مضيق هرمز في قلب حرب محتملة.. “الاحتمالات والعواقب الاستراتيجية”
::cck::3403::/cck::
::introtext::
عندما أصدر الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر قراره بتأميم شركة قناة السويس عام 1956، اهتز العالم الغربي برمته يومها وأصيب بالذهول؛ وقد عبّر رئيس الوزراء البريطاني آنذاك أنطوني إيدن في اجتماع عقده مساء ذلك اليوم في بريطانيا بحضور رئيس حكومة العراق نوري السعيد عن صدمته الشديدة من ذلك القرار، قائلاً (إن الرئيس المصري وضع إصبعه على (قصبتنا) الهوائية).
::/introtext::
::fulltext::
عندما أصدر الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر قراره بتأميم شركة قناة السويس عام 1956، اهتز العالم الغربي برمته يومها وأصيب بالذهول؛ وقد عبّر رئيس الوزراء البريطاني آنذاك أنطوني إيدن في اجتماع عقده مساء ذلك اليوم في بريطانيا بحضور رئيس حكومة العراق نوري السعيد عن صدمته الشديدة من ذلك القرار، قائلاً (إن الرئيس المصري وضع إصبعه على (قصبتنا) الهوائية).
إذا كانت قناة السويس بمثابة (القصبة الهوائية) لدول الغرب، فكيف الحال بمضيق هرمز الذي هو (شريان) العالم (الطاقوي) منذ منتصف القرن العشرين وسيستمر كذلك حتى نهاية عصر البترول؟
ففي ظل الأزمات الكثيرة المحتدمة في المنطقة، وخاصة الأزمة النووية بين إيران والغرب، تبرز قضية المضيق كورقة مهمة في لعبة المناورات السياسية والنفطية والاستراتيجية، وتسهِم في خلق التباسات استراتيجية كبرى لجميع القوى الفاعلة في منطقة الخليج (العربي) أو (الفارسي) (بحسب التسميات المتصارعة). فالحوادث في الخليج يمكن أن تتصاعد بسرعة وتخرج عن نطاق السيطرة بشكل دراماتيكي للغاية؛ وفي قلب أي مواجهةٍ محتملة في هذه المنطقة الاستراتيجية من العالم، يثير الوضع الذي سيؤول إليه مضيق هرمز تساؤلات حاسمة بشأن مسألة تدفق النفط إلى السوق العالمية؛ فإذا أغلق المضيق الذي تشرف عليه إيران فسيجد العالم نفسه (مخنوقاً) نفطياً، لاسيما الدول التي لا تملك مخزوناً استراتيجياً كافياً لمدد مناسبة كالصين والهند واليابان وكوريا وغيرها، بعكس الولايات المتحدة ودول الاتحاد الأوروبي التي يكفي مخزونها النفطي لمدة تصل إلى 120 يوماً. ناهيك عن أن إغلاق هذا المضيق الحيوي سيؤدي إلى رفع أسعار النفط إلى أكثر من مائتي دولار للبرميل، مما يضع ضغوطاً هائلة لا تطاق على الاقتصادات العالمية.
ممر حيوي على شفا حرب
يربط مضيق هرمز بين الخليج العربي، وهو بحر شبه مغلق، وخليج عُمان، وهو بحر مفتوح، وهو بهذا يعد المنفذ الوحيد لدول الخليج إلى البحر بشكل عام. وتحد شواطئ المضيق كلاً من إيران (شمالاً) وسلطنة عمان (جنوباً). ولأن مضيق هرمز يصل بين بحرين عامين، فإنه يدخل في نطاق المضائق من الناحية القانونية الدولية، إذ يقل اتساعه في بعض أجزائه عن أربعة وعشرين ميلاً بحرياً. وطبقاً لقواعد القانون الدولي، تصبح الملاحة فيه (ملاحة بريئة)، أي ليس من حق أية دولة أن تعترض السفن التي تعبره، وذلك ضماناً لحرية الملاحة في البحار المفتوحة والممرات الدولية، وبالنظر لما للتجارة الدولية من أهمية كبرى لرفاهية الدول والشعوب والأفراد في عالم اليوم.
لقد شكّل مضيق هرمز منذ القدم ممراً تجارياً رابحاً، مما جعله عرضةً لأطماع الغزاة الأجانب، ومحوراً للصراع والتنافس بين دوله من جهة، وبين الدول الأجنبية ذات المصالح الحيوية في المنطقة من جهة أخرى. ومع اكتشاف النفط ازدادت أهمية المضيق الاستراتيجية نظراً للاحتياطي النفطي الكبير في المنطقة، ودفعت الأزمات السياسية السابقة دول الخليج إلى التخفيف من اعتمادها على هذا المضيق في فترات سابقة، والاستعانة بمد خطوط أنابيب نفط عبر مناطق أخرى مختلفة، إلا أن هذه المحاولات بقيت محدودة الأثر خاصة بالنسبة إلى استيراد الخدمات والسلع الاستهلاكية والتكنولوجيا والأسلحة.
وحالياً، يمكن وصف مضيق هرمز بأنه (العنق الرئيسي للعالم) والممر النفطي الأول والأهم عالمياً. وحيث إنه الممر المائي الأساسي الذي يربط بين أكبر مستودع نفط عالمي من ناحية والسوق العالمية من ناحية أخرى، فإنه – والحالة هذه – من أكثر الممرات ازدحاماً بحركة مرور ناقلات النفط، إذ يعبره أكثر من ثلث التجارة النفطية في العالم (التي تبلغ أكثر من 17 مليون برميل يومياً)، بمعدل 200 – 300 ناقلة نفط يومياً، وبمعدل ناقلة واحدة كل 6 دقائق في وقت الذروة. ويذهب هذا النفط الذي يشحن طبيعياً من مضيق هرمز باتجاه الشرق إلى آسيا (خاصة اليابان والصين والهند)، وباتجاه الغرب (عن طريق قناة السويس، الأنبوب الجامع).
من هنا، فإن ثمة مصلحة واضحة لعدد كبير من الدول المتباينة، كبيرة وصغيرة، فقيرة وغنية، ديمقراطية واستبدادية، في انسياب حركة الملاحة في مضيق هرمز من الخليج العربي إلى المحيط الهندي، ومن ثم إلى مرافئ العالم المختلفة. وقد تتباين المصالح في العبور عبر هذا الممر المائي الاستراتيجي ما بين دولة وأخرى، ولكن الجميع يشترك في كون هذه المصالح حيوية أو مهمة ولها تضمينات وانعكاسات مباشرة لا تخفى على الاقتصاد العالمي.
وحيث إن منطقة الخليج العربي، ليست غنيةً بالنفط فقط، بل هي أيضاً، غنية بالصراعات النشطة والكامنة، فإن القلق العالمي حول أمن الملاحة وسلامتها في الخليج ومضيق هرمز، سيستمر ما دام الطلب العالمي على نفط الخليج مستمراً، وليس هناك ما يدل على انخفاض ذلك الطلب. والحقيقة أن الأحداث الساخنة والتفاعلات الصراعية التي تموج بها المنطقة، ما فتئت تزيد من حجم هذا القلق العالمي وتضاعفه، وبشكل خاص من جانب الولايات المتحدة الأمريكية التي لا يزال الهدف (والهاجس) الرئيسي لها في ما يتعلق بالخليج العربي هو تأمين الحصول على النفط، أي ضمان استمرار تدفق هذا المورد الحيوي والذي لا يقدر بثمن إلى الولايات المتحدة وحلفائها الرئيسيين في شتى أنحاء العالم.
وبعد أن وصلت الأمور إلى طريق مسدود بين الولايات المتحدة وإيران، لاسيما في ما يتعلق بقضايا مثيرة للجدل مثل ملف طهران النووي وتدخل الأخيرة في العراق، فإن نشوب حرب أخرى في المنطقة بين الدولتين أضحى اليوم أكثر من مجرد احتمال. ولاشك في أن القيادة الإيرانية تدرك الخطر الذي يتهددها من قبل الإدارة الأمريكية، وتتخذ الخطوات الضرورية لتجنب هجوم أمريكي ضد إيران. وهنا يمثل النفط عاملاً أساسياً وفاعلاً في حسابات طهران الاستراتيجية. ففي محاولة منها للحؤول دون هجوم أمريكي، هددت القيادة الإيرانية أكثر من مرة بإغلاق مضيق هرمز، وبالتالي إيقاف نقل النفط في منطقة الخليج.
نظرياً وعملياً، يكتسب التهديد الإيراني هذا أهمية استراتيجية لا لَبْس فيها، فطرق الشحن وناقلات النفط تمر بالقرب من الأراضي الإيرانية والجزر التي تسيطر عليها في الخليج وكذلك قواعدها البحرية الكبرى. ولأنها تدرك أهمية جهوزيتها العسكرية في حال نَشَبَ صراع من أجل السيطرة على مضيق هرمز، لم يكن مستغرباً أن تعطي إيران الأولوية لتحديث قواتها البحرية بصورة مستمرة والتركيز بشدة على الأنظمة البحرية الجديدة. وفي الإطار هذا، حصلت إيران على صواريخ من الصين، وبعض السفن الإضافية، وغواصات صغيرة الحجم من كوريا الشمالية، وغواصات من روسيا، وتلقت إيران دعماً فنياً ولوجيستياً مهماً من باكستان. وطورت تدريباتها البحرية، وامتلكت قدرة إضافية على حرب الألغام، وقامت بإصلاح بعض سفنها. كما زادت من أنشطتها التدريبية ومناوراتها العسكرية، واشترت صواريخ وسفناً جديدة وغواصات من روسيا، وقامت بتحسين موانئها وتقوية دفاعاتها الجوية، ونفذت القوات البحرية أيضاً مناورات تدريبية مشتركة مع القوات البرية والجوية.
لقد ساعدت هذه الجهود على تطوير قدرات إيران على تهديد الملاحة في الخليج ومنشآت النفط البحرية، وإعطائها القدرة على شن الحروب غير التقليدية، وإن كانت لم تسمح لها بعد – بحسب رأي بعض المحللين العسكريين- بأداء عملها كقوة بحرية محترفة ذات كفاءة. وأظهرت المناورات الأخيرة للبحرية الإيرانية خلال العامين الماضيين (2006 و2007) أنها تستعد لحرب عصابات بحرية تعتمد على قوارب صغيرة وسريعة مسلحة بصواريخ سطح – سطح جوالة أو طوربيد أو راجمات صواريخ كاتيوشا ومدافع رشاشة من أجل شن هجمات كروفر سريعة ضد سفن حربية كبيرة (مدمرات وفرقاطات وحاملات طائرات وسفن إمداد) وضد ناقلات نفط وسفن تجارية، وذلك من أجل إعاقة حركة الملاحة وإنهاك القوات البحرية الأمريكية والغربية المجهزة للحروب التقليدية. كما تستطيع القوارب الإيرانية الصغيرة شن هجمات انتحارية ضد أهداف بحرية عدة. وتملك إيران أيضاً صواريخ جوالة من طراز (سي- 802) وسيلكوورم والتي يصل مدى بعضها حتى 120 كلم، مما يمكنها من تهديد منشآت استراتيجية على طول شواطئ دول الخليج العربية.
