الدوافع الأمريكية للبقاء في الخليج

::cck::1989::/cck::
::introtext::

يعتقد المفكر الأمريكي ريتشارد هاس أن وضع منطقة الشرق الأوسط سيكون مختلفاً إذا تراجع تدخل الولايات المتحدة الأمريكيةفي شؤونها، ومن ثم سيكون هناك شرق أوسط آخر أو جديد مع تضاؤل تأثير الإمبراطورية الأمريكية في المنطقة حسب تعبير هاس. ويعتقد أيضاً أنه إذا كان العراق هو الوسيلة لأن تضع الولايات المتحدة قدميها في المنطقة، فإنه سيكون أيضاً سبباً للخروج منها، وبالتالي يتراجع النفوذ الأمريكي في منطقة الخليج والشرق الأوسط. 

::/introtext::
::fulltext::

يعتقد المفكر الأمريكي ريتشارد هاس أن وضع منطقة الشرق الأوسط سيكون مختلفاً إذا تراجع تدخل الولايات المتحدة الأمريكيةفي شؤونها، ومن ثم سيكون هناك شرق أوسط آخر أو جديد مع تضاؤل تأثير الإمبراطورية الأمريكية في المنطقة حسب تعبير هاس. ويعتقد أيضاً أنه إذا كان العراق هو الوسيلة لأن تضع الولايات المتحدة قدميها في المنطقة، فإنه سيكون أيضاً سبباً للخروج منها، وبالتالي يتراجع النفوذ الأمريكي في منطقة الخليج والشرق الأوسط.

يمكننا اعتبار توقعات هاس بأنها مجرد تخمينات سياسية قد نختلف أو نتفق معها. والأهم أن الولايات المتحدة تعمل من أجل البقاء في المنطقة، ووسيلتها في ذلك هي العراق بعكس ما يعتقد المفكر الأمريكي. وهناك جملة من المؤشرات الدالة على ذلك، منها:

* إن الاستراتيجية الأمريكية في العراق تبدلت من سياسة استخدام مفرط في القوة العسكرية وشن هجمات عنيفة هنا وهناك في المدن العراقية، (حيث أضرت هذه القوة بصورة واشنطن في المنطقة والعالم)، إلى سياسة أكثر دهاء ومرونة، حيث تعاملت واشنطن من خلالها مع العراقيين عبر محاولة فهم العراق اجتماعياً وسياسياً وطائفياً ودينياً وعرقياً. فبعد خيبات كثيرة ونكسات أشد في العراق ناجمة عن قصور في دراسة هذا البلد قبل غزوه واحتلاله ومعرفة طبيعته الجغرافية والديموغرافية والجيوبولتيكية، يمكن رصد بعض النجاحات النوعية – غير العسكرية – التي حققتها أمريكا في العراق مؤخراً. ومنها على سبيل المثال، تحول الوسيلة الأساسية من عسكرية إلى تدخل سياسي فعال، وهو التدخل الذي نجح في استمالة القوى الشيعية والسنية معاً، بعدما عمدت واشنطن في السابق إلى زيادة الهوة بين الطرفين لعلها تستفيد من خلافاتهما معاً والعمل على توتير العلاقة بينهما. ولم تمنع هذه السياسة من الاستخدام العسكري المفرط أحياناً في العراق مؤخراً، فهو ليس موجهاً للعراقيين أنفسهم، لأن الرسالة الحقيقية يقصد إبلاغها إلى القاعدة وإيران، ومفادها أن القوة العسكرية خيار لم يتم التنازل عنه بعد.

* إن هناك دوافع استراتيجية تدفع الولايات المتحدة إلى استمرار احتلال العراق والبقاء مدة أطول في منطقة الخليج، ومن هذه الدوافع فشل الاستراتيجية العسكرية الأمريكية القائلة إنه يمكن خوض حربين كبيرتين في وقت واحد عبر استخدام الصواريخ العابرة للقارات وانتقاء أهداف استراتيجية لضربها بهذه الصواريخ من دون التورط في حرب مباشرة مع العدو أو الدخول في مواجهة معه. إذ إن حرب العراق أثبتت فشل هذه العقيدة العسكرية الأمريكية، وأن استهداف بعض المواقع صاروخياً والقضاء عليها لا يعنيان الانتصار في الحرب.

* انطلاقاً من هذا، أصبح لزاماً على الأمريكيين التفكير ملياً في عدم مغادرة المنطقة، وبالتالي البقاء فيها لمدة طويلة، وذلك في ضوء عدم نجاح هذه العقيدة العسكرية القائمة على الحروب الاستباقية واستخدام القوة المفرطة في منطقة دون أخرى وتذبذب نتائج الحرب الأمريكية الوهمية على الإرهاب في العراق وأفغانستان.

* تنامي الاعتقاد الأمريكي بأن منطقة الخليج بدولها وشعوبها وصراعاتها تعيش فوق أرض مشتعلة، أو هكذا تصور أمريكا المنطقة، ويعزى ذلك إلى نية الولايات المتحدة في عدم تغيير واقع المنطقة الصراعي والعمل على إبقائه هكذا، طالما أن قادة المنطقة يرفضون الخضوع لمراميها وأهدافها. وهو أمر يؤرق الرئيس الأمريكي جورج بوش الذي أعيته الحيلة تلو الأخرى لجذب دول مجلس التعاون الخليجي إلى تحالف أمريكي يقود العالم لافتعال أزمة مع إيران أو معاداتها، ومن ثم تكون، الدولة الثانية في المنطقة بعد العراق في منظومة (الدومينو) التي يتوالى سقوط قطعها.. وهلم جرا.

* تضغط الولايات المتحدة على دول الخليج بقوة، مستخدمة سياسة تصدير الوهم لقادتها وشعوبها بأن الخطر النووي الإيراني قادم لا محالة، وأن الموقف يستلزم بناء شبكة مواجهة مبكرة لوقف هذا الخطر. والتحذير واضح بلا شك، وهو أن النتيجة الحتمية لإغفال  بناء هذه الشبكة أو مجرد تأجيل تدشينها، ستؤدي إلى انهيار موازين القوى في المنطقة، مما سيدفع الخليجيين ومعهم دول عربية عديدة إلى استنزاف مواردهم واقتصاداتهم والدخول في معترك بناء قوة نووية مضادة تحسباً لأي هجوم نووي إيراني.

* رغم صعوبة تحقق هذا السيناريو على أرض الواقع، فإن الولايات المتحدة لا تتوانى في تصدير هذا الوهم أو السيناريو المزعج للخليج، كي يتم تحفيز دوله وقادته للمشاركة في حرب لا تفكر فيها سوى واشنطن وتل أبيب، ثم تسارع هذه الدول للاستنجاد بالولايات المتحدة من أجل توفير مظلة حماية لهم، وهنا سيكون الثمن فادحاً، لأن تكاليف الاستنجاد غير تكلفة المشاركة الطوعية منذ البداية، فالأولى أفدح بكثير، وهكذا علّمنا التاريخ.

وإضافة الى كل هذه الاعتبارات آنفة الذكر، هناك مجموعة من الوقائع تؤشر إلى تنامي الخلافات الخليجية – الأمريكية، وهو ما يضع دول المنطقة تحت ضغوط مباشرة من واشنطن، ومن هذه الوقائع:

1- عدم استجابة الدول الخليجية ومعها العربية للضغوط الأمريكية في مؤتمر أنابوليس بتطبيع العلاقات مع إسرائيل، وإصرار هذه الدول على أن يكون التطبيع هو المرحلة الأخيرة من أية تسوية مستقبلية لإنهاء الصراع، وأن هذه التسوية يجب أن تخضع لنصوص المبادرة العربية مقابل سلام كامل مع الدولة العبرية، حتى إن الرئيس الأمريكي جورج بوش في جولته الأخيرة بالمنطقة والتي شملت أربع دول خليجية هي السعودية والبحرين والإمارات والكويت مارس ضغوطاً إضافية على العرب، لعله ينجح فيما فشل فيه اجتماع أنابوليس بكسر الجليد مع إسرائيل.

2- هذا يقودنا إلى نقطة خلاف أخرى توسع الشقة بين البلدان الخليجية والولايات المتحدة الأمريكية، وتتعلق بمحاولات واشنطن الحثيثة لبث الفتنة بين دول الخليج من جهة وإيران من جهة أخرى باعتبار الأخيرة هي الدولة المارقة التي تهدد أمن الخليج، وليس إسرائيل التي تملك حوالي 200 رأس نووي. ومعروف أن دعوة الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد لدول الخليج إلى تحسين العلاقات بينها وبين طهران أثارت حفيظة إدارة بوش التي أعقبتها ببذل جهود لإقناع الخليجيين بأن خطر امتلاك إيران للقنبلة النووية لا يزال قائماً برغم تقرير أجهزة المخابرات الأمريكية التي استبعدت حدوث ذلك تماماً في الوقت الراهن، نظراً لوقف إيران برنامجها النووي العسكري منذ عام 2003، وذلك استناداً إلى معلومات مؤكدة. والأمر الذي دفع أجهزة المخابرات الأمريكية إلى تنحية الافتراضية التي تروجها إدارة بوش بشدة، هو تجنب تكرار مسؤولية المخابرات التي عضدت في السابق فكرة شن حرب على العراق بحجة امتلاكه أسلحة دمار شامل ثم تراجع هذه الأجهزة نفسها ونفيها هذه الفرضية قائلة إن إدارة بوش ومجموعة المحافظين الجدد هم الذين طلبوا منها إعداد مثل هذه التقارير الملفقة للاستناد إليها وترويجها سواء على مستوى الشعب الأمريكي أو الكونغرس لاستصدار قرار شن الحرب على العراق.

ولم يأبه الرئيس الأمريكي بتقارير المخابرات الجديدة، وحاول استمالة دول الخليج لتكون ضمن تحالف دولي يعمل من أجل مواجهة إيران عسكرياً في حال فشل الجهود الدبلوماسية والحوار معها.

3- ليس غائباً عن الأذهان، أنه لم يكن للولايات المتحدة حتى عام 1970 أي وجود عسكري في منطقة الخليج، وكان مجرد تصور الاستيلاء والسيطرة على النفط ليس أكثر من أضغاث أحلام، ثم تطورت هذه الفكرة، وأصبحت محل اهتمام من المفكرين والمخططين الاستراتيجيين الأمريكيين المتطرفين وهم نواة مجموعة المحافظين الجدد الذين يديرون الولايات المتحدة في الوقت الراهن. وقد التف هذا الفريق حول ديك تشيني نائب الرئيس الأمريكي منذ كان وزيراً للدفاع في حرب الخليج الثانية عام 1991، وازداد نفوذ وجود الجيش الأمريكي في منطقة الخليج والمناطق المجاورة لها الممتدة من القرن الإفريقي وحتى آسيا الوسطى على مدى هذه السنوات وخاصة بعد حروب الخليج الثلاث.

4- يمكن القول إن جورج بوش حقق للولايات المتحدة آمال واستراتيجية هذه المجموعة من خلال السيطرة على العراق، وبذلك عمل الأمريكيون على ترسيخ مشروعهم الاستراتيجي طويل الأمد.

5- إن أحد أهم أهداف الاستراتيجية الأمريكية باحتلال العراق هو حرمانه من قدراته العسكرية إلى حين حسم الصراع في منطقة الشرق الأوسط وفقاً للمفهوم الأمريكي – الإسرائيلي، وكذلك العمل على تنامي صفقات السلاح الأمريكية لدول الخليج والعراق ذاته.

6- يحقق البقاء في العراق ومنطقة الخليج الهيمنة العسكرية للولايات المتحدة في أكبر البحار والمحيطات في العالم، حيث تتواجد لأمريكا حاملات طائرات مقاتلة في الخليج وشرق البحر المتوسط والشرق الأقصى بخلاف الموجود في المحيط الأطلنطي، بخلاف انتشار القوات الأمريكية في مناطق أخرى من العالم.

من هنا، فإن دول الخليج وبناء على استمرار الاحتلال الأمريكي للعراق، ستظل محاطة بخيارات صعبة ومريرة وكلها من صنع الولايات المتحدة الأمريكية التي تريد وضع المنطقة بكاملها تحت وصايتها وتوجيه دولها عن بعد، خاصة في مسألتي التطبيع مع إسرائيل ومعاداة إيران والدخول في صراع لا نهائي معها، مما يستنزف موارد المنطقة مرة أخرى، علاوة على نشر حالة من التوتر السياسي والشحن المذهبي والفوضى التي قد تنجم عن ذلك التحالف المعادي لطهران. علماً بأن أمريكا لم تخف مخاوفها من تشكيل تحالف عربي – إيراني مضاد لها ولوجودها في المنطقة بعد تدميرها للعراق والقضاء عليه اجتماعياً واقتصادياً وثقافياً والعمل على تغيير تركيبته الديموغرافية عبر تشجيعها مشروع التقسيم الديني والعرقي والجغرافي، بما يشكل سابقة في المنطقة كان الخليجيون في غنى عنها تماماً.

وإجمالاً فإن الولايات المتحدة ترغب في تركيع دول المنطقة، كما أنها تريد نمطاً جديداً من السيطرة على النفط يسمح لها باستخدامه كسلاح في صراعها الدولي مع الصين واليابان وأوروبا.. وهو ما يتطلب منها تنفيذ خطة المحافظين الجدد من سيطرة عسكرية وسياسية على النفط، وكانت البداية من العراق. وستكون شركات النفط الأمريكية الطامعة في استغلال احتياطي النفط العراقي هي الأكثر استفادة بحكم سيطرة الولايات المتحدة على العراق. وإضافة إلى احتلال منابع النفط العراقية بعد أن تصورت الإدارة الأمريكية أن دول الخليج لن تكون قادرة خلال السنوات المقبلة على تلبية احتياجاتها من الوقود، فإن ذلك من شأنه ان يقرب أمريكا أيضاً من حقول النفط الإيرانية، ثم تتوالى السيطرة الأمريكية على نفط الدول الأخرى، وهذا سيأتي في ظل الاستراتيجية الأمريكية التي تضع المواصفات والمقاييس لكل منطقة حسب الاحتياج لها وذلك وفق مواصفات أمريكية بحتة. 

::/fulltext::

araa42_25-1c1
Getting your Trinity Audio player ready...

::cck::1989::/cck::
::introtext::

يعتقد المفكر الأمريكي ريتشارد هاس أن وضع منطقة الشرق الأوسط سيكون مختلفاً إذا تراجع تدخل الولايات المتحدة الأمريكيةفي شؤونها، ومن ثم سيكون هناك شرق أوسط آخر أو جديد مع تضاؤل تأثير الإمبراطورية الأمريكية في المنطقة حسب تعبير هاس. ويعتقد أيضاً أنه إذا كان العراق هو الوسيلة لأن تضع الولايات المتحدة قدميها في المنطقة، فإنه سيكون أيضاً سبباً للخروج منها، وبالتالي يتراجع النفوذ الأمريكي في منطقة الخليج والشرق الأوسط. 

::/introtext::
::fulltext::

يعتقد المفكر الأمريكي ريتشارد هاس أن وضع منطقة الشرق الأوسط سيكون مختلفاً إذا تراجع تدخل الولايات المتحدة الأمريكيةفي شؤونها، ومن ثم سيكون هناك شرق أوسط آخر أو جديد مع تضاؤل تأثير الإمبراطورية الأمريكية في المنطقة حسب تعبير هاس. ويعتقد أيضاً أنه إذا كان العراق هو الوسيلة لأن تضع الولايات المتحدة قدميها في المنطقة، فإنه سيكون أيضاً سبباً للخروج منها، وبالتالي يتراجع النفوذ الأمريكي في منطقة الخليج والشرق الأوسط.

يمكننا اعتبار توقعات هاس بأنها مجرد تخمينات سياسية قد نختلف أو نتفق معها. والأهم أن الولايات المتحدة تعمل من أجل البقاء في المنطقة، ووسيلتها في ذلك هي العراق بعكس ما يعتقد المفكر الأمريكي. وهناك جملة من المؤشرات الدالة على ذلك، منها:

* إن الاستراتيجية الأمريكية في العراق تبدلت من سياسة استخدام مفرط في القوة العسكرية وشن هجمات عنيفة هنا وهناك في المدن العراقية، (حيث أضرت هذه القوة بصورة واشنطن في المنطقة والعالم)، إلى سياسة أكثر دهاء ومرونة، حيث تعاملت واشنطن من خلالها مع العراقيين عبر محاولة فهم العراق اجتماعياً وسياسياً وطائفياً ودينياً وعرقياً. فبعد خيبات كثيرة ونكسات أشد في العراق ناجمة عن قصور في دراسة هذا البلد قبل غزوه واحتلاله ومعرفة طبيعته الجغرافية والديموغرافية والجيوبولتيكية، يمكن رصد بعض النجاحات النوعية – غير العسكرية – التي حققتها أمريكا في العراق مؤخراً. ومنها على سبيل المثال، تحول الوسيلة الأساسية من عسكرية إلى تدخل سياسي فعال، وهو التدخل الذي نجح في استمالة القوى الشيعية والسنية معاً، بعدما عمدت واشنطن في السابق إلى زيادة الهوة بين الطرفين لعلها تستفيد من خلافاتهما معاً والعمل على توتير العلاقة بينهما. ولم تمنع هذه السياسة من الاستخدام العسكري المفرط أحياناً في العراق مؤخراً، فهو ليس موجهاً للعراقيين أنفسهم، لأن الرسالة الحقيقية يقصد إبلاغها إلى القاعدة وإيران، ومفادها أن القوة العسكرية خيار لم يتم التنازل عنه بعد.

* إن هناك دوافع استراتيجية تدفع الولايات المتحدة إلى استمرار احتلال العراق والبقاء مدة أطول في منطقة الخليج، ومن هذه الدوافع فشل الاستراتيجية العسكرية الأمريكية القائلة إنه يمكن خوض حربين كبيرتين في وقت واحد عبر استخدام الصواريخ العابرة للقارات وانتقاء أهداف استراتيجية لضربها بهذه الصواريخ من دون التورط في حرب مباشرة مع العدو أو الدخول في مواجهة معه. إذ إن حرب العراق أثبتت فشل هذه العقيدة العسكرية الأمريكية، وأن استهداف بعض المواقع صاروخياً والقضاء عليها لا يعنيان الانتصار في الحرب.

* انطلاقاً من هذا، أصبح لزاماً على الأمريكيين التفكير ملياً في عدم مغادرة المنطقة، وبالتالي البقاء فيها لمدة طويلة، وذلك في ضوء عدم نجاح هذه العقيدة العسكرية القائمة على الحروب الاستباقية واستخدام القوة المفرطة في منطقة دون أخرى وتذبذب نتائج الحرب الأمريكية الوهمية على الإرهاب في العراق وأفغانستان.

* تنامي الاعتقاد الأمريكي بأن منطقة الخليج بدولها وشعوبها وصراعاتها تعيش فوق أرض مشتعلة، أو هكذا تصور أمريكا المنطقة، ويعزى ذلك إلى نية الولايات المتحدة في عدم تغيير واقع المنطقة الصراعي والعمل على إبقائه هكذا، طالما أن قادة المنطقة يرفضون الخضوع لمراميها وأهدافها. وهو أمر يؤرق الرئيس الأمريكي جورج بوش الذي أعيته الحيلة تلو الأخرى لجذب دول مجلس التعاون الخليجي إلى تحالف أمريكي يقود العالم لافتعال أزمة مع إيران أو معاداتها، ومن ثم تكون، الدولة الثانية في المنطقة بعد العراق في منظومة (الدومينو) التي يتوالى سقوط قطعها.. وهلم جرا.

* تضغط الولايات المتحدة على دول الخليج بقوة، مستخدمة سياسة تصدير الوهم لقادتها وشعوبها بأن الخطر النووي الإيراني قادم لا محالة، وأن الموقف يستلزم بناء شبكة مواجهة مبكرة لوقف هذا الخطر. والتحذير واضح بلا شك، وهو أن النتيجة الحتمية لإغفال  بناء هذه الشبكة أو مجرد تأجيل تدشينها، ستؤدي إلى انهيار موازين القوى في المنطقة، مما سيدفع الخليجيين ومعهم دول عربية عديدة إلى استنزاف مواردهم واقتصاداتهم والدخول في معترك بناء قوة نووية مضادة تحسباً لأي هجوم نووي إيراني.

* رغم صعوبة تحقق هذا السيناريو على أرض الواقع، فإن الولايات المتحدة لا تتوانى في تصدير هذا الوهم أو السيناريو المزعج للخليج، كي يتم تحفيز دوله وقادته للمشاركة في حرب لا تفكر فيها سوى واشنطن وتل أبيب، ثم تسارع هذه الدول للاستنجاد بالولايات المتحدة من أجل توفير مظلة حماية لهم، وهنا سيكون الثمن فادحاً، لأن تكاليف الاستنجاد غير تكلفة المشاركة الطوعية منذ البداية، فالأولى أفدح بكثير، وهكذا علّمنا التاريخ.

وإضافة الى كل هذه الاعتبارات آنفة الذكر، هناك مجموعة من الوقائع تؤشر إلى تنامي الخلافات الخليجية – الأمريكية، وهو ما يضع دول المنطقة تحت ضغوط مباشرة من واشنطن، ومن هذه الوقائع:

1- عدم استجابة الدول الخليجية ومعها العربية للضغوط الأمريكية في مؤتمر أنابوليس بتطبيع العلاقات مع إسرائيل، وإصرار هذه الدول على أن يكون التطبيع هو المرحلة الأخيرة من أية تسوية مستقبلية لإنهاء الصراع، وأن هذه التسوية يجب أن تخضع لنصوص المبادرة العربية مقابل سلام كامل مع الدولة العبرية، حتى إن الرئيس الأمريكي جورج بوش في جولته الأخيرة بالمنطقة والتي شملت أربع دول خليجية هي السعودية والبحرين والإمارات والكويت مارس ضغوطاً إضافية على العرب، لعله ينجح فيما فشل فيه اجتماع أنابوليس بكسر الجليد مع إسرائيل.

2- هذا يقودنا إلى نقطة خلاف أخرى توسع الشقة بين البلدان الخليجية والولايات المتحدة الأمريكية، وتتعلق بمحاولات واشنطن الحثيثة لبث الفتنة بين دول الخليج من جهة وإيران من جهة أخرى باعتبار الأخيرة هي الدولة المارقة التي تهدد أمن الخليج، وليس إسرائيل التي تملك حوالي 200 رأس نووي. ومعروف أن دعوة الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد لدول الخليج إلى تحسين العلاقات بينها وبين طهران أثارت حفيظة إدارة بوش التي أعقبتها ببذل جهود لإقناع الخليجيين بأن خطر امتلاك إيران للقنبلة النووية لا يزال قائماً برغم تقرير أجهزة المخابرات الأمريكية التي استبعدت حدوث ذلك تماماً في الوقت الراهن، نظراً لوقف إيران برنامجها النووي العسكري منذ عام 2003، وذلك استناداً إلى معلومات مؤكدة. والأمر الذي دفع أجهزة المخابرات الأمريكية إلى تنحية الافتراضية التي تروجها إدارة بوش بشدة، هو تجنب تكرار مسؤولية المخابرات التي عضدت في السابق فكرة شن حرب على العراق بحجة امتلاكه أسلحة دمار شامل ثم تراجع هذه الأجهزة نفسها ونفيها هذه الفرضية قائلة إن إدارة بوش ومجموعة المحافظين الجدد هم الذين طلبوا منها إعداد مثل هذه التقارير الملفقة للاستناد إليها وترويجها سواء على مستوى الشعب الأمريكي أو الكونغرس لاستصدار قرار شن الحرب على العراق.

ولم يأبه الرئيس الأمريكي بتقارير المخابرات الجديدة، وحاول استمالة دول الخليج لتكون ضمن تحالف دولي يعمل من أجل مواجهة إيران عسكرياً في حال فشل الجهود الدبلوماسية والحوار معها.

3- ليس غائباً عن الأذهان، أنه لم يكن للولايات المتحدة حتى عام 1970 أي وجود عسكري في منطقة الخليج، وكان مجرد تصور الاستيلاء والسيطرة على النفط ليس أكثر من أضغاث أحلام، ثم تطورت هذه الفكرة، وأصبحت محل اهتمام من المفكرين والمخططين الاستراتيجيين الأمريكيين المتطرفين وهم نواة مجموعة المحافظين الجدد الذين يديرون الولايات المتحدة في الوقت الراهن. وقد التف هذا الفريق حول ديك تشيني نائب الرئيس الأمريكي منذ كان وزيراً للدفاع في حرب الخليج الثانية عام 1991، وازداد نفوذ وجود الجيش الأمريكي في منطقة الخليج والمناطق المجاورة لها الممتدة من القرن الإفريقي وحتى آسيا الوسطى على مدى هذه السنوات وخاصة بعد حروب الخليج الثلاث.

4- يمكن القول إن جورج بوش حقق للولايات المتحدة آمال واستراتيجية هذه المجموعة من خلال السيطرة على العراق، وبذلك عمل الأمريكيون على ترسيخ مشروعهم الاستراتيجي طويل الأمد.

5- إن أحد أهم أهداف الاستراتيجية الأمريكية باحتلال العراق هو حرمانه من قدراته العسكرية إلى حين حسم الصراع في منطقة الشرق الأوسط وفقاً للمفهوم الأمريكي – الإسرائيلي، وكذلك العمل على تنامي صفقات السلاح الأمريكية لدول الخليج والعراق ذاته.

6- يحقق البقاء في العراق ومنطقة الخليج الهيمنة العسكرية للولايات المتحدة في أكبر البحار والمحيطات في العالم، حيث تتواجد لأمريكا حاملات طائرات مقاتلة في الخليج وشرق البحر المتوسط والشرق الأقصى بخلاف الموجود في المحيط الأطلنطي، بخلاف انتشار القوات الأمريكية في مناطق أخرى من العالم.

من هنا، فإن دول الخليج وبناء على استمرار الاحتلال الأمريكي للعراق، ستظل محاطة بخيارات صعبة ومريرة وكلها من صنع الولايات المتحدة الأمريكية التي تريد وضع المنطقة بكاملها تحت وصايتها وتوجيه دولها عن بعد، خاصة في مسألتي التطبيع مع إسرائيل ومعاداة إيران والدخول في صراع لا نهائي معها، مما يستنزف موارد المنطقة مرة أخرى، علاوة على نشر حالة من التوتر السياسي والشحن المذهبي والفوضى التي قد تنجم عن ذلك التحالف المعادي لطهران. علماً بأن أمريكا لم تخف مخاوفها من تشكيل تحالف عربي – إيراني مضاد لها ولوجودها في المنطقة بعد تدميرها للعراق والقضاء عليه اجتماعياً واقتصادياً وثقافياً والعمل على تغيير تركيبته الديموغرافية عبر تشجيعها مشروع التقسيم الديني والعرقي والجغرافي، بما يشكل سابقة في المنطقة كان الخليجيون في غنى عنها تماماً.

وإجمالاً فإن الولايات المتحدة ترغب في تركيع دول المنطقة، كما أنها تريد نمطاً جديداً من السيطرة على النفط يسمح لها باستخدامه كسلاح في صراعها الدولي مع الصين واليابان وأوروبا.. وهو ما يتطلب منها تنفيذ خطة المحافظين الجدد من سيطرة عسكرية وسياسية على النفط، وكانت البداية من العراق. وستكون شركات النفط الأمريكية الطامعة في استغلال احتياطي النفط العراقي هي الأكثر استفادة بحكم سيطرة الولايات المتحدة على العراق. وإضافة إلى احتلال منابع النفط العراقية بعد أن تصورت الإدارة الأمريكية أن دول الخليج لن تكون قادرة خلال السنوات المقبلة على تلبية احتياجاتها من الوقود، فإن ذلك من شأنه ان يقرب أمريكا أيضاً من حقول النفط الإيرانية، ثم تتوالى السيطرة الأمريكية على نفط الدول الأخرى، وهذا سيأتي في ظل الاستراتيجية الأمريكية التي تضع المواصفات والمقاييس لكل منطقة حسب الاحتياج لها وذلك وفق مواصفات أمريكية بحتة. 

::/fulltext::
::cck::1989::/cck::

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *