مستقبل “التعاون الخليجي” في ضوء مقررات القمم الخليجية

::cck::2146::/cck::
::introtext::

(كل مقدرة لا تتحد مع غيرها تكون ضعيفة) هكذا قالها الشاعر الفرنسي لافونتين، في كلمات تعكس الحقيقة الماثلة للعيان في ثبات وصمود كيان مجلس التعاون الخليجي منذ عام 1981 إلى هذه اللحظة لا سيما في عالم جديد بات واقعه يتشكل ويتلون حسب ما تفرضه العولمة من متغيرات وتأثيرات بيد أن لمفهوم الكتلة أو التكتل مكانة وثقلاً في الساحة الدولية التي لم تلبث أن أفرزت تحديات مما لم يعد بإمكان أية دولة بمفردها أن تصمد أمام وتيرة التحولات، فكان عليها أن تنسلخ من قوقعة الأيديولوجيات ومفهوم القوميات في القرن الماضي لتدلف إلى مفاهيم متغيرة وعصر جديد يؤمن بأن القدرة والتميز والاستمرار لا تتأتى إلا من خلال الاقتصاد، ولا شيء غير الاقتصاد فهو القوة التي تدفع القوى الأخرى السياسية والاجتماعية .

::/introtext::
::fulltext::

(كل مقدرة لا تتحد مع غيرها تكون ضعيفة) هكذا قالها الشاعر الفرنسي لافونتين، في كلمات تعكس الحقيقة الماثلة للعيان في ثبات وصمود كيان مجلس التعاون الخليجي منذ عام 1981 إلى هذه اللحظة لا سيما في عالم جديد بات واقعه يتشكل ويتلون حسب ما تفرضه العولمة من متغيرات وتأثيرات بيد أن لمفهوم الكتلة أو التكتل مكانة وثقلاً في الساحة الدولية التي لم تلبث أن أفرزت تحديات مما لم يعد بإمكان أية دولة بمفردها أن تصمد أمام وتيرة التحولات، فكان عليها أن تنسلخ من قوقعة الأيديولوجيات ومفهوم القوميات في القرن الماضي لتدلف إلى مفاهيم متغيرة وعصر جديد يؤمن بأن القدرة والتميز والاستمرار لا تتأتى إلا من خلال الاقتصاد، ولا شيء غير الاقتصاد فهو القوة التي تدفع القوى الأخرى السياسية والاجتماعية .

حينما تشكّل مجلس التعاون الخليجي في 25 مايو 1981 في أبوظبي جاء كضرورة ملحة للدول الأعضاء الست وهي السعودية والإمارات وقطر والكويت والبحرين وسلطنة عمان وتجسيداً لما بين الدول الأعضاء من علاقات خاصة وسمات مشتركة وأنظمة متشابهة أساسـها وحدة التراث والانتماء والعقيدة والمصالح المشتركة واقتناعاً بأن التنسيق والتعاون والتكامل بين شعوب دول المجلس البالغ تعداد سكانها حوالي 35.1 مليون نسمة يعيشون على مساحة إجمالية تقدر بـ 2673 ألف كيلومتر مربع، ويقدر ناتجها المحلي الإجمالي بـ715 مليار دولار ستخدم بلا شكالأهداف السامية للدول الأعضاء والأمة العربية.

وفي الوقت الذي كان من المفترض أن يعمل المجلس على تحقيق نقلة سياسية نوعية تهدف إلى تعزيز الروابط السياسية والاقتصادية والأمنية بين دول منطقة الخليج العربي، جاءت الرياح بما لا تشتهي السفن فقد شهدت المنطقة تطورات إقليمية قاسية لم تكن متوقعة كان منأبرزها الثورة الإيرانية وحرب الخليج وما استتبعها من اختلال الموازين الأمنية في المنطقة ثم انهيار العراق نتيجة للاحتلال الأمريكي. هذه التطورات دفعت دول المجلس إلى اتخاذ إجراءات ألزمتها بإعادة ترتيب حساباتها الاستراتيجية والأمنية بالإضافة إلى تطلعاتها لمواكبة التطورات السياسية والاقتصادية على المسرح الدولي، لكن النوايا شيء والممارسة شيء آخر.

فالمجلس لم يكن بعيدا إذن عن مواجهة الصعوبات والعقبات التي اعترضت أداءه الأمر الذي جعله يتراجع نوعاً ما عن مهمته الرئيسية والقيام بالمهام والواجبات بالصورة المطلوبة لتلبية رغبات شعوب دول المجلس نحو تحقيق الوحدة والتكامل المنشود. وهذا كله إذن نتيجة للهاجس الأمني الذي ترجمته الاتفاقيات الأمنية العديدة، ومنها على سبيل المثال الاتفاقية الأمنية الخليجية التي وقعت في الرياض منذ عام 1994 والتي لم تر النور حتى اليوم لأسباب تتعدد بتعدد رؤية كل دوله لسياقها العام ومجمل بنودها.

ونحن إذ نشير إلى نتائج القمم الخليجية ربما نلفت الانتباه إلى أنها تصدر عادة بياناً ختامياً قوياً يشدد على التضامن والتعاون، ويحمل العديد من المشروعات المشتركة إلا أنه سرعان ما تكون هذه القرارات في معظمهاملقاة في أدراج المسؤولين في الدول الأعضاء مما يستدعي مراجعة دقيقة وشاملة لمسيرة المجلس بكل أبعادها السياسية والاقتصادية والاجتماعية والأمنية.

المؤشرات الاقتصادية

على خلفية نتائج القمم الخليجية سنحاول إلقاء الضوء على أداء المجلس في عدة مجالات، ويحتل الأولوية فيها الجانب الاقتصادي لما له من أهمية قصوى لشعوب المنطقة وباعتباره القاطرة الحقيقية لتطور الشعوب وتقدمها، علاوة على أن الاقتصاد يحتل الصدارة في قياس مدى تقدم الدول، فالصين رغم مشكلاتها السياسية الداخلية أصبح يشار إليها بالبنان لا لشيء سوى تقدمها الاقتصادي وارتفاع معدلات النمو الاقتصادية فيها مع الأخذ في الحسبان أن هذا النمو مستمر وبمعدلات متصاعدة مما يؤكد ثبات البنية الأساسية التي نشأ عليها هذا الاقتصاد.

وإذا نظرنا إلى مقررات القمة الثامنة والعشرين التي عقدت في العاصمة القطرية الدوحة في أوائل ديسمبر الماضي فمن المؤكد أن نمعن النظر فى إعلان البيان عن قيام السوق الخليجية المشتركة، فهذا من شأنه أن تكون منطقة الخليج منطقة اقتصادية عملاقة، وذلك في ضوء تحديد مطلع العام المقبل موعداً لانطلاق السوق المشتركة في إطار اهتمام الدول الست الأعضاء بتعزيز وتطوير المجال التجاري بما يعود بالنفع على مواطني المجلس، إضافة إلى حجم النتائج الإيجابية التي حققها المجلس ومنها ارتفاع حجم التجارة البينية بين دوله من 12.215 مليار دولار في عام 1980 إلى نحو 33.943 مليار دولار في عام 2005. وكان المجلس قد اتخذ في السنوات الماضية العديد من التدابير والخطوات لتهيئة الأمور من أجل إنشاء السوق المشتركة من أبرزها السماح لجميع مواطني الدول الأعضاء في المجلس بتملك العقارات والأسهم ومزاولة الأنشطة التجارية واتباع الدول الأعضاء في المجلس السياسات والأنظمة الموحدة في المجالات الاقتصادية والتجارية والصناعية والمالية، فضلاً عن بدء العمل بالاتحاد الجمركي لدول مجلس التعاون اعتباراً من الأول من مارس 2005 ومن أهم مزايا وفوائد قيام السوق المشتركة زيادة سرعة معدلات النمو الاقتصادي وارتفاع مستوى التشغيل والإنتاج، وجذب المزيد من الاستثمارات الأجنبية وإيجاد فرص عمل جديدة للعمالة الوطنية وتنمية مهاراتهم وقدراتهم الذاتية وزيادة الاهتمام بتحسين الأوضاع الاجتماعية للدول الأعضاء.

ولكن اكتمال هيكل السوق ينقصه التوصل إلى عملة خليجية واحدة، حيث إن الفروق بين العملات من دولة إلى أخرى ستوجد اختلالات نقدية، وإن الصورة الكاملة للسوق المشتركة لن تتحقق إلا بعد تحقيق العملة مع مراعاة أن إطلاق السوق مطلع العام 2008 جاء متأخراً بعد أن أعلن عن إنشائها في 2003. ومن هنا جاء قرار القادة الخليجيين الإبقاء على موعد 2010 لإطلاق العملة الخليجية الموحدة. وقد وضع هذا القرار حداً لتكهنات قوية بشأن مشروع الوحدة النقدية الذي تعرّض لعدة نكسات مع صعود التضخم الذي باتت تشهده دول الخليج وانخفاض سعر صرف الدولار الذي ترتبط به عملات دول المجلس عدا الكويت التي ربطت عملتها بسلة من العملات، في حين أنهم قرروا في بيان القمة الأخير الاستمرار في ارتباط عملاتهم بالدولار الأمريكي.

وعلى هذه الخلفية لم يعد مقبولاً من مجلس التعاون الخليجي التحدث عن البطء والتدرج وتأجيل القرارات بشأن القضايا المهمة، خاصة في ظل التحديات الهائلة التي تواجهها دول المجلس، ويتعين هنا إجراء مقارنة في هذا الصدد بين تجربة مجلس التعاون الخليجي وتجربة الدول الأوروبية التي قطعت شوطاً كبيراً في طريق تحقيق التكامل والوحدة الاقتصادية رغم أنه لا يوجد بينها ما يوجد بين دول المجلس من روابط على كل المستويات 

ومع انعقاد أي قمة خليجية يتطلع سكان ومواطنو المجلس بكثير من الأمل والطموح لأن يتمخض عن هذه الاجتماعات الكثير من القرارات والاتفاقيات التي تحقق بعض الطموحات، وتسهل لهم حياتهم المعيشية والوظيفية في ظل أوضاع اقتصادية أكثر استقراراً ونماء وظروف سياسية أكثر أمناً وتطوراً وتحديثاً. وكما سبق وذكرنا فإن المحور الاقتصادي يعتبر من أهم وأبرز المحاور التي تتناولها القمم الخليجية الأخيرة لما يمثله الاقتصاد وتبادل السلع والخدمات وحرية انتقال رؤوس الأموال والتنقل بالبطاقة الخليجية المرتقبة وتوحيد التعرفة الجمركية والضرائب والسوق الخليجية المشتركة من أهمية بالغة تهم شرائح كبيرة ومختلفة من سكان ومواطني دول مجلس التعاون الخليجي. وفي هذا الشأن فإن المجلس حقق في السنوات القليلة الماضية بعض الإنجازات المهمة ولكن هناك خطوات كثيرة جداً وكبيرة أمام دول المجلس لابد أن تخطوها بثبات لتحقيق المزيد من التعاون والتكامل في مجال الاقتصاد والتجارة البينية، وتأتي العملة الموحدة على قائمة هذه الخطوات والأولويات المرجوة، ولا نعتقد أن الولايات المتحدة على الأقل في الوقت الراهن سوف تمارس نوعاً من الضغوط على دول المجلس للحيلولة دون اتخاذ قرار موحد وصائب بخصوص العملة النقدية الموحدة وذلك لسبب بسيط، هو أن كثيراً من دول المجلس تستخدم الدولار الأمريكي كعملة رئيسية محورية في تعاملاتها النفطية وغيرها، في حين أن أهم العقبات التي تواجه قرار العملة الخليجية الموحدة هي عقبات ناتجة كما يبدو وبالدرجة الأولى عن التركيبة الاقتصادية والنظم النقدية وارتباطاتها القائمة حالياً في دول المجلس، ولابد من تجاوز هذه العقبات نحو الوصول إلى عملة خليجية موحدة ومقبولة من الجميع وبشكل متوازن.

قيام السوق الخليجية المشتركة سيجعل من منطقة الخليج منطقة اقتصادية عملاقة 

وثمة أهمية قصوى يمثلها النفط كمورد دخل رئيسي لدول المجلس، ولكن الاعتماد على هذا المورد وحده يظل خطأ فادحاً، إذ لا بد من العمل على تنوع مصادر الدخل وتعزيز بيئة العمل الملائمة للقطاع الخاص من خلال تطوير التشريعات والإجراءات والاستفادة من القطاع الخاص في دعم برامج التنمية المجتمعية والإسراع ببرامج الخصخصة، علاوة على وضع الآليات المناسبة والهادفة إلى ترسيخ مبادئ المنافسة والتشريعات الملائمة لحماية حقوق المستهلك والتنسيق في برامج عمل مشتركة لمواجهة ظاهرة تفشي البطالة في المجتمع الخليجي وتطوير التعليم من خلال تكثيف الجهود الرامية لتقريب المكونات التعليمية وتوحيد الأهداف والاتجاهات للعملية التعليمية، والإسراع في خطة تطوير المناهج بما يضمن مخرجات تعليم تتصف بروح التنافس وقادرة على مواكبة تحديات العصر واستحقاقات المستقبل ومواءمة مخرجات التعليم لسوق العمل. وهنا تكمن الحاجة القصوى للاتفاق على برنامج اقتصادي تنموي مشترك لاستغلال الفوائض النفطية الضخمة لتعزيز هياكل الإنتاج في الاقتصاد الخليجي وإيجاد فرص عمل جديدة للشباب الخليجي وتنفيذ المشاريع التي أقرتها القمم الخليجية السابقة والاستثمار في مشاريع مشتركة في مجال التعليم والرعاية الصحية بهدف تحسين مستوى معيشة شعوب دول المجلس من خلال المؤسسات التنموية والاستثمارية الخليجية القائمة.

التقلبات السياسية

وإذا تركنا الجانب الاقتصادي بما يمثله من أهمية لمستقبل التعاون الخليجي، وانتقلنا إلى الصعيد السياسي الذي يتضمن بلا شك شقين آخرين هما الشق العسكري والشق الأمني نرى أن المجلس واجه بحق تقلبات ربما لم تتعرض أي منطقة أخرى في العالم لمثيلاتها.فالحرب العراقية – الإيرانية المعروفة باسم حرب الخليج الأولى وما سبقها من تداعيات الثورة الإسلامية التي قام بها آيات الله في إيران ضد نظام الشاه ثم غزو العراق للكويت بما عرف حرب الخليج الثانية ثم الغزو الأمريكي للعراق وانهيار نظام صدام حسين وتدخلات إيرانية في الشؤون الداخلية في العراق ولبنان وفلسطين وخلافه. كل هذا كان من شأنه وضع العراقيل أمام تقدم مسيرة المجلس. ولأسباب عديدة لم يتمكن المجلس من حماية أعضائه خاصة أثناء غزو النظام العراقي السابق للكويت وذلك رغم أن المجلس نشأ أساساً لأسباب أمنية بعد الثورة الإيرانية (1979) وبعد اندلاع الحرب العراقية ـ الإيرانية (1980-1988). وكان لافتاً للنظر ما أعلنه ولي العهد السعودي الأمير سلطان بن عبدالعزيز في ديسمبر 2005 من تفاصيل لمقترح سعودي بتفكيك قوات (درع الجزيرة) المشتركة التابعة للمجلس بعد 20 عاماً من إنشائها. وقضى المقترح السعودي الذي كان محل إشادة القمة الخليجية بأن تشرف كل دولة على وحداتها المخصصة لقوات (درع الجزيرة) التي يمكن استدعاؤها متى اقتضت الضرورة. ويذكر أن تلك القوات أسست عام 1986 وتتمركز في حفر الباطن شمال شرق السعودية.

ومن الإنصاف أن نشير هنا إلى أن مسيرة العمل المشترك في تصاعد، وأنها في تقدم مستمر رغم ما قد يعترضها من عقبات أو صعاب لأن استمرار المجلس وانتظام اجتماعاته هما في حد ذاتهما إنجاز كبير ويبعثان على التفاؤل خاصة في ظل فشل تجمعات إقليمية عربية أخرى ما يجعله التجمع الإقليمي العربي الوحيد الموجود والفعال الذي يعطي الأمل في إمكانية التكامل العربي. وكل هذا يؤهل المجلس لاتخاذ قرارات مهمة وفاعلة في المستقبل، لكن التحديات الجديدة التي تواجه دول مجلس التعاون الخليجي تختلف نوعياً عن التحديات التقليدية التي نشأ المجلس لمواجهتها، فالأمر لم يعد مقتصراً فقط على تهديدات موجهة من جانب قوىإقليمية ودولية طامحة إلى لعب دور في التفاعلات الجارية في منطقة الخليج، إنما وبالإضافة إلى ذلك ثمة تهديدات أمنية مباشرة تواجه دول مجلس التعاون نابعة من الداخل في الأساس، وتتمثل في تصاعد موجة من العنف والإرهاب. هذه الظاهرة اقترنت خاصة خلال السنوات الخمس الماضية بتعاظم دور بعض الجماعات المتمسكة بمرجعية دينية متشددة وتربية قتالية عالية ورغبة قوية في تغيير أوضاع البلاد من خلال اللجوء إلى العنف والإرهاب. وتفرض هذه التحديات في مجملها ضرورة استدعاء أفكار جديدة متطورة عن الأفكار التقليدية التي طرحت بخصوص أمن الخليج ومن ثم بلورة إطار مرجعي يستوعب المعضلات الأمنية الجديدة التي تواجهها دول مجلس التعاون.

كل هذه القضايا الشائكة التي تشهدها المنطقة تستدعي العمل الجماعي المشترك بين دول المجلس والتنسيق في الخطاب السياسي الموحد وتوحيد الرؤى والمواقف تجاهها، بالإضافة إلى ضرورة تبني دول المجلس سياسة موحدة وفاعلة في ما يتعلق بالمخاطر ذات التأثير المباشر فيها كالوضع في العراق والملف النووي الإيراني والإرهاب الدولي من خلال اعتماد سياسة وقائية تغطي كل المجالات وتعزيز التعاون الأمني والاستخباراتي بين دول المجلس وتشديد الرقابة على مصادر تمويل الإرهاب وإصدار قوانين عقابية رادعة وتعزيز التعاون الإقليمي والدولي.

اكتمال هيكل السوق الخليجية المشتركة ينقصه التوصل إلى عملة خليجية موحدة

ومن هنا تأتي ضرورة تحقيق الاستقرار السياسي والأمني في منطقة الخليج وهذا يتطلب معالجة الوضع الخطير في العراق من خلال إعداد برنامج عمل موحد لدول المجلس يسعى إلى ضمان عدم انزلاق العراق في أتون حرب أهلية طاحنة قد يطال شررها دول المجلس وصياغة رؤية خليجية موحدة للتعاون المشترك تجاه العراق وعدم الاعتماد على التصريحات وحدها لأنها لن تفيد في وقتنا الراهن.

والحديث عن الإرهاب ومحاربته يتصدر اهتمام دول المجلس لما يشكله من قلق أمني وهاجس مزعج تعاني منه كافة دول المنطقة وهذا الموضوع له شقان: الأول بما يمثله الإرهاب الداخلي والنابع من بعض الفئات الضالة أو المضللة (صاحبة الفكر المنشق) في دول المجلس. والثاني الإرهاب الخارجي والنابع من عدوى الأحداث الدامية والمؤسفة في العراق. لذا فإن التعاون الأمني بين دول المجلس في ما يتعلق بالإرهاب سوف يتجاوز التعاون القائم في مجال المعلومات الاستخباراتية ليشمل وضع خطوط عامة واستراتيجية أكثر شمولاً وحزماً لمكافحة هذه الظاهرة المدمرة محلياً وإقليمياً ودولياً. وهو ما يجعل الخليجيين يتطلعون بمزيد من الأمل والتفاؤل لأن يتحقق لهم المزيد من الأمن والاستقرار والتقدم على كافة الصعد.  

وكذلك يجب أن تتكاتف دول مجلس التعاون الخليجي مع بعضها البعض من أجل استرجاع دولة الإمارات لسيادتها على جزرها الثلاث (طنب الكبرى وطنب الصغرى وأبو موسى) الواقعة تحت الاحتلال الإيراني، وتدعو إيران إلى القبول بإحالة النزاع إلى محكمة العدل الدولية والسعي إلى حله بالطرق السلمية لأن هذه الجزر تعد من أهم قضايا الأمن القومي الخليجي الذي يجب أن تتخذ من أجله خطوات فاعلة.

ويجب أيضاً أن تظل قضية الصراع العربي – الإسرائيلي محور الاهتمام الخليجي لأنها تعد أساس التوتر الذي يسود منطقة الشرق الأوسط بأكملها لانعدام العدالة الدولية في التعامل مع هذه القضية وفي تحقيق مطالب الشعب الفلسطيني المشروعة في إقامة دولته المستقلة على ترابه الوطني وعاصمتها القدس الشريف، بل إن هذه القضية ينبغي أن تكون دائماً محور اهتمام قادة دول مجلس التعاون في القمم الخليجية، فالبيان الأخير للقمة الثامنة والعشرين لم يتطرق إلا لأمل القادة الخليجيين في أن يسفر مؤتمر (أنابوليس) عن إطلاق مفاوضات السلام بين الأطراف المعنية مع الالتزام بأسس الحل الشامل من دون النظر إلى معاناة الشعب الفلسطيني سواء على المستوى السياسي من خلال التدخل للتوفيق بين حركتي (فتح) و(حماس) لنزع فتيل الأزمة بينهما واللجوء إلى الحوار والتفاوض لحل الخلافات مع ضرورة التوصل إلى حكومة وحدة وطنية لإنقاذ الوضع الفلسطيني المتردي، كما ينبغي على دول المجلس الغنية بالنفط والتي حققت فائضاً ضخماً في ميزانياتها العامة زيادة الدعم المادي لأبناء الشعب الفلسطيني والالتزام بقرارات المجلس الوزاري العربي بضرورة كسر الحصار على الشعب الفلسطيني والعمل بكل السبل لإيصال المساعدة للشعب الفلسطيني الذي يواجه آلة الحرب الإسرائيلية والحصار المشدد.

وأخيراً نقولإن الأحلام التي يتوق إليها مواطنو دول المجلس ليست كبيرة، كما يعتقد البعض، بل هي بسيطة كبساطة حياتهم ومعيشتهم تكمن في إلغاء القيود أياً كانت (حدود، جمارك، الاستثمار، العمالة، السوق المشتركة، الرسوم، الضرائب، التنقل بالبطاقة، التملك.. إلخ) بمعنى أنهم يطالبون بتفعيل توصيات القمم الخليجية، أي تحققها على أرض الواقع كإنشاء لجان لتنفيذ القرارات ومتابعتها.إن أمل الشعوب الخليجية في استكمال مجلس دولها لمسيرتهلن يتحقق إلا بإعادة تقييم أوضاع قراراتهم الصادرة على امتداد السنوات السابقة وبالتعرف في الوقت نفسه بصدق وشفافية إلى أسباب تعطيلها ومعوقات التقدم نحو استكمالها.

::/fulltext::

araa40_34-a80
Getting your Trinity Audio player ready...

::cck::2146::/cck::
::introtext::

(كل مقدرة لا تتحد مع غيرها تكون ضعيفة) هكذا قالها الشاعر الفرنسي لافونتين، في كلمات تعكس الحقيقة الماثلة للعيان في ثبات وصمود كيان مجلس التعاون الخليجي منذ عام 1981 إلى هذه اللحظة لا سيما في عالم جديد بات واقعه يتشكل ويتلون حسب ما تفرضه العولمة من متغيرات وتأثيرات بيد أن لمفهوم الكتلة أو التكتل مكانة وثقلاً في الساحة الدولية التي لم تلبث أن أفرزت تحديات مما لم يعد بإمكان أية دولة بمفردها أن تصمد أمام وتيرة التحولات، فكان عليها أن تنسلخ من قوقعة الأيديولوجيات ومفهوم القوميات في القرن الماضي لتدلف إلى مفاهيم متغيرة وعصر جديد يؤمن بأن القدرة والتميز والاستمرار لا تتأتى إلا من خلال الاقتصاد، ولا شيء غير الاقتصاد فهو القوة التي تدفع القوى الأخرى السياسية والاجتماعية .

::/introtext::
::fulltext::

(كل مقدرة لا تتحد مع غيرها تكون ضعيفة) هكذا قالها الشاعر الفرنسي لافونتين، في كلمات تعكس الحقيقة الماثلة للعيان في ثبات وصمود كيان مجلس التعاون الخليجي منذ عام 1981 إلى هذه اللحظة لا سيما في عالم جديد بات واقعه يتشكل ويتلون حسب ما تفرضه العولمة من متغيرات وتأثيرات بيد أن لمفهوم الكتلة أو التكتل مكانة وثقلاً في الساحة الدولية التي لم تلبث أن أفرزت تحديات مما لم يعد بإمكان أية دولة بمفردها أن تصمد أمام وتيرة التحولات، فكان عليها أن تنسلخ من قوقعة الأيديولوجيات ومفهوم القوميات في القرن الماضي لتدلف إلى مفاهيم متغيرة وعصر جديد يؤمن بأن القدرة والتميز والاستمرار لا تتأتى إلا من خلال الاقتصاد، ولا شيء غير الاقتصاد فهو القوة التي تدفع القوى الأخرى السياسية والاجتماعية .

حينما تشكّل مجلس التعاون الخليجي في 25 مايو 1981 في أبوظبي جاء كضرورة ملحة للدول الأعضاء الست وهي السعودية والإمارات وقطر والكويت والبحرين وسلطنة عمان وتجسيداً لما بين الدول الأعضاء من علاقات خاصة وسمات مشتركة وأنظمة متشابهة أساسـها وحدة التراث والانتماء والعقيدة والمصالح المشتركة واقتناعاً بأن التنسيق والتعاون والتكامل بين شعوب دول المجلس البالغ تعداد سكانها حوالي 35.1 مليون نسمة يعيشون على مساحة إجمالية تقدر بـ 2673 ألف كيلومتر مربع، ويقدر ناتجها المحلي الإجمالي بـ715 مليار دولار ستخدم بلا شكالأهداف السامية للدول الأعضاء والأمة العربية.

وفي الوقت الذي كان من المفترض أن يعمل المجلس على تحقيق نقلة سياسية نوعية تهدف إلى تعزيز الروابط السياسية والاقتصادية والأمنية بين دول منطقة الخليج العربي، جاءت الرياح بما لا تشتهي السفن فقد شهدت المنطقة تطورات إقليمية قاسية لم تكن متوقعة كان منأبرزها الثورة الإيرانية وحرب الخليج وما استتبعها من اختلال الموازين الأمنية في المنطقة ثم انهيار العراق نتيجة للاحتلال الأمريكي. هذه التطورات دفعت دول المجلس إلى اتخاذ إجراءات ألزمتها بإعادة ترتيب حساباتها الاستراتيجية والأمنية بالإضافة إلى تطلعاتها لمواكبة التطورات السياسية والاقتصادية على المسرح الدولي، لكن النوايا شيء والممارسة شيء آخر.

فالمجلس لم يكن بعيدا إذن عن مواجهة الصعوبات والعقبات التي اعترضت أداءه الأمر الذي جعله يتراجع نوعاً ما عن مهمته الرئيسية والقيام بالمهام والواجبات بالصورة المطلوبة لتلبية رغبات شعوب دول المجلس نحو تحقيق الوحدة والتكامل المنشود. وهذا كله إذن نتيجة للهاجس الأمني الذي ترجمته الاتفاقيات الأمنية العديدة، ومنها على سبيل المثال الاتفاقية الأمنية الخليجية التي وقعت في الرياض منذ عام 1994 والتي لم تر النور حتى اليوم لأسباب تتعدد بتعدد رؤية كل دوله لسياقها العام ومجمل بنودها.

ونحن إذ نشير إلى نتائج القمم الخليجية ربما نلفت الانتباه إلى أنها تصدر عادة بياناً ختامياً قوياً يشدد على التضامن والتعاون، ويحمل العديد من المشروعات المشتركة إلا أنه سرعان ما تكون هذه القرارات في معظمهاملقاة في أدراج المسؤولين في الدول الأعضاء مما يستدعي مراجعة دقيقة وشاملة لمسيرة المجلس بكل أبعادها السياسية والاقتصادية والاجتماعية والأمنية.

المؤشرات الاقتصادية

على خلفية نتائج القمم الخليجية سنحاول إلقاء الضوء على أداء المجلس في عدة مجالات، ويحتل الأولوية فيها الجانب الاقتصادي لما له من أهمية قصوى لشعوب المنطقة وباعتباره القاطرة الحقيقية لتطور الشعوب وتقدمها، علاوة على أن الاقتصاد يحتل الصدارة في قياس مدى تقدم الدول، فالصين رغم مشكلاتها السياسية الداخلية أصبح يشار إليها بالبنان لا لشيء سوى تقدمها الاقتصادي وارتفاع معدلات النمو الاقتصادية فيها مع الأخذ في الحسبان أن هذا النمو مستمر وبمعدلات متصاعدة مما يؤكد ثبات البنية الأساسية التي نشأ عليها هذا الاقتصاد.

وإذا نظرنا إلى مقررات القمة الثامنة والعشرين التي عقدت في العاصمة القطرية الدوحة في أوائل ديسمبر الماضي فمن المؤكد أن نمعن النظر فى إعلان البيان عن قيام السوق الخليجية المشتركة، فهذا من شأنه أن تكون منطقة الخليج منطقة اقتصادية عملاقة، وذلك في ضوء تحديد مطلع العام المقبل موعداً لانطلاق السوق المشتركة في إطار اهتمام الدول الست الأعضاء بتعزيز وتطوير المجال التجاري بما يعود بالنفع على مواطني المجلس، إضافة إلى حجم النتائج الإيجابية التي حققها المجلس ومنها ارتفاع حجم التجارة البينية بين دوله من 12.215 مليار دولار في عام 1980 إلى نحو 33.943 مليار دولار في عام 2005. وكان المجلس قد اتخذ في السنوات الماضية العديد من التدابير والخطوات لتهيئة الأمور من أجل إنشاء السوق المشتركة من أبرزها السماح لجميع مواطني الدول الأعضاء في المجلس بتملك العقارات والأسهم ومزاولة الأنشطة التجارية واتباع الدول الأعضاء في المجلس السياسات والأنظمة الموحدة في المجالات الاقتصادية والتجارية والصناعية والمالية، فضلاً عن بدء العمل بالاتحاد الجمركي لدول مجلس التعاون اعتباراً من الأول من مارس 2005 ومن أهم مزايا وفوائد قيام السوق المشتركة زيادة سرعة معدلات النمو الاقتصادي وارتفاع مستوى التشغيل والإنتاج، وجذب المزيد من الاستثمارات الأجنبية وإيجاد فرص عمل جديدة للعمالة الوطنية وتنمية مهاراتهم وقدراتهم الذاتية وزيادة الاهتمام بتحسين الأوضاع الاجتماعية للدول الأعضاء.

ولكن اكتمال هيكل السوق ينقصه التوصل إلى عملة خليجية واحدة، حيث إن الفروق بين العملات من دولة إلى أخرى ستوجد اختلالات نقدية، وإن الصورة الكاملة للسوق المشتركة لن تتحقق إلا بعد تحقيق العملة مع مراعاة أن إطلاق السوق مطلع العام 2008 جاء متأخراً بعد أن أعلن عن إنشائها في 2003. ومن هنا جاء قرار القادة الخليجيين الإبقاء على موعد 2010 لإطلاق العملة الخليجية الموحدة. وقد وضع هذا القرار حداً لتكهنات قوية بشأن مشروع الوحدة النقدية الذي تعرّض لعدة نكسات مع صعود التضخم الذي باتت تشهده دول الخليج وانخفاض سعر صرف الدولار الذي ترتبط به عملات دول المجلس عدا الكويت التي ربطت عملتها بسلة من العملات، في حين أنهم قرروا في بيان القمة الأخير الاستمرار في ارتباط عملاتهم بالدولار الأمريكي.

وعلى هذه الخلفية لم يعد مقبولاً من مجلس التعاون الخليجي التحدث عن البطء والتدرج وتأجيل القرارات بشأن القضايا المهمة، خاصة في ظل التحديات الهائلة التي تواجهها دول المجلس، ويتعين هنا إجراء مقارنة في هذا الصدد بين تجربة مجلس التعاون الخليجي وتجربة الدول الأوروبية التي قطعت شوطاً كبيراً في طريق تحقيق التكامل والوحدة الاقتصادية رغم أنه لا يوجد بينها ما يوجد بين دول المجلس من روابط على كل المستويات 

ومع انعقاد أي قمة خليجية يتطلع سكان ومواطنو المجلس بكثير من الأمل والطموح لأن يتمخض عن هذه الاجتماعات الكثير من القرارات والاتفاقيات التي تحقق بعض الطموحات، وتسهل لهم حياتهم المعيشية والوظيفية في ظل أوضاع اقتصادية أكثر استقراراً ونماء وظروف سياسية أكثر أمناً وتطوراً وتحديثاً. وكما سبق وذكرنا فإن المحور الاقتصادي يعتبر من أهم وأبرز المحاور التي تتناولها القمم الخليجية الأخيرة لما يمثله الاقتصاد وتبادل السلع والخدمات وحرية انتقال رؤوس الأموال والتنقل بالبطاقة الخليجية المرتقبة وتوحيد التعرفة الجمركية والضرائب والسوق الخليجية المشتركة من أهمية بالغة تهم شرائح كبيرة ومختلفة من سكان ومواطني دول مجلس التعاون الخليجي. وفي هذا الشأن فإن المجلس حقق في السنوات القليلة الماضية بعض الإنجازات المهمة ولكن هناك خطوات كثيرة جداً وكبيرة أمام دول المجلس لابد أن تخطوها بثبات لتحقيق المزيد من التعاون والتكامل في مجال الاقتصاد والتجارة البينية، وتأتي العملة الموحدة على قائمة هذه الخطوات والأولويات المرجوة، ولا نعتقد أن الولايات المتحدة على الأقل في الوقت الراهن سوف تمارس نوعاً من الضغوط على دول المجلس للحيلولة دون اتخاذ قرار موحد وصائب بخصوص العملة النقدية الموحدة وذلك لسبب بسيط، هو أن كثيراً من دول المجلس تستخدم الدولار الأمريكي كعملة رئيسية محورية في تعاملاتها النفطية وغيرها، في حين أن أهم العقبات التي تواجه قرار العملة الخليجية الموحدة هي عقبات ناتجة كما يبدو وبالدرجة الأولى عن التركيبة الاقتصادية والنظم النقدية وارتباطاتها القائمة حالياً في دول المجلس، ولابد من تجاوز هذه العقبات نحو الوصول إلى عملة خليجية موحدة ومقبولة من الجميع وبشكل متوازن.