من جهتها، لا تستهين الإدارة الأمريكية والمخططون الاستراتيجيون في وزارة الدفاع (البنتاغون) بمثل هذه التهديدات، وكما أعلن مدير وكالة المخابرات العسكرية لويل جاكوبي أمام لجنة المخابرات في مجلس الشيوخ الأمريكي (نعتقد أن بإمكان إيران إغلاق مضيق هرمز لفترة وجيزة انطلاقاً من استراتيجية تعتمد بشكل رئيسي على القوى البحرية والجوية وبعض القوى البرية).
ومن المؤكد، في هذا السياق، أن تأمين مضيق هرمز ومنع إيران من إغلاقه أو تهديد حركة الملاحة عبره، سيكون أحد الأهداف الاستراتيجية للعملية العسكرية المتوقع أن تقوم بها الولايات المتحدة ضد إيران. وعليه، ستركز البحرية الأمريكية على تدمير البحرية الإيرانية ودفاعاتها الساحلية بشكل كامل لمنعها من تهديد الملاحة في مياه الخليج أو إغلاق مضيق هرمز، وهذا الأمر تحضّر له البحرية الأمريكية منذ عام 2006 بعدما أجرت (حرباً افتراضية) بواسطة الكمبيوتر، وخلصت إلى أن إيران قد تتمكن من إلحاق خسائر فادحة بالبحرية الأمريكية أو ربما تدميرها، لذا سيكون على البحرية المذكورة تحقيق أهدافها بسرعة وفي وقت قياسي للحد من الخسائر المتوقع أن تلحقها الزوارق الإيرانية السريعة والمتفجرة والغواصات التي يقودها الانتحاريون، والألغام المضادة للسفن الأمريكية وناقلات النفط.
وفي هذا الإطار، تشير بعض المصادر الأمريكية العسكرية إلى أن واشنطن أدركت ضعف قدرتها البحرية أمام الزوارق البحرية الإيرانية السريعة، وذلك خلال مناورات أجرتها عام 2002، لذا قامت بتزويد سفنها الحربية العاملة في الخليج بأجهزة رادار تمكنها من رصد الأهداف الصغيرة كافة، وبتسليح سفنها بمدافع سداسية وقذائف عنقودية وانشطارية للتعامل مع هجمات منسقة وكثيفة من قبل مجموعات القوارب الإيرانية. وتعتقد المصادر أن البحرية الأمريكية – وبعد تعيين أدميرال بحري قائداً للقيادة الوسطى الأمريكية خلفاً للجنرال جون أبي زيد – باتت أكثر استعداداً اليوم لمواجهة البحرية الإيرانية، كما أن المدمرات الأمريكية المجهزة بنظام (أيجيس) للدفاع الجوي قادرة على تأمين حماية للسواحل الخليجية ضد الصواريخ الجوالة الإيرانية (والصواريخ البالستية أيضاً). ويعتقد بعض المراقبين أن إقدام إيران على استهداف ناقلات النفط أو إغلاق مضيق هرمز سيمكن أمريكا من تشكيل تحالف عسكري دولي كبير يضع طهران أمام مأزق كبير يصل إلى حد غزو أراضيها.
هرمز: عواقب حرب
إن أي إغلاق لمضيق هرمز، ونشوب حرب من أجل السيطرة عليه، من شأنه أن يلحق أبلغ الضرر بالاقتصاد العالمي؛ فأسعار برميل النفط سترتفع إلى أرقام قياسية غير مسبوقة (قد تتجاوز الـ 200 دولار للبرميل الواحد)، وسيترتب على ذلك ارتفاع موازٍ في أسعار وسائل النقل والمنتجات الاستهلاكية المصنعة أضعاف ما هي عليه حالياً، وهذا الأمر سيولد ضغوطاً هائلة على الاقتصادات العالمية. وفي أسوأ الاحتمالات قد يتسبب في كارثة اقتصادية واجتماعية عالمية شبيهة، بوجه من الأوجه، بأزمة (الكساد العظيم) في ثلاثينات القرن الماضي والتي كانت أحد أسباب اندلاع الحرب العالمية الثانية. ناهيك عن أن إغلاق مضيق هرمز ستكون له انعكاسات مباشرة وخطيرة على الاقتصادات الخليجية، فإلى جانب توقف صادرات النفط فإن الواردات الخليجية من السلع والبضائع سوف تتوقف هي الأخرى.
وتفادياً لمثل هذه العواقب الاستراتيجية الوخيمة، وحتى تحافظ الأسواق على استقرارها في حالة نشوب مواجهة مسلحة بين الولايات المتحدة وإيران تؤدي إلى إغلاق مضيق هرمز وتوقف الإمدادات النفطية من الخليج تالياً، يؤكد الخبراء أنه ينبغي تزويد الأسواق العالمية بـ 18 مليون برميل من النفط يومياً، وهذا يعني أن احتمال إغلاق المضيق سيتطلب استخدام طرق بديلة أطول، وهذه الطرق محدودة الآن بأنبوب شرقي- غربي تبلغ سعته 5 ملايين برميل يومياً تقريباً، ويمر عبر السعودية إلى مرفأ ينبع، وكذلك خط أبقيق- ينبع للغاز الطبيعي السائل الذي يمر عبر السعودية إلى البحر الأحمر، رغم أن دول مجلس التعاون الخليجي يبدو أنها وافقت مؤخراً على إنشاء خط أنابيب استراتيجي يمر بسلطنة عُمان وصولاً إلى مرفأ على خليج عُمان (زعمت تقارير صحفية، لاحقاً، أن وزراء النفط في دول مجلس التعاون تبنوا توصيات دراسة أظهرت (عدم جدوى) إنشاء مثل هذا الخط في حال إغلاق إيران مضيق هرمز).
وقد سبق لدول الخليج العربية أن تبنت خطة طوارئ تنطوي على بدائل عدة لتطبيقها في حالة إغلاق الملاحة في مدخلي الخليج والبحر الأحمر، وهذه البدائل لم تكن وليدة البارحة بسبب تصاعد المخاطر الجيو-سياسية في المنطقة نتيجة لصراع محتمل بين الولايات المتحدة وإيران، وإنما وضعت على مدار أكثر من عقدين، واعتمد وزراء النفط في دول مجلس التعاون الخليجي مشروع خطة طوارئ عبر منافذ دول المجلس في حال إغلاق منفذي هرمز وباب المندب، يقضي بنقل النفط عبر خطوط أنابيب إلى الدول المجاورة وبما يتجاوز هذين الممرين بالالتفاف حولهما. وأشارت بعض المصادر مؤخراً إلى أن المملكة العربية السعودية، أكبر منتج للنفط في العالم، ومن منطلق حرصها على وجود بدائل متعددة لنقل الخام النفطي السعودي بما يمثله من ثقل في سوق النفط العالمية، والتي قد لا تتحمل أي تعطل أو توقف في هذا الشريان الدولي؛ تدرس إنشاء خط أنابيب لينقل النفط من منطقة الربع الخالي إلى حضرموت باليمن ومنها إلى البحر العربي. فضلاً عن هذا، هناك من يشير إلى وجود خط أنابيب للتصدير بطاقة 1.6 مليون برميل يمتد من العراق عبر السعودية، لكنه لم يستخدم منذ غزو صدام حسين للكويت عام 1990، وللعراق كذلك خط أنابيب لتصدير النفط بطاقة 1.2 مليون برميل/ يومياً يمتد من الشمال الغربي عبر تركيا إلى ساحل البحر الأبيض المتوسط. كما أن هناك من يدعو إلى إحياء فكرة المغفور له الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم مؤسس دبي، أواسط ثمانينات القرن الماضي، بشق قناة مائية من رأس الخيمة حتى بحر العرب بحيث تبتعد ناقلات النفط عن المخاطر، وهي الفكرة التي طرحها الشيخ راشد وقتها رداً على مهاجمة إيران لناقلات النفط.
لكن هذه الاجراءات وتلك البدائل، في النتيجة، قد لا تصمد أمام الحقيقة التي تقرر أنه (لا يوجد بديل حقيقي لمضيق هرمز). فلقد وضعت دول مجلس التعاون الخليجي استثمارات ضخمة في مصانع الخليج الساحلية ومنافذ تصدير النفط والغاز السائل، ولكن خطوط أنابيب مثل خط النفط الخام السعودي لا تستطيع أن تكون بديلاً من حيث الطاقة والتكاليف عن ممر هرمز في التصدير. وفي حساب الاحتمالات، إذا كانت أسواق النفط ضعيفة وحساسة إزاء أي توتر أو صراع مسلح قد يندلع في الخليج، فإن مضايقة إيران للنقل البحري يمكن أن تؤثر مباشرة في الأسعار لبضعة أشهر، وتبقي على (عنصر الخوف) على الأسعار لزمن أطول.
وإذا لم يكن ممكناً إيجاد بديل عن مضيق هرمز، فيجب أن تتم حمايته، وهي مهمة الأسطول الأمريكي الخامس حالياً، وإذا هددت إيران بإغلاقه، أو تنفيذ هجمات منتقاة أكثر على شحنات الدول التي تساند سياسة واشنطن، فستكون البحرية الأمريكية عندئذ مسؤولة عن الحفاظ على الهيمنة البحرية (الإبقاء على العقوبات وفي الوقت نفسه إظهار القدرة على منع إيران من إغلاق المضيق).
وعلى نحو مماثل، إذا قامت إيران بحماية شحناتها في الخليج ومرافقتها بقوى عسكرية لمقاومة أي نوع من العقوبات البحرية، فستكون الولايات المتحدة مسؤولة عن الاحتفاظ بسياسة منتقاة للحظر البحري، وفي الوقت نفسه ردع أي تصعيد إيراني إضافي.
هذه المهمات ستكون دائماً على عاتق أمريكا بشكل أساسي، باعتبارها القوة المهيمنة على الخليج والمتحكمة – إلى حد بعيد – بأمنه، على الأقل إلى أن يأتي ذلك اليوم الذي تبدأ فيه قوى عظمى أخرى مثل الصين والهند بعرض قوتها في الخليج. وقد ضمنت واشنطن مصلحة قوية لها في دعم الحلفاء الإقليميين استعداداً لأي نزاعٍ مستقبلي، وفي الاستثمار في القدرات الأمنية الدفاعية في أراضيهم والتي تشمل خطط الدفاع المدني وتأمين الموانئ، وتقوية التسهيلات والإمدادات اللوجيستية، وخفارة الرحلات البحرية، وإقامة دفاعات جوية وصاروخية ذات فاعلية كبيرة.
ووفقاً للتفكير الأمريكي، فإن هذه القدرات يمكن أن تساعد على تعديل (أو حتى تغيير) النوايا الإيرانية الاستراتيجية باستخدام الردع لجعل الهجمات على دول مجلس التعاون الخليجي ذات تكلفة باهظة، وأيضاً جعل احتمال نجاحها قليلاً، الأمر الذي يسهل على الولايات المتحدة حماية حلفائها المحليين من الإكراهات الإيرانية أو ردود الفعل الانتقامية ذات العلاقة بالسياسات الأمريكية، ومثل هذه الخطوات يمكن أن تؤثر في مفهوم إيران لاستخدام أسلحة الدمار الشامل وتعيد تشكيله بحيث يتم الحفاظ عليها كرادع أخير بدلاً من أن تكون أداة تهديد مفيدة.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::3403::/cck::
::introtext::
عندما أصدر الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر قراره بتأميم شركة قناة السويس عام 1956، اهتز العالم الغربي برمته يومها وأصيب بالذهول؛ وقد عبّر رئيس الوزراء البريطاني آنذاك أنطوني إيدن في اجتماع عقده مساء ذلك اليوم في بريطانيا بحضور رئيس حكومة العراق نوري السعيد عن صدمته الشديدة من ذلك القرار، قائلاً (إن الرئيس المصري وضع إصبعه على (قصبتنا) الهوائية).
::/introtext::
::fulltext::
عندما أصدر الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر قراره بتأميم شركة قناة السويس عام 1956، اهتز العالم الغربي برمته يومها وأصيب بالذهول؛ وقد عبّر رئيس الوزراء البريطاني آنذاك أنطوني إيدن في اجتماع عقده مساء ذلك اليوم في بريطانيا بحضور رئيس حكومة العراق نوري السعيد عن صدمته الشديدة من ذلك القرار، قائلاً (إن الرئيس المصري وضع إصبعه على (قصبتنا) الهوائية).
إذا كانت قناة السويس بمثابة (القصبة الهوائية) لدول الغرب، فكيف الحال بمضيق هرمز الذي هو (شريان) العالم (الطاقوي) منذ منتصف القرن العشرين وسيستمر كذلك حتى نهاية عصر البترول؟
ففي ظل الأزمات الكثيرة المحتدمة في المنطقة، وخاصة الأزمة النووية بين إيران والغرب، تبرز قضية المضيق كورقة مهمة في لعبة المناورات السياسية والنفطية والاستراتيجية، وتسهِم في خلق التباسات استراتيجية كبرى لجميع القوى الفاعلة في منطقة الخليج (العربي) أو (الفارسي) (بحسب التسميات المتصارعة). فالحوادث في الخليج يمكن أن تتصاعد بسرعة وتخرج عن نطاق السيطرة بشكل دراماتيكي للغاية؛ وفي قلب أي مواجهةٍ محتملة في هذه المنطقة الاستراتيجية من العالم، يثير الوضع الذي سيؤول إليه مضيق هرمز تساؤلات حاسمة بشأن مسألة تدفق النفط إلى السوق العالمية؛ فإذا أغلق المضيق الذي تشرف عليه إيران فسيجد العالم نفسه (مخنوقاً) نفطياً، لاسيما الدول التي لا تملك مخزوناً استراتيجياً كافياً لمدد مناسبة كالصين والهند واليابان وكوريا وغيرها، بعكس الولايات المتحدة ودول الاتحاد الأوروبي التي يكفي مخزونها النفطي لمدة تصل إلى 120 يوماً. ناهيك عن أن إغلاق هذا المضيق الحيوي سيؤدي إلى رفع أسعار النفط إلى أكثر من مائتي دولار للبرميل، مما يضع ضغوطاً هائلة لا تطاق على الاقتصادات العالمية.
ممر حيوي على شفا حرب
يربط مضيق هرمز بين الخليج العربي، وهو بحر شبه مغلق، وخليج عُمان، وهو بحر مفتوح، وهو بهذا يعد المنفذ الوحيد لدول الخليج إلى البحر بشكل عام. وتحد شواطئ المضيق كلاً من إيران (شمالاً) وسلطنة عمان (جنوباً). ولأن مضيق هرمز يصل بين بحرين عامين، فإنه يدخل في نطاق المضائق من الناحية القانونية الدولية، إذ يقل اتساعه في بعض أجزائه عن أربعة وعشرين ميلاً بحرياً. وطبقاً لقواعد القانون الدولي، تصبح الملاحة فيه (ملاحة بريئة)، أي ليس من حق أية دولة أن تعترض السفن التي تعبره، وذلك ضماناً لحرية الملاحة في البحار المفتوحة والممرات الدولية، وبالنظر لما للتجارة الدولية من أهمية كبرى لرفاهية الدول والشعوب والأفراد في عالم اليوم.
لقد شكّل مضيق هرمز منذ القدم ممراً تجارياً رابحاً، مما جعله عرضةً لأطماع الغزاة الأجانب، ومحوراً للصراع والتنافس بين دوله من جهة، وبين الدول الأجنبية ذات المصالح الحيوية في المنطقة من جهة أخرى. ومع اكتشاف النفط ازدادت أهمية المضيق الاستراتيجية نظراً للاحتياطي النفطي الكبير في المنطقة، ودفعت الأزمات السياسية السابقة دول الخليج إلى التخفيف من اعتمادها على هذا المضيق في فترات سابقة، والاستعانة بمد خطوط أنابيب نفط عبر مناطق أخرى مختلفة، إلا أن هذه المحاولات بقيت محدودة الأثر خاصة بالنسبة إلى استيراد الخدمات والسلع الاستهلاكية والتكنولوجيا والأسلحة.
وحالياً، يمكن وصف مضيق هرمز بأنه (العنق الرئيسي للعالم) والممر النفطي الأول والأهم عالمياً. وحيث إنه الممر المائي الأساسي الذي يربط بين أكبر مستودع نفط عالمي من ناحية والسوق العالمية من ناحية أخرى، فإنه – والحالة هذه – من أكثر الممرات ازدحاماً بحركة مرور ناقلات النفط، إذ يعبره أكثر من ثلث التجارة النفطية في العالم (التي تبلغ أكثر من 17 مليون برميل يومياً)، بمعدل 200 – 300 ناقلة نفط يومياً، وبمعدل ناقلة واحدة كل 6 دقائق في وقت الذروة. ويذهب هذا النفط الذي يشحن طبيعياً من مضيق هرمز باتجاه الشرق إلى آسيا (خاصة اليابان والصين والهند)، وباتجاه الغرب (عن طريق قناة السويس، الأنبوب الجامع).
من هنا، فإن ثمة مصلحة واضحة لعدد كبير من الدول المتباينة، كبيرة وصغيرة، فقيرة وغنية، ديمقراطية واستبدادية، في انسياب حركة الملاحة في مضيق هرمز من الخليج العربي إلى المحيط الهندي، ومن ثم إلى مرافئ العالم المختلفة. وقد تتباين المصالح في العبور عبر هذا الممر المائي الاستراتيجي ما بين دولة وأخرى، ولكن الجميع يشترك في كون هذه المصالح حيوية أو مهمة ولها تضمينات وانعكاسات مباشرة لا تخفى على الاقتصاد العالمي.
وحيث إن منطقة الخليج العربي، ليست غنيةً بالنفط فقط، بل هي أيضاً، غنية بالصراعات النشطة والكامنة، فإن القلق العالمي حول أمن الملاحة وسلامتها في الخليج ومضيق هرمز، سيستمر ما دام الطلب العالمي على نفط الخليج مستمراً، وليس هناك ما يدل على انخفاض ذلك الطلب. والحقيقة أن الأحداث الساخنة والتفاعلات الصراعية التي تموج بها المنطقة، ما فتئت تزيد من حجم هذا القلق العالمي وتضاعفه، وبشكل خاص من جانب الولايات المتحدة الأمريكية التي لا يزال الهدف (والهاجس) الرئيسي لها في ما يتعلق بالخليج العربي هو تأمين الحصول على النفط، أي ضمان استمرار تدفق هذا المورد الحيوي والذي لا يقدر بثمن إلى الولايات المتحدة وحلفائها الرئيسيين في شتى أنحاء العالم.
وبعد أن وصلت الأمور إلى طريق مسدود بين الولايات المتحدة وإيران، لاسيما في ما يتعلق بقضايا مثيرة للجدل مثل ملف طهران النووي وتدخل الأخيرة في العراق، فإن نشوب حرب أخرى في المنطقة بين الدولتين أضحى اليوم أكثر من مجرد احتمال. ولاشك في أن القيادة الإيرانية تدرك الخطر الذي يتهددها من قبل الإدارة الأمريكية، وتتخذ الخطوات الضرورية لتجنب هجوم أمريكي ضد إيران. وهنا يمثل النفط عاملاً أساسياً وفاعلاً في حسابات طهران الاستراتيجية. ففي محاولة منها للحؤول دون هجوم أمريكي، هددت القيادة الإيرانية أكثر من مرة بإغلاق مضيق هرمز، وبالتالي إيقاف نقل النفط في منطقة الخليج.
نظرياً وعملياً، يكتسب التهديد الإيراني هذا أهمية استراتيجية لا لَبْس فيها، فطرق الشحن وناقلات النفط تمر بالقرب من الأراضي الإيرانية والجزر التي تسيطر عليها في الخليج وكذلك قواعدها البحرية الكبرى. ولأنها تدرك أهمية جهوزيتها العسكرية في حال نَشَبَ صراع من أجل السيطرة على مضيق هرمز، لم يكن مستغرباً أن تعطي إيران الأولوية لتحديث قواتها البحرية بصورة مستمرة والتركيز بشدة على الأنظمة البحرية الجديدة. وفي الإطار هذا، حصلت إيران على صواريخ من الصين، وبعض السفن الإضافية، وغواصات صغيرة الحجم من كوريا الشمالية، وغواصات من روسيا، وتلقت إيران دعماً فنياً ولوجيستياً مهماً من باكستان. وطورت تدريباتها البحرية، وامتلكت قدرة إضافية على حرب الألغام، وقامت بإصلاح بعض سفنها. كما زادت من أنشطتها التدريبية ومناوراتها العسكرية، واشترت صواريخ وسفناً جديدة وغواصات من روسيا، وقامت بتحسين موانئها وتقوية دفاعاتها الجوية، ونفذت القوات البحرية أيضاً مناورات تدريبية مشتركة مع القوات البرية والجوية.
لقد ساعدت هذه الجهود على تطوير قدرات إيران على تهديد الملاحة في الخليج ومنشآت النفط البحرية، وإعطائها القدرة على شن الحروب غير التقليدية، وإن كانت لم تسمح لها بعد – بحسب رأي بعض المحللين العسكريين- بأداء عملها كقوة بحرية محترفة ذات كفاءة. وأظهرت المناورات الأخيرة للبحرية الإيرانية خلال العامين الماضيين (2006 و2007) أنها تستعد لحرب عصابات بحرية تعتمد على قوارب صغيرة وسريعة مسلحة بصواريخ سطح – سطح جوالة أو طوربيد أو راجمات صواريخ كاتيوشا ومدافع رشاشة من أجل شن هجمات كروفر سريعة ضد سفن حربية كبيرة (مدمرات وفرقاطات وحاملات طائرات وسفن إمداد) وضد ناقلات نفط وسفن تجارية، وذلك من أجل إعاقة حركة الملاحة وإنهاك القوات البحرية الأمريكية والغربية المجهزة للحروب التقليدية. كما تستطيع القوارب الإيرانية الصغيرة شن هجمات انتحارية ضد أهداف بحرية عدة. وتملك إيران أيضاً صواريخ جوالة من طراز (سي- 802) وسيلكوورم والتي يصل مدى بعضها حتى 120 كلم، مما يمكنها من تهديد منشآت استراتيجية على طول شواطئ دول الخليج العربية.
من جهتها، لا تستهين الإدارة الأمريكية والمخططون الاستراتيجيون في وزارة الدفاع (البنتاغون) بمثل هذه التهديدات، وكما أعلن مدير وكالة المخابرات العسكرية لويل جاكوبي أمام لجنة المخابرات في مجلس الشيوخ الأمريكي (نعتقد أن بإمكان إيران إغلاق مضيق هرمز لفترة وجيزة انطلاقاً من استراتيجية تعتمد بشكل رئيسي على القوى البحرية والجوية وبعض القوى البرية).
ومن المؤكد، في هذا السياق، أن تأمين مضيق هرمز ومنع إيران من إغلاقه أو تهديد حركة الملاحة عبره، سيكون أحد الأهداف الاستراتيجية للعملية العسكرية المتوقع أن تقوم بها الولايات المتحدة ضد إيران. وعليه، ستركز البحرية الأمريكية على تدمير البحرية الإيرانية ودفاعاتها الساحلية بشكل كامل لمنعها من تهديد الملاحة في مياه الخليج أو إغلاق مضيق هرمز، وهذا الأمر تحضّر له البحرية الأمريكية منذ عام 2006 بعدما أجرت (حرباً افتراضية) بواسطة الكمبيوتر، وخلصت إلى أن إيران قد تتمكن من إلحاق خسائر فادحة بالبحرية الأمريكية أو ربما تدميرها، لذا سيكون على البحرية المذكورة تحقيق أهدافها بسرعة وفي وقت قياسي للحد من الخسائر المتوقع أن تلحقها الزوارق الإيرانية السريعة والمتفجرة والغواصات التي يقودها الانتحاريون، والألغام المضادة للسفن الأمريكية وناقلات النفط.
وفي هذا الإطار، تشير بعض المصادر الأمريكية العسكرية إلى أن واشنطن أدركت ضعف قدرتها البحرية أمام الزوارق البحرية الإيرانية السريعة، وذلك خلال مناورات أجرتها عام 2002، لذا قامت بتزويد سفنها الحربية العاملة في الخليج بأجهزة رادار تمكنها من رصد الأهداف الصغيرة كافة، وبتسليح سفنها بمدافع سداسية وقذائف عنقودية وانشطارية للتعامل مع هجمات منسقة وكثيفة من قبل مجموعات القوارب الإيرانية. وتعتقد المصادر أن البحرية الأمريكية – وبعد تعيين أدميرال بحري قائداً للقيادة الوسطى الأمريكية خلفاً للجنرال جون أبي زيد – باتت أكثر استعداداً اليوم لمواجهة البحرية الإيرانية، كما أن المدمرات الأمريكية المجهزة بنظام (أيجيس) للدفاع الجوي قادرة على تأمين حماية للسواحل الخليجية ضد الصواريخ الجوالة الإيرانية (والصواريخ البالستية أيضاً). ويعتقد بعض المراقبين أن إقدام إيران على استهداف ناقلات النفط أو إغلاق مضيق هرمز سيمكن أمريكا من تشكيل تحالف عسكري دولي كبير يضع طهران أمام مأزق كبير يصل إلى حد غزو أراضيها.
هرمز: عواقب حرب
إن أي إغلاق لمضيق هرمز، ونشوب حرب من أجل السيطرة عليه، من شأنه أن يلحق أبلغ الضرر بالاقتصاد العالمي؛ فأسعار برميل النفط سترتفع إلى أرقام قياسية غير مسبوقة (قد تتجاوز الـ 200 دولار للبرميل الواحد)، وسيترتب على ذلك ارتفاع موازٍ في أسعار وسائل النقل والمنتجات الاستهلاكية المصنعة أضعاف ما هي عليه حالياً، وهذا الأمر سيولد ضغوطاً هائلة على الاقتصادات العالمية. وفي أسوأ الاحتمالات قد يتسبب في كارثة اقتصادية واجتماعية عالمية شبيهة، بوجه من الأوجه، بأزمة (الكساد العظيم) في ثلاثينات القرن الماضي والتي كانت أحد أسباب اندلاع الحرب العالمية الثانية. ناهيك عن أن إغلاق مضيق هرمز ستكون له انعكاسات مباشرة وخطيرة على الاقتصادات الخليجية، فإلى جانب توقف صادرات النفط فإن الواردات الخليجية من السلع والبضائع سوف تتوقف هي الأخرى.
وتفادياً لمثل هذه العواقب الاستراتيجية الوخيمة، وحتى تحافظ الأسواق على استقرارها في حالة نشوب مواجهة مسلحة بين الولايات المتحدة وإيران تؤدي إلى إغلاق مضيق هرمز وتوقف الإمدادات النفطية من الخليج تالياً، يؤكد الخبراء أنه ينبغي تزويد الأسواق العالمية بـ 18 مليون برميل من النفط يومياً، وهذا يعني أن احتمال إغلاق المضيق سيتطلب استخدام طرق بديلة أطول، وهذه الطرق محدودة الآن بأنبوب شرقي- غربي تبلغ سعته 5 ملايين برميل يومياً تقريباً، ويمر عبر السعودية إلى مرفأ ينبع، وكذلك خط أبقيق- ينبع للغاز الطبيعي السائل الذي يمر عبر السعودية إلى البحر الأحمر، رغم أن دول مجلس التعاون الخليجي يبدو أنها وافقت مؤخراً على إنشاء خط أنابيب استراتيجي يمر بسلطنة عُمان وصولاً إلى مرفأ على خليج عُمان (زعمت تقارير صحفية، لاحقاً، أن وزراء النفط في دول مجلس التعاون تبنوا توصيات دراسة أظهرت (عدم جدوى) إنشاء مثل هذا الخط في حال إغلاق إيران مضيق هرمز).
وقد سبق لدول الخليج العربية أن تبنت خطة طوارئ تنطوي على بدائل عدة لتطبيقها في حالة إغلاق الملاحة في مدخلي الخليج والبحر الأحمر، وهذه البدائل لم تكن وليدة البارحة بسبب تصاعد المخاطر الجيو-سياسية في المنطقة نتيجة لصراع محتمل بين الولايات المتحدة وإيران، وإنما وضعت على مدار أكثر من عقدين، واعتمد وزراء النفط في دول مجلس التعاون الخليجي مشروع خطة طوارئ عبر منافذ دول المجلس في حال إغلاق منفذي هرمز وباب المندب، يقضي بنقل النفط عبر خطوط أنابيب إلى الدول المجاورة وبما يتجاوز هذين الممرين بالالتفاف حولهما. وأشارت بعض المصادر مؤخراً إلى أن المملكة العربية السعودية، أكبر منتج للنفط في العالم، ومن منطلق حرصها على وجود بدائل متعددة لنقل الخام النفطي السعودي بما يمثله من ثقل في سوق النفط العالمية، والتي قد لا تتحمل أي تعطل أو توقف في هذا الشريان الدولي؛ تدرس إنشاء خط أنابيب لينقل النفط من منطقة الربع الخالي إلى حضرموت باليمن ومنها إلى البحر العربي. فضلاً عن هذا، هناك من يشير إلى وجود خط أنابيب للتصدير بطاقة 1.6 مليون برميل يمتد من العراق عبر السعودية، لكنه لم يستخدم منذ غزو صدام حسين للكويت عام 1990، وللعراق كذلك خط أنابيب لتصدير النفط بطاقة 1.2 مليون برميل/ يومياً يمتد من الشمال الغربي عبر تركيا إلى ساحل البحر الأبيض المتوسط. كما أن هناك من يدعو إلى إحياء فكرة المغفور له الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم مؤسس دبي، أواسط ثمانينات القرن الماضي، بشق قناة مائية من رأس الخيمة حتى بحر العرب بحيث تبتعد ناقلات النفط عن المخاطر، وهي الفكرة التي طرحها الشيخ راشد وقتها رداً على مهاجمة إيران لناقلات النفط.
لكن هذه الاجراءات وتلك البدائل، في النتيجة، قد لا تصمد أمام الحقيقة التي تقرر أنه (لا يوجد بديل حقيقي لمضيق هرمز). فلقد وضعت دول مجلس التعاون الخليجي استثمارات ضخمة في مصانع الخليج الساحلية ومنافذ تصدير النفط والغاز السائل، ولكن خطوط أنابيب مثل خط النفط الخام السعودي لا تستطيع أن تكون بديلاً من حيث الطاقة والتكاليف عن ممر هرمز في التصدير. وفي حساب الاحتمالات، إذا كانت أسواق النفط ضعيفة وحساسة إزاء أي توتر أو صراع مسلح قد يندلع في الخليج، فإن مضايقة إيران للنقل البحري يمكن أن تؤثر مباشرة في الأسعار لبضعة أشهر، وتبقي على (عنصر الخوف) على الأسعار لزمن أطول.
وإذا لم يكن ممكناً إيجاد بديل عن مضيق هرمز، فيجب أن تتم حمايته، وهي مهمة الأسطول الأمريكي الخامس حالياً، وإذا هددت إيران بإغلاقه، أو تنفيذ هجمات منتقاة أكثر على شحنات الدول التي تساند سياسة واشنطن، فستكون البحرية الأمريكية عندئذ مسؤولة عن الحفاظ على الهيمنة البحرية (الإبقاء على العقوبات وفي الوقت نفسه إظهار القدرة على منع إيران من إغلاق المضيق).
وعلى نحو مماثل، إذا قامت إيران بحماية شحناتها في الخليج ومرافقتها بقوى عسكرية لمقاومة أي نوع من العقوبات البحرية، فستكون الولايات المتحدة مسؤولة عن الاحتفاظ بسياسة منتقاة للحظر البحري، وفي الوقت نفسه ردع أي تصعيد إيراني إضافي.
هذه المهمات ستكون دائماً على عاتق أمريكا بشكل أساسي، باعتبارها القوة المهيمنة على الخليج والمتحكمة – إلى حد بعيد – بأمنه، على الأقل إلى أن يأتي ذلك اليوم الذي تبدأ فيه قوى عظمى أخرى مثل الصين والهند بعرض قوتها في الخليج. وقد ضمنت واشنطن مصلحة قوية لها في دعم الحلفاء الإقليميين استعداداً لأي نزاعٍ مستقبلي، وفي الاستثمار في القدرات الأمنية الدفاعية في أراضيهم والتي تشمل خطط الدفاع المدني وتأمين الموانئ، وتقوية التسهيلات والإمدادات اللوجيستية، وخفارة الرحلات البحرية، وإقامة دفاعات جوية وصاروخية ذات فاعلية كبيرة.
ووفقاً للتفكير الأمريكي، فإن هذه القدرات يمكن أن تساعد على تعديل (أو حتى تغيير) النوايا الإيرانية الاستراتيجية باستخدام الردع لجعل الهجمات على دول مجلس التعاون الخليجي ذات تكلفة باهظة، وأيضاً جعل احتمال نجاحها قليلاً، الأمر الذي يسهل على الولايات المتحدة حماية حلفائها المحليين من الإكراهات الإيرانية أو ردود الفعل الانتقامية ذات العلاقة بالسياسات الأمريكية، ومثل هذه الخطوات يمكن أن تؤثر في مفهوم إيران لاستخدام أسلحة الدمار الشامل وتعيد تشكيله بحيث يتم الحفاظ عليها كرادع أخير بدلاً من أن تكون أداة تهديد مفيدة.
::/fulltext::
::cck::3403::/cck::
