أمن الخليج.. بين التزام أمريكا به وخطرها عليه

::cck::1994::/cck::
::introtext::

بدأت القوتان الغربيتان المتمثلتان في الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا مرحلة من المنافسة على الشرق الأوسط منذ الأربعينات وحسم الأمر لصالح الأمريكيين عام 1971م. وذكر بيترسون في كتابه) الدفاع عن الجزيرة العربية) أن دخول أمريكا الحرب العالمية الثانية لم يحم بريطانيا فقط من هزيمة نكراء، ولكنه حافظ لها -ولو مؤقتاً- على موقعها الاستعماري، غير أن الأمريكيين سرعان ما قيضوا نفوذ بريطانيا في الشرق الأوسط. 

::/introtext::
::fulltext::

بدأت القوتان الغربيتان المتمثلتان في الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا مرحلة من المنافسة على الشرق الأوسط منذ الأربعينات وحسم الأمر لصالح الأمريكيين عام 1971م. وذكر بيترسون في كتابه) الدفاع عن الجزيرة العربية) أن دخول أمريكا الحرب العالمية الثانية لم يحم بريطانيا فقط من هزيمة نكراء، ولكنه حافظ لها -ولو مؤقتاً- على موقعها الاستعماري، غير أن الأمريكيين سرعان ما قيضوا نفوذ بريطانيا في الشرق الأوسط.

لقد بسط الأمريكيون نفوذهم في الشرق الأوسط وفي أذهانهم اعتبارات عدة منها قلقهم من التوغل السوفييتي في المنطقة، واعترافهم بإسرائيل عام 1948م، وتدهور العلاقة مع القوى العربية الثورية خاصة في مصر، وتزايد حجم إنتاج النفط، واضطلاع الشركات الأمريكية بعمليات التنقيب والإنتاج والتصدير.

ومن المؤكد أن عامل النفط أدى إلى تعزيز الوجود الرسمي للولايات المتحدة الأمريكية في الجزيرة العربية معتمداً على تعاون سعودي-أمريكي انطلق من تأسيس أرامكو، وفتح سفارة أمريكية في جدة عام 1942م وقنصلية في الظهران. وكانت العلاقات الأمريكية مع بقية دول الخليج متأخرة عن هذا التاريخ. لكن منطقة الخليج بفضلها الكبير على الوجود الأمريكي في الشرق الأوسط، وعلاقاتها المصيرية معه، وإسهامها الفعال في احتواء المد الشيوعي، ولعبها دوراً حاسماً في تحقيق النصر الأمريكي في الحرب الباردة، لا تمثل لأمريكا ما تمثله إسرائيل على صعيد السياسة الخارجية أو الأمن القومي أو الرأي العام. ومن وجهة نظر الأمريكيين فليس هناك كيان في العالم يرتبط بالولايات المتحدة الأمريكية بقوة ويخالف في الوقت نفسه المبادئ الديمقراطية ومنظومة حقوق الإنسان الأمريكية مثل دول الخليج. فمبادئ الرئيس الأمريكي ويلسون في الديمقراطية وحقوق الإنسان لم تكن في يوم ما مرجعاً للسياسة الأمريكية تجاه الخليج -كما يؤكد هنري كيسنجر في كتابه (هل تحتاج أمريكا إلى سياسة خارجية؟). وتمثل حماية الخليج من سيطرة قوى معادية لأمريكا الاختيار بين أخف الضررين. ورغم غياب الديمقراطية وفقاً للتصور الأمريكي، فإن الولايات المتحدة والغرب الديمقراطي ملتزمان بالحيلولة دون تحكم أية قوة معادية لمصالحهم في هذه المنطقة سواء في ذلك القوى الخارجية أو الحركات المتطرفة من الداخل. ومن الواضح في تعاطي الولايات المتحدة مع أمن الخليج، وكذلك ما حدث في عصر الرئيس جورج بوش الابن منذ الربع الأخير للعام 2001م أنها لم تعد تبدي الكثير من الاهتمام برهن سياستها الخارجية لتلك المبادئ، ولم تعد مهتمة كثيراً بتقديم أنموذج في مجال الديمقراطية وحقوق الإنسان على حساب أمنها القومي، وبالتالي فقدت فرصة القيادة الأخلاقية للعالم، مؤثرة القبضة الحديدية والمعتقلات والتجسس على الأمريكيين، وتفعيل سياسة التخويف بما لا يعكس التسامح الأمريكي والنموذج المشرق لحقوق الإنسان. بل إن الاعتدال في السياسة الخارجية أصبح وصمة عار يجب أن تتخلص منها أمريكا وفقاً لتصريحات جون بولتون المندوب الأمريكي السابق للولايات المتحدة في مجلس الأمن، وهو من المحافظين الجدد الذين مثلوا عنواناً بارزاً في الإدارة الأمريكية الحالية.

النموذج الأمريكي في الديمقراطية وحقوق الإنسان بات مشروخاً بعمق

ويتعرض أمن منطقة الخليج دائماً لخطرين محتملين هما العراق وإيران، وكانت السياسة الأمريكية والغربية مع احتواء إحدى هاتين القوتين وتوجيهها في مقابل الأخرى. وقد كان سقوط الشاه وقيام الثورة الإسلامية في إيران عام 1979م مؤذناً ببدء المتاعب الأمريكية والخليجية، فوجد الأمريكيون حينذاك أن الخيار الأقل تكلفة لمواجهة هذه القوة (المعادية) التي تهدد المصالح القومية الأمريكية في المنطقة هو تقوية العراق ليكون حائط الصد الأول الذي يشغل إيران وينهك قواها ويحد من خطرها على المصالح الأمريكية، لكن العراق خرج من المعركة قوياً عام 1988م، وبجيش لا يمكن تجاهله أو الوثوق به، خاصة أن الولايات المتحدة كانت قد شهدت قبل أقل من عقد من الزمان كيف تحولت إيران من دولة حليفة كانت تمارس دور شرطي الخليج بعصا أمريكية إلى عدو يتهدد مصالح الدول الصناعية. ولذلك فلا غرابة في أن تشكل القوة العراقية تهديداً للولايات المتحدة يجب التعامل معه. والحق أن صدام حسين لم ينتظر طويلاً قبل أن يبرهن على عدوانيته باحتلاله الكويت. عندها لم يكن أمام الأمريكيين سوى خيار التعاطي مع إيران والعراق بشكل يضمن ولاء أحدهما المطلق في مواجهة الآخر، ومنذ عام 1988م كان قرار تفكيك العراق التقليدي وبناء عراق موال للولايات المتحدة الأمريكية موالاة لا تسمح له بالخروج عن مصالحها قد اتخذ في دوائر صنع القرار الأمريكي. وفي اعتقادي أننا الآن على عتبات عراق مختلف يتشكل وفقاً لنظرية (الفوضى الخلاقة) التي تعطي للعنف مداه، وتعمل على تهيئة مناخ مناسب لقيام دولة عراقية بعدة رؤوس مذهبية وإثنية، ليكون نواة للديمقراطية في المنطقة، وتكون الولايات المتحدة الأمريكية ولو على نحو غير جاد قد أعادت إلى مبادئ ويلسون بعض اعتبارها.

واستمراراً للفصل المتعمد بين أمن الخليج والقضية الفلسطينية قدم الرئيس بوش الابن خلال زيارته إلى المنطقة في يناير 2008م عدداً من الاختراقات لثوابت حكمت طويلاً التحركات الأممية لحل القضية الفلسطينية؛ فمن ناحية أكد على يهودية إسرائيل ما يعني استثناء المسيحيين والمسلمين من مواطنتها، وتعطيل بند حق العودة، كما شكك في كون حدود 1967م مناسبة للتفاوض حولها. وسبق وأكد هنري كيسنجر في كتابه السابق ذكره أن القادة الأمريكيين يجب ألا يعتبروا حدود 1967م مناسبة للتفاوض؛ لأن المدن الإسرائيلية الكبيرة سيفصلها عن أعدائها التقليديين ممر لا يتجاوز عرضه تسعة أميال مما يجعلها في مرمى نيرانهم.

ومن جهة أخرى كان الرئيس بوش يتحدث بلغة مختلفة في منطقة الخليج، مؤكداً على الشراكة والتزام الولايات المتحدة الأمريكية بأمن الخليج من التهديدات الخارجية المتمثلة في إيران، والداخلية المتمثلة في قوى التطرف والإرهاب. إنه في الوقت الذي تحاول الولايات المتحدة الأمريكية أن تصور علاقتها بمنطقة الخليج على أنها (نفط مقابل حماية)، كما وصف هذه العلاقة توماس فريدمان في مقال له في (نيويورك تايمز) بعنوان (رسالة من الرئيس بوش إلى وزير الشؤون الإسلامية السعودي) (إن الأمريكيين كانوا ينظرون إلى السعودية على أنها محطة بنزين يتزودون منها بالنفط ويحمونها)، فإن المسؤولين الخليجيين يريدون رؤية متوازنة للعلاقات يلعب النفط والأمن دوراً فيها، ولكن من دون تجاهل مقومات أخرى للعلاقة الطبيعية. ووصف السفير السعودي السابق في الولايات المتحدة الأمريكية الأمير تركي الفيصل العلاقة بين السعوديين والأمريكيين بأنها (أكثر من مجرد علاقة أمن مقابل نفط.. إنها علاقة بين الشعبين).

لقد أدى تجاهل الشعوب الخليجية في العلاقة مع أمريكا إلى وهم الفصل بين أمن الخليج ومواقف الأخيرة من القضية الفلسطينية، حيث كانت القضية الفلسطينية ولا تزال تمثل (ترمومتر) العلاقات الخليجية-الأمريكية. فقبل 11 سبتمبر 2001م، لم يكن يعكر صفو العلاقات السعودية-الأمريكية سوى المواقف الأمريكية المتبنية لوجهة النظر الإسرائيلية على حساب الحق العربي. وفي غير مناسبة كادت تلك المواقف الأمريكية أن تفجر العلاقات التقليدية. وعلى الرغم من المواقف الخليجية الواضحة من القضية الفلسطينية والتزام دول الخليج بحل عادل للنزاع فإن الولايات المتحدة الأمريكية لم تعر القلق الخليجي أي اهتمام رغم أن القضية الفلسطينية تعتبر جزءاً من الأمن الوطني لكل دولة. ففصل العلاقة بين أمن الخليج ممكن في الذهنية الأمريكية وحدها، لكن ذلك على الجانب الخليجي يعد جزءاً من المشاعر الإنسانية الغاضبة وهي تشاهد على نحو يومي الدم الفلسطيني يراق والمقدسات تنتهك، والعدوان والبلطجة الإسرائيلية يتواصلان مما يحرك المشاعر الخليجية التي تضغط باتجاه مواقف أكثر تصلباً تجاه الولايات المتحدة الأمريكية إلى الدرجة التي جعلت العاهل السعودي الملك عبدالله بن عبدالعزيز (عندما كان ولياً للعهد) يبعث رسالة نشر مضمونها في 27 أغسطس 2001م يؤكد فيها للرئيس بوش الابن أن العلاقات السعودية-الأمريكية وصلت إلى مفترق طرق، وأن عدم تدخل الأمريكيين لإيقاف مجازر الإسرائيليين في فلسطين المحتلة سوف يجعل المملكة تلتفت إلى مصالحها بعيداً عن المصالح الأمريكية، مؤكداً انحيازه إلى نبض الشارع السعودي الغاضب.

الولايات المتحدة لم تعد مهتمة كثيراً بتقديم أنموذج في الديمقراطية على حساب أمنها القومي

إن تخويف المنطقة من الخطر الإيراني له مبرراته الاستراتيجية الأمريكية، كما أن دول الخليج لم تجد رسائل مطمئنة من إيران، بل على العكس من ذلك هناك مؤشرات عديدة لا تدعو إلى الطمأنينة. فإيران تحتل جزراً إماراتية، وتدعم حزب الله علانية، ولها اليد الطولى في العراق، ولها تدخلات لا يمكن تجاهلها في مملكة البحرين. وفي مساعيها لامتلاك سلاح نووي ما يجعلنا نتساءل عن العدو أو الهدف الذي تعد له إيران العدة؟ ومن جانب آخر ندرك حقيقة أن الولايات المتحدة الأمريكية لا يمكن بحال من الأحوال أن تستغني عن الإزعاج الإيراني، مما يجعل دول الخليج تحاول جاهدة أن تتعامل مع المشكل الإيراني من خلال قنواتها الخاصة من دون تدخل أمريكي مشكوك في نواياه. إذ إن الولايات المتحدة حيّدت العراق باعتباره قوة كانت تخشى منها على أمن الخليج، وأصبح من الناحية العملية أول مستعمرة أمريكية في القرن الواحد والعشرين، وسيبقى تحت الوصاية الأمريكية عقوداً من الزمن، وستحتفظ فيه أمريكا بقواعد عسكرية كبيرة قادرة على ردع إيران وغيرها. وكما علمتنا السياسة الأمريكية فإن المصلحة تقتضي بقاء إيران دولة مشاغبة تعطي للحماية الأمريكية مبرراتها في المنطقة.

وأعتقد أن الولايات المتحدة الأمريكية تتورط بشكل أكبر الآن في شؤون الخليج الداخلية، وهي بذلك تمارس دوراً مزدوجاً؛ فإلى جانب التزامها الاستراتيجي بحماية منابع النفط، فإنها تتدخل في محاولة لتغيير المجتمعات الخليجية من الداخل، وفقاً لرؤيتها ومصالحها لضمان مستقبل إسرائيل، والحيلولة دون خروج تنظيمات متطرفة كتنظيم القاعدة مستقبلاً، وطمأنة دافع الضرائب الأمريكي بأن أمريكا لم تنس مبادئ ويلسون في الديمقراطية وحقوق الإنسان. ومع ذلك فإن تحقيق هذا الطموح الأمريكي من خلال الفوضى الخلاقة أو من خلال استنبات الديمقراطية الأمريكية في العراق المجاور وتصديرها للجوار أو دعم التوجهات الليبرالية في المنطقة، يتجاهل حقيقة تلك الشعوب المحافظة، ويؤكد فشل أمريكا في قراءة المنطقة بشكل صحيح، كما أن هذا الطموح يحد من فاعليته أن النموذج الأمريكي في الديمقراطية وحقوق الإنسان بات مشروخاً بعمق، مما يجعل تسويقه شبه مستحيل في القريب المنظور.

إن الالتزام الأمريكي بأمن الخليج لا شك فيه، لكن أكبر تهديد لأمن الخليج يتمثل في معايير أمريكا المزدوجة، وتجاهلها نصائح وقلق دول المنطقة، وإصرارها على الفصل بين أمن الخليج والقضية الفلسطينية، وإن صبر دول الخليج قد لا يطول في مواجهة الإرباك المقصود في العلاقة مع إيران. وإذا أرادت أمريكا شراكة حقيقية مع دول الخليج فعليها أن تكون واضحة في خططها، وأن تعطي الشعوب الخليجية وزناً في العلاقة، وأن تكون الديمقراطية وحقوق الإنسان متمشية مع خصوصية المنطقة ومبدئية غير خاضعة للمصالح الأمريكية المتغيرة.

::/fulltext::

araa42_28-e48
Getting your Trinity Audio player ready...

::cck::1994::/cck::
::introtext::

بدأت القوتان الغربيتان المتمثلتان في الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا مرحلة من المنافسة على الشرق الأوسط منذ الأربعينات وحسم الأمر لصالح الأمريكيين عام 1971م. وذكر بيترسون في كتابه) الدفاع عن الجزيرة العربية) أن دخول أمريكا الحرب العالمية الثانية لم يحم بريطانيا فقط من هزيمة نكراء، ولكنه حافظ لها -ولو مؤقتاً- على موقعها الاستعماري، غير أن الأمريكيين سرعان ما قيضوا نفوذ بريطانيا في الشرق الأوسط. 

::/introtext::
::fulltext::

بدأت القوتان الغربيتان المتمثلتان في الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا مرحلة من المنافسة على الشرق الأوسط منذ الأربعينات وحسم الأمر لصالح الأمريكيين عام 1971م. وذكر بيترسون في كتابه) الدفاع عن الجزيرة العربية) أن دخول أمريكا الحرب العالمية الثانية لم يحم بريطانيا فقط من هزيمة نكراء، ولكنه حافظ لها -ولو مؤقتاً- على موقعها الاستعماري، غير أن الأمريكيين سرعان ما قيضوا نفوذ بريطانيا في الشرق الأوسط.

لقد بسط الأمريكيون نفوذهم في الشرق الأوسط وفي أذهانهم اعتبارات عدة منها قلقهم من التوغل السوفييتي في المنطقة، واعترافهم بإسرائيل عام 1948م، وتدهور العلاقة مع القوى العربية الثورية خاصة في مصر، وتزايد حجم إنتاج النفط، واضطلاع الشركات الأمريكية بعمليات التنقيب والإنتاج والتصدير.

ومن المؤكد أن عامل النفط أدى إلى تعزيز الوجود الرسمي للولايات المتحدة الأمريكية في الجزيرة العربية معتمداً على تعاون سعودي-أمريكي انطلق من تأسيس أرامكو، وفتح سفارة أمريكية في جدة عام 1942م وقنصلية في الظهران. وكانت العلاقات الأمريكية مع بقية دول الخليج متأخرة عن هذا التاريخ. لكن منطقة الخليج بفضلها الكبير على الوجود الأمريكي في الشرق الأوسط، وعلاقاتها المصيرية معه، وإسهامها الفعال في احتواء المد الشيوعي، ولعبها دوراً حاسماً في تحقيق النصر الأمريكي في الحرب الباردة، لا تمثل لأمريكا ما تمثله إسرائيل على صعيد السياسة الخارجية أو الأمن القومي أو الرأي العام. ومن وجهة نظر الأمريكيين فليس هناك كيان في العالم يرتبط بالولايات المتحدة الأمريكية بقوة ويخالف في الوقت نفسه المبادئ الديمقراطية ومنظومة حقوق الإنسان الأمريكية مثل دول الخليج. فمبادئ الرئيس الأمريكي ويلسون في الديمقراطية وحقوق الإنسان لم تكن في يوم ما مرجعاً للسياسة الأمريكية تجاه الخليج -كما يؤكد هنري كيسنجر في كتابه (هل تحتاج أمريكا إلى سياسة خارجية؟). وتمثل حماية الخليج من سيطرة قوى معادية لأمريكا الاختيار بين أخف الضررين. ورغم غياب الديمقراطية وفقاً للتصور الأمريكي، فإن الولايات المتحدة والغرب الديمقراطي ملتزمان بالحيلولة دون تحكم أية قوة معادية لمصالحهم في هذه المنطقة سواء في ذلك القوى الخارجية أو الحركات المتطرفة من الداخل. ومن الواضح في تعاطي الولايات المتحدة مع أمن الخليج، وكذلك ما حدث في عصر الرئيس جورج بوش الابن منذ الربع الأخير للعام 2001م أنها لم تعد تبدي الكثير من الاهتمام برهن سياستها الخارجية لتلك المبادئ، ولم تعد مهتمة كثيراً بتقديم أنموذج في مجال الديمقراطية وحقوق الإنسان على حساب أمنها القومي، وبالتالي فقدت فرصة القيادة الأخلاقية للعالم، مؤثرة القبضة الحديدية والمعتقلات والتجسس على الأمريكيين، وتفعيل سياسة التخويف بما لا يعكس التسامح الأمريكي والنموذج المشرق لحقوق الإنسان. بل إن الاعتدال في السياسة الخارجية أصبح وصمة عار يجب أن تتخلص منها أمريكا وفقاً لتصريحات جون بولتون المندوب الأمريكي السابق للولايات المتحدة في مجلس الأمن، وهو من المحافظين الجدد الذين مثلوا عنواناً بارزاً في الإدارة الأمريكية الحالية.

النموذج الأمريكي في الديمقراطية وحقوق الإنسان بات مشروخاً بعمق

ويتعرض أمن منطقة الخليج دائماً لخطرين محتملين هما العراق وإيران، وكانت السياسة الأمريكية والغربية مع احتواء إحدى هاتين القوتين وتوجيهها في مقابل الأخرى. وقد كان سقوط الشاه وقيام الثورة الإسلامية في إيران عام 1979م مؤذناً ببدء المتاعب الأمريكية والخليجية، فوجد الأمريكيون حينذاك أن الخيار الأقل تكلفة لمواجهة هذه القوة (المعادية) التي تهدد المصالح القومية الأمريكية في المنطقة هو تقوية العراق ليكون حائط الصد الأول الذي يشغل إيران وينهك قواها ويحد من خطرها على المصالح الأمريكية، لكن العراق خرج من المعركة قوياً عام 1988م، وبجيش لا يمكن تجاهله أو الوثوق به، خاصة أن الولايات المتحدة كانت قد شهدت قبل أقل من عقد من الزمان كيف تحولت إيران من دولة حليفة كانت تمارس دور شرطي الخليج بعصا أمريكية إلى عدو يتهدد مصالح الدول الصناعية. ولذلك فلا غرابة في أن تشكل القوة العراقية تهديداً للولايات المتحدة يجب التعامل معه. والحق أن صدام حسين لم ينتظر طويلاً قبل أن يبرهن على عدوانيته باحتلاله الكويت. عندها لم يكن أمام الأمريكيين سوى خيار التعاطي مع إيران والعراق بشكل يضمن ولاء أحدهما المطلق في مواجهة الآخر، ومنذ عام 1988م كان قرار تفكيك العراق التقليدي وبناء عراق موال للولايات المتحدة الأمريكية موالاة لا تسمح له بالخروج عن مصالحها قد اتخذ في دوائر صنع القرار الأمريكي. وفي اعتقادي أننا الآن على عتبات عراق مختلف يتشكل وفقاً لنظرية (الفوضى الخلاقة) التي تعطي للعنف مداه، وتعمل على تهيئة مناخ مناسب لقيام دولة عراقية بعدة رؤوس مذهبية وإثنية، ليكون نواة للديمقراطية في المنطقة، وتكون الولايات المتحدة الأمريكية ولو على نحو غير جاد قد أعادت إلى مبادئ ويلسون بعض اعتبارها.

واستمراراً للفصل المتعمد بين أمن الخليج والقضية الفلسطينية قدم الرئيس بوش الابن خلال زيارته إلى المنطقة في يناير 2008م عدداً من الاختراقات لثوابت حكمت طويلاً التحركات الأممية لحل القضية الفلسطينية؛ فمن ناحية أكد على يهودية إسرائيل ما يعني استثناء المسيحيين والمسلمين من مواطنتها، وتعطيل بند حق العودة، كما شكك في كون حدود 1967م مناسبة للتفاوض حولها. وسبق وأكد هنري كيسنجر في كتابه السابق ذكره أن القادة الأمريكيين يجب ألا يعتبروا حدود 1967م مناسبة للتفاوض؛ لأن المدن الإسرائيلية الكبيرة سيفصلها عن أعدائها التقليديين ممر لا يتجاوز عرضه تسعة أميال مما يجعلها في مرمى نيرانهم.

ومن جهة أخرى كان الرئيس بوش يتحدث بلغة مختلفة في منطقة الخليج، مؤكداً على الشراكة والتزام الولايات المتحدة الأمريكية بأمن الخليج من التهديدات الخارجية المتمثلة في إيران، والداخلية المتمثلة في قوى التطرف والإرهاب. إنه في الوقت الذي تحاول الولايات المتحدة الأمريكية أن تصور علاقتها بمنطقة الخليج على أنها (نفط مقابل حماية)، كما وصف هذه العلاقة توماس فريدمان في مقال له في (نيويورك تايمز) بعنوان (رسالة من الرئيس بوش إلى وزير الشؤون الإسلامية السعودي) (إن الأمريكيين كانوا ينظرون إلى السعودية على أنها محطة بنزين يتزودون منها بالنفط ويحمونها)، فإن المسؤولين الخليجيين يريدون رؤية متوازنة للعلاقات يلعب النفط والأمن دوراً فيها، ولكن من دون تجاهل مقومات أخرى للعلاقة الطبيعية. ووصف السفير السعودي السابق في الولايات المتحدة الأمريكية الأمير تركي الفيصل العلاقة بين السعوديين والأمريكيين بأنها (أكثر من مجرد علاقة أمن مقابل نفط.. إنها علاقة بين الشعبين).

لقد أدى تجاهل الشعوب الخليجية في العلاقة مع أمريكا إلى وهم الفصل بين أمن الخليج ومواقف الأخيرة من القضية الفلسطينية، حيث كانت القضية الفلسطينية ولا تزال تمثل (ترمومتر) العلاقات الخليجية-الأمريكية. فقبل 11 سبتمبر 2001م، لم يكن يعكر صفو العلاقات السعودية-الأمريكية سوى المواقف الأمريكية المتبنية لوجهة النظر الإسرائيلية على حساب الحق العربي. وفي غير مناسبة كادت تلك المواقف الأمريكية أن تفجر العلاقات التقليدية. وعلى الرغم من المواقف الخليجية الواضحة من القضية الفلسطينية والتزام دول الخليج بحل عادل للنزاع فإن الولايات المتحدة الأمريكية لم تعر القلق الخليجي أي اهتمام رغم أن القضية الفلسطينية تعتبر جزءاً من الأمن الوطني لكل دولة. ففصل العلاقة بين أمن الخليج ممكن في الذهنية الأمريكية وحدها، لكن ذلك على الجانب الخليجي يعد جزءاً من المشاعر الإنسانية الغاضبة وهي تشاهد على نحو يومي الدم الفلسطيني يراق والمقدسات تنتهك، والعدوان والبلطجة الإسرائيلية يتواصلان مما يحرك المشاعر الخليجية التي تضغط باتجاه مواقف أكثر تصلباً تجاه الولايات المتحدة الأمريكية إلى الدرجة التي جعلت العاهل السعودي الملك عبدالله بن عبدالعزيز (عندما كان ولياً للعهد) يبعث رسالة نشر مضمونها في 27 أغسطس 2001م يؤكد فيها للرئيس بوش الابن أن العلاقات السعودية-الأمريكية وصلت إلى مفترق طرق، وأن عدم تدخل الأمريكيين لإيقاف مجازر الإسرائيليين في فلسطين المحتلة سوف يجعل المملكة تلتفت إلى مصالحها بعيداً عن المصالح الأمريكية، مؤكداً انحيازه إلى نبض الشارع السعودي الغاضب.

الولايات المتحدة لم تعد مهتمة كثيراً بتقديم أنموذج في الديمقراطية على حساب أمنها القومي

إن تخويف المنطقة من الخطر الإيراني له مبرراته الاستراتيجية الأمريكية، كما أن دول الخليج لم تجد رسائل مطمئنة من إيران، بل على العكس من ذلك هناك مؤشرات عديدة لا تدعو إلى الطمأنينة. فإيران تحتل جزراً إماراتية، وتدعم حزب الله علانية، ولها اليد الطولى في العراق، ولها تدخلات لا يمكن تجاهلها في مملكة البحرين. وفي مساعيها لامتلاك سلاح نووي ما يجعلنا نتساءل عن العدو أو الهدف الذي تعد له إيران العدة؟ ومن جانب آخر ندرك حقيقة أن الولايات المتحدة الأمريكية لا يمكن بحال من الأحوال أن تستغني عن الإزعاج الإيراني، مما يجعل دول الخليج تحاول جاهدة أن تتعامل مع المشكل الإيراني من خلال قنواتها الخاصة من دون تدخل أمريكي مشكوك في نواياه. إذ إن الولايات المتحدة حيّدت العراق باعتباره قوة كانت تخشى منها على أمن الخليج، وأصبح من الناحية العملية أول مستعمرة أمريكية في القرن الواحد والعشرين، وسيبقى تحت الوصاية الأمريكية عقوداً من الزمن، وستحتفظ فيه أمريكا بقواعد عسكرية كبيرة قادرة على ردع إيران وغيرها. وكما علمتنا السياسة الأمريكية فإن المصلحة تقتضي بقاء إيران دولة مشاغبة تعطي للحماية الأمريكية مبرراتها في المنطقة.

وأعتقد أن الولايات المتحدة الأمريكية تتورط بشكل أكبر الآن في شؤون الخليج الداخلية، وهي بذلك تمارس دوراً مزدوجاً؛ فإلى جانب التزامها الاستراتيجي بحماية منابع النفط، فإنها تتدخل في محاولة لتغيير المجتمعات الخليجية من الداخل، وفقاً لرؤيتها ومصالحها لضمان مستقبل إسرائيل، والحيلولة دون خروج تنظيمات متطرفة كتنظيم القاعدة مستقبلاً، وطمأنة دافع الضرائب الأمريكي بأن أمريكا لم تنس مبادئ ويلسون في الديمقراطية وحقوق الإنسان. ومع ذلك فإن تحقيق هذا الطموح الأمريكي من خلال الفوضى الخلاقة أو من خلال استنبات الديمقراطية الأمريكية في العراق المجاور وتصديرها للجوار أو دعم التوجهات الليبرالية في المنطقة، يتجاهل حقيقة تلك الشعوب المحافظة، ويؤكد فشل أمريكا في قراءة المنطقة بشكل صحيح، كما أن هذا الطموح يحد من فاعليته أن النموذج الأمريكي في الديمقراطية وحقوق الإنسان بات مشروخاً بعمق، مما يجعل تسويقه شبه مستحيل في القريب المنظور.

إن الالتزام الأمريكي بأمن الخليج لا شك فيه، لكن أكبر تهديد لأمن الخليج يتمثل في معايير أمريكا المزدوجة، وتجاهلها نصائح وقلق دول المنطقة، وإصرارها على الفصل بين أمن الخليج والقضية الفلسطينية، وإن صبر دول الخليج قد لا يطول في مواجهة الإرباك المقصود في العلاقة مع إيران. وإذا أرادت أمريكا شراكة حقيقية مع دول الخليج فعليها أن تكون واضحة في خططها، وأن تعطي الشعوب الخليجية وزناً في العلاقة، وأن تكون الديمقراطية وحقوق الإنسان متمشية مع خصوصية المنطقة ومبدئية غير خاضعة للمصالح الأمريكية المتغيرة.

::/fulltext::
::cck::1994::/cck::

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *