الخليج ومعضلة البحث عن الأمن
::cck::3370::/cck::
::introtext::
يُعد موضوع أمن الخليج من القضايا الرئيسية المطروحة على الصعيدين الإقليمي والعالمي منذ سبعينات القرن العشرين، ومما يزيد من خطورة الأمر أن البحث عن الأمن أصبح يشكل معضلة حقيقية في هذه المنطقة الحساسة من العالم في ظل استمرار غياب هيكل مستقر للأمن، وتعدد مصادر الخطر والتهديد، وتباين رؤى وتصورات الأطراف الإقليمية والدولية المعنية بهذا الأمر.
::/introtext::
::fulltext::
يُعد موضوع أمن الخليج من القضايا الرئيسية المطروحة على الصعيدين الإقليمي والعالمي منذ سبعينات القرن العشرين، ومما يزيد من خطورة الأمر أن البحث عن الأمن أصبح يشكل معضلة حقيقية في هذه المنطقة الحساسة من العالم في ظل استمرار غياب هيكل مستقر للأمن، وتعدد مصادر الخطر والتهديد، وتباين رؤى وتصورات الأطراف الإقليمية والدولية المعنية بهذا الأمر.
تأتي أهمية تناول هذا الموضوع من عدة اعتبارات:
أولاً، الأهمية الاقتصادية والاستراتيجية التي تمثلها منطقة الخليج على الصعيد العالمي، حيث تساهم دول الخليج بأكبر كمية من الإنتاج العالمي للنفط، ولديها أكبر حجم من الاحتياطي العالمي من هذه السلعة الاستراتيجية المهمة، والتي تؤكد تقارير ودراسات عديدة أن الاعتماد عليها سوف يستمر إلى عقود مقبلة رغم كثرة الحديث عن مصادر بديلة عن النفط، وتنوع الجهود المبذولة لتحقيق هذا الهدف، وبالتالي فإن الازدهار الاقتصادي على الصعيد العالمي يتوقف في جانب مهم منه على حالة الأمن والاستقرار في منطقة الخليج.
ثانياً، أن المنطقة لم تنعم بالأمن والاستقرار منذ أواخر سبعينات القرن العشرين، حيث شهدت أربع حروب لا تزال تداعياتها مستمرة حتى الآن هي: الحرب العراقية – الإيرانية التي استمرت لقرابة عقد من الزمان، وكارثة الغزو العراقي لدولة الكويت، وحرب تحرير الكويت، والحرب الأمريكية – البريطانية على العراق، التي انتهت بإطاحة نظام صدام حسين، ووقوع العراق في قبضة الاحتلال الأمريكي الذي أفضى إلى تفكيك أجهزة الدولة العراقية ومؤسساتها، ودخول البلاد في دوامة من العنف والصراعات التي لا يعرف أحد كيفية الخروج منها. ولاشك في أن كثرة الحروب والصراعات التي شهدتها – وتشهدها – المنطقة عمقت من الهواجس والمخاوف لدى العديد من الأطراف المعنية، مما أثر – ويؤثر – سلباً في فرص وإمكانيات بلورة صيغة مستقرة للأمن في الخليج.
ثالثاً، تزايد الوجود الأجنبي في منطقة الخليج، فالثروة النفطية الضخمة للمنطقة جعلتها في بؤرة اهتمام القوى الدولية الكبرى. وليس من قبيل المبالغة القول إن النفط شكل عنصراً جوهرياً في مختلف الحروب التي شهدتها المنطقة. وكان من أبرز نتائج الغزو العراقي لدولة الكويت تزايد الوجود الأجنبي وخاصة الأمريكي في منطقة الخليج، حيث أصبح للولايات المتحدة الأمريكية وجودها العسكري المكثف والمباشر في المنطقة، وذلك من خلال قوات برية وجوية، وقواعد وتسهيلات عسكرية، ومخازن أسلحة، وأساطيل وحاملات طائرات تجوب مياه الخليج. ومن هنا فقد أصبحت الولايات المتحدة لاعباً رئيسياً في التفاعلات السياسية والأمنية في المنطقة، والطرف الدولي الرئيسي في معادلة الأمن في الخليج. ولا شك في أن هذا التداخل المكثف والمعقد بين ما هو محلي وإقليمي ودولي في منطقة الخليج إنما يزيد من معضلة الأمن تعقيداً.
رابعاً، أن هناك قضايا ومشكلات متفجرة في المنطقة، وتهدد بالمزيد من مخاطر عدم الاستقرار في حال عدم التوصل إلى حلول جذرية لها عبر القنوات والوسائل السياسية والدبلوماسية، فهناك المسألة العراقية، وهناك أزمة الملف النووي الإيراني وما يرتبط بها من إشكاليات وتجاذبات محلية وإقليمية ودولية، فضلاً عن شبح الإرهاب المخيم على بعض الدول، وحالة عدم الاستقرار في منطقة جنوب آسيا. وكل هذه المشكلات والقضايا تنطوي على كثير من عناصر التهديد لأمن الخليج على نحو ما سيأتي ذكره فيما بعد.
خامساً، أن دول مجلس التعاون الخليجي، باستثناء المملكة العربية السعودية، هي بصفة عامة دول صغيرة بمعايير المساحة وعدد السكان والقدرات العسكرية، ولكن لديها في الوقت نفسه ثروات نفطية كبيرة. والمشكلة أن هذه الدول توجد في منطقة مضطربة وغير مستقرة من العالم، وخاصة في ظل وجود قوى إقليمية ودولية كبرى لها طموحات وتطلعات في هذه المنطقة. ومن هنا فإن مسألة الأمن تُعتبر أكثر حساسية بالنسبة للدول الصغيرة، وخاصة في ظل تعدد مصادر الخطر والتهديد الراهنة والمحتملة، كما أن كارثتي الغزو العراقي لدولة الكويت، والاحتلال الأمريكي للعراق لا تزالان ماثلتين في الأذهان.
سادساً، رغم أن هناك المئات من اللقاءات الرسمية والندوات والمؤتمرات العلمية والكتب والدراسات التي تطرقت إلى موضوع أمن الخليج على مدى العقود الثلاثة الماضية، إلا أنه لم يترتب على ذلك حدوث أي تقدم بشأن وضع أو بلورة صيغة مقبولة وترتيبات مستقرة لأمن الخليج، وخاصة في ظل وجود تباينات واضحة بين دول المجلس بشأن تحديد مصادر الخطر والتهديد، وتحديد من هو العدو ومن هو الصديق، مما أدى إلى تفاقم حدة الخلافات والصراعات في المنطقة.
مصادر التهديد القائمة والمحتملة
في ضوء الأوضاع الراهنة في منطقة الخليج وما تشهده من تحولات حادة ومتسارعة يمكن القول إن هناك العديد من مصادر التهديد القائمة والمحتملة لأمن الخليج، والعبرة ليست بوجود هذه المصادر فحسب، ولكن أيضاً بطبيعة مدركات ورؤى الأطراف المعنية لهذه التهديدات وسبل التعامل معها. ومن هذا المنطلق، تتمثل أبرز التهديدات القائمة والمحتملة في منطقة الخليج فيما يلي:
1- استمرار الأوضاع المأساوية الراهنة في العراق: وتتجلى بصفة عامة في تردي الحالة الأمنية رغم كل الجهود المبذولة لضبط الانفلات الأمني وفرض النظام، وتعثر العملية السياسية في ظل استمرار غياب الاتفاق بين القوى والتكوينات العراقية الرئيسية على مشروع يتعلق بواقع ومستقبل الدولة والنظام السياسي في العراق، فضلاً عن استمرار سطوة الميليشيات المسلحة، وانتشار العنف الطائفي، وزيادة عمليات التهجير القسري على أسس طائفية، وتفاقم الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية وخاصة مع استمرار ضعف أجهزة السلطة ومؤسساتها واستشراء الفساد المالي والإداري. وفي ظل هذه الأوضاع فقد أصبح العراق مجالاً مفتوحاً للتدخلات الخارجية من قبل دول وتنظيمات عابرة لحدود الدول، كما أصبح ساحة لتصفية الحسابات وتوصيل الرسائل بين بعض الأطراف الإقليمية والدولية ذات التأثير الكبير في الأوضاع الداخلية في العراق، وخاصة الولايات المتحدة الأمريكية وإيران وتنظيم القاعدة، فالأولى لها وجودها العسكري والأمني والسياسي المكثف في العراق، فيما تسيطر الثانية على كثير من مفاصل الدولة العراقية، أما تنظيم القاعدة فقد وجد في عراق ما بعد صدام حسين الذي يعاني من الفوضى والانقسام ملاذاً مناسباً. وفي ضوء ذلك، فإن استمرار الحالة الراهنة في العراق سوف يجعل منه بؤرة رئيسية لعدم الاستقرار في الخليج، باعتبار أن العراق دولة محورية في المنطقة، وله مكانته الكبيرة في السوق العالمي للنفط، مما يجعل من استقراره عنصراً جوهرياً لتحقيق الأمن في الخليج.
2- تزايد احتمالات تقسيم العراق أو تفكك الدولة العراقية: فإذا كان عدم الاستقرار في العراق يؤثر سلباً في الأمن في الخليج، فإن الخطر سيكون أعظم في حالة نشوب حرب أهلية قد تفضي إلى تقسيم العراق، بحيث تظهر دويلة كردية في الشمال، ودويلة شيعية في الجنوب، ودويلة سنية في الوسط. ومما يثير القلق على مستقبل العراق أن هناك الكثير من المعطيات والعوامل التي يمكن أن تساعد على ذلك، لاسيما أن الواقع الراهن في العراق اليوم هو أقرب إلى التقسيم من الناحية العملية في استمرار دورة العنف والعنف المضاد التي تجعل العراق في شبه حرب أهلية. ولا شك في أن تفكك الدولة العراقية سيفضي إلى مزيد من عدم الاستقرار، فالعلاقة بين الدويلات سالفة الذكر سيكون في الأغلب الأعم محكومة بطابع الصراع والمواجهة، وكل منها سوف تسعى إلى تعزيز موقعها من خلال الارتباط بقوة خارجية بحيث تصبح في التحليل الأخير مجرد أداة لها. كما أن التفكك سوف يجعل من العراق بؤرة لتصدير التطرف والإرهاب إلى خارج حدوده، فالتجارب التاريخية المقارنة تؤكد على أنه في حالة غياب الدولة المركزية يتسع المجال لترعرع وتمدد دور جماعات التطرف والإرهاب، كما هي الحال في تجربتي كل من الصومال وأفغانستان وغيرهما. وبناء عليه، فإذا كان عراق ما بعد صدام حسين قد أصبح ساحة لتنظيم القاعدة، فإن الوضع سيكون أسوأ في حالة تفسخ الدولة العراقية على أسس عرقية وطائفية ومناطقية.
3- أزمة الملف النووي الإيراني: تُعتبر هذه الأزمة أحد المصادر الرئيسية لتهديد الأمن في الخليج خاصة في حالة الفشل في حلها بالطرق السلمية واندلاع مواجهة مسلحة بين الولايات المتحدة الأمريكية بسبب الملف النووي وقضايا أخرى. وبغض النظر عن التكهنات المتضاربة والتحليلات المتباينة بشأن احتمال حدوث هذه المواجهة بين الطرفين وخاصة بعد صدور التقرير الاستخباراتي الأمريكي في ديسمبر عام 2007، والذي أكد أن إيران أوقفت برنامجها النووي العسكري في عام 2003، بغض النظر عن ذلك، فإن الصراع حول الملف النووي الإيراني هو في جانب مهم منه صراع إرادات بين الولايات المتحدة الأمريكية كقوة عالمية عظمى تعاني من تآكل في قدرتها على التأثير والحسم سواء على الصعيد العسكري أو السياسي، مما أثر سلباً في هيبتها ومكانتها العالمية، وبين إيران كقوة إقليمية صاعدة لها طموحات وتطلعات في محيطها الإقليمي، خاصة أن خروج العراق من معادلة ميزان القوة الإقليمي أحدث خللاً كبيراً في هذا الميزان لصالحها. ورغم أن خيار المواجهة المسلحة بين الدولتين ضعيف الاحتمال في الوقت الراهن وربما خلال المستقبل المنظور، وذلك لاعتبارات عديدة أبرزها تفاقم ورطة أمريكا في العراق، وتصاعد الانتقادات الداخلية للإدارة الأمريكية بسبب ذلك، إلا أنه غير مستبعد نهائياً خاصة في ظل حالة التشدد التي تبديها كل من إدارة بوش وحكومة أحمدي نجاد بشأن هذا الملف. وفي هذا السياق، فإنه في حالة عدم حسم أزمة الملف النووي الإيراني بالطرق السلمية، فإن مسألة التعامل مع إيران وملفها النووي سوف تظل تشكل قضية رئيسية على أجندة أية إدارة تخلف إدارة جورج بوش الابن. وفي كل الأحوال، فإن من أسوأ السيناريوهات المستقبلية هو أن يشهد الخليج حرباً جديدة بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران، وسيصبح الوضع أكثر تعقيداً في حال دخلت إسرائيل على الخط، وأصبحت طرفاً مباشراً في المواجهة. فمن المتصور في هذه الحالة أن يتزايد حجم الخطر والتهديد في منطقة الخليج، فإيران قد ترد باستهداف المصالح الأمريكية في بعض دول المنطقة، وقد تعطل الملاحة في مضيق هرمز، مما يضر كثيراً بصادرات النفط، وقد تقوم جماعات وعناصر موالية لها بتأجيج إضرابات داخلية وزعزعة الأمن في بعض دول المنطقة. وكل ذلك وغيره يعني أن بعض دول المنطقة قد تجد نفسها تدفع ولو جزئياً ثمن حرب لا ناقة لها فيها ولا جمل. ومن هنا يأتي حرص دول مجلس التعاون الخليجي على ضرورة تسوية أزمة الملف النووي الإيراني بالطرق السلمية، ولكن على الرغم من حالة التوتر والتأزم في العلاقات الأمريكية – الإيرانية، فإنه من غير المستبعد حدوث نوع من التوافق والتفاهم بين واشنطن وطهران في ظل ظروف وترتيبات معينة، بما يجعل الخليج تحت المظلة الأمريكية – الإيرانية، وهو احتمال يجب أن تأخذه الدول الخليجية الأخرى في الاعتبار.
4- فشل السياسة الأمريكية في المنطقة: تتسم السياسة الخارجية الأمريكية في منطقة الخليج بالتخبط وضعف الفاعلية، وهو ما يتجلى بوضوح شديد في تعاملها مع المسألة العراقية منذ إطاحة نظام صدام حسين عام 2003، فهذه السياسة لم تُؤسس على الأكاذيب فحسب، ولكنها افتقرت إلى التخطيط الدقيق لمرحلة ما بعد صدام حسين، بل إن واشنطن ارتكبت أخطاء في العراق قادت إلى وضعه على حافة التفكك والانقسام، كما أن سياستها تجاه طهران تفتقر إلى الوضوح، وخاصة في ظل تعقد وتداخل الملفات التي تعني الطرفين، فإلى جانب الملف النووي الإيراني هناك المسألة العراقية، والأزمة اللبنانية، والصراع العربي – الإسرائيلي. ونظراً لذلك فقد أصبحت السياسية الأمريكية في الخليج وتوابعها مصدراً رئيسياً للتوتر وعدم الاستقرار، مما يعقّد من فرص التوافق على صيغة مستقرة لأمن الخليج.
5- التهديد الإسرائيلي لأمن الخليج: من المعروف أن لإسرائيل أطماعها الثابتة في منطقة الخليج، وقد سبق لها قصف المفاعل النووي العراقي في الثمانينات، وتدق حالياً على نغمة ضرورة توجيه ضربة عسكرية لإيران باعتبارها تشكل خطراً على أمنها ومصالحها، فإيران تدعم حزب الله وحركة المقاومة الإسلامية (حماس)، وأن تصريحات الرئيس الإيراني أحمدي نجاد تجاه إسرائيل تقدم لها مسوغات للتحريض ضد إيران، كما أن إسرائيل سعت – وتسعى – من أجل تعزيز وجودها في عراق ما بعد صدام حسين، بحيث يكون لها موضع قدم في منطقة الخليج. وبالإضافة إلى كل ذلك، فإن امتلاك إسرائيل أكثر من 200 رأس نووي يجعلها مصدر التهديد الأول للمنطقة العربية بما في ذلك منطقة الخليج العربي. ومن المفارقات التي ترسخ من عدم مصداقية الولايات المتحدة الأمريكية وسياساتها في المنطقة، أنه في الوقت التي تتشدد فيه الإدارة الأمريكية بشأن البرنامج النووي الإيراني الافتراضي، رغم صدور التقرير الاستخباراتي الأمريكي الذي أكد تخلي إيران عن برنامجها النووي العسكري منذ عام 2003، إلا أن الإدارة الأمريكية تتجاهل تماماً البرنامج النووي الإسرائيلي القائم فعلاً على أرض الواقع، والذي يجعل إسرائيل القوة النووية الوحيدة في منطقة الشرق الأوسط، وهذا يشكل نوعاً من الاستمرار في سياسة المعايير المزدوجة التي تتعامل بها الولايات المتحدة الأمريكية مع قضايا المنطقة.
6- الإرهاب واحتمالات استهداف المنشآت النفطية: يشكل الإرهاب عنصراً رئيسياً في معادلة الأمن في منطقة الخليج، فهو حاضر بقوة على الساحة العراقية، بل إن عراق ما بعد صدام حسين تحول إلى ساحة لتنظيم القاعدة. كما أن المملكة العربية السعودية عانت من الإرهاب لسنوات، وتمكنت أجهزتها الأمنية مؤخراً من اعتقال العديد من الأشخاص المتهمين بالتخطيط لتنفيذ أعمال إرهابية في البلاد. وسوف يصبح تأثير التنظيمات الإرهابية أكثر خطورة في حال استهدفت المرافق والمنشآت النفطية في دول المنطقة، وهو ما حاولت هذه التنظيمات القيام به في غير مرة بالمملكة العربية السعودية. وفي ضوء ذلك فإن التصدي لخطر الإرهاب يمثل متغيراً مهماً في أي تصور لتحقيق الأمن في الخليج. وقد بات في حكم المؤكد أن الحل الأمني لا يكفي بمفرده لتجفيف منابع التطرف والإرهاب، حيث إن ذلك لا يتحقق إلا من خلال استراتيجية متكاملة لها جوانبها الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والدينية والأمنية.
7- استمرار التوتر في جنوب آسيا: ففي ظل تردي الأوضاع في أفغانستان نتيجة لعوامل عديدة أبرزها العودة القوية لحركة طالبان وتواصل عملياتها المسلحة، واستمرار حالة عدم الاستقرار الداخلي في باكستان، التي هي دولة نووية، واستمرار النزاع بين الهند وباكستان بسبب قضية كشمير، كل هذه العوامل وغيرها يمكن أن تشكل تهديدات ولو غير مباشرة لأمن الخليج، وخاصة في ظل وجود جاليات كبيرة لدول جنوب آسيا وبالذات الهند وباكستان في دول مجلس التعاون الخليجي.
8- تدخل بعض الدول في الشؤون الداخلية لدول أخرى: إن بعض التهديدات المحتملة التي يمكن أن يتعرض لها الأمن في الخليج يمكن أن تأتي نتيجة لتدخل بعض الدول في الشؤون الداخلية لدول أخرى، بحيث تتم زعزعة الأمن والاستقرار فيها، وقد يكون ذلك من خلال تقديم الدعم لبعض قوى المعارضة في الداخل أو مساعدة بعض العناصر والتنظيمات على القيام بنشاطات هدامة، وقد تتخذ بعض الدول ذلك أداة لتحقيق مصالحها وتنفيذ أجنداتها.
نحو بناء نظام أمني مستقر في الخليج
إن تأسيس نظام أمني مستقر في منطقة الخليج ليس بالأمر السهل بسبب تعدد الأطراف المعنية بهذا الأمر، وصعوبة بناء توافق حقيقي فيما بينها بهذا الخصوص، وتتعدد القضايا التي تشكل مصادر قائمة ومحتملة لتهديد الأمن في الخليج. وفي ضوء ذلك يمكن طرح بعض الأسس والمتطلبات اللازمة لبناء نظام أمني مستقر في منطقة الخليج، وذلك على النحو التالي:
1- تعزيز إجراءات بناء الثقة على المستوى الخليجي: لا يمكن الحديث عن بناء نظام أمني مستقر في الخليج من دون إيجاد حقائق على الأرض تجسد معاني بناء وتعزيز الثقة بين الدول المطلة على الخليج، ومن ذلك على سبيل المثال وقف التدخلات الخارجية في الشؤون الداخلية للعراق من قبل بعض الأطراف الإقليمية، وتجاوب إيران مع ما تطرحه دولة الإمارات العربية المتحدة بشأن حل مشكلة الجزر الثلاث بالتفاوض المباشر أو من خلال إحالة النزاع إلى محكمة العدل الدولية، ومبادرة طهران بطمأنة جيرانها بشأن برنامجها النووي، وذلك باطلاعهم عن قرب على طبيعة هذا البرنامج، والضمانات الفنية لتنفيذه، والتي يجب أن تتوافق مع ما تطرحه الوكالة الدولية للطاقة الذرية بهذا الشأن. ورغم أن القمة الأخيرة لدول مجلس التعاون الخليجي التي عُقدت في ديسمبر 2007 في الدوحة بقطر، والتي شارك فيها الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد، كأول رئيس إيراني يشارك في قمة للمجلس، كانت مناسبة ليقدم فيها الرئيس الإيراني تطمينات جدية لدول المجلس، إلا أنه لم يفعل، حيث تحدث بصفة عامة عن تعزيز التعاون بين الجانبين في عدد من المجالات، إلا أنه لم يتطرق لأهم القضايا الشائكة وخاصة قضية الجزر الثلاث المتنازع عليها، والملف النووي الإيراني، كما حرص في كلمته على تأكيد الطابع (الفارسي) للخليج واصفاً إياه بـ (الخليج الفارسي) بكل ما يثيره ذلك من حساسيات. وفي ضوء ذلك، فإن إجراءات عملية وملموسة لبناء الثقة فيما بين الدول الخليجية، وخاصة في ما يتعلق بمبادرة إيران إلى اتخاذ خطوات جادة بشأن معالجة القضايا الخلافية، سوف تعزز حالة الشعور بالأمن لدى مختلف الأطراف، ومن ثم تنتفي حاجة بعض الدول للارتباط بقوى خارجية تحت هاجس الأمن.
2- حل المسألة العراقية: وحل هذه المسألة لن يكون بالأساليب الأمنية فحسب، بل هو حل سياسي في المقام الأول، يجب أن يتضمن إلى جانب أشياء أخرى إنجاز مصالحة وطنية عراقية حقيقية على قاعدة المواطنة والديمقراطية والحفاظ على وحدة العراق وسلامة أراضيه، فضلاً عن إعادة تأسيس الجيش والشرطة العراقيين على أسس جديدة بما يمكنهما من فرض الأمن والنظام وإنهاء دور الميليشيات المسلحة. ويجب أن يتزامن مع ذلك تنفيذ خطة للانسحاب الأمريكي من العراق خلال فترة زمنية معقولة، ومراجعة خطط وسياسات إعادة الإعمار في ضوء خبرة السنوات السابقة بما يسمح بتحسين الأحوال المعيشية للعراقيين، وعودة المهجرين واللاجئين إلى ديارهم. وفي هذا السياق، فإن حلاً فعالاً للمسألة العراقية يتطلب توافقاً حقيقياً بين القوى والتكوينات العراقية الرئيسية من ناحية، وتغييراً جذرياً في السياسة الأمريكية تجاه العراق من ناحية ثانية، ودوراً أكبر للدول المجاورة للعراق وللأمم المتحدة من ناحية ثالثة.
3- التوصل إلى حل سلمي لأزمة الملف النووي الإيراني: وهذا يتوقف في جانب مهم منه على مدى تجاوب إيران مع الجهود الدولية المبذولة لتحقيق هذا الهدف، بما يضمن حقها في الاستخدام السلمي للطاقة النووية من ناحية، ويجنب المنطقة ويلات ومخاطر حرب جديدة من ناحية أخرى، وخاصة في ظل حالة غطرسة القوة التي تجسدها الإدارة الأمريكية الحالية. ورغم أن واشنطن قد تتردد حالياً أو حتى خلال المستقبل المنظور في توجيه ضربة عسكرية لإيران، إلا أن استمرار أزمة الملف النووي الإيراني من دون حل سلمي جذري سوف يجعلها مصدراً رئيسياً لعدم الاستقرار في المنطقة.
4- بلورة صيغة جماعية توافقية لتحقيق الأمن في الخليج: بحيث تراعي هذه الصيغة مصالح مختلف الأطراف وتبدد ما يمكن أن يكون لدى بعضها من هاجس ومخاوف مشروعة، فالعراق يعاني من تدخلات بعض الأطراف الإقليمية في شؤونه لتحقيق أجنداتها الخاصة، وبعض الدول الصغيرة في الخليج لديها هواجس تجاه بعض الدول الإقليمية الكبيرة التي لها طموحات تتعدى حدودها، وإيران لديها هواجس من الوجود العسكري الأمريكي المكثف في المنطقة، خاصة في ظل الحديث عن إقامة قواعد عسكرية دائمة في العراق. وفي هذا السياق تبرز أسس مهمة يجب أن تكون من مرتكزات الأمن في الخليج مثل الالتزامات المتبادلة بين كل الدول الخليجية بشأن احترام استقلال الدول وسيادتها على أراضيها، وعدم التدخل في شؤونها الداخلية، فضلاً عن الالتزام بتسوية أي خلافات بالطرق السلمية وبعيداً عن استخدام القوة أو التهديد باستخدامها، لأن تهديد الأمن في الخليج على مدى العقود الماضية حدث من جراء انخراط العراق وإيران في حرب استمرت لقرابة عقد من الزمان، ثم قيام العراق بغزو واحتلال دولة الكويت في عام 1990، وهذه التطورات وغيرها خلقت ظروفاً مواتية لزيادة التدخل الأجنبي وخاصة الأمريكي في شؤون المنطقة. وعموماً فإن أية صيغة جماعية للأمن في الخليج قد تأخذ شكل اتفاقية للأمن والتعاون، يتم في إطارها إنشاء منتدى للأمن في الخليج، بحيث يكون إطاراً مؤسسياً للتشاور وتبادل المعلومات، واستشعار الأزمات والمشكلات المحتملة وإيجاد السبل الكفيلة بمنع تفجرها أو معالجتها في حال حدوثها. ونظراً لأن منطقة الخليج لها أهميتها الاقتصادية والاستراتيجية بالنسبة للعالم على نحو ما سبق ذكره، فإن أي ترتيبات للأمن في الخليج لابد أن تأخذ هذه الحقيقة في الاعتبار، بحيث يكون أمن النفط وأمن ممراته جزءاً من هذه الترتيبات. وفي هذا السياق، يمكن أن يكون لبعض القوى والمنظمات الدولية والإقليمية دور في مسألة أمن الخليج، ولكن وفق رؤية تمثل قاسماً مشتركاً بحيث تراعي مصالح مختلف الأطراف.
5- مواصلة جهود الإصلاح الداخلي في الدول الخليجية: من المؤكد أن مواصلة عملية الإصلاح الداخلي في الدول الخليجية، وذلك وفق استراتيجيات شاملة تستند إلى رؤى وأجندات وطنية للإصلاح هي السبيل الحقيقي لتجفيف منابع التطرف والإرهاب، والذي يشكل مصدراً قائماً ومحتملاً لتهديد الأمن في الخليج على نحو ما سبق ذكره. فالإصلاح الحقيقي هو السبيل الوحيد لتلبية مطالب القوى الراغبة في المشاركة من خلال القنوات الرسمية، وتعزيز الشرعية السياسية، وتجديد العقد الاجتماعي بين الحاكم والمحكوم، فضلاً عن تكريس الوحدة الوطنية، وتجفيف منابع التطرف والعنف والإرهاب، وقطع الطريق أمام أي تدخلات خارجية في الشؤون الداخلية.
6- مواصلة جهود تعزيز التعاون بين دول مجلس التعاون الخليجي وخاصة في المجالات العسكرية والأمنية والاقتصادية: فهذا هو السبيل الوحيد المتاح أمام هذه الدول من أجل تفعيل قدرتها على حماية مصالحها، ومواجهة التهديدات التي قد تتعرض لها، فضلاً عن اطلاعها بدور أكبر في أي ترتيبات مستقبلية لتحقيق الأمن في الخليج.
والخلاصة هي أن مسألة الأمن في الخليج معقدة ومتداخلة بحكم تعدد القضايا والأطراف المحلية الإقليمية والدولية المرتبطة بها. وإذا كان الخليج قد شهد العديد من الحروب في السابق، والتي لاتزال تداعياتها مستمرة حتى الآن، فإن هناك الكثير من التهديدات القائمة حالياً والمحتملة مستقبلاً، والتي تنذر بما هو أسوأ في حال استمرت المشكلات الراهنة من دون حلول جذرية وحقيقية. ومن هنا تأتي أهمية التفكير والتحرك من أجل بناء نظام أمني مستقر في منطقة الخليج، إلا أن هذا الأمر له أسسه وشروطه ومتطلباته التي يبدو من الصعب توفيرها وإنضاجها خلال المستقبل المنظور.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::3370::/cck::
::introtext::
يُعد موضوع أمن الخليج من القضايا الرئيسية المطروحة على الصعيدين الإقليمي والعالمي منذ سبعينات القرن العشرين، ومما يزيد من خطورة الأمر أن البحث عن الأمن أصبح يشكل معضلة حقيقية في هذه المنطقة الحساسة من العالم في ظل استمرار غياب هيكل مستقر للأمن، وتعدد مصادر الخطر والتهديد، وتباين رؤى وتصورات الأطراف الإقليمية والدولية المعنية بهذا الأمر.
::/introtext::
::fulltext::
يُعد موضوع أمن الخليج من القضايا الرئيسية المطروحة على الصعيدين الإقليمي والعالمي منذ سبعينات القرن العشرين، ومما يزيد من خطورة الأمر أن البحث عن الأمن أصبح يشكل معضلة حقيقية في هذه المنطقة الحساسة من العالم في ظل استمرار غياب هيكل مستقر للأمن، وتعدد مصادر الخطر والتهديد، وتباين رؤى وتصورات الأطراف الإقليمية والدولية المعنية بهذا الأمر.
تأتي أهمية تناول هذا الموضوع من عدة اعتبارات:
أولاً، الأهمية الاقتصادية والاستراتيجية التي تمثلها منطقة الخليج على الصعيد العالمي، حيث تساهم دول الخليج بأكبر كمية من الإنتاج العالمي للنفط، ولديها أكبر حجم من الاحتياطي العالمي من هذه السلعة الاستراتيجية المهمة، والتي تؤكد تقارير ودراسات عديدة أن الاعتماد عليها سوف يستمر إلى عقود مقبلة رغم كثرة الحديث عن مصادر بديلة عن النفط، وتنوع الجهود المبذولة لتحقيق هذا الهدف، وبالتالي فإن الازدهار الاقتصادي على الصعيد العالمي يتوقف في جانب مهم منه على حالة الأمن والاستقرار في منطقة الخليج.
ثانياً، أن المنطقة لم تنعم بالأمن والاستقرار منذ أواخر سبعينات القرن العشرين، حيث شهدت أربع حروب لا تزال تداعياتها مستمرة حتى الآن هي: الحرب العراقية – الإيرانية التي استمرت لقرابة عقد من الزمان، وكارثة الغزو العراقي لدولة الكويت، وحرب تحرير الكويت، والحرب الأمريكية – البريطانية على العراق، التي انتهت بإطاحة نظام صدام حسين، ووقوع العراق في قبضة الاحتلال الأمريكي الذي أفضى إلى تفكيك أجهزة الدولة العراقية ومؤسساتها، ودخول البلاد في دوامة من العنف والصراعات التي لا يعرف أحد كيفية الخروج منها. ولاشك في أن كثرة الحروب والصراعات التي شهدتها – وتشهدها – المنطقة عمقت من الهواجس والمخاوف لدى العديد من الأطراف المعنية، مما أثر – ويؤثر – سلباً في فرص وإمكانيات بلورة صيغة مستقرة للأمن في الخليج.
ثالثاً، تزايد الوجود الأجنبي في منطقة الخليج، فالثروة النفطية الضخمة للمنطقة جعلتها في بؤرة اهتمام القوى الدولية الكبرى. وليس من قبيل المبالغة القول إن النفط شكل عنصراً جوهرياً في مختلف الحروب التي شهدتها المنطقة. وكان من أبرز نتائج الغزو العراقي لدولة الكويت تزايد الوجود الأجنبي وخاصة الأمريكي في منطقة الخليج، حيث أصبح للولايات المتحدة الأمريكية وجودها العسكري المكثف والمباشر في المنطقة، وذلك من خلال قوات برية وجوية، وقواعد وتسهيلات عسكرية، ومخازن أسلحة، وأساطيل وحاملات طائرات تجوب مياه الخليج. ومن هنا فقد أصبحت الولايات المتحدة لاعباً رئيسياً في التفاعلات السياسية والأمنية في المنطقة، والطرف الدولي الرئيسي في معادلة الأمن في الخليج. ولا شك في أن هذا التداخل المكثف والمعقد بين ما هو محلي وإقليمي ودولي في منطقة الخليج إنما يزيد من معضلة الأمن تعقيداً.
رابعاً، أن هناك قضايا ومشكلات متفجرة في المنطقة، وتهدد بالمزيد من مخاطر عدم الاستقرار في حال عدم التوصل إلى حلول جذرية لها عبر القنوات والوسائل السياسية والدبلوماسية، فهناك المسألة العراقية، وهناك أزمة الملف النووي الإيراني وما يرتبط بها من إشكاليات وتجاذبات محلية وإقليمية ودولية، فضلاً عن شبح الإرهاب المخيم على بعض الدول، وحالة عدم الاستقرار في منطقة جنوب آسيا. وكل هذه المشكلات والقضايا تنطوي على كثير من عناصر التهديد لأمن الخليج على نحو ما سيأتي ذكره فيما بعد.
خامساً، أن دول مجلس التعاون الخليجي، باستثناء المملكة العربية السعودية، هي بصفة عامة دول صغيرة بمعايير المساحة وعدد السكان والقدرات العسكرية، ولكن لديها في الوقت نفسه ثروات نفطية كبيرة. والمشكلة أن هذه الدول توجد في منطقة مضطربة وغير مستقرة من العالم، وخاصة في ظل وجود قوى إقليمية ودولية كبرى لها طموحات وتطلعات في هذه المنطقة. ومن هنا فإن مسألة الأمن تُعتبر أكثر حساسية بالنسبة للدول الصغيرة، وخاصة في ظل تعدد مصادر الخطر والتهديد الراهنة والمحتملة، كما أن كارثتي الغزو العراقي لدولة الكويت، والاحتلال الأمريكي للعراق لا تزالان ماثلتين في الأذهان.
سادساً، رغم أن هناك المئات من اللقاءات الرسمية والندوات والمؤتمرات العلمية والكتب والدراسات التي تطرقت إلى موضوع أمن الخليج على مدى العقود الثلاثة الماضية، إلا أنه لم يترتب على ذلك حدوث أي تقدم بشأن وضع أو بلورة صيغة مقبولة وترتيبات مستقرة لأمن الخليج، وخاصة في ظل وجود تباينات واضحة بين دول المجلس بشأن تحديد مصادر الخطر والتهديد، وتحديد من هو العدو ومن هو الصديق، مما أدى إلى تفاقم حدة الخلافات والصراعات في المنطقة.
مصادر التهديد القائمة والمحتملة
في ضوء الأوضاع الراهنة في منطقة الخليج وما تشهده من تحولات حادة ومتسارعة يمكن القول إن هناك العديد من مصادر التهديد القائمة والمحتملة لأمن الخليج، والعبرة ليست بوجود هذه المصادر فحسب، ولكن أيضاً بطبيعة مدركات ورؤى الأطراف المعنية لهذه التهديدات وسبل التعامل معها. ومن هذا المنطلق، تتمثل أبرز التهديدات القائمة والمحتملة في منطقة الخليج فيما يلي:
1- استمرار الأوضاع المأساوية الراهنة في العراق: وتتجلى بصفة عامة في تردي الحالة الأمنية رغم كل الجهود المبذولة لضبط الانفلات الأمني وفرض النظام، وتعثر العملية السياسية في ظل استمرار غياب الاتفاق بين القوى والتكوينات العراقية الرئيسية على مشروع يتعلق بواقع ومستقبل الدولة والنظام السياسي في العراق، فضلاً عن استمرار سطوة الميليشيات المسلحة، وانتشار العنف الطائفي، وزيادة عمليات التهجير القسري على أسس طائفية، وتفاقم الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية وخاصة مع استمرار ضعف أجهزة السلطة ومؤسساتها واستشراء الفساد المالي والإداري. وفي ظل هذه الأوضاع فقد أصبح العراق مجالاً مفتوحاً للتدخلات الخارجية من قبل دول وتنظيمات عابرة لحدود الدول، كما أصبح ساحة لتصفية الحسابات وتوصيل الرسائل بين بعض الأطراف الإقليمية والدولية ذات التأثير الكبير في الأوضاع الداخلية في العراق، وخاصة الولايات المتحدة الأمريكية وإيران وتنظيم القاعدة، فالأولى لها وجودها العسكري والأمني والسياسي المكثف في العراق، فيما تسيطر الثانية على كثير من مفاصل الدولة العراقية، أما تنظيم القاعدة فقد وجد في عراق ما بعد صدام حسين الذي يعاني من الفوضى والانقسام ملاذاً مناسباً. وفي ضوء ذلك، فإن استمرار الحالة الراهنة في العراق سوف يجعل منه بؤرة رئيسية لعدم الاستقرار في الخليج، باعتبار أن العراق دولة محورية في المنطقة، وله مكانته الكبيرة في السوق العالمي للنفط، مما يجعل من استقراره عنصراً جوهرياً لتحقيق الأمن في الخليج.
2- تزايد احتمالات تقسيم العراق أو تفكك الدولة العراقية: فإذا كان عدم الاستقرار في العراق يؤثر سلباً في الأمن في الخليج، فإن الخطر سيكون أعظم في حالة نشوب حرب أهلية قد تفضي إلى تقسيم العراق، بحيث تظهر دويلة كردية في الشمال، ودويلة شيعية في الجنوب، ودويلة سنية في الوسط. ومما يثير القلق على مستقبل العراق أن هناك الكثير من المعطيات والعوامل التي يمكن أن تساعد على ذلك، لاسيما أن الواقع الراهن في العراق اليوم هو أقرب إلى التقسيم من الناحية العملية في استمرار دورة العنف والعنف المضاد التي تجعل العراق في شبه حرب أهلية. ولا شك في أن تفكك الدولة العراقية سيفضي إلى مزيد من عدم الاستقرار، فالعلاقة بين الدويلات سالفة الذكر سيكون في الأغلب الأعم محكومة بطابع الصراع والمواجهة، وكل منها سوف تسعى إلى تعزيز موقعها من خلال الارتباط بقوة خارجية بحيث تصبح في التحليل الأخير مجرد أداة لها. كما أن التفكك سوف يجعل من العراق بؤرة لتصدير التطرف والإرهاب إلى خارج حدوده، فالتجارب التاريخية المقارنة تؤكد على أنه في حالة غياب الدولة المركزية يتسع المجال لترعرع وتمدد دور جماعات التطرف والإرهاب، كما هي الحال في تجربتي كل من الصومال وأفغانستان وغيرهما. وبناء عليه، فإذا كان عراق ما بعد صدام حسين قد أصبح ساحة لتنظيم القاعدة، فإن الوضع سيكون أسوأ في حالة تفسخ الدولة العراقية على أسس عرقية وطائفية ومناطقية.
3- أزمة الملف النووي الإيراني: تُعتبر هذه الأزمة أحد المصادر الرئيسية لتهديد الأمن في الخليج خاصة في حالة الفشل في حلها بالطرق السلمية واندلاع مواجهة مسلحة بين الولايات المتحدة الأمريكية بسبب الملف النووي وقضايا أخرى. وبغض النظر عن التكهنات المتضاربة والتحليلات المتباينة بشأن احتمال حدوث هذه المواجهة بين الطرفين وخاصة بعد صدور التقرير الاستخباراتي الأمريكي في ديسمبر عام 2007، والذي أكد أن إيران أوقفت برنامجها النووي العسكري في عام 2003، بغض النظر عن ذلك، فإن الصراع حول الملف النووي الإيراني هو في جانب مهم منه صراع إرادات بين الولايات المتحدة الأمريكية كقوة عالمية عظمى تعاني من تآكل في قدرتها على التأثير والحسم سواء على الصعيد العسكري أو السياسي، مما أثر سلباً في هيبتها ومكانتها العالمية، وبين إيران كقوة إقليمية صاعدة لها طموحات وتطلعات في محيطها الإقليمي، خاصة أن خروج العراق من معادلة ميزان القوة الإقليمي أحدث خللاً كبيراً في هذا الميزان لصالحها. ورغم أن خيار المواجهة المسلحة بين الدولتين ضعيف الاحتمال في الوقت الراهن وربما خلال المستقبل المنظور، وذلك لاعتبارات عديدة أبرزها تفاقم ورطة أمريكا في العراق، وتصاعد الانتقادات الداخلية للإدارة الأمريكية بسبب ذلك، إلا أنه غير مستبعد نهائياً خاصة في ظل حالة التشدد التي تبديها كل من إدارة بوش وحكومة أحمدي نجاد بشأن هذا الملف. وفي هذا السياق، فإنه في حالة عدم حسم أزمة الملف النووي الإيراني بالطرق السلمية، فإن مسألة التعامل مع إيران وملفها النووي سوف تظل تشكل قضية رئيسية على أجندة أية إدارة تخلف إدارة جورج بوش الابن. وفي كل الأحوال، فإن من أسوأ السيناريوهات المستقبلية هو أن يشهد الخليج حرباً جديدة بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران، وسيصبح الوضع أكثر تعقيداً في حال دخلت إسرائيل على الخط، وأصبحت طرفاً مباشراً في المواجهة. فمن المتصور في هذه الحالة أن يتزايد حجم الخطر والتهديد في منطقة الخليج، فإيران قد ترد باستهداف المصالح الأمريكية في بعض دول المنطقة، وقد تعطل الملاحة في مضيق هرمز، مما يضر كثيراً بصادرات النفط، وقد تقوم جماعات وعناصر موالية لها بتأجيج إضرابات داخلية وزعزعة الأمن في بعض دول المنطقة. وكل ذلك وغيره يعني أن بعض دول المنطقة قد تجد نفسها تدفع ولو جزئياً ثمن حرب لا ناقة لها فيها ولا جمل. ومن هنا يأتي حرص دول مجلس التعاون الخليجي على ضرورة تسوية أزمة الملف النووي الإيراني بالطرق السلمية، ولكن على الرغم من حالة التوتر والتأزم في العلاقات الأمريكية – الإيرانية، فإنه من غير المستبعد حدوث نوع من التوافق والتفاهم بين واشنطن وطهران في ظل ظروف وترتيبات معينة، بما يجعل الخليج تحت المظلة الأمريكية – الإيرانية، وهو احتمال يجب أن تأخذه الدول الخليجية الأخرى في الاعتبار.
4- فشل السياسة الأمريكية في المنطقة: تتسم السياسة الخارجية الأمريكية في منطقة الخليج بالتخبط وضعف الفاعلية، وهو ما يتجلى بوضوح شديد في تعاملها مع المسألة العراقية منذ إطاحة نظام صدام حسين عام 2003، فهذه السياسة لم تُؤسس على الأكاذيب فحسب، ولكنها افتقرت إلى التخطيط الدقيق لمرحلة ما بعد صدام حسين، بل إن واشنطن ارتكبت أخطاء في العراق قادت إلى وضعه على حافة التفكك والانقسام، كما أن سياستها تجاه طهران تفتقر إلى الوضوح، وخاصة في ظل تعقد وتداخل الملفات التي تعني الطرفين، فإلى جانب الملف النووي الإيراني هناك المسألة العراقية، والأزمة اللبنانية، والصراع العربي – الإسرائيلي. ونظراً لذلك فقد أصبحت السياسية الأمريكية في الخليج وتوابعها مصدراً رئيسياً للتوتر وعدم الاستقرار، مما يعقّد من فرص التوافق على صيغة مستقرة لأمن الخليج.
5- التهديد الإسرائيلي لأمن الخليج: من المعروف أن لإسرائيل أطماعها الثابتة في منطقة الخليج، وقد سبق لها قصف المفاعل النووي العراقي في الثمانينات، وتدق حالياً على نغمة ضرورة توجيه ضربة عسكرية لإيران باعتبارها تشكل خطراً على أمنها ومصالحها، فإيران تدعم حزب الله وحركة المقاومة الإسلامية (حماس)، وأن تصريحات الرئيس الإيراني أحمدي نجاد تجاه إسرائيل تقدم لها مسوغات للتحريض ضد إيران، كما أن إسرائيل سعت – وتسعى – من أجل تعزيز وجودها في عراق ما بعد صدام حسين، بحيث يكون لها موضع قدم في منطقة الخليج. وبالإضافة إلى كل ذلك، فإن امتلاك إسرائيل أكثر من 200 رأس نووي يجعلها مصدر التهديد الأول للمنطقة العربية بما في ذلك منطقة الخليج العربي. ومن المفارقات التي ترسخ من عدم مصداقية الولايات المتحدة الأمريكية وسياساتها في المنطقة، أنه في الوقت التي تتشدد فيه الإدارة الأمريكية بشأن البرنامج النووي الإيراني الافتراضي، رغم صدور التقرير الاستخباراتي الأمريكي الذي أكد تخلي إيران عن برنامجها النووي العسكري منذ عام 2003، إلا أن الإدارة الأمريكية تتجاهل تماماً البرنامج النووي الإسرائيلي القائم فعلاً على أرض الواقع، والذي يجعل إسرائيل القوة النووية الوحيدة في منطقة الشرق الأوسط، وهذا يشكل نوعاً من الاستمرار في سياسة المعايير المزدوجة التي تتعامل بها الولايات المتحدة الأمريكية مع قضايا المنطقة.
6- الإرهاب واحتمالات استهداف المنشآت النفطية: يشكل الإرهاب عنصراً رئيسياً في معادلة الأمن في منطقة الخليج، فهو حاضر بقوة على الساحة العراقية، بل إن عراق ما بعد صدام حسين تحول إلى ساحة لتنظيم القاعدة. كما أن المملكة العربية السعودية عانت من الإرهاب لسنوات، وتمكنت أجهزتها الأمنية مؤخراً من اعتقال العديد من الأشخاص المتهمين بالتخطيط لتنفيذ أعمال إرهابية في البلاد. وسوف يصبح تأثير التنظيمات الإرهابية أكثر خطورة في حال استهدفت المرافق والمنشآت النفطية في دول المنطقة، وهو ما حاولت هذه التنظيمات القيام به في غير مرة بالمملكة العربية السعودية. وفي ضوء ذلك فإن التصدي لخطر الإرهاب يمثل متغيراً مهماً في أي تصور لتحقيق الأمن في الخليج. وقد بات في حكم المؤكد أن الحل الأمني لا يكفي بمفرده لتجفيف منابع التطرف والإرهاب، حيث إن ذلك لا يتحقق إلا من خلال استراتيجية متكاملة لها جوانبها الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والدينية والأمنية.
7- استمرار التوتر في جنوب آسيا: ففي ظل تردي الأوضاع في أفغانستان نتيجة لعوامل عديدة أبرزها العودة القوية لحركة طالبان وتواصل عملياتها المسلحة، واستمرار حالة عدم الاستقرار الداخلي في باكستان، التي هي دولة نووية، واستمرار النزاع بين الهند وباكستان بسبب قضية كشمير، كل هذه العوامل وغيرها يمكن أن تشكل تهديدات ولو غير مباشرة لأمن الخليج، وخاصة في ظل وجود جاليات كبيرة لدول جنوب آسيا وبالذات الهند وباكستان في دول مجلس التعاون الخليجي.
8- تدخل بعض الدول في الشؤون الداخلية لدول أخرى: إن بعض التهديدات المحتملة التي يمكن أن يتعرض لها الأمن في الخليج يمكن أن تأتي نتيجة لتدخل بعض الدول في الشؤون الداخلية لدول أخرى، بحيث تتم زعزعة الأمن والاستقرار فيها، وقد يكون ذلك من خلال تقديم الدعم لبعض قوى المعارضة في الداخل أو مساعدة بعض العناصر والتنظيمات على القيام بنشاطات هدامة، وقد تتخذ بعض الدول ذلك أداة لتحقيق مصالحها وتنفيذ أجنداتها.
نحو بناء نظام أمني مستقر في الخليج
إن تأسيس نظام أمني مستقر في منطقة الخليج ليس بالأمر السهل بسبب تعدد الأطراف المعنية بهذا الأمر، وصعوبة بناء توافق حقيقي فيما بينها بهذا الخصوص، وتتعدد القضايا التي تشكل مصادر قائمة ومحتملة لتهديد الأمن في الخليج. وفي ضوء ذلك يمكن طرح بعض الأسس والمتطلبات اللازمة لبناء نظام أمني مستقر في منطقة الخليج، وذلك على النحو التالي:
1- تعزيز إجراءات بناء الثقة على المستوى الخليجي: لا يمكن الحديث عن بناء نظام أمني مستقر في الخليج من دون إيجاد حقائق على الأرض تجسد معاني بناء وتعزيز الثقة بين الدول المطلة على الخليج، ومن ذلك على سبيل المثال وقف التدخلات الخارجية في الشؤون الداخلية للعراق من قبل بعض الأطراف الإقليمية، وتجاوب إيران مع ما تطرحه دولة الإمارات العربية المتحدة بشأن حل مشكلة الجزر الثلاث بالتفاوض المباشر أو من خلال إحالة النزاع إلى محكمة العدل الدولية، ومبادرة طهران بطمأنة جيرانها بشأن برنامجها النووي، وذلك باطلاعهم عن قرب على طبيعة هذا البرنامج، والضمانات الفنية لتنفيذه، والتي يجب أن تتوافق مع ما تطرحه الوكالة الدولية للطاقة الذرية بهذا الشأن. ورغم أن القمة الأخيرة لدول مجلس التعاون الخليجي التي عُقدت في ديسمبر 2007 في الدوحة بقطر، والتي شارك فيها الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد، كأول رئيس إيراني يشارك في قمة للمجلس، كانت مناسبة ليقدم فيها الرئيس الإيراني تطمينات جدية لدول المجلس، إلا أنه لم يفعل، حيث تحدث بصفة عامة عن تعزيز التعاون بين الجانبين في عدد من المجالات، إلا أنه لم يتطرق لأهم القضايا الشائكة وخاصة قضية الجزر الثلاث المتنازع عليها، والملف النووي الإيراني، كما حرص في كلمته على تأكيد الطابع (الفارسي) للخليج واصفاً إياه بـ (الخليج الفارسي) بكل ما يثيره ذلك من حساسيات. وفي ضوء ذلك، فإن إجراءات عملية وملموسة لبناء الثقة فيما بين الدول الخليجية، وخاصة في ما يتعلق بمبادرة إيران إلى اتخاذ خطوات جادة بشأن معالجة القضايا الخلافية، سوف تعزز حالة الشعور بالأمن لدى مختلف الأطراف، ومن ثم تنتفي حاجة بعض الدول للارتباط بقوى خارجية تحت هاجس الأمن.
2- حل المسألة العراقية: وحل هذه المسألة لن يكون بالأساليب الأمنية فحسب، بل هو حل سياسي في المقام الأول، يجب أن يتضمن إلى جانب أشياء أخرى إنجاز مصالحة وطنية عراقية حقيقية على قاعدة المواطنة والديمقراطية والحفاظ على وحدة العراق وسلامة أراضيه، فضلاً عن إعادة تأسيس الجيش والشرطة العراقيين على أسس جديدة بما يمكنهما من فرض الأمن والنظام وإنهاء دور الميليشيات المسلحة. ويجب أن يتزامن مع ذلك تنفيذ خطة للانسحاب الأمريكي من العراق خلال فترة زمنية معقولة، ومراجعة خطط وسياسات إعادة الإعمار في ضوء خبرة السنوات السابقة بما يسمح بتحسين الأحوال المعيشية للعراقيين، وعودة المهجرين واللاجئين إلى ديارهم. وفي هذا السياق، فإن حلاً فعالاً للمسألة العراقية يتطلب توافقاً حقيقياً بين القوى والتكوينات العراقية الرئيسية من ناحية، وتغييراً جذرياً في السياسة الأمريكية تجاه العراق من ناحية ثانية، ودوراً أكبر للدول المجاورة للعراق وللأمم المتحدة من ناحية ثالثة.
3- التوصل إلى حل سلمي لأزمة الملف النووي الإيراني: وهذا يتوقف في جانب مهم منه على مدى تجاوب إيران مع الجهود الدولية المبذولة لتحقيق هذا الهدف، بما يضمن حقها في الاستخدام السلمي للطاقة النووية من ناحية، ويجنب المنطقة ويلات ومخاطر حرب جديدة من ناحية أخرى، وخاصة في ظل حالة غطرسة القوة التي تجسدها الإدارة الأمريكية الحالية. ورغم أن واشنطن قد تتردد حالياً أو حتى خلال المستقبل المنظور في توجيه ضربة عسكرية لإيران، إلا أن استمرار أزمة الملف النووي الإيراني من دون حل سلمي جذري سوف يجعلها مصدراً رئيسياً لعدم الاستقرار في المنطقة.
4- بلورة صيغة جماعية توافقية لتحقيق الأمن في الخليج: بحيث تراعي هذه الصيغة مصالح مختلف الأطراف وتبدد ما يمكن أن يكون لدى بعضها من هاجس ومخاوف مشروعة، فالعراق يعاني من تدخلات بعض الأطراف الإقليمية في شؤونه لتحقيق أجنداتها الخاصة، وبعض الدول الصغيرة في الخليج لديها هواجس تجاه بعض الدول الإقليمية الكبيرة التي لها طموحات تتعدى حدودها، وإيران لديها هواجس من الوجود العسكري الأمريكي المكثف في المنطقة، خاصة في ظل الحديث عن إقامة قواعد عسكرية دائمة في العراق. وفي هذا السياق تبرز أسس مهمة يجب أن تكون من مرتكزات الأمن في الخليج مثل الالتزامات المتبادلة بين كل الدول الخليجية بشأن احترام استقلال الدول وسيادتها على أراضيها، وعدم التدخل في شؤونها الداخلية، فضلاً عن الالتزام بتسوية أي خلافات بالطرق السلمية وبعيداً عن استخدام القوة أو التهديد باستخدامها، لأن تهديد الأمن في الخليج على مدى العقود الماضية حدث من جراء انخراط العراق وإيران في حرب استمرت لقرابة عقد من الزمان، ثم قيام العراق بغزو واحتلال دولة الكويت في عام 1990، وهذه التطورات وغيرها خلقت ظروفاً مواتية لزيادة التدخل الأجنبي وخاصة الأمريكي في شؤون المنطقة. وعموماً فإن أية صيغة جماعية للأمن في الخليج قد تأخذ شكل اتفاقية للأمن والتعاون، يتم في إطارها إنشاء منتدى للأمن في الخليج، بحيث يكون إطاراً مؤسسياً للتشاور وتبادل المعلومات، واستشعار الأزمات والمشكلات المحتملة وإيجاد السبل الكفيلة بمنع تفجرها أو معالجتها في حال حدوثها. ونظراً لأن منطقة الخليج لها أهميتها الاقتصادية والاستراتيجية بالنسبة للعالم على نحو ما سبق ذكره، فإن أي ترتيبات للأمن في الخليج لابد أن تأخذ هذه الحقيقة في الاعتبار، بحيث يكون أمن النفط وأمن ممراته جزءاً من هذه الترتيبات. وفي هذا السياق، يمكن أن يكون لبعض القوى والمنظمات الدولية والإقليمية دور في مسألة أمن الخليج، ولكن وفق رؤية تمثل قاسماً مشتركاً بحيث تراعي مصالح مختلف الأطراف.
5- مواصلة جهود الإصلاح الداخلي في الدول الخليجية: من المؤكد أن مواصلة عملية الإصلاح الداخلي في الدول الخليجية، وذلك وفق استراتيجيات شاملة تستند إلى رؤى وأجندات وطنية للإصلاح هي السبيل الحقيقي لتجفيف منابع التطرف والإرهاب، والذي يشكل مصدراً قائماً ومحتملاً لتهديد الأمن في الخليج على نحو ما سبق ذكره. فالإصلاح الحقيقي هو السبيل الوحيد لتلبية مطالب القوى الراغبة في المشاركة من خلال القنوات الرسمية، وتعزيز الشرعية السياسية، وتجديد العقد الاجتماعي بين الحاكم والمحكوم، فضلاً عن تكريس الوحدة الوطنية، وتجفيف منابع التطرف والعنف والإرهاب، وقطع الطريق أمام أي تدخلات خارجية في الشؤون الداخلية.
6- مواصلة جهود تعزيز التعاون بين دول مجلس التعاون الخليجي وخاصة في المجالات العسكرية والأمنية والاقتصادية: فهذا هو السبيل الوحيد المتاح أمام هذه الدول من أجل تفعيل قدرتها على حماية مصالحها، ومواجهة التهديدات التي قد تتعرض لها، فضلاً عن اطلاعها بدور أكبر في أي ترتيبات مستقبلية لتحقيق الأمن في الخليج.
والخلاصة هي أن مسألة الأمن في الخليج معقدة ومتداخلة بحكم تعدد القضايا والأطراف المحلية الإقليمية والدولية المرتبطة بها. وإذا كان الخليج قد شهد العديد من الحروب في السابق، والتي لاتزال تداعياتها مستمرة حتى الآن، فإن هناك الكثير من التهديدات القائمة حالياً والمحتملة مستقبلاً، والتي تنذر بما هو أسوأ في حال استمرت المشكلات الراهنة من دون حلول جذرية وحقيقية. ومن هنا تأتي أهمية التفكير والتحرك من أجل بناء نظام أمني مستقر في منطقة الخليج، إلا أن هذا الأمر له أسسه وشروطه ومتطلباته التي يبدو من الصعب توفيرها وإنضاجها خلال المستقبل المنظور.
::/fulltext::
::cck::3370::/cck::
