تحولات السياسة الأمريكية في الخليج العربي.. إطار نظري

::cck::2008::/cck::
::introtext::

على نقيض الحكمة المأثورة في دراسات الصراعات المسلحة عن الخبير الاستراتيجي البريطاني ليدل هارت، والتي تذهب إلى (أن الحرب امتداد للسياسية، لكن بوسائل أخرى)، فإن السياسة الأمريكية في منطقة الشرق الأوسط، وتحديداً في ما يتعلق بأزمات منطقة الخليج العربي، أضحت امتداداً للحرب الأمريكية على العراق وللتداعيات السلبية لمخلفات هذه الحرب.

::/introtext::
::fulltext::

 

على نقيض الحكمة المأثورة في دراسات الصراعات المسلحة عن الخبير الاستراتيجي البريطاني ليدل هارت، والتي تذهب إلى (أن الحرب امتداد للسياسية، لكن بوسائل أخرى)، فإن السياسة الأمريكية في منطقة الشرق الأوسط، وتحديداً في ما يتعلق بأزمات منطقة الخليج العربي، أضحت امتداداً للحرب الأمريكية على العراق وللتداعيات السلبية لمخلفات هذه الحرب.

كان من تداعيات الفشل العسكري والسياسي الأمريكي بالعراق منذ عام 2003 إخراج سياسات أمريكية متقلبة وغير متوازنة اعتمدت أسلوب (التجريب) غير المخطط لتحقيق المصالح الأمريكية في المنطقة، وهو تجريب بدأ من افتراض جعل العراق النبتة الأولى لتحول البلدان الشرق أوسطية من (الدكتاتورية) إلى (الديمقراطية) وقبول هذه الدول بإسرائيل ومحاربتها للإرهاب تحت عنوان (الشرق الأوسط الكبير)، إلى تجريب القضاء على الحركات (الراديكالية) ومن يدعمها من الدول (المارقة)، انتهاءً بالعودة إلى سياسة بناء (الأحلاف) وتعمّد التقسيم بين (معتدلين) و (متشددين) تمهيداً لمشروع آخر هو (الشرق الأوسط الجديد) الذي يخلو من حركات المقاومة ومن راديكالية الدول (المارقة)، ومنها سوريا وإيران.

ومثلما كانت حرب العراق الأولى (حرب تحرير الكويت) في عام 1990، التي فرضت فرضاً على المجتمع الدولي، هي المختبر الأول لبزوغ نظام عالمي جديد يقوم على تفرد الولايات المتحدة في الشؤون العالمية -كما أعلن الرئيس الأمريكي جورج بوش الأب حينذاك- فإن الغزو الأمريكي للعراق عام 2003 كان تكريساً واضحاً لهذا النظام الجديد وإعلاناً رسمياً بهيمنة أمريكا على الشؤون العالمية بعد أن وضع المحافظون الجدد هذا الهدف في مشروع القرن الأمريكي الجديد عام 1997، ثم صاغوه بعد وصولهم إلى الحكم في وثيقة استراتيجية الأمن القومي عام 2002.

بيد أن تداعيات ما بعد غزو العراق وفشل السياسة الأمريكية في احتواء أزمات منطقة الشرق الأوسط المختلفة، وصعود إيران كقطب إقليمي مؤثر في المنطقة من الخليج إلى البحر المتوسط ومن العراق إلى الساحتين الفلسطينية واللبنانية، وعدم تناغم السياسة الأمريكية مع دول الخليج العربية، والانقسام الأمريكي الداخلي، سياسياً وشعبياً، حول كيفية تنفيذ السياسة الخارجية للدولة، أدى ذلك كله إلى انتقال، لم يكتمل كليةً بعد، من نمط يعتمد الخيار العسكري أسلوباً أمثل للسياسة الأمريكية، إلى نمط يقوم على استخدام أساليب متعددة لا تستثني بالطبع الخيار العسكري لكن تضعه في مرتبة متأخرة. 

حرب العراق ونهج الواقعية الهجومية

لقد اعتقد الكثير من المحللين أن المدرسة الواقعية في دراسة العلاقات الدولية، والتي ترتكز على مقولة أساسية هي أن السياسات المبنية على القوة هي فقط التي يمكنها أن تحقق درجة من الأمن العالمي، وأن الصراع من أجل امتلاك مقدرات القوة الصلبة هو ما يشكل النظام العالمي، قد لا تقدم الإطار الملائم لتفسير سياسات الدول الكبرى وخاصة الولايات المتحدة في عالم ما بعد الحرب الباردة، لكن الاستخدام المكثف للقوة العسكرية من قبل الولايات المتحدة ودخولها ست حروب متتالية منذ عام 1990 وحتى عام 1999 جعلا من القوة العسكرية جزءاً من مخطط استراتيجي مقصود من جانب إدارتي الرئيس بوش الأب والرئيس بيل كلينتون، وقادا بالتالي إلى سيطرة أفكار المدرسة الواقعية على المسؤولين الأمريكيين.

ويكمن الفارق بين هاتين الإدارتين السابقتين وبين إدارة بوش الابن في الغرض من استخدام القوة العسكرية، ففيما استخدمها الأولان لتثبيت نمط توزيع القوة الجديد في النظام الدولي، وفقاً لآراء النظرية الواقعية البنائية التي يرى أحد أبرز منظّريها (كيندرمان) من مدرسة ميونيخ الواقعية، أن القوة كأداة لا تزال تشكل إحدى الوسائل الضرورية التي يمكن اللجوء إليها بحيث لا تتعارض مع طبيعة القانون ولا مع طبيعة السياسة، أي أنها تعكس، وفق آراء أنصار هذه الواقعية، البنائية التراتبية والتنظيم الهرمي المرتكزين على الفوضوية واللذين يشكلان الأمن الدولي.

أما إدارة بوش الابن وزمرة المحافظين الجدد، فقد بدت سياساتهم العالمية لصيقة الصلة بآراء المدرسة الواقعية الكلاسيكية الجديدة، هذه المدرسة التي بدأت تطور النظرية الواقعية منذ ثمانينات القرن الماضي مع بدء زوال القطبية الثنائية، حيث أضافت إليها الرؤى المختلفة للاجتماع السياسي والمعرفة النفسية ونظرية المنظمات ودراسات التاريخ، وجعلت الهوية والمسائل الثقافية مادة ثانوية مشتقة لتوزيع قدرات الدول، كما ركزت على دراسة الآثار الكلية للسياسات والعوامل الداخلية مثل نمط القادة وإدراكهم لتكوين سياسة الدولة الخارجية.

ومن أبرز آراء هذه المدرسة أن أفق السياسة الخارجية للدولة يتشكل من وضعها في النظام الدولي أولاً ومن قدراتها العسكرية مقارنة بالآخرين ثانياً، وأن معضلة الأمن في ضوء الضبابية التي تسود المجتمع الدولي وفي ضوء التطور التكنولوجي خاصة في صناعة السلاح، كما يرى روبرت جيرفز، تجعل من الصعب التمييز بين الدوافع والنوايا وبين الأسلحة الهجومية والدفاعية، وهو الأمر الذي قد يقود إما إلى استخدام الدولة للهجوم حماية للنفس أو السعي للسيطرة على الموارد خارج حدودها لحماية نفسها وفرض هيمنتها الدولية.

ويعتقد أصحاب هذه المدرسة، مثل جودان روز، أن النظام الدولي قد يعاد تشكيله طبقاً لسلوك دولة فيها أشخاص متعصبون يفضلون التعصب، ويعملون بالتالي على تجميع القدرات القومية في المديين القصير والمتوسط لتحويلها إلى سلوك قومي يقود للحرب بناءً على معطيات مستقبلية. وتفترض هذه النظرية كذلك أن الدولة في القرن الواحد والعشرين وفي ظل النظام الفوضوي تنتقل وبشكل سريع ومتتال من استراتيجية إلى أخرى، ومن الحرب إلى التكيف مع السلام وبالعكس.

على أن الواقعيين الكلاسيكيين الجدد، ينقسمون فيما بينهم إلى (هجوميين) و(دفاعيين)، وتحديداً في ما يتعلق بحل الدولة لمعضلة الأمن ودور القادة والسياسات الداخلية في تحديد مركز الدولة في النظام الدولي.

وهنا فقد انطلقت إدارة بوش الابن واقعياً من قلب أطروحات المدرسة الواقعية الهجومية، حتى قبل هجمات 11 سبتمبر 2001، حيث يرى أصحاب هذا التوجه أن (الفوضى وعدم اليقين يحثان الدولة على تنظيم تأثير القوة والنفوذ لأن الأمن المطلق غير مؤكد، ومن ثم يسعى قادة هذه الدول عندما يسمح النظام الدولي بذلك إلى التوسع في الأهداف وامتداد وتعظيم القوة في الزمان والمكان اللذين يعظمان مصلحتها شرط أن تكون التكلفة قليلة.. وعادة ما يلجأ القادة إلى ذلك عندما يستطيعون امتلاك عناصر القوة الداخلية ووجود المبررات الكافية لهذا السلوك، وفي هذه الحالة تصبح الأسلحة الهجومية والعقيدة العسكرية أكثر حسماً لأن توازن القوى يفرض ذلك).

وطبقاً لهذه المدرسة أيضاً، فإن ثمة حدثاً خارجياً ما وخاصة عندما يشكل تهديداً حقيقياً للدولة، فإنه يؤدي إلى استغلاله لاتباع سياسة توسعية وتحقيق أهداف استراتيجية كبرى لم تكن تتحقق من دون هذا الحدث الذي يمثل الإطار التفسيري لسلوك الدولة.

وعملياً، كان المحافظون الجدد قد أنتجوا مشروعهم للقرن الأمريكي الجديد عام 1997، مركزين استراتيجيتهم على امتلاك المبادأة ومنع حدوث مفاجآت أو فقدان زمام المبادرة والاعتماد على القوة الذاتية الشاملة والحفاظ على قدرات الردع وهزيمة العدو عبر الدفاع الوقائي واستخدام التطور التكنولوجي لاستحداث أنواع جديدة من الأسلحة الهجومية والدفاعية للعمل على حسم المعارك في أسرع وقت وتنفيذ قدرة عالية على الانتشار السريع للقوات. واستطاع المحافظون الجدد في إدارة بوش أن يحولوا هذه الواقعية الهجومية إلى واقع حقيقي بعد هجمات 11 سبتمبر، فقد تضافرت عناصر وجود زمرة متعصبة لها رؤية فكرية للسلوك الأمريكي تعتمد على السيادة العالمية وتعظيم المصلحة القومية الأمريكية ونشر النموذج الأمريكي والنظرة الأحادية للعالم وللتاريخ وتطبيق (الخيار صفر) في العلاقات الدولية، حيث لا شيء قابلاً للمساومة، وسيطرت الأغلبية الجمهورية للمرة الأولى في تاريخ الولايات المتحدة على الأغلبية في مجلسي النواب، وأوجدت مصالح مشتركة مع نخبة من رجال الأعمال والمتشددين الدينيين وصانعي السلاح، كما شكلت هجمات سبتمبر الحدث الظرفي لإحداث النقلة النوعية في إدراك القادة لكسب التأييد الدولي وتعبئة المجهود الداخلي وإثارة مشاعر القومية تحت ذريعة حماية أمن أمريكا من قوى محور الشر.

توجهات المحافظين الجدد هي ما أدت إلى تبني أمريكا خيار الحرب ومحاولة فرض النموذج الأمريكي بالقوة 

ومن هنا انطلقت إدارة بوش إلى اعتماد مبدأ الضربات الاستباقية فعلياً لتكريس نموذج القوة الأمريكي الأحادي، وكان العراق الحلقة الأضعف في سلسلة ثلاثية محور الشر، والمكان الأنسب للتوسع الأمريكي خارج الحدود لتعظيم المصالح الأمريكية والسعي لفرض النموذج الأمريكي في الشرق الأوسط نظراً لاختلال موازين القوى، حيث ليس للعراق حليف استراتيجي يشاركه الحرب، فضلاً عن سهولة الحشد الدولي والداخلي للحرب على العراق، والعلم بأن تكلفة هذه الحرب ستكون محدودة مقارنة بحالات أخرى مثل كوريا الشمالية أو إيران.

وإذا كانت الواقعية الكلاسيكية الجديدة قد رأت أن الدول تلجأ إلى الشرعية الدولية التي تعكس نمط وطريقة توزيع القوة وتستغل المؤسسات الدولية لصالحها، فإن إدارة بوش قفزت على هذا المعطى لدى حربها على العراق، ولجأت إلى تشكيل تحالف دولي غير رسمي، فالانفرادية الأمريكية قامت على (التعددية بالطلب) واستغلال الحرب على (الإرهاب) لتكوين مثل هذه التحالفات. وتعمدت إدارة بوش تجاوز دور الأمم المتحدة وعدم وجود قرار دولي (يشرعن) هذه الحرب، لكن في سياق التكيف مع أوضاع الحرب وما بعدها، لجأت فيما بعد إلى استصدار القرار 1511 الذي حصلت من خلاله على موافقة بمشاركة قوات باسم الأمم المتحدة وبقيادة أمريكية، بعد أن أقرت واقعاً دولياً (انفرادياً) جديداً.

 

الواقعية الدفاعية في مواجهة إيران

وإذا كانت السياسة وتوجهات المحافظين الجدد هي ما أدت إلى تبني أمريكا خيار الحرب ومحاولة فرض النموذج الأمريكي بالقوة في منطقة الشرق الأوسط، فإن تداعيات السنوات الأربع لهذه الحرب وأبرزها: الفشل الأمريكي في العراق وفي الحرب على (الإرهاب) وفرض الديمقراطية الأمريكية، وصعوبة احتواء أزمات المنطقة بعد بروز إيران ذات الطموح النووي كفاعل إقليمي مؤثر وخاصة داخل العراق، وفشل إسرائيل في حربها الأخيرة على لبنان، وعودة روسيا والصين بقوة إلى مسرح الأحداث الشرق أوسطية، قادت (هذه التداعيات) إلى أن تصبح بيئة ما بعد الحرب هي ما يشكل السياسة الأمريكية في المنطقة، وبصفة خاصة بعد صدور تقرير بيكر-هاملتون أو (مجموعة دراسة العراق) يوم 8 ديسمبر 2006، الذي ربط بين الملف العراقي ووضع أمريكا السيئ هناك بسائر الملفات المشتعلة على ساحة الشرق الأوسط، وفي مقدمتها الصراع العربي-الإسرائيلي، ودعوته الإدارة الأمريكية إلى اللجوء لاستراتيجية (العودة للجذور)، أي محاولة إيجاد حل لهذا الصراع، وإلى ضرورة فتح حوار مع كل من سوريا وإيران حول الوضع في العراق.

وبالنظر إلى ما آل إليه مجمل الوضع الدولي وتراجع صورة أمريكا في العالم وبزوغ قوى تناوئ ولو على استحياء هذا التفرد الأمريكي، والأهم ثبات فشل السياسات الأحادية في تحقيق الأمن العالمي أو درء مخاطر الإرهاب، فقد شهدت الأروقة الأمريكية، الرسمية منها والبحثية، مناظرة كبرى حول طبيعة ومجال ارتباط أمريكا بالعالم. وزادت من حدة هذه المناظرة عودة الديمقراطيين لاستحواذ الأغلبية في الكونغرس واقتراب موعد الانتخابات الرئاسية الأمريكية الجديدة، إذ يرى الديمقراطيون أن قوة أمريكا تنبع أكثر من قدرتها على الإقناع لا الإكراه، وأن حل معضلة العراق ومنع إيران من استحواذ قدرات نووية وغيرهما من الأزمات العالمية تكمن في التوصل إلى صيغة مرنة بين خيار القوة وخيار الشراكة الدولية.

إن ما حدث بالتالي هو عودة حالة الاستقطاب الثنائي بين الحزبين الكبيرين داخل البيت الأمريكي، حيث سيطر حزب على البيت الأبيض وآخر على الكونغرس، وتعمقت الخلافات الأيديولوجية بينهما بشكل كبير، كما انكشفت أكذوبة المحافظين الجدد حول إمكانية السيطرة والتفرد العالمي، وبدأت زمرتهم في التفكك واستقال العديد منهم من مواقعهم، بل شهدت إدارة بوش خلافات داخل مراكز صنع القرار، وخاصة بين وزارة الخارجية والبنتاغون وأجهزة الاستخبارات، حول كيفية مواجهة إيران وما إذا كان منعها من الحصول على السلاح النووي يتم عبر الحرب أم باتباع أساليب أخرى.

هذه العوامل مجتمعة أدت إلى فقدان إدارة بوش غالبية العناصر التي توافرت لها لاحتلال العراق، فأجبرت على التحول إلى نمط آخر يجد صداه هذه المرة لدى أنصار الواقعية الكلاسيكية الدفاعية لا الهجومية.

وتقول هذه المدرسة إن (التعقيد هو سمة الوضع الدولي، وبالتالي قد لا توجد ضرورة شرطية بين السياسة الخارجية للدولة والتوسع خارج حدودها من جانب، علاوة على وجود قيود داخلية تعيق قدرة القادة على تعبئة الموارد اللازمة للدفاع القومي من جانب آخر. ومن ثم فقد ينتج هؤلاء القادة سياسة خارجية أكثر تعاوناً، وهنا تختار الدولة استراتيجية التعاون العسكري، وتسعى إلى بناء تحالفات تحت مظلة المؤسسات الدولية وخارجها أيضاً لتنفيذ أجندتها الخارجية).

وفي هذه الحالة، وكما يرى تشارلز غلاسر صاحب (الواقعية الكلاسيكية الشرطية أو الظرفية)، فإن توازن الدول بين المميزات التي ستحصل عليها والمخاطر التي ستتحملها نتيجة للدخول في سباق للتسلح أو استخدامها القوة العسكرية، أي توازن بين معدل ما تتكلفه القوة الهجومية مقارنة بمعدل القدرة الدفاعية وأيهما أقل تكلفة هو الذي يشكل سياسة الدولة، فالهجوم يضمن تعظيم القدرة النسبية للدولة وتحقيق أمن إضافي لها لمواجهة الأعداء، والدفاع يحقق أقل قدر ممكن من الخسائر، ويتحاشى في الوقت نفسه زيادة قدرات الدول الأخرى.

تسعى إدارة بوش إلى تقليص النفوذ الإيراني داخل العالم العربي عبر التدخل المباشر في الأزمات الداخلية 

ووفقاً لهذه النظرية، فإن إدارة بوش، وتبعاً لحسابات التكلفة والعائد، ومن دون إغفال العوامل الداخلية وبعض تحولات البيئة الدولية، اضطرت إلى تقديم الخيارات الأخرى، الدبلوماسية منها والعقابية والاحتوائية، على خيار استخدام القوة العسكرية لمواجهة إيران ونفوذها الإقليمي وطموحها النووي.

وبالفعل بدأت تعمل هذه الاستراتيجية الجديدة مع مطلع عام 2007، حيث بات احتواء إيران هدفاً مركزياً لسياسات إدارة بوش في المنطقة، فعمدت الإدارة إلى اتباع أنماط إقليمية ودولية لتطبيق هذه السياسة، إذ فتحت مع الإيرانيين حواراً مباشراً حول الوضع الأمني في العراق، ورفضت بالمقابل أن يشتمل مثل هذا الحوار على رزمة متكاملة لحل كافة الإشكاليات بين إيران والغرب، وانتهجت مسارين لاحتواء إيران هما:

أولاً: مسار دولي، حيث محاولة إيجاد إجماع دولي على منع إيران من الوصول إلى نقطة اللاعودة في برنامجها النووي. وهنا تم تكثيف دور الترويكا الأوروبية بدايةً ثم اللجوء لاستصدار القرارين 1737 و 1747 من مجلس الأمن الدولي كمقدمة لسلة من العقوبات التي لا تزال إدارة بوش تجد صعوبات عدة في تمريرها. والثابت أن ثمة إجماعاً دولياً على ضرورة ألا تحصل إيران على برنامج سري للتسلح النووي، لكن يكمن الخلاف بين الدول الكبرى في كيفية منع إيران من ذلك.

ثانياً: مسار إقليمي، حيث تسعى إدارة بوش إلى تقليص النفوذ الإيراني داخل العالم العربي عبر التدخل المباشر في الأزمات الداخلية كما في الحالتين اللبنانية والفلسطينية، والاتفاق على صفقات جديدة للتسلح في المنطقة وخاصة لدول الخليج، حيث تقول الإدارة الأمريكية إنها تهدف إلى تعزيز قدرات الردع الخليجية لمواجهة التوسع الإيراني. وعلى الدرب الإقليمي نفسه تفترض إدارة بوش أن مجرد إحياء المسار المتعثر للتسوية بين الفلسطينيين والإسرائيليين سيقود إلى تحول الدول العربية إلى المشاركة الفورية في جهودها لاحتواء إيران.

لكن كلا المسارين يواجه تعقيدات شديدة، فعلى المستوى الدولي، ينعكس سوء العلاقات الأمريكية-الروسية سلباً على الملف الإيراني برمته، وقد تمنع روسيا والصين تمرير قرارات دولية جديدة بفرض مزيد من العقوبات على طهران.

وإقليمياً، فإن دول الخليج العربية، وإن تحفظت على السلوك الإيراني في المنطقة ولديها مخاوف حقيقية من النفوذ الإيراني المتنامي والتنافس القائم بين أمريكا وإيران، فإنها تفضل حل الإشكاليات مع الإيرانيين بالوسائل الحوارية، وتقيم العديد من هذه الدول علاقات قوية مع إيران، كما تفضل غالبية الدول العربية صيغة دولية تشاركية وجماعية لتعزيز أمن الخليج، وتعمل في الوقت ذاته على تجنب الصدام أو دخول المنطقة في أتون حرب رابعة ستكون أشد وطأة على المنطقة والعالم.

ومجمل القول، أن إدارة بوش وهي تتقلب بين تجريب سياسات القوة وسياسات الاحتواء، تركت على أرض الواقع ميراثاً سلبياً في منطقة الشرق الأوسط، وغيره، إلى خليفة بوش الجديد في البيت الأبيض، ديمقراطياً كان أم جمهورياً. وسوف تبقى المناظرة الكبرى داخل الولايات المتحدة قائمة إلى حين من الوقت بشأن طبيعة السياسة الخارجية الأمريكية وتوجهاتها ووسائل تنفيذها، وما إذا كان سيتم اعتماد الخيار الأحادي أم تعود أمريكا إلى أسس الشراكة الدولية والإقليمية مرة أخرى بعد أن قضت عليها إدارة بوش لمدة ثماني سنوات.

 

::/fulltext::

araa42_45-ca4
Getting your Trinity Audio player ready...

::cck::2008::/cck::
::introtext::

على نقيض الحكمة المأثورة في دراسات الصراعات المسلحة عن الخبير الاستراتيجي البريطاني ليدل هارت، والتي تذهب إلى (أن الحرب امتداد للسياسية، لكن بوسائل أخرى)، فإن السياسة الأمريكية في منطقة الشرق الأوسط، وتحديداً في ما يتعلق بأزمات منطقة الخليج العربي، أضحت امتداداً للحرب الأمريكية على العراق وللتداعيات السلبية لمخلفات هذه الحرب.

::/introtext::
::fulltext::

 

على نقيض الحكمة المأثورة في دراسات الصراعات المسلحة عن الخبير الاستراتيجي البريطاني ليدل هارت، والتي تذهب إلى (أن الحرب امتداد للسياسية، لكن بوسائل أخرى)، فإن السياسة الأمريكية في منطقة الشرق الأوسط، وتحديداً في ما يتعلق بأزمات منطقة الخليج العربي، أضحت امتداداً للحرب الأمريكية على العراق وللتداعيات السلبية لمخلفات هذه الحرب.

كان من تداعيات الفشل العسكري والسياسي الأمريكي بالعراق منذ عام 2003 إخراج سياسات أمريكية متقلبة وغير متوازنة اعتمدت أسلوب (التجريب) غير المخطط لتحقيق المصالح الأمريكية في المنطقة، وهو تجريب بدأ من افتراض جعل العراق النبتة الأولى لتحول البلدان الشرق أوسطية من (الدكتاتورية) إلى (الديمقراطية) وقبول هذه الدول بإسرائيل ومحاربتها للإرهاب تحت عنوان (الشرق الأوسط الكبير)، إلى تجريب القضاء على الحركات (الراديكالية) ومن يدعمها من الدول (المارقة)، انتهاءً بالعودة إلى سياسة بناء (الأحلاف) وتعمّد التقسيم بين (معتدلين) و (متشددين) تمهيداً لمشروع آخر هو (الشرق الأوسط الجديد) الذي يخلو من حركات المقاومة ومن راديكالية الدول (المارقة)، ومنها سوريا وإيران.

ومثلما كانت حرب العراق الأولى (حرب تحرير الكويت) في عام 1990، التي فرضت فرضاً على المجتمع الدولي، هي المختبر الأول لبزوغ نظام عالمي جديد يقوم على تفرد الولايات المتحدة في الشؤون العالمية -كما أعلن الرئيس الأمريكي جورج بوش الأب حينذاك- فإن الغزو الأمريكي للعراق عام 2003 كان تكريساً واضحاً لهذا النظام الجديد وإعلاناً رسمياً بهيمنة أمريكا على الشؤون العالمية بعد أن وضع المحافظون الجدد هذا الهدف في مشروع القرن الأمريكي الجديد عام 1997، ثم صاغوه بعد وصولهم إلى الحكم في وثيقة استراتيجية الأمن القومي عام 2002.

بيد أن تداعيات ما بعد غزو العراق وفشل السياسة الأمريكية في احتواء أزمات منطقة الشرق الأوسط المختلفة، وصعود إيران كقطب إقليمي مؤثر في المنطقة من الخليج إلى البحر المتوسط ومن العراق إلى الساحتين الفلسطينية واللبنانية، وعدم تناغم السياسة الأمريكية مع دول الخليج العربية، والانقسام الأمريكي الداخلي، سياسياً وشعبياً، حول كيفية تنفيذ السياسة الخارجية للدولة، أدى ذلك كله إلى انتقال، لم يكتمل كليةً بعد، من نمط يعتمد الخيار العسكري أسلوباً أمثل للسياسة الأمريكية، إلى نمط يقوم على استخدام أساليب متعددة لا تستثني بالطبع الخيار العسكري لكن تضعه في مرتبة متأخرة. 

حرب العراق ونهج الواقعية الهجومية

لقد اعتقد الكثير من المحللين أن المدرسة الواقعية في دراسة العلاقات الدولية، والتي ترتكز على مقولة أساسية هي أن السياسات المبنية على القوة هي فقط التي يمكنها أن تحقق درجة من الأمن العالمي، وأن الصراع من أجل امتلاك مقدرات القوة الصلبة هو ما يشكل النظام العالمي، قد لا تقدم الإطار الملائم لتفسير سياسات الدول الكبرى وخاصة الولايات المتحدة في عالم ما بعد الحرب الباردة، لكن الاستخدام المكثف للقوة العسكرية من قبل الولايات المتحدة ودخولها ست حروب متتالية منذ عام 1990 وحتى عام 1999 جعلا من القوة العسكرية جزءاً من مخطط استراتيجي مقصود من جانب إدارتي الرئيس بوش الأب والرئيس بيل كلينتون، وقادا بالتالي إلى سيطرة أفكار المدرسة الواقعية على المسؤولين الأمريكيين.

ويكمن الفارق بين هاتين الإدارتين السابقتين وبين إدارة بوش الابن في الغرض من استخدام القوة العسكرية، ففيما استخدمها الأولان لتثبيت نمط توزيع القوة الجديد في النظام الدولي، وفقاً لآراء النظرية الواقعية البنائية التي يرى أحد أبرز منظّريها (كيندرمان) من مدرسة ميونيخ الواقعية، أن القوة كأداة لا تزال تشكل إحدى الوسائل الضرورية التي يمكن اللجوء إليها بحيث لا تتعارض مع طبيعة القانون ولا مع طبيعة السياسة، أي أنها تعكس، وفق آراء أنصار هذه الواقعية، البنائية التراتبية والتنظيم الهرمي المرتكزين على الفوضوية واللذين يشكلان الأمن الدولي.

أما إدارة بوش الابن وزمرة المحافظين الجدد، فقد بدت سياساتهم العالمية لصيقة الصلة بآراء المدرسة الواقعية الكلاسيكية الجديدة، هذه المدرسة التي بدأت تطور النظرية الواقعية منذ ثمانينات القرن الماضي مع بدء زوال القطبية الثنائية، حيث أضافت إليها الرؤى المختلفة للاجتماع السياسي والمعرفة النفسية ونظرية المنظمات ودراسات التاريخ، وجعلت الهوية والمسائل الثقافية مادة ثانوية مشتقة لتوزيع قدرات الدول، كما ركزت على دراسة الآثار الكلية للسياسات والعوامل الداخلية مثل نمط القادة وإدراكهم لتكوين سياسة الدولة الخارجية.

ومن أبرز آراء هذه المدرسة أن أفق السياسة الخارجية للدولة يتشكل من وضعها في النظام الدولي أولاً ومن قدراتها العسكرية مقارنة بالآخرين ثانياً، وأن معضلة الأمن في ضوء الضبابية التي تسود المجتمع الدولي وفي ضوء التطور التكنولوجي خاصة في صناعة السلاح، كما يرى روبرت جيرفز، تجعل من الصعب التمييز بين الدوافع والنوايا وبين الأسلحة الهجومية والدفاعية، وهو الأمر الذي قد يقود إما إلى استخدام الدولة للهجوم حماية للنفس أو السعي للسيطرة على الموارد خارج حدودها لحماية نفسها وفرض هيمنتها الدولية.

ويعتقد أصحاب هذه المدرسة، مثل جودان روز، أن النظام الدولي قد يعاد تشكيله طبقاً لسلوك دولة فيها أشخاص متعصبون يفضلون التعصب، ويعملون بالتالي على تجميع القدرات القومية في المديين القصير والمتوسط لتحويلها إلى سلوك قومي يقود للحرب بناءً على معطيات مستقبلية. وتفترض هذه النظرية كذلك أن الدولة في القرن الواحد والعشرين وفي ظل النظام الفوضوي تنتقل وبشكل سريع ومتتال من استراتيجية إلى أخرى، ومن الحرب إلى التكيف مع السلام وبالعكس.

على أن الواقعيين الكلاسيكيين الجدد، ينقسمون فيما بينهم إلى (هجوميين) و(دفاعيين)، وتحديداً في ما يتعلق بحل الدولة لمعضلة الأمن ودور القادة والسياسات الداخلية في تحديد مركز الدولة في النظام الدولي.

وهنا فقد انطلقت إدارة بوش الابن واقعياً من قلب أطروحات المدرسة الواقعية الهجومية، حتى قبل هجمات 11 سبتمبر 2001، حيث يرى أصحاب هذا التوجه أن (الفوضى وعدم اليقين يحثان الدولة على تنظيم تأثير القوة والنفوذ لأن الأمن المطلق غير مؤكد، ومن ثم يسعى قادة هذه الدول عندما يسمح النظام الدولي بذلك إلى التوسع في الأهداف وامتداد وتعظيم القوة في الزمان والمكان اللذين يعظمان مصلحتها شرط أن تكون التكلفة قليلة.. وعادة ما يلجأ القادة إلى ذلك عندما يستطيعون امتلاك عناصر القوة الداخلية ووجود المبررات الكافية لهذا السلوك، وفي هذه الحالة تصبح الأسلحة الهجومية والعقيدة العسكرية أكثر حسماً لأن توازن القوى يفرض ذلك).

وطبقاً لهذه المدرسة أيضاً، فإن ثمة حدثاً خارجياً ما وخاصة عندما يشكل تهديداً حقيقياً للدولة، فإنه يؤدي إلى استغلاله لاتباع سياسة توسعية وتحقيق أهداف استراتيجية كبرى لم تكن تتحقق من دون هذا الحدث الذي يمثل الإطار التفسيري لسلوك الدولة.

وعملياً، كان المحافظون الجدد قد أنتجوا مشروعهم للقرن الأمريكي الجديد عام 1997، مركزين استراتيجيتهم على امتلاك المبادأة ومنع حدوث مفاجآت أو فقدان زمام المبادرة والاعتماد على القوة الذاتية الشاملة والحفاظ على قدرات الردع وهزيمة العدو عبر الدفاع الوقائي واستخدام التطور التكنولوجي لاستحداث أنواع جديدة من الأسلحة الهجومية والدفاعية للعمل على حسم المعارك في أسرع وقت وتنفيذ قدرة عالية على الانتشار السريع للقوات. واستطاع المحافظون الجدد في إدارة بوش أن يحولوا هذه الواقعية الهجومية إلى واقع حقيقي بعد هجمات 11 سبتمبر، فقد تضافرت عناصر وجود زمرة متعصبة لها رؤية فكرية للسلوك الأمريكي تعتمد على السيادة العالمية وتعظيم المصلحة القومية الأمريكية ونشر النموذج الأمريكي والنظرة الأحادية للعالم وللتاريخ وتطبيق (الخيار صفر) في العلاقات الدولية، حيث لا شيء قابلاً للمساومة، وسيطرت الأغلبية الجمهورية للمرة الأولى في تاريخ الولايات المتحدة على الأغلبية في مجلسي النواب، وأوجدت مصالح مشتركة مع نخبة من رجال الأعمال والمتشددين الدينيين وصانعي السلاح، كما شكلت هجمات سبتمبر الحدث الظرفي لإحداث النقلة النوعية في إدراك القادة لكسب التأييد الدولي وتعبئة المجهود الداخلي وإثارة مشاعر القومية تحت ذريعة حماية أمن أمريكا من قوى محور الشر.

توجهات المحافظين الجدد هي ما أدت إلى تبني أمريكا خيار الحرب ومحاولة فرض النموذج الأمريكي بالقوة 

ومن هنا انطلقت إدارة بوش إلى اعتماد مبدأ الضربات الاستباقية فعلياً لتكريس نموذج القوة الأمريكي الأحادي، وكان العراق الحلقة الأضعف في سلسلة ثلاثية محور الشر، والمكان الأنسب للتوسع الأمريكي خارج الحدود لتعظيم المصالح الأمريكية والسعي لفرض النموذج الأمريكي في الشرق الأوسط نظراً لاختلال موازين القوى، حيث ليس للعراق حليف استراتيجي يشاركه الحرب، فضلاً عن سهولة الحشد الدولي والداخلي للحرب على العراق، والعلم بأن تكلفة هذه الحرب ستكون محدودة مقارنة بحالات أخرى مثل كوريا الشمالية أو إيران.

وإذا كانت الواقعية الكلاسيكية الجديدة قد رأت أن الدول تلجأ إلى الشرعية الدولية التي تعكس نمط وطريقة توزيع القوة وتستغل المؤسسات الدولية لصالحها، فإن إدارة بوش قفزت على هذا المعطى لدى حربها على العراق، ولجأت إلى تشكيل تحالف دولي غير رسمي، فالانفرادية الأمريكية قامت على (التعددية بالطلب) واستغلال الحرب على (الإرهاب) لتكوين مثل هذه التحالفات. وتعمدت إدارة بوش تجاوز دور الأمم المتحدة وعدم وجود قرار دولي (يشرعن) هذه الحرب، لكن في سياق التكيف مع أوضاع الحرب وما بعدها، لجأت فيما بعد إلى استصدار القرار 1511 الذي حصلت من خلاله على موافقة بمشاركة قوات باسم الأمم المتحدة وبقيادة أمريكية، بعد أن أقرت واقعاً دولياً (انفرادياً) جديداً.

 

الواقعية الدفاعية في مواجهة إيران

وإذا كانت السياسة وتوجهات المحافظين الجدد هي ما أدت إلى تبني أمريكا خيار الحرب ومحاولة فرض النموذج الأمريكي بالقوة في منطقة الشرق الأوسط، فإن تداعيات السنوات الأربع لهذه الحرب وأبرزها: الفشل الأمريكي في العراق وفي الحرب على (الإرهاب) وفرض الديمقراطية الأمريكية، وصعوبة احتواء أزمات المنطقة بعد بروز إيران ذات الطموح النووي كفاعل إقليمي مؤثر وخاصة داخل العراق، وفشل إسرائيل في حربها الأخيرة على لبنان، وعودة روسيا والصين بقوة إلى مسرح الأحداث الشرق أوسطية، قادت (هذه التداعيات) إلى أن تصبح بيئة ما بعد الحرب هي ما يشكل السياسة الأمريكية في المنطقة، وبصفة خاصة بعد صدور تقرير بيكر-هاملتون أو (مجموعة دراسة العراق) يوم 8 ديسمبر 2006، الذي ربط بين الملف العراقي ووضع أمريكا السيئ هناك بسائر الملفات المشتعلة على ساحة الشرق الأوسط، وفي مقدمتها الصراع العربي-الإسرائيلي، ودعوته الإدارة الأمريكية إلى اللجوء لاستراتيجية (العودة للجذور)، أي محاولة إيجاد حل لهذا الصراع، وإلى ضرورة فتح حوار مع كل من سوريا وإيران حول الوضع في العراق.

وبالنظر إلى ما آل إليه مجمل الوضع الدولي وتراجع صورة أمريكا في العالم وبزوغ قوى تناوئ ولو على استحياء هذا التفرد الأمريكي، والأهم ثبات فشل السياسات الأحادية في تحقيق الأمن العالمي أو درء مخاطر الإرهاب، فقد شهدت الأروقة الأمريكية، الرسمية منها والبحثية، مناظرة كبرى حول طبيعة ومجال ارتباط أمريكا بالعالم. وزادت من حدة هذه المناظرة عودة الديمقراطيين لاستحواذ الأغلبية في الكونغرس واقتراب موعد الانتخابات الرئاسية الأمريكية الجديدة، إذ يرى الديمقراطيون أن قوة أمريكا تنبع أكثر من قدرتها على الإقناع لا الإكراه، وأن حل معضلة العراق ومنع إيران من استحواذ قدرات نووية وغيرهما من الأزمات العالمية تكمن في التوصل إلى صيغة مرنة بين خيار القوة وخيار الشراكة الدولية.

إن ما حدث بالتالي هو عودة حالة الاستقطاب الثنائي بين الحزبين الكبيرين داخل البيت الأمريكي، حيث سيطر حزب على البيت الأبيض وآخر على الكونغرس، وتعمقت الخلافات الأيديولوجية بينهما بشكل كبير، كما انكشفت أكذوبة المحافظين الجدد حول إمكانية السيطرة والتفرد العالمي، وبدأت زمرتهم في التفكك واستقال العديد منهم من مواقعهم، بل شهدت إدارة بوش خلافات داخل مراكز صنع القرار، وخاصة بين وزارة الخارجية والبنتاغون وأجهزة الاستخبارات، حول كيفية مواجهة إيران وما إذا كان منعها من الحصول على السلاح النووي يتم عبر الحرب أم باتباع أساليب أخرى.

هذه العوامل مجتمعة أدت إلى فقدان إدارة بوش غالبية العناصر التي توافرت لها لاحتلال العراق، فأجبرت على التحول إلى نمط آخر يجد صداه هذه المرة لدى أنصار الواقعية الكلاسيكية الدفاعية لا الهجومية.

وتقول هذه المدرسة إن (التعقيد هو سمة الوضع الدولي، وبالتالي قد لا توجد ضرورة شرطية بين السياسة الخارجية للدولة والتوسع خارج حدودها من جانب، علاوة على وجود قيود داخلية تعيق قدرة القادة على تعبئة الموارد اللازمة للدفاع القومي من جانب آخر. ومن ثم فقد ينتج هؤلاء القادة سياسة خارجية أكثر تعاوناً، وهنا تختار الدولة استراتيجية التعاون العسكري، وتسعى إلى بناء تحالفات تحت مظلة المؤسسات الدولية وخارجها أيضاً لتنفيذ أجندتها الخارجية).

وفي هذه الحالة، وكما يرى تشارلز غلاسر صاحب (الواقعية الكلاسيكية الشرطية أو الظرفية)، فإن توازن الدول بين المميزات التي ستحصل عليها والمخاطر التي ستتحملها نتيجة للدخول في سباق للتسلح أو استخدامها القوة العسكرية، أي توازن بين معدل ما تتكلفه القوة الهجومية مقارنة بمعدل القدرة الدفاعية وأيهما أقل تكلفة هو الذي يشكل سياسة الدولة، فالهجوم يضمن تعظيم القدرة النسبية للدولة وتحقيق أمن إضافي لها لمواجهة الأعداء، والدفاع يحقق أقل قدر ممكن من الخسائر، ويتحاشى في الوقت نفسه زيادة قدرات الدول الأخرى.

تسعى إدارة بوش إلى تقليص النفوذ الإيراني داخل العالم العربي عبر التدخل المباشر في الأزمات الداخلية 

ووفقاً لهذه النظرية، فإن إدارة بوش، وتبعاً لحسابات التكلفة والعائد، ومن دون إغفال العوامل الداخلية وبعض تحولات البيئة الدولية، اضطرت إلى تقديم الخيارات الأخرى، الدبلوماسية منها والعقابية والاحتوائية، على خيار استخدام القوة العسكرية لمواجهة إيران ونفوذها الإقليمي وطموحها النووي.

وبالفعل بدأت تعمل هذه الاستراتيجية الجديدة مع مطلع عام 2007، حيث بات احتواء إيران هدفاً مركزياً لسياسات إدارة بوش في المنطقة، فعمدت الإدارة إلى اتباع أنماط إقليمية ودولية لتطبيق هذه السياسة، إذ فتحت مع الإيرانيين حواراً مباشراً حول الوضع الأمني في العراق، ورفضت بالمقابل أن يشتمل مثل هذا الحوار على رزمة متكاملة لحل كافة الإشكاليات بين إيران والغرب، وانتهجت مسارين لاحتواء إيران هما:

أولاً: مسار دولي، حيث محاولة إيجاد إجماع دولي على منع إيران من الوصول إلى نقطة اللاعودة في برنامجها النووي. وهنا تم تكثيف دور الترويكا الأوروبية بدايةً ثم اللجوء لاستصدار القرارين 1737 و 1747 من مجلس الأمن الدولي كمقدمة لسلة من العقوبات التي لا تزال إدارة بوش تجد صعوبات عدة في تمريرها. والثابت أن ثمة إجماعاً دولياً على ضرورة ألا تحصل إيران على برنامج سري للتسلح النووي، لكن يكمن الخلاف بين الدول الكبرى في كيفية منع إيران من ذلك.

ثانياً: مسار إقليمي، حيث تسعى إدارة بوش إلى تقليص النفوذ الإيراني داخل العالم العربي عبر التدخل المباشر في الأزمات الداخلية كما في الحالتين اللبنانية والفلسطينية، والاتفاق على صفقات جديدة للتسلح في المنطقة وخاصة لدول الخليج، حيث تقول الإدارة الأمريكية إنها تهدف إلى تعزيز قدرات الردع الخليجية لمواجهة التوسع الإيراني. وعلى الدرب الإقليمي نفسه تفترض إدارة بوش أن مجرد إحياء المسار المتعثر للتسوية بين الفلسطينيين والإسرائيليين سيقود إلى تحول الدول العربية إلى المشاركة الفورية في جهودها لاحتواء إيران.

لكن كلا المسارين يواجه تعقيدات شديدة، فعلى المستوى الدولي، ينعكس سوء العلاقات الأمريكية-الروسية سلباً على الملف الإيراني برمته، وقد تمنع روسيا والصين تمرير قرارات دولية جديدة بفرض مزيد من العقوبات على طهران.

وإقليمياً، فإن دول الخليج العربية، وإن تحفظت على السلوك الإيراني في المنطقة ولديها مخاوف حقيقية من النفوذ الإيراني المتنامي والتنافس القائم بين أمريكا وإيران، فإنها تفضل حل الإشكاليات مع الإيرانيين بالوسائل الحوارية، وتقيم العديد من هذه الدول علاقات قوية مع إيران، كما تفضل غالبية الدول العربية صيغة دولية تشاركية وجماعية لتعزيز أمن الخليج، وتعمل في الوقت ذاته على تجنب الصدام أو دخول المنطقة في أتون حرب رابعة ستكون أشد وطأة على المنطقة والعالم.

ومجمل القول، أن إدارة بوش وهي تتقلب بين تجريب سياسات القوة وسياسات الاحتواء، تركت على أرض الواقع ميراثاً سلبياً في منطقة الشرق الأوسط، وغيره، إلى خليفة بوش الجديد في البيت الأبيض، ديمقراطياً كان أم جمهورياً. وسوف تبقى المناظرة الكبرى داخل الولايات المتحدة قائمة إلى حين من الوقت بشأن طبيعة السياسة الخارجية الأمريكية وتوجهاتها ووسائل تنفيذها، وما إذا كان سيتم اعتماد الخيار الأحادي أم تعود أمريكا إلى أسس الشراكة الدولية والإقليمية مرة أخرى بعد أن قضت عليها إدارة بوش لمدة ثماني سنوات.

 

::/fulltext::
::cck::2008::/cck::

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *