أمريكا وقضايا الإصلاح في منطقة الخليج العربي (رؤية اجتماعية

::cck::2007::/cck::
::introtext::

ترتبط قضايا الإصلاح في المنطقة العربية عامة ومنطقة الخليج العربي خاصة بجملة من التطورات والتغيرات الكبرى التي تجتاح العالم بعد غياب القطب اليساري من الساحة العالمية، ولعل أبرز هذه التحولات حركة العولمة التي تعدت الحدود والبحار متجاوزة كل العقبات والاعتراضات.

::/introtext::
::fulltext::

ترتبط قضايا الإصلاح في المنطقة العربية عامة ومنطقة الخليج العربي خاصة بجملة من التطورات والتغيرات الكبرى التي تجتاح العالم بعد غياب القطب اليساري من الساحة العالمية، ولعل أبرز هذه التحولات حركة العولمة التي تعدت الحدود والبحار متجاوزة كل العقبات والاعتراضات.

لقد صار الإصلاح أو الدعوة إلى الديمقراطية في المنطقة العربية لا يرتبط بالدرجة الأولى بإرادة أو رغبة الدول الكبرى (وإن بدأ المشهد هكذا)، بقدر ارتباطه بتنامي الثورة المعلوماتية بأبعادها العلمية والثقافية حتى أصبح الحديث عن سيطرة دولة عظمى على دول صغيرة عن طريق الإصلاح مسألة في غاية السذاجة إذا ما أدركنا أن التحولات الهائلة في الغرب تجعل من قيمة الإصلاح في الاقتصاد والسياسة والاجتماع والإدارة والعلوم الطبيعية بمثابة دليل وإرشاد لمجتمعات المنطقة من أجل تهيئة قاعدة علمية للدخول في حلبة التحول الحضاري وإلا أصبحنا متأخرين أكثر فأكثر، هذا على الصعيد الثقافي، أما على الصعيد السياسي فقراءة تحليلية لبعض النظريات السياسية التي انطلقت في نهاية القرن الماضي تجاة قضايا استراتيجية عالمية صوّرت العلاقات الدولية في إطارها الجديد مقترنة بثورة معلوماتية بدأت ترسم ملامح التغير الثقافي في العالم الحديث منذ ستينات القرن الماضي، فكانت نظرية فوكاياما ترسم نهاية التاريخ لصالح قطب واحد، وجاءت نظرية هنتغنتون لتقدم صراع الحضارات بين حضارات حية مهددة متمثلة في الغرب وحضارات متحدية متمثلة في الحضارتين الإسلامية والصينية، ثم نظرية توفلر لتؤكد من زاوية أخرى صدمة المستقبل كمرحلة مهمة في التاريخ الإنساني، تكشف كل هذه التصورات رغم صبغتها السياسية إنما جاءت لتؤشر إلى مرحلة فاصلة من التحول الثقافي في العالم نتيجة للثورة المعلوماتية التي لم تعد أية دولة في العالم سواء في الزمن الحاضر أو المستقبل قادرة على أن تكون خارج إطارها.

أولاً: الأصالة والمعاصرة في منطقة الخليج العربي

يبدو الحديث عن الأصالة والمعاصرة في منطقة الخليج العربي لا يخرج عن حديث عام شهدته الساحة الثقافية العربية منذ عقود، ولاسيما بين اتجاه يرغب في التحديث عن طريق اقتباس قوانين وأساليب وتصورات الغرب واتجاه آخر يريد الرجوع بالمجتمع إلى عمق التاريخ وبناء نموذج حضاري مستند إلى الفلسفة الإسلامية وقيم وتقاليد الأجداد، وبين هذين الاتجاهين بقي الواقع الثقافي يشهد انحصاراً خطيراً في التأخر وتراجعاً ملحوظاً في التضامن والاتحاد، كما أصبح الواقع الاجتماعي عصياً على الإصلاح عن طريق تحقيق معدلات مثمرة من فرص الإنتاج، حتى بات المجتمع العربي عامة ومجتمع الخليج العربي خاصة يعيش صراعاً بين بنى تحتية تبنى على قوانين تكنولوجيا الغرب وبنى فوقية غير قادرة على استيعاب هذا التحول وتطويعه لصالح الحاضر والمستقبل، فبدل أن ينتظم العمل باتجاه بناء صرح حضاري جديد بتنا نواجه مشكلات اجتماعية ضخمة تهدد منظومتنا القيمية، فمشكلات الشباب الكثيرة أصبحت تقلقنا، بل إن قيم الشباب نفسها لم تعد تفهم منظومة قيم الأجداد بالصيغ التي يحرص الآباء على نقلها إلى أبنائهم، فاتجه الشباب إلى تبني الجانب الشكلي من تلك القيم، وعقلهم متجه نحو الانخراط في بوتقة الاهتمامات الجزئية سواء ما يتصل منها بشبكة العلاقات الاجتماعية أو في مجال الاهتمام بالجوانب الفنية من استعمال الإلكترونيات والتعامل مع الحاسوب والإنترنت بطريقة فاقت قدرة الآباء على ذلك، حتى أصبحت هناك فجوة واسعة بين الجيلين، فضلاً عن مشكلات المرأة ومشكلات التكيف الاجتماعي في إطار تقليدي. وتبقى المشكلة الحاضرة في هذا المجال هي عدم حصول قفزة نوعية نحو التحول إلى عقلية علمية وتخصص منظم في العمل بالشكل الذي يرسم ملامح جديدة في هذا المجتمع، وهكذا كان الرجوع أو الهروب إلى الماضي قد تبلور في اتجاهات فكرية صارمة تجاه الحاضر أو هكذا بدأ يفهم أصحاب هذا الاتجاه الحداثة على أنها تحد لهم، وإذا كان بالإمكان الاستفادة من بعض بنودها فإن ذلك يتم وفق ثوابت لا حياد عنها. لذا فإن مسألة حسم الصراع بين الأصالة والحداثة مسألة في غاية الأهمية حتى تتوضح طريقة الإصلاح هذه، وإذا كانت الولايات المتحدة الأمريكية تريد الإصلاح في منطقة الخليج العربي فإنها أيضاً محكومة بآليات التحول الثقافي والسياسي الكبرى والتي تريد أن ترسم تلك الإصلاحات وفق فلسفتها السياسية في العالم ضمن النظام العالمي الجديد، لكن المشكلة الأساسية التي تواجه مجتمعات الخليج العربية في الوقت الحاضر هي عدم قدرتها على التكيف مع النموذج الإصلاحي المرسوم في مداياته الثقافية بالدرجة التي يمكن أن تتكيف معه وفق مداياته السياسية. وبهذا فإن مسألة الإصلاحات الثقافية والاجتماعية سوف تأخذ زمناً طويلاً، إلا أن هذا لا يمنع من القول إن بعض دول الخليج العربية بدأت منذ زمن مبكر تجربتها الديمقراطية، كما هي عليه الحال في تجربة دولة الكويت منذ ستينات وسبعينات القرن الماضي، والتي استطاعت أن تحقق نجاحات مقدرة في الممارسة الديمقراطية مستندة إلى وعي وتطور المجتمع الكويتي ولاسيما في مجال الثقافة والفنون ومشاركة المرأة وحرية الصحافة والحراك الاجتماعي وغيرها، كما تعد اليوم تجارب قطر والبحرين والإمارات وسلطنة عُمان والإصلاحات الجارية في المملكة العربية السعودية، بمثابة مؤشرات إلى الوعي بأهمية الإصلاحات الاجتماعية والثقافية بمطلبيها الداخلي والخارجي.

أصبح الحديث عن سيطرة دولة عظمى على دول صغيرة عن طريق الإصلاح مسألة في غاية السذاجة 

ثانياً: العولمة وقضايا الإصلاح

أضحت موجات التحول الثقافي في عالم اليوم حقيقة دامغة، فاقت التصورات المحلية والأيديولوجيات التقليدية، وباتت تفرض وضعاً جديداً من الانفجار المعرفي والمعلوماتي تتطلب إصلاحاً حقيقياً في بنية النظم الاجتماعية والسياسية والاقتصادية التقليدية، إذ تعدت العولمة خطوط الطول والعرض، وتوغلت في دقائق الحياة البشرية، وأفرزت صيغ جديدة في الفكر والسلوك، كما تبلورت نظريات علمية ومعلوماتية تكاد تحظى بقدر معين من التعميم في المجالات الحياتية كافة، حتى باتت الآراء القائلة بأن العولمة وسيلة الدول الكبرى في السيطرة على الدول الصغيرة مسألة لم يعد يقبلها عاقل، لأن حقائق التطور العلمي والثقافي أصبحت ماثلة أمامنا. فليس من مصلحة الدول النامية ومنها دول الخليج العربية أن تبقى مكتوفة الأيدي دون الاستفادة من نتائج التقدم العلمي والتقني. وإذا كان هناك اعتراض على هذا القول – رغم صلاحيته التنظيرية – يبقى عديم الفائدة إذا لم يقترن بتحولات واقعية في الحياة (أي إيجاد البديل المماثل) سواء عن طريق تأسيس قاعدة علمية وصناعية بالتفاعل مع معطيات التقدم العالمي، وجعل الحوار في الجوانب الأخرى وسيلة حقيقية للتفاهم مع الآخر من دون أن تحمل وسائل الاعتراض لغة الصراع، وتبقى النظرة إلى المسألة نظرة حضارية أكثر منها سياسية. ورغم صعوبة الموازنة بين هذه المسائل في عالم تتصدره السياسة، إلا أن التأكيد على إصلاح النظام الاجتماعي في سائر المجتمعات التقليدية لابد أن يؤخذ به لمواكبة حركة التطور التقني المتصاعدة في العالم اليوم وفي المستقبل، وما محاولة استفادة دول الخليج العربية من الطاقة النووية إلا خطوة جادة لتوفيرها لزمن لاحق تكون حركة التغير والتطور العلمي والاقتصادي تتطلبها بشكل مباشر، فضلاً عن محاولة إيجاد مدن خالية من التلوث. وفي هذا السياق يمكن أن نفهم ضرورة الإصلاح في النظم الاجتماعية والسياسية كضرورة قائمة بشروطها الموضوعية، وليس على أساس أن الولايات المتحدة الأمريكية تفرض أجندة معينة لهذا الإصلاح. ورغم مقبولية هذا الرأي من الناحية السياسية إلا أنه من ناحية أبعاده الاجتماعية يمكن أن يحمل في باطنه فوائد حقيقية لنظم باتت تتطلب إصلاحاً اجتماعياً متناغماً مع حركة التطور التقني السائدة في العالم أو ما ستكون عليه الحال في المستقبل أيضاً، وعلى الرغم من حضور الأهداف السياسية وراء قضايا الإصلاح في منطقة الخليج العربي فإن دراسة مدخلاتها دراسة علمية تحليلية واستشراف نتائجها المستقبلية على المنطقة وفهم مردوداتها على الأجيال القادمة وتقييم قدرتها على المساعدة في حل مشكلات اجتماعية في الوقت الحاضر أو مشكلات ستظهر لاحقاً، تبقى على قدر كبير من اهتمام الساسة ومخططي التنمية في منطقة الخليج العربي.

