100 عام من النفط تساوي مثيلها من الأمن أمريكا والخليج .. بنك الخدمات المفتوح
::cck::2002::/cck::
::introtext::
يحدد الروائي باولو كويليو في رائعته (الزّهير) لكل مجتمع من المجتمعات مصرفاً للخدمات، ويلعب مصرف الخدمات هذا دور المحرك الرئيسي في تحديد سلوكيات هذا المجتمع وفق ما يودعه كل مجتمع في حساب الآخر من خدمات مادية أو معنوية. ولا يبدو أن مصرف الخدمات – الذي سنفترض أنه يحدد ماهية وحدود العلاقة بين الولايات المتحدة من جهة ودول الخليج العربية من جهة أخرى – قد يشهر إفلاسه قريباً.
::/introtext::
::fulltext::
يحدد الروائي باولو كويليو في رائعته (الزّهير) لكل مجتمع من المجتمعات مصرفاً للخدمات، ويلعب مصرف الخدمات هذا دور المحرك الرئيسي في تحديد سلوكيات هذا المجتمع وفق ما يودعه كل مجتمع في حساب الآخر من خدمات مادية أو معنوية. ولا يبدو أن مصرف الخدمات – الذي سنفترض أنه يحدد ماهية وحدود العلاقة بين الولايات المتحدة من جهة ودول الخليج العربية من جهة أخرى – قد يشهر إفلاسه قريباً.
خلال ندوات مؤتمر الفكر العربي (فكر 6) الذي عقد أعماله أواخر العام الماضي 2007 في العاصمة البحرينية المنامة، لم يكتف رئيس شركة أرامكو السعودية عبدالله جمعة بأن يطلق تصريحاته أو لعلها تطميناته حول بقاء النفط عموماً والنفط الخليجي خصوصاً، المصدر الرئيسي للطاقة خلال المائة عام المقبلة، لكنه سخر أيضاً بالعديد من الدراسات والنتائج التي تشير أو حتى تبشر بتحول عالمي لمصادر الطاقة البديلة. وتمثل هذه الثقة السعودية بالبقاء على هرم إنتاج أهم مصادر الطاقة العالمية مؤشراً مهماً إلى تناول العلاقات الأمريكية-الخليجية على أكثر من محور، خاصة في ما يتعلق بالمحور الأمني، إذ يمثل هذا الأخير الهاجس الرئيسي والمحدد الأعم للعلاقات الخليجية-الأمريكية اليوم والذي تصاعدت وتيرته بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001.
وعليه، ستكون رؤية الولايات المتحدة لأمن دول الخليج العربية بصفتها أحد أهم مصادر الطاقة استراتيجية لا تنفصل عن استراتيجية تأمين البقاء الأمريكي في مقدمة الاقتصادات العالمية، خاصة مع تنامي مستويات الاستهلاك العالمي وبروز محرقة النفط الكبرى (الصين)، التي باتت مستويات استهلاكها من النفط وفرص نموها مقلقة للمصدرين والمستهلكين على حد سواء.
الخليج والإرهاب
لا تنفك استراتيجية أمن الخليج من منظور أمريكي عن ثيمة الحرب على الإرهاب في القناعات الأمريكية ولو أنها قليلاً ما تصرح علانية بذلك، إذ تدرك الولايات المتحدة أن دول الخليج العربية وهي الحليف القديم والمتجدد لها في المنطقة، قد تتحول إلى (مفرخة) إرهاب ما إذا تعرضت أوضاعها لأية هزات أمنية، وهو ما يتصل بنتاج ارتباط الحركة التكفيرية في مصر بالقواعد المتشددة في الحركة السلفية، والذي كانت أحداث سبتمبر إحدى قطافه المُرّة.
وعلى الأرض، عملت الولايات المتحدة في معالجة هذا المحور عبر تقنيتين، الأولى: تمثلث في مشروعات (الدمقرطة) والحث على القيام بإصلاحات تشمل النظم السياسية وقطاعات التعليم، وهو ما أثمر عن إصلاحات سياسية متسارعة في بعض دول الخليج، وعلى الرغم من أنها لم تصل لأن تكون مشروعات إصلاح سياسية شاملة إلا أنها أيضاً مثلث تحولاً تاريخياً في دول المنطقة. أما التقنية الثانية فكانت السعي إلى تأمين أمن الخليج من أي مؤثرات خارجية تقبع على الحدود، فكانت في البدء حرب تحرير العراق، وأخيراً الضغط المتزايد نحو تطويق ما تعتبره الولايات المتحدة خطراً إيرانياً لا بد من التصدي له وتحجيمه.
يدرك الأمريكيون في هذا السياق أن إضعاف دول الخليج وأنظمتها السياسية أو السماح لأي مؤثر خارجي بالبروز في المنطقة هو بمثابة الإذن بصعود القوى الإسلامية والخطابات المتشددة، وهو ما قد يأتي للولايات المتحدة والعالم كله بتعقيدات يصعب الوقوف عندها وحلحلتها.
وعليه، كانت ولا تزال دول الخليج من منظور أمريكي منطقة بالغة الحساسية بالنسبة للولايات المتحدة، ولا يمكن اعتبارها مجرد تركة بريطانية ورثتها الولايات المتحدة مرغمة بقدر ما يعتبر ضمان أمن هذه الدول ضرورة استراتيجية للولايات المتحدة والعالم كله الذي يبدو بأكمله متورطاً في معادلات شرق أوسط معقد في حساباته وتغيراته على أكثر من صعيد.
مثلث الأمانات الأمريكي
وإذا ما أضفنا خيارات استراتيجية أخرى تتصل بحماية إسرائيل أولاً، وتأمين العملية السياسية في العراق ثانياً، فإن ضمان أمن الدول الخليجية يبدو بمثابة الضلع الثالثة في مثلث الأمانات الأمريكي في منطقة الشرق الأوسط، ولا يبدو أي طرف ما عدا إيران، يستطيع أن يعبث بأي من هذه الأضلاع الثلاث.
ولأن إضعاف الخصوم هو إحدى البديهيات السياسية للدول، فإن الضغط الأمريكي في الملف النووي الإيراني لا يبدو في معزل عن تهديد إيران لأحد أطراف هذا المثلث، إن لم يكن التهديد الإيراني يستطيع أن يطال الأضلاع كلها. ولذلك تصب الدبلوماسية الخليجية جهودها في وقاية المنطقة من حرب جديدة قد لا يكون الخليجيون أنفسهم في حاجة إليها أمنياً بالمقارنة مع أضلاع أخرى في المثلث الأمريكي تعتقد أن حرباً ضد إيران لا بد أن تحدث لتنتهي آخر المخاطر المحتملة عليها.
ويواجه الأمريكيون أنفسهم صعوبة في ربط أضلاع هذا المثلث الأمني في بوتقة أمنية واحدة، وفي ظل انحسار فرص التسوية الإسرائيلية-الفلسطينية على يد رئيسين ضعيفين (أولمرت / عباس) تبدو المكنة الدبلوماسية الأمريكية عاجزة عن إيجاد شيفرة توافقية لأمن الخليج والعراق من جهة، وأمن إسرائيل من جهة أخرى. خاصة أن الولايات المتحدة لا تستطيع صراحة المجازفة بحرب جديدة ضد طهران تحت عنوان (حماية إسرائيل من التهديد الإيراني) فقط.
ولهذا، كان تفعيل دور الناتو في منطقة الخليج العربي خلال السنتين الماضيتين إحدى الدلالات المهمة على تحول الرؤية الأمريكية في ما يتعلق بالملف الأمني تجاه السعي إلى تدويل هذا الملف، ولن تكون الأمم المتحدة بالطبع الخيار الصحيح في هذا التدويل بل (الناتو)، فهذا الناتو الخاضع للسيطرة الأمريكية في ظل تراجع الدورين الفرنسي والألماني يبدو البوابة الآمنة لتدويل الملف من دون الدخول في لعبة توازنات دولية تكون خارج السيطرة نسبياً.
ولذلك كان تسارع وتيرة الاتفاقيات الأمنية الثنائية بين دول الخليج كل على حدةوالناتو فيما يعرف بمبادرة إسطنبول، أحد أوجه التدويل للملف الأمني الخليجي بمباركة أمريكية، ولا شك في أن هذا التدويل أعطى للولايات المتحدة ضمانات إضافية في الحفاظ على أمن الخليج تحت غطاء حلف الناتو، وهو ما يتصل بتقليل حدة الانتقادات التي لاقتها الولايات المتحدة، تلك الانتقادات التي استنكرت السياسات الأمريكية الأحادية في المنطقة خاصة عقب أحداث 11 سبتمبر في معزل عن الالتزام بمقررات الشرعية الدولية.
أزمة الكيانات الضعيفة
وفي الوقت الذي يتم فيه التركيز على الأمن الخليجي من منظور استراتيجي أمريكي، فإن قراءة للملف من جهة معاكسة تبدو هي الأخرى ضرورة ملحة. فدول الخليج، التي هي في الأساس كيانات سياسية سبعينية حديثة، لا تمتلك القدرة الكافية التي تؤهلها لحماية نفسها، وهي تدرك تمام الإدراك أهمية الدفع بالعلاقات الخليجية-الأمريكية وبما يضمن لها البقاء على الخريطة الجغرافية في منطقة الشرق الأوسط.
من هنا، لا تبدو تجربة احتلال الكويت عام 1990 إلا دلالة على نجاعة رهان دول الخليج على أمنها ومستقبلها في منطقة مأزومة ومضطربة تعصف بها الحروب، وتتنافس عليها القوى الإقليمية على أكثر من صعيد. ولذلك لا يمكن لأي باحث أن يحدد زاوية النظر في هذا الملف من دون أن يدرك ما يعنيه الغطاء الأمريكي من نتائج، وأهمها بقاء دول الخليج آمنة. ولا يشكل القضاء على الإرهاب أو تحجيم امتداداته في الخليج أولاً، وتأمين سلامة تدفق النفط للعالم ثانياً، أهم الأولويات الخليجية في علاقاتها مع الولايات المتحدة فحسب، بل تتركز هذه المراهنة الخليجية اليوم على زيادة فرص الالتقاء الخليجية-الأمريكية في العديد من الملفات السياسية والاقتصادية والتنموية.
دول الخليج كانت ولا تزال من منظور أمريكي منطقة بالغة الحساسية بالنسبة للولايات المتحدة
ويدرك الخليجيون بالطبع أن لهذا الارتباط مع الولايات المتحدة ثمناً، لكن أحداً منهم لا يعتقد أن بقاء هذه الدول في مأمن من هذه السلسلة الطويلة من المخاطر المحدقة يستحق هذا الثمن.
ويتضح في المحصلة، أن العديد من المحاور السياسية والاقتصادية تلعب دوره
ا في صناعة دول الخليج العربية كبؤرة مركزية للاقتصاد والأمن العالميين معاً، وهو ما يجعلها على سلم الاهتمامات للولايات المتحدة خاصة في ما يتعلق بالمحور الأمني، لكن الملاحظ هو أن الولايات المتحدة لا تعمد في سلوكها السياسي وحتى العسكري في المنطقة إلى صياغة معادلة الأمن في الخليج من دون جعله محوراً ضمن عدة محاور تعمل مع بعضها بعضاً ضمن بوتقة واحدة وفي مستويات جيو-سياسية أكثر اتساعاً. هذه الأوراق هي ذاتها المتمثلة في غياب التشكيل في المعركة، وهو ما يجعل القوة والقدرة والنفاذية الأمريكية في المنطقة متشظية يصعب الإمساك بها أو تحجيمها أو حتى تحديد زمكاناتها، خاصة أن آلة الإعلام العربية لا تسلط الضوء بوضوح على نقاط النفاذية للولايات المتحدة في المنطقة.
العلاقات الخليجية – الأمريكية
تشكل المحددات السابقة مجتمعة ملامح وخريطة العلاقات الخليجية-الأمريكية. ورغم أن هذه العلاقات تتمايز من قطب إلى آخر إلا أنها تقف عند قواسم مشتركة جراء تشابه الديموغرافيات الخليجية من جهة، وقوة المنظومة السياسية لدول الخليج العربية (مجلس التعاون الخليجي) التي تفهمت منذ فترة السبعينات ضرورة صياغة مستقبل تكاملي لدول المنطقة من جهة أخرى.
ولا يبدو في القريب العاجل، على الأقل 100 عام، أن متغيرات جديدة قد تطرأ على العلاقات الخليجية-الأمريكية استراتيجياً إلا أن العديد من القراءات من الجانبين لا تزال معلقة أو غير واضحة فيما قد يطرأ من نتائج حاسمة في ما يتعلق بحلحلة الملف النووي الإيراني الذي يؤرق الطرفين معاً سياسياً أو عسكرياً. وإذا كانت القوة العسكرية تعطي الأمريكيين الثقة الكافية للولوج في خيار المجازفة بعمل عسكري مع طهران فإن دول الخليج تعتقد أن عملاً عسكرياً ضد طهران هو بمثابة إطلاق ثور هائج في محل للفخار.
لم تكن أحداث الحادي عشر من سبتمبر مؤثرة في حدود السياسة الخارجية للولايات المتحدة فقط لكنها أيضاً، لعبت دوراً بارزاً في إعادة تنظيم العلاقات الخليجية-الأمريكية. فالإدارة الأمريكية كانت محرجة في الداخل الأمريكي خاصة الذي بدأ ينظر للدول العربية والإسلامية على أنها (العدو الأول). ولذلك كانت الإدارة الأمريكية ملزمة بقيادة دبلوماسية دمقرطة في الشرق الأوسط لم تستثن دول الخليج العربية، ورغم أن الممانعات الخليجية كانت موجودة وفاعلة بقوة إلا أن مجمل ما خرجت به فوضى الدمقرطة إن صح التعبير، كان بمثابة تعزيز الدور الأمريكي في ضمان أمن الخليج عبر كبح جماح الجماعات الإسلامية خاصة في المملكة العربية السعودية، وعبر إقرار العديد من الإصلاحات السياسية في البحرين وقطر والإمارات وسلطنة عمان.
وأخيراً، تنص قوانين بنك الخدمات بين الولايات المتحدة والدول الخليجية على أن 100 عام من النفط تقابلها 100 عام من الأمن، وإن أحداً من طرفي المعادلة لا يستطيع الاستغناء عن الآخر.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::2002::/cck::
::introtext::
يحدد الروائي باولو كويليو في رائعته (الزّهير) لكل مجتمع من المجتمعات مصرفاً للخدمات، ويلعب مصرف الخدمات هذا دور المحرك الرئيسي في تحديد سلوكيات هذا المجتمع وفق ما يودعه كل مجتمع في حساب الآخر من خدمات مادية أو معنوية. ولا يبدو أن مصرف الخدمات – الذي سنفترض أنه يحدد ماهية وحدود العلاقة بين الولايات المتحدة من جهة ودول الخليج العربية من جهة أخرى – قد يشهر إفلاسه قريباً.
::/introtext::
::fulltext::
يحدد الروائي باولو كويليو في رائعته (الزّهير) لكل مجتمع من المجتمعات مصرفاً للخدمات، ويلعب مصرف الخدمات هذا دور المحرك الرئيسي في تحديد سلوكيات هذا المجتمع وفق ما يودعه كل مجتمع في حساب الآخر من خدمات مادية أو معنوية. ولا يبدو أن مصرف الخدمات – الذي سنفترض أنه يحدد ماهية وحدود العلاقة بين الولايات المتحدة من جهة ودول الخليج العربية من جهة أخرى – قد يشهر إفلاسه قريباً.
خلال ندوات مؤتمر الفكر العربي (فكر 6) الذي عقد أعماله أواخر العام الماضي 2007 في العاصمة البحرينية المنامة، لم يكتف رئيس شركة أرامكو السعودية عبدالله جمعة بأن يطلق تصريحاته أو لعلها تطميناته حول بقاء النفط عموماً والنفط الخليجي خصوصاً، المصدر الرئيسي للطاقة خلال المائة عام المقبلة، لكنه سخر أيضاً بالعديد من الدراسات والنتائج التي تشير أو حتى تبشر بتحول عالمي لمصادر الطاقة البديلة. وتمثل هذه الثقة السعودية بالبقاء على هرم إنتاج أهم مصادر الطاقة العالمية مؤشراً مهماً إلى تناول العلاقات الأمريكية-الخليجية على أكثر من محور، خاصة في ما يتعلق بالمحور الأمني، إذ يمثل هذا الأخير الهاجس الرئيسي والمحدد الأعم للعلاقات الخليجية-الأمريكية اليوم والذي تصاعدت وتيرته بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001.
وعليه، ستكون رؤية الولايات المتحدة لأمن دول الخليج العربية بصفتها أحد أهم مصادر الطاقة استراتيجية لا تنفصل عن استراتيجية تأمين البقاء الأمريكي في مقدمة الاقتصادات العالمية، خاصة مع تنامي مستويات الاستهلاك العالمي وبروز محرقة النفط الكبرى (الصين)، التي باتت مستويات استهلاكها من النفط وفرص نموها مقلقة للمصدرين والمستهلكين على حد سواء.
الخليج والإرهاب
لا تنفك استراتيجية أمن الخليج من منظور أمريكي عن ثيمة الحرب على الإرهاب في القناعات الأمريكية ولو أنها قليلاً ما تصرح علانية بذلك، إذ تدرك الولايات المتحدة أن دول الخليج العربية وهي الحليف القديم والمتجدد لها في المنطقة، قد تتحول إلى (مفرخة) إرهاب ما إذا تعرضت أوضاعها لأية هزات أمنية، وهو ما يتصل بنتاج ارتباط الحركة التكفيرية في مصر بالقواعد المتشددة في الحركة السلفية، والذي كانت أحداث سبتمبر إحدى قطافه المُرّة.
وعلى الأرض، عملت الولايات المتحدة في معالجة هذا المحور عبر تقنيتين، الأولى: تمثلث في مشروعات (الدمقرطة) والحث على القيام بإصلاحات تشمل النظم السياسية وقطاعات التعليم، وهو ما أثمر عن إصلاحات سياسية متسارعة في بعض دول الخليج، وعلى الرغم من أنها لم تصل لأن تكون مشروعات إصلاح سياسية شاملة إلا أنها أيضاً مثلث تحولاً تاريخياً في دول المنطقة. أما التقنية الثانية فكانت السعي إلى تأمين أمن الخليج من أي مؤثرات خارجية تقبع على الحدود، فكانت في البدء حرب تحرير العراق، وأخيراً الضغط المتزايد نحو تطويق ما تعتبره الولايات المتحدة خطراً إيرانياً لا بد من التصدي له وتحجيمه.
يدرك الأمريكيون في هذا السياق أن إضعاف دول الخليج وأنظمتها السياسية أو السماح لأي مؤثر خارجي بالبروز في المنطقة هو بمثابة الإذن بصعود القوى الإسلامية والخطابات المتشددة، وهو ما قد يأتي للولايات المتحدة والعالم كله بتعقيدات يصعب الوقوف عندها وحلحلتها.
وعليه، كانت ولا تزال دول الخليج من منظور أمريكي منطقة بالغة الحساسية بالنسبة للولايات المتحدة، ولا يمكن اعتبارها مجرد تركة بريطانية ورثتها الولايات المتحدة مرغمة بقدر ما يعتبر ضمان أمن هذه الدول ضرورة استراتيجية للولايات المتحدة والعالم كله الذي يبدو بأكمله متورطاً في معادلات شرق أوسط معقد في حساباته وتغيراته على أكثر من صعيد.
مثلث الأمانات الأمريكي
وإذا ما أضفنا خيارات استراتيجية أخرى تتصل بحماية إسرائيل أولاً، وتأمين العملية السياسية في العراق ثانياً، فإن ضمان أمن الدول الخليجية يبدو بمثابة الضلع الثالثة في مثلث الأمانات الأمريكي في منطقة الشرق الأوسط، ولا يبدو أي طرف ما عدا إيران، يستطيع أن يعبث بأي من هذه الأضلاع الثلاث.
ولأن إضعاف الخصوم هو إحدى البديهيات السياسية للدول، فإن الضغط الأمريكي في الملف النووي الإيراني لا يبدو في معزل عن تهديد إيران لأحد أطراف هذا المثلث، إن لم يكن التهديد الإيراني يستطيع أن يطال الأضلاع كلها. ولذلك تصب الدبلوماسية الخليجية جهودها في وقاية المنطقة من حرب جديدة قد لا يكون الخليجيون أنفسهم في حاجة إليها أمنياً بالمقارنة مع أضلاع أخرى في المثلث الأمريكي تعتقد أن حرباً ضد إيران لا بد أن تحدث لتنتهي آخر المخاطر المحتملة عليها.
ويواجه الأمريكيون أنفسهم صعوبة في ربط أضلاع هذا المثلث الأمني في بوتقة أمنية واحدة، وفي ظل انحسار فرص التسوية الإسرائيلية-الفلسطينية على يد رئيسين ضعيفين (أولمرت / عباس) تبدو المكنة الدبلوماسية الأمريكية عاجزة عن إيجاد شيفرة توافقية لأمن الخليج والعراق من جهة، وأمن إسرائيل من جهة أخرى. خاصة أن الولايات المتحدة لا تستطيع صراحة المجازفة بحرب جديدة ضد طهران تحت عنوان (حماية إسرائيل من التهديد الإيراني) فقط.
ولهذا، كان تفعيل دور الناتو في منطقة الخليج العربي خلال السنتين الماضيتين إحدى الدلالات المهمة على تحول الرؤية الأمريكية في ما يتعلق بالملف الأمني تجاه السعي إلى تدويل هذا الملف، ولن تكون الأمم المتحدة بالطبع الخيار الصحيح في هذا التدويل بل (الناتو)، فهذا الناتو الخاضع للسيطرة الأمريكية في ظل تراجع الدورين الفرنسي والألماني يبدو البوابة الآمنة لتدويل الملف من دون الدخول في لعبة توازنات دولية تكون خارج السيطرة نسبياً.
ولذلك كان تسارع وتيرة الاتفاقيات الأمنية الثنائية بين دول الخليج كل على حدةوالناتو فيما يعرف بمبادرة إسطنبول، أحد أوجه التدويل للملف الأمني الخليجي بمباركة أمريكية، ولا شك في أن هذا التدويل أعطى للولايات المتحدة ضمانات إضافية في الحفاظ على أمن الخليج تحت غطاء حلف الناتو، وهو ما يتصل بتقليل حدة الانتقادات التي لاقتها الولايات المتحدة، تلك الانتقادات التي استنكرت السياسات الأمريكية الأحادية في المنطقة خاصة عقب أحداث 11 سبتمبر في معزل عن الالتزام بمقررات الشرعية الدولية.
أزمة الكيانات الضعيفة
وفي الوقت الذي يتم فيه التركيز على الأمن الخليجي من منظور استراتيجي أمريكي، فإن قراءة للملف من جهة معاكسة تبدو هي الأخرى ضرورة ملحة. فدول الخليج، التي هي في الأساس كيانات سياسية سبعينية حديثة، لا تمتلك القدرة الكافية التي تؤهلها لحماية نفسها، وهي تدرك تمام الإدراك أهمية الدفع بالعلاقات الخليجية-الأمريكية وبما يضمن لها البقاء على الخريطة الجغرافية في منطقة الشرق الأوسط.
من هنا، لا تبدو تجربة احتلال الكويت عام 1990 إلا دلالة على نجاعة رهان دول الخليج على أمنها ومستقبلها في منطقة مأزومة ومضطربة تعصف بها الحروب، وتتنافس عليها القوى الإقليمية على أكثر من صعيد. ولذلك لا يمكن لأي باحث أن يحدد زاوية النظر في هذا الملف من دون أن يدرك ما يعنيه الغطاء الأمريكي من نتائج، وأهمها بقاء دول الخليج آمنة. ولا يشكل القضاء على الإرهاب أو تحجيم امتداداته في الخليج أولاً، وتأمين سلامة تدفق النفط للعالم ثانياً، أهم الأولويات الخليجية في علاقاتها مع الولايات المتحدة فحسب، بل تتركز هذه المراهنة الخليجية اليوم على زيادة فرص الالتقاء الخليجية-الأمريكية في العديد من الملفات السياسية والاقتصادية والتنموية.
دول الخليج كانت ولا تزال من منظور أمريكي منطقة بالغة الحساسية بالنسبة للولايات المتحدة
ويدرك الخليجيون بالطبع أن لهذا الارتباط مع الولايات المتحدة ثمناً، لكن أحداً منهم لا يعتقد أن بقاء هذه الدول في مأمن من هذه السلسلة الطويلة من المخاطر المحدقة يستحق هذا الثمن.
ويتضح في المحصلة، أن العديد من المحاور السياسية والاقتصادية تلعب دوره
ا في صناعة دول الخليج العربية كبؤرة مركزية للاقتصاد والأمن العالميين معاً، وهو ما يجعلها على سلم الاهتمامات للولايات المتحدة خاصة في ما يتعلق بالمحور الأمني، لكن الملاحظ هو أن الولايات المتحدة لا تعمد في سلوكها السياسي وحتى العسكري في المنطقة إلى صياغة معادلة الأمن في الخليج من دون جعله محوراً ضمن عدة محاور تعمل مع بعضها بعضاً ضمن بوتقة واحدة وفي مستويات جيو-سياسية أكثر اتساعاً. هذه الأوراق هي ذاتها المتمثلة في غياب التشكيل في المعركة، وهو ما يجعل القوة والقدرة والنفاذية الأمريكية في المنطقة متشظية يصعب الإمساك بها أو تحجيمها أو حتى تحديد زمكاناتها، خاصة أن آلة الإعلام العربية لا تسلط الضوء بوضوح على نقاط النفاذية للولايات المتحدة في المنطقة.
العلاقات الخليجية – الأمريكية
تشكل المحددات السابقة مجتمعة ملامح وخريطة العلاقات الخليجية-الأمريكية. ورغم أن هذه العلاقات تتمايز من قطب إلى آخر إلا أنها تقف عند قواسم مشتركة جراء تشابه الديموغرافيات الخليجية من جهة، وقوة المنظومة السياسية لدول الخليج العربية (مجلس التعاون الخليجي) التي تفهمت منذ فترة السبعينات ضرورة صياغة مستقبل تكاملي لدول المنطقة من جهة أخرى.
ولا يبدو في القريب العاجل، على الأقل 100 عام، أن متغيرات جديدة قد تطرأ على العلاقات الخليجية-الأمريكية استراتيجياً إلا أن العديد من القراءات من الجانبين لا تزال معلقة أو غير واضحة فيما قد يطرأ من نتائج حاسمة في ما يتعلق بحلحلة الملف النووي الإيراني الذي يؤرق الطرفين معاً سياسياً أو عسكرياً. وإذا كانت القوة العسكرية تعطي الأمريكيين الثقة الكافية للولوج في خيار المجازفة بعمل عسكري مع طهران فإن دول الخليج تعتقد أن عملاً عسكرياً ضد طهران هو بمثابة إطلاق ثور هائج في محل للفخار.
لم تكن أحداث الحادي عشر من سبتمبر مؤثرة في حدود السياسة الخارجية للولايات المتحدة فقط لكنها أيضاً، لعبت دوراً بارزاً في إعادة تنظيم العلاقات الخليجية-الأمريكية. فالإدارة الأمريكية كانت محرجة في الداخل الأمريكي خاصة الذي بدأ ينظر للدول العربية والإسلامية على أنها (العدو الأول). ولذلك كانت الإدارة الأمريكية ملزمة بقيادة دبلوماسية دمقرطة في الشرق الأوسط لم تستثن دول الخليج العربية، ورغم أن الممانعات الخليجية كانت موجودة وفاعلة بقوة إلا أن مجمل ما خرجت به فوضى الدمقرطة إن صح التعبير، كان بمثابة تعزيز الدور الأمريكي في ضمان أمن الخليج عبر كبح جماح الجماعات الإسلامية خاصة في المملكة العربية السعودية، وعبر إقرار العديد من الإصلاحات السياسية في البحرين وقطر والإمارات وسلطنة عمان.
وأخيراً، تنص قوانين بنك الخدمات بين الولايات المتحدة والدول الخليجية على أن 100 عام من النفط تقابلها 100 عام من الأمن، وإن أحداً من طرفي المعادلة لا يستطيع الاستغناء عن الآخر.
::/fulltext::
::cck::2002::/cck::
