دلالات وحصاد جولة ساركوزي الخليجية
::cck::2074::/cck::
::introtext::
اكتسبت جولة الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي الخليجية، في 12 يناير 2008، واستمرت أياماً عدة، شملت المملكة العربية السعودية وقطر ودولة الإمارات العربية المتحدة، أهمية ودلالات خاصة، من منظور أنها تزامنت مع جولة الرئيس الأمريكي جورج بوش في المكان والزمان نفسيهما، كما أنها الأولى له إلى المنطقة الخليج منذ وصوله إلى سدة الحكم في مايو الماضي.
::/introtext::
::fulltext::
اكتسبت جولة الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي الخليجية، في 12 يناير 2008، واستمرت أياماً عدة، شملت المملكة العربية السعودية وقطر ودولة الإمارات العربية المتحدة، أهمية ودلالات خاصة، من منظور أنها تزامنت مع جولة الرئيس الأمريكيجورج بوش في المكان والزمان نفسيهما، كما أنها الأولى له إلى المنطقة الخليج منذ وصوله إلى سدة الحكم في مايو الماضي.
يمكن القول إن هذه الجولة الخليجية لا تبدو سابقة في تاريخ علاقات فرنسا بدول تشكل عصب السياسات النفطية الدولية، حيث تأتي في سياق المسعى الفرنسي، قدر الإمكان، للتموضع في هذه المنطقة المؤثرة للغاية في بعض ملفاتها، على الرغم من أن السياسة الخارجية الفرنسية لم تكن يوماً بعيدة عن محاولة رسم علاقات متميزة مع دول هذه المنطقة للعديد من الاعتبارات الاقتصادية والسياسية والجيو – سياسية، والحرص على استمرارية ما كرسته فرنسا في سياستها الخارجية على قاعدة التوازي والتوازن مع ما يمكن أن ترسمه بعض القوى الفاعلة في النظام العالمي، ومنها الولايات المتحدة. كما تأتي الجولة تتويجاً للتطور النوعي وللعلاقة المميزة والاستراتيجية، وإعطائها المحتوى الإضافي وتقوية الحوار السياسي الوثيق، خاصة بالنسبة للمشكلات الإقليمية والدولية ذات الاهتمام المشترك، والتأكيد مجدداً على صداقة فرنسا وهذه البلدان التي تقع في قلب منطقة النمو الاقتصادي، وفي الوقت ذاته، تقع في قلب (قوس الأزمات)، الممتد من الخليج إلى البحر الأبيض المتوسط، بما يشمل الموضوع النووي الإيراني والعراق ولبنان وفلسطين وغيرها، وتعزيز وترسيخ العلاقات الثنائية في مختلف المجالات.
ويتبدى حرص الرئيس الفرنسي على تجنب الخوض في الموضوعات المثيرة للجدل التي أثارها الرئيس بوش خلال جولته، وخاصة الوضع مع إيران، والعلاقات الخليجية – الإيرانية، لفهمه المسبق لرؤى هذه الدول في عدم الرغبة في المشاركة والتحشيد ورفض أي عمل عسكري يوجه ضد إيران، وتحبيذ اتخاذ مواقف دبلوماسية تجاه ملفها النووي، رغم تزايد مخاوفها من تداعياته المستقبلية على أمنها الوطني والإقليمي، ومن ثم عدم تبني مواقف سياسية مؤيدة للتصعيد الأمريكي الذي شنه بوش على إيران، والتعرف عن قرب إلى الطرح الخليجي الذي يحرص على تعزيز العلاقات مع إيران وتسوية الخلافات القائمة بين الولايات المتحدة وهذا البلد الجار عبر الحوار والوسائل السلمية، إضافة إلى إبداء الرغبة الفرنسية في التعاون في المجال الأمني لمكافحة الإرهاب.
غلبة البعد التجاري والاقتصادي
يمكن رصد غلبة الطابع التجاري والاقتصادي على هذه الجولة للبلدان الخليجية الغنية، حيث يسعى ساركوزي إلى تأمين حصة بلاده في (كعكة) الاقتصادات الخليجية التي تشهد فورة اقتصادية وتملك سيولة مالية ضخمة جنتها من أسعار النفط المرتفعة، آملاً حصد صفقات وعقود اقتصادية وعسكرية ونووية تتجاوز 45 مليار يورو، يمكن أن تحدث توازنات مالية واستراتيجية، في ضوء الحذر المتصاعد تجاه الولايات المتحدة من جانب بعض حكومات المنطقة التي أصبحت تسعى إلى تنويع وتعدد وموازنة علاقاتها الخارجية ومصالحها بحيث لا تبقى رهينة للبيت الأبيض. وعليه، تبرز دلالة حرصه على أن يرافقه وفد رفيع المستوى يضم عدداً من الوزراء وعشرات من رجال الأعمال ورؤساء الشركات الفرنسية الكبرى التي تأمل في الحصول على عقود تجارية ضخمة في مجالات الطاقة والنقل البري والجوي المدني وفي قطاع المياه والكهرباء والأمن الداخلي والتسلح، وتعزيز نشاطها وفاعليتها.

وعلى خلفية الارتقاء بالعلاقات الاقتصادية المميزة مع هذه البلدان إلى شراكة اقتصادية استراتيجية، حرص ساركوزي في محطته الأولى، المملكة العربية السعودية، أكبر دولة مصدره للنفط عالمياً، وأهم الشركاء التجاريين، والتي ترتبط مع فرنسا بعلاقات سياسية مميزة، على تعزيز العلاقات الثنائية والروابط المشتركة المتينة الضاربة في أعماق الماضي، والمشاركة في المشاريع الكبرى التي تنفذها المملكة والتي تقدر قيمتها بنحو 500 مليار دولار للسنوات العشرين المقبلة، تخص قطارات عالية السرعة، مثل مشروع السكك الحديدية الذي يربط جنوب المملكة بشمالها، النقل الجوي والمصافي النفطية الجديدة في مدينتي الجبيل وينبع، والتنمية الحضرية في مدينة الملك عبدالله الاقتصادية، ومشاريع تحلية مياه البحر، ومشروعات توليد الطاقة، والمشاريع التعليمية الضخمة بالتعاون في مجالي التدريب التقني والتعليم الجامعي. وعملياً، تم التوقيع على أربع اتفاقيات تعاون في مجالات الطاقة والنفط والغاز والثروات المعدنية، والإعداد الجامعي وتطوير التدريب المهني في داخل فرنسا، وبحث مشاريع عقود تصل إلى 40 مليار يورو، خاصة في المجال العسكري، ومع سعي المملكة إلى تنويع مصادر السلاح والتكنولوجيا العسكرية، مثل الإنتاج المشترك لدبابات (لوكلير) الفرنسية، وتسويق الطائرات الفرنسية المقاتلة من طراز (رافال)، وتدارس إمكانية توقيع اتفاقية لتزويد المملكة بطائرات الميراج الفرنسية وسفن فرقاطة، وتدريب الضباط السعوديين في فرنسا، وملفات تتعلق بمعدات دفاعية مهمة وتعزيز سلاح الجو بقرابة 150 مروحية وبناء سياج أمني تناط به حماية حدود المملكة مع العراق، من بينها شبكة للرادرات وأجهزة اتصالات مؤمنة وطائرات استطلاعية ومروحيات، والتعاون في القيام بمناورات عسكرية مشتركة. ومما له صلة، تؤكد الشركات الفرنسية مدى قدرتها على الاستجابة لتطلعات المملكة في كافة هذه المجالات، خاصة امتلاكها للتقنية المعلوماتية مما يوفر فرصاً كبيرة للقطاع الخاص لتوطين هذه التقنية بالمملكة، وتأمل في الاستفادة من كون المملكة أضحت وجهة عالمية للاستثمارات الكبرى في مختلف الميادين وتتمتع بثقة عالمية كبيرة، ونتيجة للمناخات الاستثمارية الجديدة التي خلقتها في الفترة الأخيرة وتمثل سوقاً مغرية للشركات العالمية، علماً أن فرنسا احتلت في عام 2005 المركز الثالث كأحد أبرز البلدان المستثمرة في المملكة. ومن الأهمية تبيان أن الرئيس الفرنسي عرض على خادم الحرمين الشريفين إرسال فريق من لجنة الطاقة النووية الفرنسية إلى السعودية لبحث إمكان التعاون في مجال الطاقة النووية السلمية، والاستفادة من الخبرة الفرنسية بهذا الخصوص، بيد أن المملكة لم تعط ردها النهائي في هذا الملف.
ومثّلت قطر، الشريك الاستراتيجي لفرنسا نظراً لتمركز كبريات الشركات الفرنسية فيها منذ زمن بعيد، المحطة الثانية في جولة ساركوزي، وتربطها معها معاهدة للتعاون الاقتصادي والمالي تعود إلى عام 1974، كما شهدت العلاقات الاقتصادية المشتركة قفزة نوعية مع توقيع عقود تقارب 6 مليارات دولار عام 2005، وأخرى بسبعة مليارات دولار عام 2006، وذلك من دون احتساب قطاع الطيران. وتأتي فرنسا من بين البلدان الأوائل من ناحية الاستثمارات في قطر، وشهدت الصادرات الفرنسية تقدماً بنسبة 36 في المائة خلال الفصل الأول من عام 2007. ويعتبر مشروع (دولفين)، الذي تساهم فيه شركة توتال الفرنسية بنسبة 25 في المائة، وتستثمر فيه 4.2 مليار دولار، المشروع المشترك الأبرز الذي يؤمن لفرنسا موقعاً مهماً بين المستثمرين الأجانب في قطر. كما أن هناك العديد من الشركات الفرنسية العاملة في تنمية وتطوير الشركات الصناعية وفي مجال الغاز، ومنها توتال، وتتولى شركة (vinci) القيام ببناء أكبر جسر في العالم، 42 كيلومتراً، يربط بين قطر والبحرين، وتعمل شركة (techinip) في بناء البنى التحتية. وأبرمت شركة الخطوط الجوية القطرية عقوداً مع شركة إيرباص وذلك منذ عام 2003، وصلت إلى مليار و500 مليون دولار، وفي العام الماضي وصلت قيمة العقود إلى أكثر من 18 مليار يورو. وتمخضت الزيارة عن توقيع عدة مذكرات تفاهم واتفاقيات، من بينها مذكرة تفاهم بين شركة (غاز دي فرانس) ومؤسسة قطر للبترول، حيث ستفتتح الشركة الفرنسية مكتباً تمثيلياً لها في قطر، وتنوي الدخول مع مؤسسة قطر للبترول في شراكة للتعاون الخارجي في ميادين التنقيب والاستثمار للطاقة. وتؤمن فرنسا 80 في المائة من تجهيزات القوات المسلحة القطرية، على الرغم من التحالف بين الدوحة وواشنطن التي لها قاعدتان عسكريتان في قطر، وستفتح مدرسة (سان سير) العسكرية العريقة التي تخرج ضباطاً لسلاح البر الفرنسي فرعاً لها في قطر اعتباراً من عام 2011. كما تم توقيع عقود تتناول تأهيل البنوك وقطاع الغاز والكهرباء والسياحة والشباب.
وكانت دولة الإمارات العربية المتحدة المحطة الأخيرة في هذه الجولة، حيث تصدرت العقود في مجال البرامج النووية السلمية، وهي سياسات مستجدة بشكل عام في الخطاب السياسي لدول مجلس التعاون الخليجي بعد التطورات المتصاعدة التي اتخذها ملف البرنامج النووي الإيراني الذي تحاول فرنسا التقرب منه والتماس معه، ورغبة فرنسا في تقاسم للطاقة النووية السلمية مع العالم الإسلامي لتلبية احتياجاتها من الطاقة بشكل يتفق كلياً مع الالتزامات النابعة من القانون الدولي. وفعلياً، تم التوقيع بين البلدين على اتفاقية حكومية تحدد أطر التعاون في مجال الطاقة النووية السلمية وتطور استخدامها في الإمارات، في قطاعات البحث العلمي والطب والزراعة وتحلية مياه البحر، بقيمة نحو 4 مليارات دولار، وهو الاتفاق الثالث من نوعه مع دول عربية بعد الجزائر وليبيا، وتتضمن الخطة إنشاء مفاعلين نوويين من الطراز الأوروبي الثالث الذي تنتجه أريفا وهو (أريفا 1600 ميغاواط)، بواسطة توتال الفرنسية بالتعاون مع (سويز) كشريك أساسي وأريفا شركة إنتاج المفاعلات النووية المملوكة للدولة، إضافة إلى إنتاج منتجات دورة الوقود والخدمات المرتبطة بها. ومن المعروف أن دول مجلس التعاون الخليجي قررت في قمتها قبل الماضية، في ديسمبر 2006، إطلاق برنامج مشترك للطاقة النووية السلمية، ووضعت الدراسات من أجل تشغيلها في عام 2025م، بيد أن هذا المشروع لا يمنع أية دولة في أن تتابع طموحاتها النووية الخاصة، وذلك بالتوازي مع المشروع الخليجي المشترك. ومن منطلق أن نمو الطلب على الطاقة في الخليج هو الأكثر ارتفاعاً في العالم، فإن (العطش النووي) قد يبدو متناقضاً مع كون دولة الإمارات ثالث مصدر في منظمة الدول المصدرة للنفط (أوبك) وصاحبة خامس أكبر احتياطي نفطي في العالم، ورابع أكبر احتياطي غازي، غير أن هذا التناقض سرعان ما يتبدد بالنظر إلى أنه حتى في عصر النفط هناك مصلحة في الحصول على سبل لتأمين المستقبل الصناعي، لا سيما أن دولة الإمارات انطلقت في مسيرة تنموية كبرى، بما في ذلك على الصعيد الصناعي، ومن ثم فهي بحاجة إلى الطاقة. وعلى سبيل المثال، فإن إمارة دبي، يرتفع الطلب على الطاقة الكهربائية بنسبة 20 في المائة سنوياً، وترغب شركة الكهرباء الحكومية في مشاركة مستثمرين أجانب في تنفيذ مشروع تصل تكلفته إلى 37 مليار دولار لرفع طاقتها الإنتاجية أربعة أضعاف إلى 25 ألف ميغاواط،، ومن ثم تدرس إدخال الطاقة النووية كأحد الحلول لزيادة إنتاج الطاقة الكهربائية.
كما اطلع ساركوزي على مشروع متحف (لوفر الرمال) في أبو ظبي الذي تقوم بلاده بتنفيذه لمدة 30 عاماً مقابل مليار يورو، وحضر وضع حجر الأساس لحرم ومقر دائم لجامعة السوربون الباريسية فيها على جزيرة الريم المحاذية لشواطئ إمارة أبو ظبي. وعلى صعيد الاتفاق الدفاعي الموقع عام 1995، تم تمديد الاتفاقية بناء على رغبة إماراتية، ستحظى فرنسا بموجبه بأول قاعدة فرنسية دائمة في الخليج، قبالة مضيق هرمز الاستراتيجي الذي يمر عبره 40 في المائة من النفط في العالم، على الأراضي الإماراتية لقواتها المتعددة، (قوامها 400 إلى 500 جندي)، وستدخل هذه القاعدة حيز العمل بدءاً من عام 2009. كما تم التوقيع على ثلاث اتفاقيات تفاهم حول الملكية الفكرية والنقل والتعليم ومشاريع عقود ممكنة قيمتها 14 مليار يورو.
يسعى ساركوزي إلى تأمين حصة بلاده في (كعكة) الاقتصادات الخليجية التي تشهد فورة اقتصادية
وفي التحليل الأخير، فإن الطابع الاقتصادي المستهدف لمساعدة الاقتصاد الفرنسي المتعثر في الآونة الأخيرة، والذي يعاني من بطء في النمو ومن معدلات البطالة غلب على هذه الجولة، ومحاولة ساركوزي استعادة مكانة بلاده في دول خليجية كانت تعتبر سلفه جاك شيراك ولمدة 12 عاماً صديقاً عائلياً لحكامها، وذلك بعد فقدانها هذه الوضعية نتيجة لمخاوف دول المنطقة من اقتراب فرنسا في عهد ساركوزي بشكل كبير من السياسة الأمريكية ومحاولته إعطاء قيادته صورة جديدة وكسب ود القيادات الخليجية والتأكيد مجدداً على صداقة فرنسا لهذه البلدان. وعليه، تتبدى دلالة أن فرنسا تريد صداقة دول المنطقة، خاصة السعودية، ولا تسعى إلى إعطاء الدروس، بل تقول الحقيقة، صديق لا يطلب شيئاً لكنه يكون موجوداً عند الحاجة.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::2074::/cck::
::introtext::
اكتسبت جولة الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي الخليجية، في 12 يناير 2008، واستمرت أياماً عدة، شملت المملكة العربية السعودية وقطر ودولة الإمارات العربية المتحدة، أهمية ودلالات خاصة، من منظور أنها تزامنت مع جولة الرئيس الأمريكي جورج بوش في المكان والزمان نفسيهما، كما أنها الأولى له إلى المنطقة الخليج منذ وصوله إلى سدة الحكم في مايو الماضي.
::/introtext::
::fulltext::
اكتسبت جولة الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي الخليجية، في 12 يناير 2008، واستمرت أياماً عدة، شملت المملكة العربية السعودية وقطر ودولة الإمارات العربية المتحدة، أهمية ودلالات خاصة، من منظور أنها تزامنت مع جولة الرئيس الأمريكيجورج بوش في المكان والزمان نفسيهما، كما أنها الأولى له إلى المنطقة الخليج منذ وصوله إلى سدة الحكم في مايو الماضي.
يمكن القول إن هذه الجولة الخليجية لا تبدو سابقة في تاريخ علاقات فرنسا بدول تشكل عصب السياسات النفطية الدولية، حيث تأتي في سياق المسعى الفرنسي، قدر الإمكان، للتموضع في هذه المنطقة المؤثرة للغاية في بعض ملفاتها، على الرغم من أن السياسة الخارجية الفرنسية لم تكن يوماً بعيدة عن محاولة رسم علاقات متميزة مع دول هذه المنطقة للعديد من الاعتبارات الاقتصادية والسياسية والجيو – سياسية، والحرص على استمرارية ما كرسته فرنسا في سياستها الخارجية على قاعدة التوازي والتوازن مع ما يمكن أن ترسمه بعض القوى الفاعلة في النظام العالمي، ومنها الولايات المتحدة. كما تأتي الجولة تتويجاً للتطور النوعي وللعلاقة المميزة والاستراتيجية، وإعطائها المحتوى الإضافي وتقوية الحوار السياسي الوثيق، خاصة بالنسبة للمشكلات الإقليمية والدولية ذات الاهتمام المشترك، والتأكيد مجدداً على صداقة فرنسا وهذه البلدان التي تقع في قلب منطقة النمو الاقتصادي، وفي الوقت ذاته، تقع في قلب (قوس الأزمات)، الممتد من الخليج إلى البحر الأبيض المتوسط، بما يشمل الموضوع النووي الإيراني والعراق ولبنان وفلسطين وغيرها، وتعزيز وترسيخ العلاقات الثنائية في مختلف المجالات.
ويتبدى حرص الرئيس الفرنسي على تجنب الخوض في الموضوعات المثيرة للجدل التي أثارها الرئيس بوش خلال جولته، وخاصة الوضع مع إيران، والعلاقات الخليجية – الإيرانية، لفهمه المسبق لرؤى هذه الدول في عدم الرغبة في المشاركة والتحشيد ورفض أي عمل عسكري يوجه ضد إيران، وتحبيذ اتخاذ مواقف دبلوماسية تجاه ملفها النووي، رغم تزايد مخاوفها من تداعياته المستقبلية على أمنها الوطني والإقليمي، ومن ثم عدم تبني مواقف سياسية مؤيدة للتصعيد الأمريكي الذي شنه بوش على إيران، والتعرف عن قرب إلى الطرح الخليجي الذي يحرص على تعزيز العلاقات مع إيران وتسوية الخلافات القائمة بين الولايات المتحدة وهذا البلد الجار عبر الحوار والوسائل السلمية، إضافة إلى إبداء الرغبة الفرنسية في التعاون في المجال الأمني لمكافحة الإرهاب.
غلبة البعد التجاري والاقتصادي
يمكن رصد غلبة الطابع التجاري والاقتصادي على هذه الجولة للبلدان الخليجية الغنية، حيث يسعى ساركوزي إلى تأمين حصة بلاده في (كعكة) الاقتصادات الخليجية التي تشهد فورة اقتصادية وتملك سيولة مالية ضخمة جنتها من أسعار النفط المرتفعة، آملاً حصد صفقات وعقود اقتصادية وعسكرية ونووية تتجاوز 45 مليار يورو، يمكن أن تحدث توازنات مالية واستراتيجية، في ضوء الحذر المتصاعد تجاه الولايات المتحدة من جانب بعض حكومات المنطقة التي أصبحت تسعى إلى تنويع وتعدد وموازنة علاقاتها الخارجية ومصالحها بحيث لا تبقى رهينة للبيت الأبيض. وعليه، تبرز دلالة حرصه على أن يرافقه وفد رفيع المستوى يضم عدداً من الوزراء وعشرات من رجال الأعمال ورؤساء الشركات الفرنسية الكبرى التي تأمل في الحصول على عقود تجارية ضخمة في مجالات الطاقة والنقل البري والجوي المدني وفي قطاع المياه والكهرباء والأمن الداخلي والتسلح، وتعزيز نشاطها وفاعليتها.

وعلى خلفية الارتقاء بالعلاقات الاقتصادية المميزة مع هذه البلدان إلى شراكة اقتصادية استراتيجية، حرص ساركوزي في محطته الأولى، المملكة العربية السعودية، أكبر دولة مصدره للنفط عالمياً، وأهم الشركاء التجاريين، والتي ترتبط مع فرنسا بعلاقات سياسية مميزة، على تعزيز العلاقات الثنائية والروابط المشتركة المتينة الضاربة في أعماق الماضي، والمشاركة في المشاريع الكبرى التي تنفذها المملكة والتي تقدر قيمتها بنحو 500 مليار دولار للسنوات العشرين المقبلة، تخص قطارات عالية السرعة، مثل مشروع السكك الحديدية الذي يربط جنوب المملكة بشمالها، النقل الجوي والمصافي النفطية الجديدة في مدينتي الجبيل وينبع، والتنمية الحضرية في مدينة الملك عبدالله الاقتصادية، ومشاريع تحلية مياه البحر، ومشروعات توليد الطاقة، والمشاريع التعليمية الضخمة بالتعاون في مجالي التدريب التقني والتعليم الجامعي. وعملياً، تم التوقيع على أربع اتفاقيات تعاون في مجالات الطاقة والنفط والغاز والثروات المعدنية، والإعداد الجامعي وتطوير التدريب المهني في داخل فرنسا، وبحث مشاريع عقود تصل إلى 40 مليار يورو، خاصة في المجال العسكري، ومع سعي المملكة إلى تنويع مصادر السلاح والتكنولوجيا العسكرية، مثل الإنتاج المشترك لدبابات (لوكلير) الفرنسية، وتسويق الطائرات الفرنسية المقاتلة من طراز (رافال)، وتدارس إمكانية توقيع اتفاقية لتزويد المملكة بطائرات الميراج الفرنسية وسفن فرقاطة، وتدريب الضباط السعوديين في فرنسا، وملفات تتعلق بمعدات دفاعية مهمة وتعزيز سلاح الجو بقرابة 150 مروحية وبناء سياج أمني تناط به حماية حدود المملكة مع العراق، من بينها شبكة للرادرات وأجهزة اتصالات مؤمنة وطائرات استطلاعية ومروحيات، والتعاون في القيام بمناورات عسكرية مشتركة. ومما له صلة، تؤكد الشركات الفرنسية مدى قدرتها على الاستجابة لتطلعات المملكة في كافة هذه المجالات، خاصة امتلاكها للتقنية المعلوماتية مما يوفر فرصاً كبيرة للقطاع الخاص لتوطين هذه التقنية بالمملكة، وتأمل في الاستفادة من كون المملكة أضحت وجهة عالمية للاستثمارات الكبرى في مختلف الميادين وتتمتع بثقة عالمية كبيرة، ونتيجة للمناخات الاستثمارية الجديدة التي خلقتها في الفترة الأخيرة وتمثل سوقاً مغرية للشركات العالمية، علماً أن فرنسا احتلت في عام 2005 المركز الثالث كأحد أبرز البلدان المستثمرة في المملكة. ومن الأهمية تبيان أن الرئيس الفرنسي عرض على خادم الحرمين الشريفين إرسال فريق من لجنة الطاقة النووية الفرنسية إلى السعودية لبحث إمكان التعاون في مجال الطاقة النووية السلمية، والاستفادة من الخبرة الفرنسية بهذا الخصوص، بيد أن المملكة لم تعط ردها النهائي في هذا الملف.
ومثّلت قطر، الشريك الاستراتيجي لفرنسا نظراً لتمركز كبريات الشركات الفرنسية فيها منذ زمن بعيد، المحطة الثانية في جولة ساركوزي، وتربطها معها معاهدة للتعاون الاقتصادي والمالي تعود إلى عام 1974، كما شهدت العلاقات الاقتصادية المشتركة قفزة نوعية مع توقيع عقود تقارب 6 مليارات دولار عام 2005، وأخرى بسبعة مليارات دولار عام 2006، وذلك من دون احتساب قطاع الطيران. وتأتي فرنسا من بين البلدان الأوائل من ناحية الاستثمارات في قطر، وشهدت الصادرات الفرنسية تقدماً بنسبة 36 في المائة خلال الفصل الأول من عام 2007. ويعتبر مشروع (دولفين)، الذي تساهم فيه شركة توتال الفرنسية بنسبة 25 في المائة، وتستثمر فيه 4.2 مليار دولار، المشروع المشترك الأبرز الذي يؤمن لفرنسا موقعاً مهماً بين المستثمرين الأجانب في قطر. كما أن هناك العديد من الشركات الفرنسية العاملة في تنمية وتطوير الشركات الصناعية وفي مجال الغاز، ومنها توتال، وتتولى شركة (vinci) القيام ببناء أكبر جسر في العالم، 42 كيلومتراً، يربط بين قطر والبحرين، وتعمل شركة (techinip) في بناء البنى التحتية. وأبرمت شركة الخطوط الجوية القطرية عقوداً مع شركة إيرباص وذلك منذ عام 2003، وصلت إلى مليار و500 مليون دولار، وفي العام الماضي وصلت قيمة العقود إلى أكثر من 18 مليار يورو. وتمخضت الزيارة عن توقيع عدة مذكرات تفاهم واتفاقيات، من بينها مذكرة تفاهم بين شركة (غاز دي فرانس) ومؤسسة قطر للبترول، حيث ستفتتح الشركة الفرنسية مكتباً تمثيلياً لها في قطر، وتنوي الدخول مع مؤسسة قطر للبترول في شراكة للتعاون الخارجي في ميادين التنقيب والاستثمار للطاقة. وتؤمن فرنسا 80 في المائة من تجهيزات القوات المسلحة القطرية، على الرغم من التحالف بين الدوحة وواشنطن التي لها قاعدتان عسكريتان في قطر، وستفتح مدرسة (سان سير) العسكرية العريقة التي تخرج ضباطاً لسلاح البر الفرنسي فرعاً لها في قطر اعتباراً من عام 2011. كما تم توقيع عقود تتناول تأهيل البنوك وقطاع الغاز والكهرباء والسياحة والشباب.
وكانت دولة الإمارات العربية المتحدة المحطة الأخيرة في هذه الجولة، حيث تصدرت العقود في مجال البرامج النووية السلمية، وهي سياسات مستجدة بشكل عام في الخطاب السياسي لدول مجلس التعاون الخليجي بعد التطورات المتصاعدة التي اتخذها ملف البرنامج النووي الإيراني الذي تحاول فرنسا التقرب منه والتماس معه، ورغبة فرنسا في تقاسم للطاقة النووية السلمية مع العالم الإسلامي لتلبية احتياجاتها من الطاقة بشكل يتفق كلياً مع الالتزامات النابعة من القانون الدولي. وفعلياً، تم التوقيع بين البلدين على اتفاقية حكومية تحدد أطر التعاون في مجال الطاقة النووية السلمية وتطور استخدامها في الإمارات، في قطاعات البحث العلمي والطب والزراعة وتحلية مياه البحر، بقيمة نحو 4 مليارات دولار، وهو الاتفاق الثالث من نوعه مع دول عربية بعد الجزائر وليبيا، وتتضمن الخطة إنشاء مفاعلين نوويين من الطراز الأوروبي الثالث الذي تنتجه أريفا وهو (أريفا 1600 ميغاواط)، بواسطة توتال الفرنسية بالتعاون مع (سويز) كشريك أساسي وأريفا شركة إنتاج المفاعلات النووية المملوكة للدولة، إضافة إلى إنتاج منتجات دورة الوقود والخدمات المرتبطة بها. ومن المعروف أن دول مجلس التعاون الخليجي قررت في قمتها قبل الماضية، في ديسمبر 2006، إطلاق برنامج مشترك للطاقة النووية السلمية، ووضعت الدراسات من أجل تشغيلها في عام 2025م، بيد أن هذا المشروع لا يمنع أية دولة في أن تتابع طموحاتها النووية الخاصة، وذلك بالتوازي مع المشروع الخليجي المشترك. ومن منطلق أن نمو الطلب على الطاقة في الخليج هو الأكثر ارتفاعاً في العالم، فإن (العطش النووي) قد يبدو متناقضاً مع كون دولة الإمارات ثالث مصدر في منظمة الدول المصدرة للنفط (أوبك) وصاحبة خامس أكبر احتياطي نفطي في العالم، ورابع أكبر احتياطي غازي، غير أن هذا التناقض سرعان ما يتبدد بالنظر إلى أنه حتى في عصر النفط هناك مصلحة في الحصول على سبل لتأمين المستقبل الصناعي، لا سيما أن دولة الإمارات انطلقت في مسيرة تنموية كبرى، بما في ذلك على الصعيد الصناعي، ومن ثم فهي بحاجة إلى الطاقة. وعلى سبيل المثال، فإن إمارة دبي، يرتفع الطلب على الطاقة الكهربائية بنسبة 20 في المائة سنوياً، وترغب شركة الكهرباء الحكومية في مشاركة مستثمرين أجانب في تنفيذ مشروع تصل تكلفته إلى 37 مليار دولار لرفع طاقتها الإنتاجية أربعة أضعاف إلى 25 ألف ميغاواط،، ومن ثم تدرس إدخال الطاقة النووية كأحد الحلول لزيادة إنتاج الطاقة الكهربائية.
كما اطلع ساركوزي على مشروع متحف (لوفر الرمال) في أبو ظبي الذي تقوم بلاده بتنفيذه لمدة 30 عاماً مقابل مليار يورو، وحضر وضع حجر الأساس لحرم ومقر دائم لجامعة السوربون الباريسية فيها على جزيرة الريم المحاذية لشواطئ إمارة أبو ظبي. وعلى صعيد الاتفاق الدفاعي الموقع عام 1995، تم تمديد الاتفاقية بناء على رغبة إماراتية، ستحظى فرنسا بموجبه بأول قاعدة فرنسية دائمة في الخليج، قبالة مضيق هرمز الاستراتيجي الذي يمر عبره 40 في المائة من النفط في العالم، على الأراضي الإماراتية لقواتها المتعددة، (قوامها 400 إلى 500 جندي)، وستدخل هذه القاعدة حيز العمل بدءاً من عام 2009. كما تم التوقيع على ثلاث اتفاقيات تفاهم حول الملكية الفكرية والنقل والتعليم ومشاريع عقود ممكنة قيمتها 14 مليار يورو.
يسعى ساركوزي إلى تأمين حصة بلاده في (كعكة) الاقتصادات الخليجية التي تشهد فورة اقتصادية
وفي التحليل الأخير، فإن الطابع الاقتصادي المستهدف لمساعدة الاقتصاد الفرنسي المتعثر في الآونة الأخيرة، والذي يعاني من بطء في النمو ومن معدلات البطالة غلب على هذه الجولة، ومحاولة ساركوزي استعادة مكانة بلاده في دول خليجية كانت تعتبر سلفه جاك شيراك ولمدة 12 عاماً صديقاً عائلياً لحكامها، وذلك بعد فقدانها هذه الوضعية نتيجة لمخاوف دول المنطقة من اقتراب فرنسا في عهد ساركوزي بشكل كبير من السياسة الأمريكية ومحاولته إعطاء قيادته صورة جديدة وكسب ود القيادات الخليجية والتأكيد مجدداً على صداقة فرنسا لهذه البلدان. وعليه، تتبدى دلالة أن فرنسا تريد صداقة دول المنطقة، خاصة السعودية، ولا تسعى إلى إعطاء الدروس، بل تقول الحقيقة، صديق لا يطلب شيئاً لكنه يكون موجوداً عند الحاجة.
::/fulltext::
::cck::2074::/cck::