ثالثاً: أمريكا وقضايا الإصلاح في المنطقة

إذا نظرنا إلى جوهر الدعوات الإصلاحية من قبل الولايات المتحدة الأمريكية في منطقة الخليج العربي فنجدها مرتبطة بظروف المنطقة ذاتها وما يمكن أن تفرزه من اتجاهات فكرية واجتماعية مضادة لحركة العولمة الجارية في العالم. هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن التقدم العلمي وثورة المعلومات المتنامية سيؤديان إلى زيادة سعة الفجوة بين المجتمعات المتقدمة ومجتمعات المنطقة على مستوى الفكر والسلوك، إذا لم توجه وفق تصورات جديدة قائمة على حساب الفائدة أكثر من الخسارة، بحيث تصبح قضايا الإصلاح حاجة داخلية أكثر منها حاجة خارجية، إلا أن المسألة من زاوية واقعية وضمن ترتيبات المنطقة باتجاه تشكيل الشرق الأوسط الجديد تبدو أكثر خطورة إذا ما أخذنا في الاعتبار حقائق التراث الثقافي والتركيبة القبلية في الخليج العربي، لأن الاستجابة السريعة غير المدروسة لهذا التغير ستخلخل المجتمع وتمزقه لاسيما إذا كانت عملية استقبال الإصلاح ذاته غير مهيأة من الناحية الواقعية سواء على مستوى الأفراد أو الجماعات أو على مستوى النظم السياسية ذاتها. وبهذا تبقى مسألة العلاقة بين الولايات المتحدة الأمريكية وقضايا الإصلاح في منطقة الخليج العربي بحاجة إلى تحليل أعمق وتقييم علمي مبني على حسابات تنطلق قبل كل شيء من حقائق النظام الثقافي الخليجي، وتكون في الوقت ذاته متفهمة لما يجري في العالم من تغيرات حالية ومستقبلية، إذ إن الإصلاح المثمر لا يمكن إلا أن يبدأ من الداخل وفق تنامي وعي اجتماعي وثقافي بحقائق متطلبات العصر المتسارعة، وعدم اللجوء إلى الاختيار بين العناصر الثقافية على أساس النافع وغير النافع منها كما يعتقد البعض، لأن هناك حقيقة علمية تقول إن الحضارة تؤخذ كاملة غير مجزأة، وبهذا فإن عملية الاختيار هنا لا تكون كيفية إنما يجب أن تؤسس على قاعدة اجتماعية واعية ونظم ثقافية متطورة مستلهمة فلسفتها من منبع حضارتنا الأصيلة الخالية من الشوائب، وهي مسألة تتطلب شجاعة فائقة لتجاوز الماضي بتركيباته الاجتماعية ونظمه المعرقلة لعملية التفاعل مع الآخر أولاً، والتفاعل مع الذات من دون خوف على انفراط القيم ثانياً. فالقيم تكون صلدة إذا ما تجددت وفق معايير واعية بعيداً عن الأنانية، وهذه إشكالية يعيشها المجتمع العربي عامة، والخوف كل الخوف إذا لم تعالج مثل هذه الإشكالية، أن تنفرط القيم من بين أيدينا ونحن ننظر وتكون الإصلاحات عندئذ ترقيعاً أكثر منها أفعالاً حقيقية.  

::/fulltext::

araa42_42-786
Getting your Trinity Audio player ready...

::cck::2007::/cck::
::introtext::

ترتبط قضايا الإصلاح في المنطقة العربية عامة ومنطقة الخليج العربي خاصة بجملة من التطورات والتغيرات الكبرى التي تجتاح العالم بعد غياب القطب اليساري من الساحة العالمية، ولعل أبرز هذه التحولات حركة العولمة التي تعدت الحدود والبحار متجاوزة كل العقبات والاعتراضات.

::/introtext::
::fulltext::

ترتبط قضايا الإصلاح في المنطقة العربية عامة ومنطقة الخليج العربي خاصة بجملة من التطورات والتغيرات الكبرى التي تجتاح العالم بعد غياب القطب اليساري من الساحة العالمية، ولعل أبرز هذه التحولات حركة العولمة التي تعدت الحدود والبحار متجاوزة كل العقبات والاعتراضات.

لقد صار الإصلاح أو الدعوة إلى الديمقراطية في المنطقة العربية لا يرتبط بالدرجة الأولى بإرادة أو رغبة الدول الكبرى (وإن بدأ المشهد هكذا)، بقدر ارتباطه بتنامي الثورة المعلوماتية بأبعادها العلمية والثقافية حتى أصبح الحديث عن سيطرة دولة عظمى على دول صغيرة عن طريق الإصلاح مسألة في غاية السذاجة إذا ما أدركنا أن التحولات الهائلة في الغرب تجعل من قيمة الإصلاح في الاقتصاد والسياسة والاجتماع والإدارة والعلوم الطبيعية بمثابة دليل وإرشاد لمجتمعات المنطقة من أجل تهيئة قاعدة علمية للدخول في حلبة التحول الحضاري وإلا أصبحنا متأخرين أكثر فأكثر، هذا على الصعيد الثقافي، أما على الصعيد السياسي فقراءة تحليلية لبعض النظريات السياسية التي انطلقت في نهاية القرن الماضي تجاة قضايا استراتيجية عالمية صوّرت العلاقات الدولية في إطارها الجديد مقترنة بثورة معلوماتية بدأت ترسم ملامح التغير الثقافي في العالم الحديث منذ ستينات القرن الماضي، فكانت نظرية فوكاياما ترسم نهاية التاريخ لصالح قطب واحد، وجاءت نظرية هنتغنتون لتقدم صراع الحضارات بين حضارات حية مهددة متمثلة في الغرب وحضارات متحدية متمثلة في الحضارتين الإسلامية والصينية، ثم نظرية توفلر لتؤكد من زاوية أخرى صدمة المستقبل كمرحلة مهمة في التاريخ الإنساني، تكشف كل هذه التصورات رغم صبغتها السياسية إنما جاءت لتؤشر إلى مرحلة فاصلة من التحول الثقافي في العالم نتيجة للثورة المعلوماتية التي لم تعد أية دولة في العالم سواء في الزمن الحاضر أو المستقبل قادرة على أن تكون خارج إطارها.

أولاً: الأصالة والمعاصرة في منطقة الخليج العربي

يبدو الحديث عن الأصالة والمعاصرة في منطقة الخليج العربي لا يخرج عن حديث عام شهدته الساحة الثقافية العربية منذ عقود، ولاسيما بين اتجاه يرغب في التحديث عن طريق اقتباس قوانين وأساليب وتصورات الغرب واتجاه آخر يريد الرجوع بالمجتمع إلى عمق التاريخ وبناء نموذج حضاري مستند إلى الفلسفة الإسلامية وقيم وتقاليد الأجداد، وبين هذين الاتجاهين بقي الواقع الثقافي يشهد انحصاراً خطيراً في التأخر وتراجعاً ملحوظاً في التضامن والاتحاد، كما أصبح الواقع الاجتماعي عصياً على الإصلاح عن طريق تحقيق معدلات مثمرة من فرص الإنتاج، حتى بات المجتمع العربي عامة ومجتمع الخليج العربي خاصة يعيش صراعاً بين بنى تحتية تبنى على قوانين تكنولوجيا الغرب وبنى فوقية غير قادرة على استيعاب هذا التحول وتطويعه لصالح الحاضر والمستقبل، فبدل أن ينتظم العمل باتجاه بناء صرح حضاري جديد بتنا نواجه مشكلات اجتماعية ضخمة تهدد منظومتنا القيمية، فمشكلات الشباب الكثيرة أصبحت تقلقنا، بل إن قيم الشباب نفسها لم تعد تفهم منظومة قيم الأجداد بالصيغ التي يحرص الآباء على نقلها إلى أبنائهم، فاتجه الشباب إلى تبني الجانب الشكلي من تلك القيم، وعقلهم متجه نحو الانخراط في بوتقة الاهتمامات الجزئية سواء ما يتصل منها بشبكة العلاقات الاجتماعية أو في مجال الاهتمام بالجوانب الفنية من استعمال الإلكترونيات والتعامل مع الحاسوب والإنترنت بطريقة فاقت قدرة الآباء على ذلك، حتى أصبحت هناك فجوة واسعة بين الجيلين، فضلاً عن مشكلات المرأة ومشكلات التكيف الاجتماعي في إطار تقليدي. وتبقى المشكلة الحاضرة في هذا المجال هي عدم حصول قفزة نوعية نحو التحول إلى عقلية علمية وتخصص منظم في العمل بالشكل الذي يرسم ملامح جديدة في هذا المجتمع، وهكذا كان الرجوع أو الهروب إلى الماضي قد تبلور في اتجاهات فكرية صارمة تجاه الحاضر أو هكذا بدأ يفهم أصحاب هذا الاتجاه الحداثة على أنها تحد لهم، وإذا كان بالإمكان الاستفادة من بعض بنودها فإن ذلك يتم وفق ثوابت لا حياد عنها. لذا فإن مسألة حسم الصراع بين الأصالة والحداثة مسألة في غاية الأهمية حتى تتوضح طريقة الإصلاح هذه، وإذا كانت الولايات المتحدة الأمريكية تريد الإصلاح في منطقة الخليج العربي فإنها أيضاً محكومة بآليات التحول الثقافي والسياسي الكبرى والتي تريد أن ترسم تلك الإصلاحات وفق فلسفتها السياسية في العالم ضمن النظام العالمي الجديد، لكن المشكلة الأساسية التي تواجه مجتمعات الخليج العربية في الوقت الحاضر هي عدم قدرتها على التكيف مع النموذج الإصلاحي المرسوم في مداياته الثقافية بالدرجة التي يمكن أن تتكيف معه وفق مداياته السياسية. وبهذا فإن مسألة الإصلاحات الثقافية والاجتماعية سوف تأخذ زمناً طويلاً، إلا أن هذا لا يمنع من القول إن بعض دول الخليج العربية بدأت منذ زمن مبكر تجربتها الديمقراطية، كما هي عليه الحال في تجربة دولة الكويت منذ ستينات وسبعينات القرن الماضي، والتي استطاعت أن تحقق نجاحات مقدرة في الممارسة الديمقراطية مستندة إلى وعي وتطور المجتمع الكويتي ولاسيما في مجال الثقافة والفنون ومشاركة المرأة وحرية الصحافة والحراك الاجتماعي وغيرها، كما تعد اليوم تجارب قطر والبحرين والإمارات وسلطنة عُمان والإصلاحات الجارية في المملكة العربية السعودية، بمثابة مؤشرات إلى الوعي بأهمية الإصلاحات الاجتماعية والثقافية بمطلبيها الداخلي والخارجي.

أصبح الحديث عن سيطرة دولة عظمى على دول صغيرة عن طريق الإصلاح مسألة في غاية السذاجة 

ثانياً: العولمة وقضايا الإصلاح

أضحت موجات التحول الثقافي في عالم اليوم حقيقة دامغة، فاقت التصورات المحلية والأيديولوجيات التقليدية، وباتت تفرض وضعاً جديداً من الانفجار المعرفي والمعلوماتي تتطلب إصلاحاً حقيقياً في بنية النظم الاجتماعية والسياسية والاقتصادية التقليدية، إذ تعدت العولمة خطوط الطول والعرض، وتوغلت في دقائق الحياة البشرية، وأفرزت صيغ جديدة في الفكر والسلوك، كما تبلورت نظريات علمية ومعلوماتية تكاد تحظى بقدر معين من التعميم في المجالات الحياتية كافة، حتى باتت الآراء القائلة بأن العولمة وسيلة الدول الكبرى في السيطرة على الدول الصغيرة مسألة لم يعد يقبلها عاقل، لأن حقائق التطور العلمي والثقافي أصبحت ماثلة أمامنا. فليس من مصلحة الدول النامية ومنها دول الخليج العربية أن تبقى مكتوفة الأيدي دون الاستفادة من نتائج التقدم العلمي والتقني. وإذا كان هناك اعتراض على هذا القول – رغم صلاحيته التنظيرية – يبقى عديم الفائدة إذا لم يقترن بتحولات واقعية في الحياة (أي إيجاد البديل المماثل) سواء عن طريق تأسيس قاعدة علمية وصناعية بالتفاعل مع معطيات التقدم العالمي، وجعل الحوار في الجوانب الأخرى وسيلة حقيقية للتفاهم مع الآخر من دون أن تحمل وسائل الاعتراض لغة الصراع، وتبقى النظرة إلى المسألة نظرة حضارية أكثر منها سياسية. ورغم صعوبة الموازنة بين هذه المسائل في عالم تتصدره السياسة، إلا أن التأكيد على إصلاح النظام الاجتماعي في سائر المجتمعات التقليدية لابد أن يؤخذ به لمواكبة حركة التطور التقني المتصاعدة في العالم اليوم وفي المستقبل، وما محاولة استفادة دول الخليج العربية من الطاقة النووية إلا خطوة جادة لتوفيرها لزمن لاحق تكون حركة التغير والتطور العلمي والاقتصادي تتطلبها بشكل مباشر، فضلاً عن محاولة إيجاد مدن خالية من التلوث. وفي هذا السياق يمكن أن نفهم ضرورة الإصلاح في النظم الاجتماعية والسياسية كضرورة قائمة بشروطها الموضوعية، وليس على أساس أن الولايات المتحدة الأمريكية تفرض أجندة معينة لهذا الإصلاح. ورغم مقبولية هذا الرأي من الناحية السياسية إلا أنه من ناحية أبعاده الاجتماعية يمكن أن يحمل في باطنه فوائد حقيقية لنظم باتت تتطلب إصلاحاً اجتماعياً متناغماً مع حركة التطور التقني السائدة في العالم أو ما ستكون عليه الحال في المستقبل أيضاً، وعلى الرغم من حضور الأهداف السياسية وراء قضايا الإصلاح في منطقة الخليج العربي فإن دراسة مدخلاتها دراسة علمية تحليلية واستشراف نتائجها المستقبلية على المنطقة وفهم مردوداتها على الأجيال القادمة وتقييم قدرتها على المساعدة في حل مشكلات اجتماعية في الوقت الحاضر أو مشكلات ستظهر لاحقاً، تبقى على قدر كبير من اهتمام الساسة ومخططي التنمية في منطقة الخليج العربي.

ثالثاً: أمريكا وقضايا الإصلاح في المنطقة

إذا نظرنا إلى جوهر الدعوات الإصلاحية من قبل الولايات المتحدة الأمريكية في منطقة الخليج العربي فنجدها مرتبطة بظروف المنطقة ذاتها وما يمكن أن تفرزه من اتجاهات فكرية واجتماعية مضادة لحركة العولمة الجارية في العالم. هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن التقدم العلمي وثورة المعلومات المتنامية سيؤديان إلى زيادة سعة الفجوة بين المجتمعات المتقدمة ومجتمعات المنطقة على مستوى الفكر والسلوك، إذا لم توجه وفق تصورات جديدة قائمة على حساب الفائدة أكثر من الخسارة، بحيث تصبح قضايا الإصلاح حاجة داخلية أكثر منها حاجة خارجية، إلا أن المسألة من زاوية واقعية وضمن ترتيبات المنطقة باتجاه تشكيل الشرق الأوسط الجديد تبدو أكثر خطورة إذا ما أخذنا في الاعتبار حقائق التراث الثقافي والتركيبة القبلية في الخليج العربي، لأن الاستجابة السريعة غير المدروسة لهذا التغير ستخلخل المجتمع وتمزقه لاسيما إذا كانت عملية استقبال الإصلاح ذاته غير مهيأة من الناحية الواقعية سواء على مستوى الأفراد أو الجماعات أو على مستوى النظم السياسية ذاتها. وبهذا تبقى مسألة العلاقة بين الولايات المتحدة الأمريكية وقضايا الإصلاح في منطقة الخليج العربي بحاجة إلى تحليل أعمق وتقييم علمي مبني على حسابات تنطلق قبل كل شيء من حقائق النظام الثقافي الخليجي، وتكون في الوقت ذاته متفهمة لما يجري في العالم من تغيرات حالية ومستقبلية، إذ إن الإصلاح المثمر لا يمكن إلا أن يبدأ من الداخل وفق تنامي وعي اجتماعي وثقافي بحقائق متطلبات العصر المتسارعة، وعدم اللجوء إلى الاختيار بين العناصر الثقافية على أساس النافع وغير النافع منها كما يعتقد البعض، لأن هناك حقيقة علمية تقول إن الحضارة تؤخذ كاملة غير مجزأة، وبهذا فإن عملية الاختيار هنا لا تكون كيفية إنما يجب أن تؤسس على قاعدة اجتماعية واعية ونظم ثقافية متطورة مستلهمة فلسفتها من منبع حضارتنا الأصيلة الخالية من الشوائب، وهي مسألة تتطلب شجاعة فائقة لتجاوز الماضي بتركيباته الاجتماعية ونظمه المعرقلة لعملية التفاعل مع الآخر أولاً، والتفاعل مع الذات من دون خوف على انفراط القيم ثانياً. فالقيم تكون صلدة إذا ما تجددت وفق معايير واعية بعيداً عن الأنانية، وهذه إشكالية يعيشها المجتمع العربي عامة، والخوف كل الخوف إذا لم تعالج مثل هذه الإشكالية، أن تنفرط القيم من بين أيدينا ونحن ننظر وتكون الإصلاحات عندئذ ترقيعاً أكثر منها أفعالاً حقيقية.  

::/fulltext::
::cck::2007::/cck::

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *