ثوابت الخليجية-الأمريكية ومتغيراتها
::cck::2009::/cck::
::introtext::
بزغت الشمس الأمريكية عام 2008، مدججة بالأسلحة وآلات الحرب في المنطقة، متوازية مع علاقات رجال الأعمال والشركات العملاقة وفرضيات التكنولوجيا والعلوم ومزارع الثقافة الأمريكية والتداخلات المباشرة في الأنظمة، مما جعلها أكبر إمبراطورية تحمل علم (نشر الديمقراطية بالسلاح)، ونشيدها الوطني يتراقص على أنغام (شركات عابرة القارات) ومساهمات واتفاقيات وبضائع ونقل وغيرها من التبادلات بين الأطراف. إذاً هي حرب وسياسة وأعمال (بزنس).
::/introtext::
::fulltext::
بزغت الشمس الأمريكية عام 2008، مدججة بالأسلحة وآلات الحرب في المنطقة، متوازية مع علاقات رجال الأعمال والشركات العملاقة وفرضيات التكنولوجيا والعلوم ومزارع الثقافة الأمريكية والتداخلات المباشرة في الأنظمة، مما جعلها أكبر إمبراطورية تحمل علم (نشر الديمقراطية بالسلاح)، ونشيدها الوطني يتراقص على أنغام (شركات عابرة القارات) ومساهمات واتفاقيات وبضائع ونقل وغيرها من التبادلات بين الأطراف. إذاً هي حرب وسياسة وأعمال (بزنس).
سابقاً كانت الولايات المتحدة الأمريكية (وسيط حل) في بؤر الصراع الملتهبة دولياً، ولكنها اليوم تحولت إلى جزء من الصراع نفسه في الشرق الأوسط، مما بدّل الثابت إلى متغير في السياسة الخارجية للولايات المتحدة.
وبالتالي فقدت الولايات المتحدة الأمريكية دورها الذي وضعته لنفسها كشريك تفاضلي مكمل في عملية السلام الشرق أوسطية كان يفترض فيه الحياد والعدل إلى دور الوسيط المفروض، غير المدعو، مثلما فعلت في الخلاف الكشميري بين الهند وباكستان عام 1999 عندما فرضت نفسها على المتفاوضين، وكذلك التدخل العسكري الأمريكي برغبة وإجماع عربي، هو الآخر مفروض ضمناً، وهو دور جديد لأمريكا يطلق عليه (دور المنقذ العسكري بالإكراه).
إن الثابت الأمريكي سابقاً كان يتمثل في وجود عسكري متناثر الأطراف حول العالم، من أوروبا الشمالية إلى خطوط المواجهة الشرق آسيوية، يحمل عناوين مختلفة وأعلاماً براقة منها تارة باسم قوات حفظ السلام وتارة أخرى تحت اتفاقيات دفاع مشترك مهدت لقيام قواعد عسكرية في بعض من تلك المناطق إلى أن وصلت بها الحال إلى ما هو أشبه بدور المندوب السامي البريطاني أيام المستعمرات.
أما المتغير الأمريكي اليوم، فهو أنها موحلة في عمليات (حرب مدن) سبقها هجوم أمريكي كاسح على (العراق) يليها (تهديد) عسكري علني لـ (إيران) وضمني لـ (سوريا)، وعصا وجزرة لكل من مصر (بعد رحيل الرئيس جمال عبدالناصر) والأردن (جذوره تمتد منذ أيام الملك الراحل الحسين) وهما الحليفتان التقليديتان للولايات المتحدة الأمريكية مع فوارق في التعامل السياسي وحجمه لكل منهما.
أما النظرة الأمريكية إلى دول الخليج فكانت ثابتة لسنوات، وكانت عبارة عن سطر بسيط في ورقة الشرق الأوسط في السبعينات من القرن الماضي، سرعان ما تحولت بسبب النفط والثروات الناتجة عنه وقرار الملك السعودي الراحل باعتبار النفط سلاحاً في معركة العرب، إلى صفحة في أوراق الخارجية الأمريكية.
وبعد أحادث 11 سبتمبر 2001 وتهدم أبراج أمريكية، وبعد أن تأزمت العلاقات الأمريكية-الإيرانية أكثر برحيل الشاه، وباتت إيران الإسلامية من وجهة النظر الأمريكية تمثل التهديد الأصولي الديني الأكبر لأمن أمريكا وازدهارها وتوسع تجارتها في المنطقة وربما تهدد مصالح أكبر ودولاً أخرى، أصبح الخليج ملفاً في السياسة الأمريكية عوضاً عن سطر واحد.
ولعل زيارة الرئيس الأمريكي جورج بوش إلى منطقة الخليج وبعض من دولها في مطلع هذا العام تؤكد أهمية الدور الخليجي المقبل في العلاقات الأمريكية-الخليجية، وهذا أحد المتغيرات المهمة.
وقد صاحب تغير القادة في منطقة الشرق الأوسط تغيير عالمي للبيئة الشرق أوسطية مما جعل الفك الأمريكي المتلهف إلى اقتناص الفريسة من الفم البريطاني أمام فرصة وتحد. فهو من جهة يريد توازن علاقات مع بريطانيا ومن جهة أخرى يريد سيطرة في المنطقة الشرق أوسطية. وبالتالي فقد وقعت العلاقات الخليجية-الأمريكية بين فكي السياسة والمصالح، ونجح مجلس التعاون الخليجي في تجاوز العديد من النقاط السوداء والمطبات السياسية وحافظ على علاقات بيضاء من دون شوائب.
فقد كان الثابت حتى فترة السبعينات أن (إيران) تمثل الشرطي الأمريكي في المنطقة، ثم قام الرئيس (كارتر) بناء على نصيحة وزير الاقتصاد ودافعي الضرائب الأمريكيين بالتخلص من نظام الشاه بحجة أن ما يدفع لإيران من أجل محاربة الشيوعية فإن التيار الأصولي الإسلامي كفيل بفعله مجاناً. وفعلاً تحقق ذلك ولكن بعد فترة لوحظ أن من جيء به للدفاع عن السياسة الأمريكية ومحاربة الشيوعية انقض على أمريكا نفسها، وبالتالي فإن الثوابت تغيرت واللعبة تبدلت، وبدت مراحل عملية (إسقاط أحجار الشطرنج) تأخذ مجراها الذي تراه العين على الساحة العربية.
ولقد كان رحيل السادات والملك الحسين والملك الحسن الثاني والشيخ جابر والشيخ زايد والرئيس حافظ الأسد والرئيس الفلسطيني ياسر عرفات والملك فهد وإسقاط وخلع صدام حسين في العراق وغيرهم بداية عهد مختلف انعكس على ترتيب أوراق المنطقة العربية من جديد مما دفع إلى إعادة النظر في مستقبل العلاقات الخليجية مع الولايات المتحدة الأمريكية، وبات يلوح في الأفق أن أمريكا تريد خلق أزمات عسكرية في المنطقة ومن ثم الدفع بإدارتها من قبلها بأموال المنطقة لأن الاقتصاد الأمريكي في الأصل اقتصاد بني على الحرب.
وتحقق ذلك بأن تم بيع منظومة الصواريخ الدفاعية والطائرات الحربية الأمريكية إلى بعض من دول الخليج، بل نجحت العلاقات الأمريكية-الخليجية في الإعلان عن وجود بعض من المنشآت العسكرية في الخليج، منها على سبيل المثال قاعدة في قطر وأخرى في الكويت وغيرهما واستخدام كامل لقواعد الطيران العسكرية في الوقت الذي تريد، وتحقق ذلك في حربي الخليج الأولى والثانية وحرب لبنان والتهديد بحرب مع إيران.
النظرة الأمريكية لدول الخليج كانت ثابتة لسنوات عبارة عن سطر بسيط في ورقة الشرق الأوسط
وعلى الرغم من كون التحولات الديمقراطية هي مطلب أمريكي إلا أن الخارجية الأمريكية- على حد فكر وزير خارجيتها الأسبق هنري كيسنجر- ترى أن غياب الديمقراطية في بعض الدول يسمح لأمريكا بفرض نفوذها لأن قادتها يخافون التغيير الشعبي، وبالتالي فإنهم يتبعون ما تريده أمريكا للحفاظ على بقائهم.
وفي العلاقات الأمريكية-الخليجية هذا التخوف من التحول الديمقراطي ليس وارداً، لأن دول مجلس التعاون تربطها وحدة الهدف والمصير، وهي تعمل من خلال أنظمة ومؤسسات تحافظ على تركيبة المجتمع المتعاضد، وحكوماتها التشاورية تنبع من صميم بنيانها الداخلي، وغير مفروض عليها من الخارج، وتراعي البعد الأخلاقي والديني في تسيير الأمور الحياتية اليومية. إضافة إلى ذلك فإن الديمقراطية الخليجية تسير عبر مراحل متدرجة، وليس صدمة فجائية، وبمباركة وتفاهم من الأطراف المعنية التي تحمل المعارضة المسؤولة في طياتها وتحترمها ومن دون الإخلال بالمعتقدات والأخلاقيات المتعارف عليها. ويعد هذا أحد المتغيرات المهمة في المسيرة السياسية الخليجية. وفي جانب آخر فإن بعض دول الخليج تميزت بديمقراطية مماثلة لديمقراطيات الغرب ومنها الكويت التي حظيت تجاربها وحياتها الديمقراطية باحترام الأصدقاء والغرباء، وباتت حرياتها الصحفية مثالاً مطروحاً في العالم العربي. ومن جهة أخرى كانت بدايات التحول في دولة الإمارات العربية المتحدة وخياراتها الانتخابية في المجلس الوطني وتعيين أربع نساء في حكومة صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم وضمه لحملة الشهادات الجامعية من أعرق الجامعات إلى حكومته الثانية دليلاً واضحاً على استراتيجية ورؤية متكاملة لما يجب أن يكون عليه مستقبل الخليج. يضاف ذلك إلى تجارب أخرى ناجحة في البحرين ومجلس الشورى في المملكة العربية السعودية وغيرها من التجارب الناضجة سياسياً، وتحظى بالاحترام الدولي. وكلها تجارب جيدة وخطوات على العهد الديمقراطي المتدرج وصولاً إلى الديمقراطية الشاملة كما هي الحال في الغرب.
أما الاقتصاد الخليجي فقد كان هو الثابت والأساس الوحيد في العلاقات الخليجية-الأمريكية، وكانت شركات مثل أرامكو وشل وإكسون وموبيل وغيرها أساس العلاقات الأمريكية-الخليجية ومصدراً مشتركاً للحديث عن مستقبل المنطقة ومردودها الاقتصادي على السياسات الأمريكية وكيفية استثمار الأموال العائدة من النفط في البنوك الأمريكية.
واليوم تحول الثابت الاقتصادي إلى اقتصاد وسياسة معاً، ولوحظ أن بعض دول الخليج تلعب دوراً في السياسة الأمنية للمنطقة غير مسبوق، فإلى جانب بعض القواعد العسكرية والاتفاقيات الدفاعية، فقد تمت دعوة الرئيس الإيراني إلى أداء فريضة الحج في مكة من قبل خادم الحرمين الشريفين رغم الخلاف السعودي-الإيراني التاريخي من حيث المذاهب، ثم زيارة صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي الأولى إلى إيران وهي أول زيارة لمسؤول إماراتي كبير بهذا الحجم إلى إيران منذ قيام الثورة الإسلامية وحملت التطمينات والتهدئة إلى الأطراف كلها، وأعقبها بزيارة إلى سوريا التي تكمل الحلقة الإيرانية في الصراع بالمنطقة. هذا جزء بسيط من التغير السياسي لدور دول الخليج، وهو دور مطلوب ويدعو إلى التفاؤل والاطمئنان، ولكنه دور جديد ضمن منظومة العلاقات الأمريكية-الخليجية المستقبلية الذي يسمح بالشريك السياسي من الباطن لتجنب السلام القائم على الحرب واعتماد السلام القائم على الاتفاق.
إن دول الخليج بما تمتاز به من مسؤولية تجاه قضايا المنطقة وتعقل وحسن تدبير قادرة على لعب هذا الدور باقتدار من دون المساس بالحقوق أو إهدار لكرامة (إيران)، وتستطيع امتصاص الصدامات وتفكيك شحناتها من دون أن تتأذى المنطقة. دور تقوم به دول الخليج لأهميته وقناعتها بضرورة الاستقرار والسلام في المنطقة بعيداً عن أي ترهيب من قبل أي من أطراف النزاع.
إن العلاقات الأمريكية-الخليجية تستلزم التوافق الخليجي الكامل والدور الواحد الجامع للقوى الخليجية الاقتصادية والسياسية أمام عالم متفكك ومتناثر في بقاع الأرض تجمعه العولمة والعالم الافتراضي وتفرقه السياسة والاقتصاد المتحيز.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::2009::/cck::
::introtext::
بزغت الشمس الأمريكية عام 2008، مدججة بالأسلحة وآلات الحرب في المنطقة، متوازية مع علاقات رجال الأعمال والشركات العملاقة وفرضيات التكنولوجيا والعلوم ومزارع الثقافة الأمريكية والتداخلات المباشرة في الأنظمة، مما جعلها أكبر إمبراطورية تحمل علم (نشر الديمقراطية بالسلاح)، ونشيدها الوطني يتراقص على أنغام (شركات عابرة القارات) ومساهمات واتفاقيات وبضائع ونقل وغيرها من التبادلات بين الأطراف. إذاً هي حرب وسياسة وأعمال (بزنس).
::/introtext::
::fulltext::
بزغت الشمس الأمريكية عام 2008، مدججة بالأسلحة وآلات الحرب في المنطقة، متوازية مع علاقات رجال الأعمال والشركات العملاقة وفرضيات التكنولوجيا والعلوم ومزارع الثقافة الأمريكية والتداخلات المباشرة في الأنظمة، مما جعلها أكبر إمبراطورية تحمل علم (نشر الديمقراطية بالسلاح)، ونشيدها الوطني يتراقص على أنغام (شركات عابرة القارات) ومساهمات واتفاقيات وبضائع ونقل وغيرها من التبادلات بين الأطراف. إذاً هي حرب وسياسة وأعمال (بزنس).
سابقاً كانت الولايات المتحدة الأمريكية (وسيط حل) في بؤر الصراع الملتهبة دولياً، ولكنها اليوم تحولت إلى جزء من الصراع نفسه في الشرق الأوسط، مما بدّل الثابت إلى متغير في السياسة الخارجية للولايات المتحدة.
وبالتالي فقدت الولايات المتحدة الأمريكية دورها الذي وضعته لنفسها كشريك تفاضلي مكمل في عملية السلام الشرق أوسطية كان يفترض فيه الحياد والعدل إلى دور الوسيط المفروض، غير المدعو، مثلما فعلت في الخلاف الكشميري بين الهند وباكستان عام 1999 عندما فرضت نفسها على المتفاوضين، وكذلك التدخل العسكري الأمريكي برغبة وإجماع عربي، هو الآخر مفروض ضمناً، وهو دور جديد لأمريكا يطلق عليه (دور المنقذ العسكري بالإكراه).
إن الثابت الأمريكي سابقاً كان يتمثل في وجود عسكري متناثر الأطراف حول العالم، من أوروبا الشمالية إلى خطوط المواجهة الشرق آسيوية، يحمل عناوين مختلفة وأعلاماً براقة منها تارة باسم قوات حفظ السلام وتارة أخرى تحت اتفاقيات دفاع مشترك مهدت لقيام قواعد عسكرية في بعض من تلك المناطق إلى أن وصلت بها الحال إلى ما هو أشبه بدور المندوب السامي البريطاني أيام المستعمرات.
أما المتغير الأمريكي اليوم، فهو أنها موحلة في عمليات (حرب مدن) سبقها هجوم أمريكي كاسح على (العراق) يليها (تهديد) عسكري علني لـ (إيران) وضمني لـ (سوريا)، وعصا وجزرة لكل من مصر (بعد رحيل الرئيس جمال عبدالناصر) والأردن (جذوره تمتد منذ أيام الملك الراحل الحسين) وهما الحليفتان التقليديتان للولايات المتحدة الأمريكية مع فوارق في التعامل السياسي وحجمه لكل منهما.
أما النظرة الأمريكية إلى دول الخليج فكانت ثابتة لسنوات، وكانت عبارة عن سطر بسيط في ورقة الشرق الأوسط في السبعينات من القرن الماضي، سرعان ما تحولت بسبب النفط والثروات الناتجة عنه وقرار الملك السعودي الراحل باعتبار النفط سلاحاً في معركة العرب، إلى صفحة في أوراق الخارجية الأمريكية.
وبعد أحادث 11 سبتمبر 2001 وتهدم أبراج أمريكية، وبعد أن تأزمت العلاقات الأمريكية-الإيرانية أكثر برحيل الشاه، وباتت إيران الإسلامية من وجهة النظر الأمريكية تمثل التهديد الأصولي الديني الأكبر لأمن أمريكا وازدهارها وتوسع تجارتها في المنطقة وربما تهدد مصالح أكبر ودولاً أخرى، أصبح الخليج ملفاً في السياسة الأمريكية عوضاً عن سطر واحد.
ولعل زيارة الرئيس الأمريكي جورج بوش إلى منطقة الخليج وبعض من دولها في مطلع هذا العام تؤكد أهمية الدور الخليجي المقبل في العلاقات الأمريكية-الخليجية، وهذا أحد المتغيرات المهمة.
وقد صاحب تغير القادة في منطقة الشرق الأوسط تغيير عالمي للبيئة الشرق أوسطية مما جعل الفك الأمريكي المتلهف إلى اقتناص الفريسة من الفم البريطاني أمام فرصة وتحد. فهو من جهة يريد توازن علاقات مع بريطانيا ومن جهة أخرى يريد سيطرة في المنطقة الشرق أوسطية. وبالتالي فقد وقعت العلاقات الخليجية-الأمريكية بين فكي السياسة والمصالح، ونجح مجلس التعاون الخليجي في تجاوز العديد من النقاط السوداء والمطبات السياسية وحافظ على علاقات بيضاء من دون شوائب.
فقد كان الثابت حتى فترة السبعينات أن (إيران) تمثل الشرطي الأمريكي في المنطقة، ثم قام الرئيس (كارتر) بناء على نصيحة وزير الاقتصاد ودافعي الضرائب الأمريكيين بالتخلص من نظام الشاه بحجة أن ما يدفع لإيران من أجل محاربة الشيوعية فإن التيار الأصولي الإسلامي كفيل بفعله مجاناً. وفعلاً تحقق ذلك ولكن بعد فترة لوحظ أن من جيء به للدفاع عن السياسة الأمريكية ومحاربة الشيوعية انقض على أمريكا نفسها، وبالتالي فإن الثوابت تغيرت واللعبة تبدلت، وبدت مراحل عملية (إسقاط أحجار الشطرنج) تأخذ مجراها الذي تراه العين على الساحة العربية.
ولقد كان رحيل السادات والملك الحسين والملك الحسن الثاني والشيخ جابر والشيخ زايد والرئيس حافظ الأسد والرئيس الفلسطيني ياسر عرفات والملك فهد وإسقاط وخلع صدام حسين في العراق وغيرهم بداية عهد مختلف انعكس على ترتيب أوراق المنطقة العربية من جديد مما دفع إلى إعادة النظر في مستقبل العلاقات الخليجية مع الولايات المتحدة الأمريكية، وبات يلوح في الأفق أن أمريكا تريد خلق أزمات عسكرية في المنطقة ومن ثم الدفع بإدارتها من قبلها بأموال المنطقة لأن الاقتصاد الأمريكي في الأصل اقتصاد بني على الحرب.
وتحقق ذلك بأن تم بيع منظومة الصواريخ الدفاعية والطائرات الحربية الأمريكية إلى بعض من دول الخليج، بل نجحت العلاقات الأمريكية-الخليجية في الإعلان عن وجود بعض من المنشآت العسكرية في الخليج، منها على سبيل المثال قاعدة في قطر وأخرى في الكويت وغيرهما واستخدام كامل لقواعد الطيران العسكرية في الوقت الذي تريد، وتحقق ذلك في حربي الخليج الأولى والثانية وحرب لبنان والتهديد بحرب مع إيران.
النظرة الأمريكية لدول الخليج كانت ثابتة لسنوات عبارة عن سطر بسيط في ورقة الشرق الأوسط
وعلى الرغم من كون التحولات الديمقراطية هي مطلب أمريكي إلا أن الخارجية الأمريكية- على حد فكر وزير خارجيتها الأسبق هنري كيسنجر- ترى أن غياب الديمقراطية في بعض الدول يسمح لأمريكا بفرض نفوذها لأن قادتها يخافون التغيير الشعبي، وبالتالي فإنهم يتبعون ما تريده أمريكا للحفاظ على بقائهم.
وفي العلاقات الأمريكية-الخليجية هذا التخوف من التحول الديمقراطي ليس وارداً، لأن دول مجلس التعاون تربطها وحدة الهدف والمصير، وهي تعمل من خلال أنظمة ومؤسسات تحافظ على تركيبة المجتمع المتعاضد، وحكوماتها التشاورية تنبع من صميم بنيانها الداخلي، وغير مفروض عليها من الخارج، وتراعي البعد الأخلاقي والديني في تسيير الأمور الحياتية اليومية. إضافة إلى ذلك فإن الديمقراطية الخليجية تسير عبر مراحل متدرجة، وليس صدمة فجائية، وبمباركة وتفاهم من الأطراف المعنية التي تحمل المعارضة المسؤولة في طياتها وتحترمها ومن دون الإخلال بالمعتقدات والأخلاقيات المتعارف عليها. ويعد هذا أحد المتغيرات المهمة في المسيرة السياسية الخليجية. وفي جانب آخر فإن بعض دول الخليج تميزت بديمقراطية مماثلة لديمقراطيات الغرب ومنها الكويت التي حظيت تجاربها وحياتها الديمقراطية باحترام الأصدقاء والغرباء، وباتت حرياتها الصحفية مثالاً مطروحاً في العالم العربي. ومن جهة أخرى كانت بدايات التحول في دولة الإمارات العربية المتحدة وخياراتها الانتخابية في المجلس الوطني وتعيين أربع نساء في حكومة صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم وضمه لحملة الشهادات الجامعية من أعرق الجامعات إلى حكومته الثانية دليلاً واضحاً على استراتيجية ورؤية متكاملة لما يجب أن يكون عليه مستقبل الخليج. يضاف ذلك إلى تجارب أخرى ناجحة في البحرين ومجلس الشورى في المملكة العربية السعودية وغيرها من التجارب الناضجة سياسياً، وتحظى بالاحترام الدولي. وكلها تجارب جيدة وخطوات على العهد الديمقراطي المتدرج وصولاً إلى الديمقراطية الشاملة كما هي الحال في الغرب.
أما الاقتصاد الخليجي فقد كان هو الثابت والأساس الوحيد في العلاقات الخليجية-الأمريكية، وكانت شركات مثل أرامكو وشل وإكسون وموبيل وغيرها أساس العلاقات الأمريكية-الخليجية ومصدراً مشتركاً للحديث عن مستقبل المنطقة ومردودها الاقتصادي على السياسات الأمريكية وكيفية استثمار الأموال العائدة من النفط في البنوك الأمريكية.
واليوم تحول الثابت الاقتصادي إلى اقتصاد وسياسة معاً، ولوحظ أن بعض دول الخليج تلعب دوراً في السياسة الأمنية للمنطقة غير مسبوق، فإلى جانب بعض القواعد العسكرية والاتفاقيات الدفاعية، فقد تمت دعوة الرئيس الإيراني إلى أداء فريضة الحج في مكة من قبل خادم الحرمين الشريفين رغم الخلاف السعودي-الإيراني التاريخي من حيث المذاهب، ثم زيارة صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي الأولى إلى إيران وهي أول زيارة لمسؤول إماراتي كبير بهذا الحجم إلى إيران منذ قيام الثورة الإسلامية وحملت التطمينات والتهدئة إلى الأطراف كلها، وأعقبها بزيارة إلى سوريا التي تكمل الحلقة الإيرانية في الصراع بالمنطقة. هذا جزء بسيط من التغير السياسي لدور دول الخليج، وهو دور مطلوب ويدعو إلى التفاؤل والاطمئنان، ولكنه دور جديد ضمن منظومة العلاقات الأمريكية-الخليجية المستقبلية الذي يسمح بالشريك السياسي من الباطن لتجنب السلام القائم على الحرب واعتماد السلام القائم على الاتفاق.
إن دول الخليج بما تمتاز به من مسؤولية تجاه قضايا المنطقة وتعقل وحسن تدبير قادرة على لعب هذا الدور باقتدار من دون المساس بالحقوق أو إهدار لكرامة (إيران)، وتستطيع امتصاص الصدامات وتفكيك شحناتها من دون أن تتأذى المنطقة. دور تقوم به دول الخليج لأهميته وقناعتها بضرورة الاستقرار والسلام في المنطقة بعيداً عن أي ترهيب من قبل أي من أطراف النزاع.
إن العلاقات الأمريكية-الخليجية تستلزم التوافق الخليجي الكامل والدور الواحد الجامع للقوى الخليجية الاقتصادية والسياسية أمام عالم متفكك ومتناثر في بقاع الأرض تجمعه العولمة والعالم الافتراضي وتفرقه السياسة والاقتصاد المتحيز.
::/fulltext::
::cck::2009::/cck::
