسودها الاضطرابات والحروب والتحديات.
لقد استبشر أبناء الخليج خيراً بهذا المجلس علّه يرفع الكثير من المعاناة التي تواجههم، خاصة أن الأهداف التي جاءت ضمن ديباجة إنشاء مجلس التعاون هي التنسيق والتكامل بين دوله، إلا أن هذا المجلس في حقيقته لم يرتق إلى مستوى طموح أبناء الخليج بالتكامل على كل الصعد مما خلق حالة من عدم الاطمئنان لمسيرته لدى شعوب مجلس التعاون الخليجي بعد سنوات طوال من القمم السنوية، وظل المجلس يجتمع في قمته السنوية سنة بعد أخرى من دون أن تلوح بالأفق أية بادرة يمكنها أن ترفع من الحالة المعنوية لشعوب دول مجلس التعاون التي وصلوا إليها، ووضح ذلك من خلال ما تنشره الصحف الخليجية في استطلاع للرأي الذي تجريه قبل انعقاد كل قمة خليجية، حيث ذكر الكثير من المفكرين والساسة والكتّاب أن مجلس التعاون الخليجي لم يحقق الطموح المرجو منه، وفي ظل هذه الحالة المعنوية المتدنية التي وصل إليها المجتمع الخليجي بجميع شعوبه بادرت مجموعة من نساء الخليج في ندوة عقدت بمملكة البحرين تحت عنوان (مشاركة المرأة الخليجية في الشأن العام) في إبريل عام 2007 والتي شاركت فيها نخبة مثقفة من نساء الخليج وعدد من كتّاب الرأي والساسة الخليجيين، إلى تبني توصية تطالب بأن تعقد مؤسسات المجتمع المدني في دول مجلس التعاون الخليجي وشخصيات مهتمة بالشأن العام مؤتمراً موازياً لمؤتمر قادة دول مجلس التعاون الخليجي، تعبر فيه عن همومها الحالية ورؤيتها المستقبلية.
ومن المهم أن نؤكد ونقول للحقيقة والتاريخ إن هذه التوصية جاءت من المرأة الخليجية التي بادرت إلى طرح هذه الفكرة غير المسبوقة في مسيرة المجلس وتبنتها كتوصية في ختام ندوتها وعلى أثرها تم تشكيل لجنة تحضيرية للإعداد للمؤتمر الموازي لمؤسسات المجتمع المدني، وقطعت هذه اللجنة شوطاً كبيراً بالإعداد لذلك المؤتمر، وحصلت في سبيل ذلك على دعم الفيدرالية الدولية لحقوق الإنسان، كما أعربت عنه السيدة ستيفاني عضو مجلس إدارة الفيدرالية الدولية لحقوق الإنسان، وحصلت أيضاً على دعم الجامعة العربية المفتوحة بعد توجيه خطاب لها بهذا المعنى، إلا أن التحديات التي واجهت اللجنة التحضيرية كانت كفيلة بـ (قتل) ذلك المؤتمر الموازي الذي كان من المأمول له أن يعبر عن هموم مواطني دول مجلس التعاون لرفعها إلى قادتها في قمتهم بطريقة حضارية راقية كفيلة بأن تضع دول مجلس التعاون في مصاف الدول الكبيرة التي تعتني لا بل تطلب من مؤسساتها المدنية المشاركة في إبداء رأيها حول كافة مناحي الحياة لكي تقوم بتحقيق هذه الرؤى، إلا أن فشل عقد مؤتمر مواز لمؤسسات المجتمع المدني الخليجية نتيجة لعدم موافقة الجهات المسؤولة، وجدت اللجنة التحضيرية نفسها أمام واقع يرفض عقد مؤتمراً لمؤسسات المجتمع المدني مواز لمؤتمر قمة قادة مجلس التعاون الخليجي، مما خلق تحدياً جدياً للجنة التحضيرية، ولذلك أخذت على عاتقها صياغة وثيقة سمتها (وثيقة الخليج) عبّرت بها عن رؤيتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية والأمنية والبيئية، وقامت بعد ذلك بتوزيعها على مؤسسات المجتمع المدني الخليجية وشخصيات مهتمة بالشأن العام للتوقيع عليها، حيث وقع عليها أكثر من مائة شخصية ومؤسسة من مؤسسات المجتمع المدني الخليجية، وجاءت فيها رؤى لم تكن مسبوقة بتاريخ دول مجلس التعاون الخليجي، ولا شك في أن تأثيرها كان كبيراً وهائلاً، ولا أدل على ذلك إلا تجاهل الصحافة الخليجية لمدلول هذه الوثيقة.

إن الرؤية السياسية كانت ذات نفس جديد يتواكب مع متطلبات العصر الحديث، فكون أن تكون الرؤية السياسية تطمح إلى مشاركة فعلية وحقيقية في المساهمة في تيسير شؤون الدولة جنباً إلى جنب مع مراكز اتخاذ القرار، فهذا يشير إلى أن مؤسسات المجتمع المدني وضعت طلبها على محك عملية الإصلاح التي تقوم بها دول مجلس التعاون الخليجي التي طالبت سابقاً من أمريكا والاتحاد الأوروبي والمؤسسات الدولية التي تضغط عليها لتقوم بعملية إصلاح، وكان الرد دائماً يقول إن عملية الإصلاح يجب أن تنبع من الداخل ولا يمكن فرضه من الخارج. وهنا لا أعتقد أن دول مجلس التعاون الخليجي وجدت نفسها في مأزق فقط وإنما كانت أمام حالة جديدة لم تكن موجودة على ساحتها المحلية من قبل بهذا الزخم والإقبال من مثقفي دول مجلس التعاون ومؤسساته المدنية، لذا أعتقد أن دول مجلس التعاون مطالبة الآن وأكثر من أي وقت مضى بأن تتعامل مع هذه الحالة الجديدة التي أوجدتها مؤسسات المجتمع المدني وشخصيات مهتمة بالشأن العام وفق منظور آخر غير المنظور الذي واجهته دول مجلس التعاون الخليجي، خاصة أن الطموح الذي جاء بالرؤية السياسية ليس بالقليل وإنما هو رؤية كبيرة وتحد سياسي كبير داخلي يواجه دول مجلس التعاون الخليجي.
أما الرؤية الاجتماعية، فقد شكّل هم التركيبة السكانية لدول مجلس التعاون الخليجي محوراً أساسياً لها، وعبرت عن تخوف مشروع من الفجوة السكانية بين سكان المجتمع الخليجي ذوي العادات والتقاليد الواحدة والمترابطة والنابعة من منبع واحد وبين ثقافات وعادات مختلفة طغت على المجتمعات الخليجية بشكل جعل مؤسسات المجتمع المدني تتخوف من الاستمرار بانتهاج هذه السياسة السكانية التي تخل بالتركيبة المجتمعية لدول الخليج، كما أن استحقاق هذا الاختلاف بالتركيبة السكانية سوف يدفعه المواطن الخليجي بالنهاية، محذرة من إحداث خلخلة في المجتمع الخليجي. ومن جانب آخر فقد ركزت الرؤية الاجتماعية على الاهتمام بالعنصر البشري الخليجي باعتباره محور التنمية المستدامة، ولم تغب المرأة أيضاً عن هذه الرؤية لما لها من دور محوري وكبير في تنشئة الأجيال، واعتبرت أن الاهتمام بدور المرأة وإعطاءها المزيد من الحرية والاستقلالية بالقرار سوف يكون لهما مردود إيجابي على الطفل الذي سيكون قائد المستقبل.
أما من جانب الرؤية الاقتصادية، فقد كانت ذات مدلول شامل يعبر عن تخوف من مستقبل غير مضمون بالارتكاز على جانب أحادي للموارد الاقتصادية والمتمثل في البترول القابل للنضوب لا محالة، كما أن غياب استراتيجيات ما بعد نضوب هذا المورد الأحادي شكل عبئاً إضافياً حملته الرؤية متخوفة من مستقبل الأجيال القادمة لشعوب الخليج، وأيضاً الفقر الذي تتسم به بعض المجتمعات الخليجية شكل هاجساً، وطالبت الرؤية بسد الفجوة الآخذة بالاتساع بين الفقراء والأغنياء من شعوب الخليج، وأخيراً طالبت تلك الرؤية بأن تضع دول الخليج رؤية تكاملية اقتصادية بينها والأهم هنا المطالبة بشفافية في الصرف، وهذا المحور بحد ذاته شكل نقلة نوعية قد تجد دول مجلس التعاون الخليجي نفسها أمام محور جديد بالمطالبة من مؤسسات المجتمع المدني.
وفي الجانب الأمني وما طرحته رؤية مؤسسات المجتمع المدني، فقد كانت المطالبة بوضع صيغ وترتيبات واضحة لصيانة الأمن في المنطقة بعيداً عن إملاءات الدول الكبرى، وهنا تكون الرؤية قد وصلت إلى مرحلة من النضج والإحساس بالمسؤولية الأمنية التي يجب أن تنبع من داخل دول مجلس التعاون الخليجي، ولا يكون الاستناد إلى الاتفاقيات الأمنية هو محور الأمن في الخليج، وإنما الاعتماد على الأمن الذاتي من خلال تقوية قوة (درع الجزيرة) التي أثبتت فشل استراتيجيتها من خلال عجزها عن حفظ أمن الكويت إبان الغزو العراقي لها، كما أن رفض الرؤية القيام بأي عمل عسكري ضد إيران يعبر عن تخوف مشروع من إرهاصات تداعيات هذا العمل العسكري على أمن دول مجلس التعاون الخليجي وتكلفتها البشرية. أما ما جاء فيها من مطالبة بإخلاء المنطقة من أسلحة الدمار الشامل وشمولها كافة الدول بما فيها إسرائيل فقد شكل نقلة نوعية بالمطالبات، حيث لم تقتصر على المطالبة بإخلاء منطقة الخليج وإنما شملت الشرق الأوسط بمجمله، وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على أن هذه الرؤية لها بعد شرق أوسطي لا يقل أهمية عن البعد الإقليمي، أما من ناحية ربط العراق بأمن الخليج فقد نبع من إحساس هذه الرؤية بأن أمن الخليج مترابط، ولا يمكن فصل أمن العراق عن الأمن العام لمنطقة الخليج، لذا كانت المطالبة بضرورة ترك أمور العراق الداخلية بيد أبنائه ضرورة يحتمها الواقع والمستقبل.
يجب ألا يكون الاستناد إلى الاتفاقيات الأمنية هو محور الأمن الوحيد في منطقة الخليج
ومن الجانب البيئي فقد خلصت الوثيقة إلى أن الجانب البيئي لدول الخليج أصابه العطب والتلف والتدمير الكبير على مدى العقود الماضية نتيجة لثلاث حروب طاحنة كانت كفيلة بتدمير البيئة الخليجية تدميراً شاملاً عجزت عنده دول مجلس التعاون الخليجي من التعامل معه، كما أن التعامل مع إنتاج البترول منذ أكثر من خمسين عاماً في ظل غياب تشريعات تحمي البيئة شكل إضراراً بالبيئة البحرية والبرية والجوية بشكل لم يكن مسبوقاً، ودقت ناقوس الخطر نتيجة لهذا الاستهلاك المفرط للبيئة، وطالبت بأن يكون هناك دور بارز لمؤسسات المجتمع المدني العاملة في مجال المحافظة على البيئة، وأن تكون هناك تشريعات تتواكب مع ما تتطلبه المرحلتان الحالية والمقبلة من استحقاق بيئي بات على دول مجلس التعاون الخليجي دفعه نحو التحقق على أرض الواقع حفاظاً على الصحة العامة لشعوب دول مجلس التعاون الخليجي.
وكان من الواضح خلال مسيرة مجلس التعاون الخليجي التي استمرت أكثر من ربع قرن أن التحديات التي واجهته هي تحديات إقليمية خارجية، إلا أنه وبعد هذه الوثيقة التي رفعها الموقعون عليها من أبناء الخليج إلى قادة مجلس التعاون الخليجي في قمتهم (2007) تعتبر وثيقة تاريخية من دون جدال، ولأول مرة يحدث في تاريخ مجلس التعاون الخليجي أن تخاطب نخبة مثقفة من أبناء الخليج قادتهم، معبرين عن رؤاهم الحالية والمستقبلية، وانطلاقاً من هذه الوثيقة فإن مجلس التعاون الخليجي واجه للمرة الأولى في تاريخه تحدياً داخلياً مما أربك الأمانة العامة لمجلس التعاون الخليجي كون هذه الحالة جديدة لم يسبق أن واجهها مجلس التعاون من قبل، ووفقاً لما أعلن عنه من قبل اللجنة التحضيرية من خلال المؤتمر الصحفي الذي نشر في صحافة مملكة البحرين فإن الاستمرار بالدفع بالعملية الديمقراطية نحو المزيد من الحريات والمزيد من الشفافية وتأطير أسس العلاقة بين حكومات دول مجلس التعاون وشعوبها من خلال وضع دساتير عصرية تتناسب وتتناغم مع مستجدات الساحة الدولية، فإن دول الخليج مطالبة الآن وفي هذا الوقت بالتحديد بالتعامل مع هذه الحالة الجديدة وفق معطيات العصر، كما أن الحراك الآن منصب على إنشاء تحالف خليجي للإصلاح والتغيير لكي يكون النواة الأولى التي تخرج من رحم الخليج لتطالب بوضع الإصلاح والتغيير على المحك على اعتبار أن كل دول مجلس التعاون الخليجي لديها أجندة إصلاح وتغيير كما تزعم، فهل يكون هذا الحراك هو الانطلاقة الفعلية إلى عالم خليجي جديد؟ وهل ينجح ذلك التحالف في الدفع بعملية الإصلاح والتغيير؟ سؤالان نترك إجابتهما للقادم من الأيام.
::/fulltext::
::cck::2147::/cck::