قيام السوق الخليجية المشتركة سيجعل من منطقة الخليج منطقة اقتصادية عملاقة 

وثمة أهمية قصوى يمثلها النفط كمورد دخل رئيسي لدول المجلس، ولكن الاعتماد على هذا المورد وحده يظل خطأ فادحاً، إذ لا بد من العمل على تنوع مصادر الدخل وتعزيز بيئة العمل الملائمة للقطاع الخاص من خلال تطوير التشريعات والإجراءات والاستفادة من القطاع الخاص في دعم برامج التنمية المجتمعية والإسراع ببرامج الخصخصة، علاوة على وضع الآليات المناسبة والهادفة إلى ترسيخ مبادئ المنافسة والتشريعات الملائمة لحماية حقوق المستهلك والتنسيق في برامج عمل مشتركة لمواجهة ظاهرة تفشي البطالة في المجتمع الخليجي وتطوير التعليم من خلال تكثيف الجهود الرامية لتقريب المكونات التعليمية وتوحيد الأهداف والاتجاهات للعملية التعليمية، والإسراع في خطة تطوير المناهج بما يضمن مخرجات تعليم تتصف بروح التنافس وقادرة على مواكبة تحديات العصر واستحقاقات المستقبل ومواءمة مخرجات التعليم لسوق العمل. وهنا تكمن الحاجة القصوى للاتفاق على برنامج اقتصادي تنموي مشترك لاستغلال الفوائض النفطية الضخمة لتعزيز هياكل الإنتاج في الاقتصاد الخليجي وإيجاد فرص عمل جديدة للشباب الخليجي وتنفيذ المشاريع التي أقرتها القمم الخليجية السابقة والاستثمار في مشاريع مشتركة في مجال التعليم والرعاية الصحية بهدف تحسين مستوى معيشة شعوب دول المجلس من خلال المؤسسات التنموية والاستثمارية الخليجية القائمة.

التقلبات السياسية

وإذا تركنا الجانب الاقتصادي بما يمثله من أهمية لمستقبل التعاون الخليجي، وانتقلنا إلى الصعيد السياسي الذي يتضمن بلا شك شقين آخرين هما الشق العسكري والشق الأمني نرى أن المجلس واجه بحق تقلبات ربما لم تتعرض أي منطقة أخرى في العالم لمثيلاتها.فالحرب العراقية – الإيرانية المعروفة باسم حرب الخليج الأولى وما سبقها من تداعيات الثورة الإسلامية التي قام بها آيات الله في إيران ضد نظام الشاه ثم غزو العراق للكويت بما عرف حرب الخليج الثانية ثم الغزو الأمريكي للعراق وانهيار نظام صدام حسين وتدخلات إيرانية في الشؤون الداخلية في العراق ولبنان وفلسطين وخلافه. كل هذا كان من شأنه وضع العراقيل أمام تقدم مسيرة المجلس. ولأسباب عديدة لم يتمكن المجلس من حماية أعضائه خاصة أثناء غزو النظام العراقي السابق للكويت وذلك رغم أن المجلس نشأ أساساً لأسباب أمنية بعد الثورة الإيرانية (1979) وبعد اندلاع الحرب العراقية ـ الإيرانية (1980-1988). وكان لافتاً للنظر ما أعلنه ولي العهد السعودي الأمير سلطان بن عبدالعزيز في ديسمبر 2005 من تفاصيل لمقترح سعودي بتفكيك قوات (درع الجزيرة) المشتركة التابعة للمجلس بعد 20 عاماً من إنشائها. وقضى المقترح السعودي الذي كان محل إشادة القمة الخليجية بأن تشرف كل دولة على وحداتها المخصصة لقوات (درع الجزيرة) التي يمكن استدعاؤها متى اقتضت الضرورة. ويذكر أن تلك القوات أسست عام 1986 وتتمركز في حفر الباطن شمال شرق السعودية.

ومن الإنصاف أن نشير هنا إلى أن مسيرة العمل المشترك في تصاعد، وأنها في تقدم مستمر رغم ما قد يعترضها من عقبات أو صعاب لأن استمرار المجلس وانتظام اجتماعاته هما في حد ذاتهما إنجاز كبير ويبعثان على التفاؤل خاصة في ظل فشل تجمعات إقليمية عربية أخرى ما يجعله التجمع الإقليمي العربي الوحيد الموجود والفعال الذي يعطي الأمل في إمكانية التكامل العربي. وكل هذا يؤهل المجلس لاتخاذ قرارات مهمة وفاعلة في المستقبل، لكن التحديات الجديدة التي تواجه دول مجلس التعاون الخليجي تختلف نوعياً عن التحديات التقليدية التي نشأ المجلس لمواجهتها، فالأمر لم يعد مقتصراً فقط على تهديدات موجهة من جانب قوىإقليمية ودولية طامحة إلى لعب دور في التفاعلات الجارية في منطقة الخليج، إنما وبالإضافة إلى ذلك ثمة تهديدات أمنية مباشرة تواجه دول مجلس التعاون نابعة من الداخل في الأساس، وتتمثل في تصاعد موجة من العنف والإرهاب. هذه الظاهرة اقترنت خاصة خلال السنوات الخمس الماضية بتعاظم دور بعض الجماعات المتمسكة بمرجعية دينية متشددة وتربية قتالية عالية ورغبة قوية في تغيير أوضاع البلاد من خلال اللجوء إلى العنف والإرهاب. وتفرض هذه التحديات في مجملها ضرورة استدعاء أفكار جديدة متطورة عن الأفكار التقليدية التي طرحت بخصوص أمن الخليج ومن ثم بلورة إطار مرجعي يستوعب المعضلات الأمنية الجديدة التي تواجهها دول مجلس التعاون.

كل هذه القضايا الشائكة التي تشهدها المنطقة تستدعي العمل الجماعي المشترك بين دول المجلس والتنسيق في الخطاب السياسي الموحد وتوحيد الرؤى والمواقف تجاهها، بالإضافة إلى ضرورة تبني دول المجلس سياسة موحدة وفاعلة في ما يتعلق بالمخاطر ذات التأثير المباشر فيها كالوضع في العراق والملف النووي الإيراني والإرهاب الدولي من خلال اعتماد سياسة وقائية تغطي كل المجالات وتعزيز التعاون الأمني والاستخباراتي بين دول المجلس وتشديد الرقابة على مصادر تمويل الإرهاب وإصدار قوانين عقابية رادعة وتعزيز التعاون الإقليمي والدولي.

اكتمال هيكل السوق الخليجية المشتركة ينقصه التوصل إلى عملة خليجية موحدة

ومن هنا تأتي ضرورة تحقيق الاستقرار السياسي والأمني في منطقة الخليج وهذا يتطلب معالجة الوضع الخطير في العراق من خلال إعداد برنامج عمل موحد لدول المجلس يسعى إلى ضمان عدم انزلاق العراق في أتون حرب أهلية طاحنة قد يطال شررها دول المجلس وصياغة رؤية خليجية موحدة للتعاون المشترك تجاه العراق وعدم الاعتماد على التصريحات وحدها لأنها لن تفيد في وقتنا الراهن.

والحديث عن الإرهاب ومحاربته يتصدر اهتمام دول المجلس لما يشكله من قلق أمني وهاجس مزعج تعاني منه كافة دول المنطقة وهذا الموضوع له شقان: الأول بما يمثله الإرهاب الداخلي والنابع من بعض الفئات الضالة أو المضللة (صاحبة الفكر المنشق) في دول المجلس. والثاني الإرهاب الخارجي والنابع من عدوى الأحداث الدامية والمؤسفة في العراق. لذا فإن التعاون الأمني بين دول المجلس في ما يتعلق بالإرهاب سوف يتجاوز التعاون القائم في مجال المعلومات الاستخباراتية ليشمل وضع خطوط عامة واستراتيجية أكثر شمولاً وحزماً لمكافحة هذه الظاهرة المدمرة محلياً وإقليمياً ودولياً. وهو ما يجعل الخليجيين يتطلعون بمزيد من الأمل والتفاؤل لأن يتحقق لهم المزيد من الأمن والاستقرار والتقدم على كافة الصعد.  

وكذلك يجب أن تتكاتف دول مجلس التعاون الخليجي مع بعضها البعض من أجل استرجاع دولة الإمارات لسيادتها على جزرها الثلاث (طنب الكبرى وطنب الصغرى وأبو موسى) الواقعة تحت الاحتلال الإيراني، وتدعو إيران إلى القبول بإحالة النزاع إلى محكمة العدل الدولية والسعي إلى حله بالطرق السلمية لأن هذه الجزر تعد من أهم قضايا الأمن القومي الخليجي الذي يجب أن تتخذ من أجله خطوات فاعلة.

ويجب أيضاً أن تظل قضية الصراع العربي – الإسرائيلي محور الاهتمام الخليجي لأنها تعد أساس التوتر الذي يسود منطقة الشرق الأوسط بأكملها لانعدام العدالة الدولية في التعامل مع هذه القضية وفي تحقيق مطالب الشعب الفلسطيني المشروعة في إقامة دولته المستقلة على ترابه الوطني وعاصمتها القدس الشريف، بل إن هذه القضية ينبغي أن تكون دائماً محور اهتمام قادة دول مجلس التعاون في القمم الخليجية، فالبيان الأخير للقمة الثامنة والعشرين لم يتطرق إلا لأمل القادة الخليجيين في أن يسفر مؤتمر (أنابوليس) عن إطلاق مفاوضات السلام بين الأطراف المعنية مع الالتزام بأسس الحل الشامل من دون النظر إلى معاناة الشعب الفلسطيني سواء على المستوى السياسي من خلال التدخل للتوفيق بين حركتي (فتح) و(حماس) لنزع فتيل الأزمة بينهما واللجوء إلى الحوار والتفاوض لحل الخلافات مع ضرورة التوصل إلى حكومة وحدة وطنية لإنقاذ الوضع الفلسطيني المتردي، كما ينبغي على دول المجلس الغنية بالنفط والتي حققت فائضاً ضخماً في ميزانياتها العامة زيادة الدعم المادي لأبناء الشعب الفلسطيني والالتزام بقرارات المجلس الوزاري العربي بضرورة كسر الحصار على الشعب الفلسطيني والعمل بكل السبل لإيصال المساعدة للشعب الفلسطيني الذي يواجه آلة الحرب الإسرائيلية والحصار المشدد.

وأخيراً نقولإن الأحلام التي يتوق إليها مواطنو دول المجلس ليست كبيرة، كما يعتقد البعض، بل هي بسيطة كبساطة حياتهم ومعيشتهم تكمن في إلغاء القيود أياً كانت (حدود، جمارك، الاستثمار، العمالة، السوق المشتركة، الرسوم، الضرائب، التنقل بالبطاقة، التملك.. إلخ) بمعنى أنهم يطالبون بتفعيل توصيات القمم الخليجية، أي تحققها على أرض الواقع كإنشاء لجان لتنفيذ القرارات ومتابعتها.إن أمل الشعوب الخليجية في استكمال مجلس دولها لمسيرتهلن يتحقق إلا بإعادة تقييم أوضاع قراراتهم الصادرة على امتداد السنوات السابقة وبالتعرف في الوقت نفسه بصدق وشفافية إلى أسباب تعطيلها ومعوقات التقدم نحو استكمالها.

::/fulltext::
::cck::2146::/cck::

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *