لماذا جاء الرئيس الأمريكي جورج بوش إلى المنطقة العربية؟ وبماذا عاد؟
::cck::2010::/cck::
::introtext::
لماذا جاء الرئيس الأمريكي جورج بوش الابن إلى المنطقة العربية؟ وبماذا يمكن تفسير توقيت الزيارة ؟ ولماذا جاءت في السنة الأخيرة من ولايته؟ وما النتائج التي تمخضت عنها الزيارة؟ وهل يمكن وصفها بأنها زيارة ناجحة أم فاشلة؟ وما النظام المعياري الذي يمكن اعتماده لتقييم الزيارة من حيث النجاح أو الفشل؟
::/introtext::
::fulltext::
لماذا جاء الرئيس الأمريكي جورج بوش الابن إلى المنطقة العربية؟ وبماذا يمكن تفسير توقيت الزيارة ؟ ولماذا جاءت في السنة الأخيرة من ولايته؟ وما النتائج التي تمخضت عنها الزيارة؟ وهل يمكن وصفها بأنها زيارة ناجحة أم فاشلة؟ وما النظام المعياري الذي يمكن اعتماده لتقييم الزيارة من حيث النجاح أو الفشل؟
حظيت زيارة الرئيس بوش الابن الأخيرة إلى المنطقة العربية ابتداءً بـ (إسرائيل)، ومروراً بالكويت والإمارات والبحرين والسعودية، واختتاماً بمصر باهتمام عادي حسب رؤية البعض واهتمام استثنائي أو ملحوظ مع اختلاف الدوافع والمستوى بالنسبة للبعض الآخر.
وإذا كانت الزيارة في جانبها الفلسطيني- الإسرائيلي قد أريد لها أن تولد وهماً بقرب التوصل إلى تسوية للصراع الإسرائيلي-الفلسطيني قوامها انتهاء الاحتلال الإسرائيلي للضفة الغربية، وإقامة دولة فلسطينية قابلة للحياة إلى جانب إسرائيل شريطة تحقق الأمن لإسرائيل والاعتراف بيهوديتها، فإنها في شقها الخليجي، وهو الأهم، أريد لها أن تأخذ طابع التعرف إلى الحضارة الخليجية. أما في مجالها السياسي فقد هدفت إلى تحقيق الآتي:
* إيهام دول الخليج العربية بجدية المساعي الأمريكية للتوصل إلى تسوية فلسطينية-إسرائيلية جوهرها قيام دولة فلسطينية قابلة للحياة.
* إقناع دول الخليج بأن مستقبلها السياسي مرهون إلى حد كبير بنجاح المشروع الأمريكي في العراق، الأمر الذي يحتم عليها العمل بجدية على إنجاح هذا المشروع بالنهوض بمهام عسكرية في العراق نيابة عن أمريكا، وذلك من خلال جهد عربي عسكري مشترك تقوده المملكة العربية السعودية، وممارسة ضغوط على المقاومة العراقية ( الجماعات المسلحة والمارقين حسب التسمية الأمريكية) لوقف المقاومة ( التمرد)، والانخراط في (العملية السياسية).
* تعزيز القناعة لدى زعماء دول الخليج ومصر بخطورة إيران النووية على أمن الخليج ومستقبل أنظمته السياسية ابتداءً، الأمر الذي يتطلب دعم المشروع الأمريكي لتسوية النزاع الفلسطيني – الإسرائيلي ودمج دول المنطقة بما فيها إسرائيل بمنظومة أمن إقليمية تتزعمها الولايات المتحدة الأمريكية.
ولكن هل تنطلي الحيلة الأمريكية على زعماء دول الخليج العربية ومصر؟
مع أن زعماء دول الخليج العربية ومصر تواقون إلى دور أمريكي محايد وفعال في مجال القضية الفلسطينية خاصة والصراع الإسرائيلي- العربي عامة يقود إلى تسوية محورها المبادرة العربية للسلام المتمثلة في إنهاء الاحتلال الإسرائيلي لكل الأراضي العربية، وقيام دولة فلسطينية مستقلة ذات سيادة كاملة وعاصمتها القدس، وعودة اللاجئين الفلسطينيين المشمولين بقرار الجمعية العامة للأمم المتحدة (194/1948)؛ ومع أنهم يشاطرون الولايات المتحدة الأمريكية مخاوفها من خطورة إيران النووية على الأمن الإقليمي عامة والخليجي خاصة بما توافر لها من فرصة تاريخية بعد الاحتلال الأمريكي لأفغانستان والعراق وإخراج الأخيرة من ساحة المواجهة المحتملة مع إيران التي لا يمكن تجاهل دورها في تشجيع أمريكا على احتلال العراق، واختلال موازين القوى كلية لصالح إيران، واتساع نطاق نفوذها في الخليج والمنطقة العربية ليمتد من العراق إلى سوريا ولبنان وفلسطين؛ فإنهم متشككون حقاً في مصداقية سياسة الولايات المتحدة الأمريكية الخليجية خاصة والعربية عامة. وهم في شكوكهم هذه يؤشرون إلى العديد من مجالات التعاون الإيراني-الأمريكي في بعض الدول وخاصة في العراق وأفغانستان، قبل الاحتلال وبعده، بغض النظر عن التشدد الأمريكي الظاهري في الملف النووي الإيراني. وإلا بماذا يمكن تفسير اللقاءات الأمريكية-الإيرانية حول العراق؟ وبماذا أيضاً يمكن تفسير الأريحية والتساهل اللذين تبديهما واشنطن، سواء في الإطار الزمني المفتوح لإعلان إيران استعدادها للتخلي عن برنامجها النووي، أو في إطار الإغراءات المعروضة على إيران، فيما يعرف بالمبادرة الأوروبية مقابل تخليها عن تخصيب اليورانيوم؟ وبماذا نفسر صدور تقرير المخابرات المركزية الأمريكية المتضمن وقف إيران لبرنامجها النووي السري عام 2003؟ وكذلك بماذا يمكن تفسير تصريحات بعض كبار المسؤولين الأمريكيين بإمكانية قبول أمريكا بإيران النووية؟
ففي سؤال وجه إلى السفير ريتشارد هاس، رئيس مجلس العلاقات الخارجية الأمريكي، في مقابلة مع موقع مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية حول ماهية التصرف الأمريكي إزاء نجاح (إيران في امتلاك سلاح نووي)، رد قائلاً:
(ربما، فمن المحتمل أن نصحو يوماً لنجد إيران أصبحت نووية.. إنني أفضل سياسة تكون بطريقة أو أخرى قادرة على منع إيران من امتلاك أسلحة نووية. ولكن إذا وصل الأمر إلى ذلك الحد، فالإجابة إذن ستكون (نعم)، علينا أن نتعايش مع هذه القوة وأن نردعها…).
زيارة بوش للمنطقة لم تسفر عن نتائج ذات أهمية بالنسبة لدول الخليج ومصر
والسؤال الكبير الذي يطرح نفسه في هذا السياق لماذا تقبل الولايات المتحدة التعايش مع إيران النووية في حين أنها رفضت ذلك بالنسبة للعراق، مع أن الإدارات الأمريكية المتعاقبة وحتى الأوروبية ترى كذلك انعدام الرشد لدى القيادة الإيرانية؟ سؤال يتطلب بالطبع إجابة ولكن متروك للقارئ حرية التفكير فبه والإجابة عنه.
هذه السياسة الأمريكية تجاه إيران وخاصة تجاه الملف النووي الإيراني قد تبدو للبعض بأنها متناقضة، وأظنهم على حق نوعاً ما، لا سيما أن السفير هاس نفسه تحدث في مقابلته المشار إليها آنفاً عن (ثلاث استراتيجيات) للحيلولة دون تحول إيران إلى قوة نووية تتمثل في: استخدام القوة العسكرية، والمعالجة الدبلوماسية، وتشجيع إحداث تغيير في النظام الإيراني، من شأنها أن تعزز الشكوك الخليجية والمصرية إزاء جدية واشنطن في الحيلولة دون تحول إيران إلى قوة نووية؛ فهم على قناعة بأن جل هم واشنطن أمن إسرائيل.
ولما كانت الولايات المتحدة الأمريكية وبقية دول النادي النووي على قناعة بأن عهد استخدام السلاح النووي الذي لم تستخدمه أصلاً دولة غيرها في هيروشيما وناكازاكي اليابانيتين، هي وحدها التي هددت باستخدامه مجدداً والتحول به من سلاح ردعي إلى سلاح ميداني في إطار حروبها الاستباقية ضد الإرهاب أو ضد من وصفتها بالدول المارقة، وتدرك أيضاً أن إيران حتى إن انضمت إلى نادي الدول النووية لا يمكن لها مجاراة الولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها ولا حتى إسرائيل؛ فأمريكا قادرة على محو إيران من على الخريطة السياسية إذا ما أقدمت على عمل نووي ضد إسرائيل أو أي من حلفائها دون أن تذرف الدموع عليها.
القلق الأمريكي الظاهري من إيران النووية
والأهم من ذلك أن إيران تدرك قدرات الولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها وخاصة إسرائيل. إذاً لماذا تبدو الإدارة الأمريكية محمومة وقلقة ظاهرياً من تحول إيران إلى قوة نووية؟
إن القلق الأمريكي من الملف النووي الإيراني ما هو في الواقع إلا لأغراض تكتيكية تصب في خانة الاستراتيجيات الكونية والإقليمية لأمريكا وخاصة في الخليج وأبرزها:
* ربط المنطقة العربية وخاصة دول الخليج بفاعلية أكبر بالمشروع الأمريكي الشرق أوسطي انطلاقاً من العراق باعتبارها مفتاح الشرق الأوسط، والأخيرة مفتاح العالم، وأداة أمريكا في إعادة هيكلية النظام الدولي بما يخدم مصالحها الحيوية العليا الكونية والإقليمية.
* تشجيع دول الخليج على الإسراع بالاعتراف بإسرائيل وتطبيع العلاقات معها حتى إن لم يتم التوصل إلى تسوية للصراع الإسرائيلي – العربي وفقاً لمبادرة السلام العربية، وقرارات هيئة الأمم المتحدة ذات الصلة بالصراع الإسرائيلي- العربي والشرق الأوسط والقضية الفلسطينية والقدس.
* انتزاع دعم ومساندة فعالين للمشروع الأمريكي في العراق بإيهام الدول الخليجية ومصر بأن أمنها وأمن أنظمتها السياسية مرتبط بنجاح مشروعها الشرق أوسطي ومفتاحه العراق.
* إقناع دول الخليج العربية بأن مصدر التهديد الرئيسي لأمن دولها ولأنظمتها السياسية هو إيران التي ستزداد خطورتها بعد أن تتحول إلى قوة نووية وليس (إسرائيل الراشدة)، الأمر الذي يستدعي التصاقاً أكبر بالسياسة الأمريكية الشرق أوسطية وخاصة الخليجية.
* حمل الدول الخليجية على القبول بوجود دائم للقوات والقواعد العسكرية الأمريكية على أراضيها من خلال منظومة أمنية إقليمية تكون إسرائيل أحد أركانها الأساسية وزعامة أمريكية مما يحقق للولايات المتحدة الأمريكية ليس إحكام سيطرتها على منابع النفط العربي فحسب، بل إعادة بعض الدول الأوروبية واليابان الطامحة إلى تخفيف حدة التبعية للسياسة الأمريكية، وحسم التنافس الدولي مجدداً لصالحها بالحيلولة دون العودة إلى عالم التعددية القطبية بروسيا الاتحادية والصين الشعبية والاتحاد الأوروبي مثلاً.
* حمل دول الخليج على شراء المزيد من الأسلحة الأمريكية لمواجهة التهديد الذي يتربص بها ليس من إيران فحسب، بل ممن تسميها بالجماعات الإرهابية التي اتخذت من العراق وأفغانستان ولبنان وفلسطين مسرحاً لها ومن الدول المارقة التي تؤويها وتدعمها.
مدى نجاح بوش في زيارته
الحكم على نجاح الزيارة من فشلها يرتبط بالنظام المعياري المعتمد في تقييم الزيارة الذي لا بد أن يستند إلى حزمة من المعايير أهمها:
* الملف الفلسطيني- الإسرائيلي.
* الملف الفلسطيني- الفلسطيني.
* الملف العراقي.
* الملف الإيراني وخاصة النووي والتدخل في الشأن العراقي (ودعم الإرهاب والمارقين على القانون).
* سباق التسلح الإقليمي وخاصة في الخليج.
* الملف النووي المصري وغيرها من الطموحات النووية لدى بعض دول المنطقة.
* الملف اللبناني.
لماذا تقبل الولايات المتحدة التعايش مع إيران النووية في حين أنها رفضت ذلك بالنسبة للعراق؟
إن تطبيق هذه المعايير على ما تمخضت عنه الزيارة من نتائج، باستثناء صفقة الأسلحة التي عقدتها أمريكا مع السعودية والمقدرة بحوالي 21 مليار دولار أمريكي، يشير بوضوح إلى أنها لم تسفر عن نتائج ذات أهمية بالنسبة لدول الخليج ومصر، الأمر الذي يؤكد أن الإدارة الأمريكية غير مهتمة أصلاً إلا بمصالحها.
أما الحرب الكلامية المتبادلة بين واشنطن وطهران فهي من باب ذر الرماد في العيون بهدف التعتيم على الجانب الخفي في العلاقات الإيرانية-الأمريكية التي كان من أبرز وأخطر نتائجها الظاهرة تشجيع أمريكا على غزو أفغانستان والعراق وتمكينها من احتلالهما لتصبح بذلك جاراً مباشراً لعدد من دول المنطقة مقابل تمكين إيران من الثأر من العراق وقلب موازين القوى الإقليمية لصالحها لتكون القوة المقررة ليس في العراق فحسب، بل في منطقة الخليج التي تخطب القوة العظمى ودها وتتقاسم الأدوار معها في العراق والخليج. لا بل إن أمريكا، كما أشار السفير هاس، مستعدة للقبول بإيران النووية، لأن في ذلك خدمة لمصالحها الحيوية وتثبيتاً لها كقوة مقررة في المنطقة، لا سيما أن أمريكا وإيران وحتى إسرائيل تدرك أن إيران النووية ستكون خطراً محبباً ومرغوباً فيه ضد الدول الخليجية وغيرها من الدول العربية وليس ضد إسرائيل.
زيارة في الوقت الضائع
أما لماذا جاءت زيارة بوش للمنطقة في الوقت الضائع، وتحديداً في السنة الأخيرة من ولاية بوش الابن، فربما يعود ذلك إلى أن التوقيت يخدم الإدارة الأمريكية في أكثر من مجال واتجاه. فالزيارة، كما هي زيارة سلفه الرئيس بيل كلينتون، تأتي في فترة يكاد يكون فيها الرئيس قد دخل طور الرحيل المسبوق بانتخابات رئاسية. فهو لذلك كالبطة العرجاء التي لن يحاسبها أحد على ما تقول طالما أن الرئيس محكوم بظروف داخلية يحرص الجميع على ألا تلحق ضرراً أكبر مما ألحقته حروبه الاستباقية بالحزب الجمهوري الحاكم وخاصة أنه يخوض غمار معركة الرئاسة الأمريكية.
أما إصراره على ضرورة التوصل إلى تسوية للصراع الإسرائيلي- الفلسطيني بإنهاء الاحتلال وإقامة دولة فلسطينية كسيحة فسيمكنه من كسب رضا أصدقائه العرب، ويحسن من صورة الولايات المتحدة الأمريكية لدى الشارع العربي، ويسحب البساط من تحت أقدام (التطرف العربي) وسيدخله التاريخ من أوسع أبوابه، لا سيما أنه ظل يتبجح بأنه الرئيس الأمريكي الذي كان له قصب السبق في الدعوة إلى ضرورة إقامة دولة فلسطينية قابلة للحياة، والعمل على تحقيق ذلك فعلاً قبل مغادرته البيت الأبيض في 20 يناير 2009، وأنه سيعود إلى المنطقة في مايو المقبل لإنجاز التسوية الأمريكية.
(إياك أعني واسمعي يا جارة)
وختاماً لا بد من الإشارة إلى أن طبول الحرب التي تقرعها الإدارة الأمريكية ورد الفعل الإيراني بنفس الأسلوب على لسان الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد يجب ألا تعمي المرء عن حقيقة أن اهتمام أمريكا بالمخزون النووي الباكستاني لهو أكبر من اهتمامها بالخطر النووي الإيراني المفتعل من الطرفين في كثير من جوانبه وأبعاده ومستوياته. إذ ترى الإدارة الأمريكية في إمكان تسرب السلاح النووي إلى أيدي بعض الجماعات الإرهابية الإسلامية المتطرفة بسبب تدهور الأوضاع الأمنية في باكستان، وضعف سلطة الدولة المركزية الخطر الحقيقي على الأمن والسلم الدوليين، الأمر الذي حدا بالرئيس الباكستاني برويز مشرف إلى الرد على المخاوف الأمريكية بأن السلاح النووي الباكستاني آمن وفي منأى عن أن تطاله الأيدي التخريبية. فالتلميحات والمخاوف الأمريكية على مستقبل المخزون النووي الباكستاني تذكر بالمثل القائل (إياك اعني واسمعي يا جارة)، أي باكستان أعني واسمعي يا إيران.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::2010::/cck::
::introtext::
لماذا جاء الرئيس الأمريكي جورج بوش الابن إلى المنطقة العربية؟ وبماذا يمكن تفسير توقيت الزيارة ؟ ولماذا جاءت في السنة الأخيرة من ولايته؟ وما النتائج التي تمخضت عنها الزيارة؟ وهل يمكن وصفها بأنها زيارة ناجحة أم فاشلة؟ وما النظام المعياري الذي يمكن اعتماده لتقييم الزيارة من حيث النجاح أو الفشل؟
::/introtext::
::fulltext::
لماذا جاء الرئيس الأمريكي جورج بوش الابن إلى المنطقة العربية؟ وبماذا يمكن تفسير توقيت الزيارة ؟ ولماذا جاءت في السنة الأخيرة من ولايته؟ وما النتائج التي تمخضت عنها الزيارة؟ وهل يمكن وصفها بأنها زيارة ناجحة أم فاشلة؟ وما النظام المعياري الذي يمكن اعتماده لتقييم الزيارة من حيث النجاح أو الفشل؟
حظيت زيارة الرئيس بوش الابن الأخيرة إلى المنطقة العربية ابتداءً بـ (إسرائيل)، ومروراً بالكويت والإمارات والبحرين والسعودية، واختتاماً بمصر باهتمام عادي حسب رؤية البعض واهتمام استثنائي أو ملحوظ مع اختلاف الدوافع والمستوى بالنسبة للبعض الآخر.
وإذا كانت الزيارة في جانبها الفلسطيني- الإسرائيلي قد أريد لها أن تولد وهماً بقرب التوصل إلى تسوية للصراع الإسرائيلي-الفلسطيني قوامها انتهاء الاحتلال الإسرائيلي للضفة الغربية، وإقامة دولة فلسطينية قابلة للحياة إلى جانب إسرائيل شريطة تحقق الأمن لإسرائيل والاعتراف بيهوديتها، فإنها في شقها الخليجي، وهو الأهم، أريد لها أن تأخذ طابع التعرف إلى الحضارة الخليجية. أما في مجالها السياسي فقد هدفت إلى تحقيق الآتي:
* إيهام دول الخليج العربية بجدية المساعي الأمريكية للتوصل إلى تسوية فلسطينية-إسرائيلية جوهرها قيام دولة فلسطينية قابلة للحياة.
* إقناع دول الخليج بأن مستقبلها السياسي مرهون إلى حد كبير بنجاح المشروع الأمريكي في العراق، الأمر الذي يحتم عليها العمل بجدية على إنجاح هذا المشروع بالنهوض بمهام عسكرية في العراق نيابة عن أمريكا، وذلك من خلال جهد عربي عسكري مشترك تقوده المملكة العربية السعودية، وممارسة ضغوط على المقاومة العراقية ( الجماعات المسلحة والمارقين حسب التسمية الأمريكية) لوقف المقاومة ( التمرد)، والانخراط في (العملية السياسية).
* تعزيز القناعة لدى زعماء دول الخليج ومصر بخطورة إيران النووية على أمن الخليج ومستقبل أنظمته السياسية ابتداءً، الأمر الذي يتطلب دعم المشروع الأمريكي لتسوية النزاع الفلسطيني – الإسرائيلي ودمج دول المنطقة بما فيها إسرائيل بمنظومة أمن إقليمية تتزعمها الولايات المتحدة الأمريكية.
ولكن هل تنطلي الحيلة الأمريكية على زعماء دول الخليج العربية ومصر؟
مع أن زعماء دول الخليج العربية ومصر تواقون إلى دور أمريكي محايد وفعال في مجال القضية الفلسطينية خاصة والصراع الإسرائيلي- العربي عامة يقود إلى تسوية محورها المبادرة العربية للسلام المتمثلة في إنهاء الاحتلال الإسرائيلي لكل الأراضي العربية، وقيام دولة فلسطينية مستقلة ذات سيادة كاملة وعاصمتها القدس، وعودة اللاجئين الفلسطينيين المشمولين بقرار الجمعية العامة للأمم المتحدة (194/1948)؛ ومع أنهم يشاطرون الولايات المتحدة الأمريكية مخاوفها من خطورة إيران النووية على الأمن الإقليمي عامة والخليجي خاصة بما توافر لها من فرصة تاريخية بعد الاحتلال الأمريكي لأفغانستان والعراق وإخراج الأخيرة من ساحة المواجهة المحتملة مع إيران التي لا يمكن تجاهل دورها في تشجيع أمريكا على احتلال العراق، واختلال موازين القوى كلية لصالح إيران، واتساع نطاق نفوذها في الخليج والمنطقة العربية ليمتد من العراق إلى سوريا ولبنان وفلسطين؛ فإنهم متشككون حقاً في مصداقية سياسة الولايات المتحدة الأمريكية الخليجية خاصة والعربية عامة. وهم في شكوكهم هذه يؤشرون إلى العديد من مجالات التعاون الإيراني-الأمريكي في بعض الدول وخاصة في العراق وأفغانستان، قبل الاحتلال وبعده، بغض النظر عن التشدد الأمريكي الظاهري في الملف النووي الإيراني. وإلا بماذا يمكن تفسير اللقاءات الأمريكية-الإيرانية حول العراق؟ وبماذا أيضاً يمكن تفسير الأريحية والتساهل اللذين تبديهما واشنطن، سواء في الإطار الزمني المفتوح لإعلان إيران استعدادها للتخلي عن برنامجها النووي، أو في إطار الإغراءات المعروضة على إيران، فيما يعرف بالمبادرة الأوروبية مقابل تخليها عن تخصيب اليورانيوم؟ وبماذا نفسر صدور تقرير المخابرات المركزية الأمريكية المتضمن وقف إيران لبرنامجها النووي السري عام 2003؟ وكذلك بماذا يمكن تفسير تصريحات بعض كبار المسؤولين الأمريكيين بإمكانية قبول أمريكا بإيران النووية؟
ففي سؤال وجه إلى السفير ريتشارد هاس، رئيس مجلس العلاقات الخارجية الأمريكي، في مقابلة مع موقع مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية حول ماهية التصرف الأمريكي إزاء نجاح (إيران في امتلاك سلاح نووي)، رد قائلاً:
(ربما، فمن المحتمل أن نصحو يوماً لنجد إيران أصبحت نووية.. إنني أفضل سياسة تكون بطريقة أو أخرى قادرة على منع إيران من امتلاك أسلحة نووية. ولكن إذا وصل الأمر إلى ذلك الحد، فالإجابة إذن ستكون (نعم)، علينا أن نتعايش مع هذه القوة وأن نردعها…).
زيارة بوش للمنطقة لم تسفر عن نتائج ذات أهمية بالنسبة لدول الخليج ومصر
والسؤال الكبير الذي يطرح نفسه في هذا السياق لماذا تقبل الولايات المتحدة التعايش مع إيران النووية في حين أنها رفضت ذلك بالنسبة للعراق، مع أن الإدارات الأمريكية المتعاقبة وحتى الأوروبية ترى كذلك انعدام الرشد لدى القيادة الإيرانية؟ سؤال يتطلب بالطبع إجابة ولكن متروك للقارئ حرية التفكير فبه والإجابة عنه.
هذه السياسة الأمريكية تجاه إيران وخاصة تجاه الملف النووي الإيراني قد تبدو للبعض بأنها متناقضة، وأظنهم على حق نوعاً ما، لا سيما أن السفير هاس نفسه تحدث في مقابلته المشار إليها آنفاً عن (ثلاث استراتيجيات) للحيلولة دون تحول إيران إلى قوة نووية تتمثل في: استخدام القوة العسكرية، والمعالجة الدبلوماسية، وتشجيع إحداث تغيير في النظام الإيراني، من شأنها أن تعزز الشكوك الخليجية والمصرية إزاء جدية واشنطن في الحيلولة دون تحول إيران إلى قوة نووية؛ فهم على قناعة بأن جل هم واشنطن أمن إسرائيل.
ولما كانت الولايات المتحدة الأمريكية وبقية دول النادي النووي على قناعة بأن عهد استخدام السلاح النووي الذي لم تستخدمه أصلاً دولة غيرها في هيروشيما وناكازاكي اليابانيتين، هي وحدها التي هددت باستخدامه مجدداً والتحول به من سلاح ردعي إلى سلاح ميداني في إطار حروبها الاستباقية ضد الإرهاب أو ضد من وصفتها بالدول المارقة، وتدرك أيضاً أن إيران حتى إن انضمت إلى نادي الدول النووية لا يمكن لها مجاراة الولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها ولا حتى إسرائيل؛ فأمريكا قادرة على محو إيران من على الخريطة السياسية إذا ما أقدمت على عمل نووي ضد إسرائيل أو أي من حلفائها دون أن تذرف الدموع عليها.
القلق الأمريكي الظاهري من إيران النووية
والأهم من ذلك أن إيران تدرك قدرات الولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها وخاصة إسرائيل. إذاً لماذا تبدو الإدارة الأمريكية محمومة وقلقة ظاهرياً من تحول إيران إلى قوة نووية؟
إن القلق الأمريكي من الملف النووي الإيراني ما هو في الواقع إلا لأغراض تكتيكية تصب في خانة الاستراتيجيات الكونية والإقليمية لأمريكا وخاصة في الخليج وأبرزها:
* ربط المنطقة العربية وخاصة دول الخليج بفاعلية أكبر بالمشروع الأمريكي الشرق أوسطي انطلاقاً من العراق باعتبارها مفتاح الشرق الأوسط، والأخيرة مفتاح العالم، وأداة أمريكا في إعادة هيكلية النظام الدولي بما يخدم مصالحها الحيوية العليا الكونية والإقليمية.
* تشجيع دول الخليج على الإسراع بالاعتراف بإسرائيل وتطبيع العلاقات معها حتى إن لم يتم التوصل إلى تسوية للصراع الإسرائيلي – العربي وفقاً لمبادرة السلام العربية، وقرارات هيئة الأمم المتحدة ذات الصلة بالصراع الإسرائيلي- العربي والشرق الأوسط والقضية الفلسطينية والقدس.
* انتزاع دعم ومساندة فعالين للمشروع الأمريكي في العراق بإيهام الدول الخليجية ومصر بأن أمنها وأمن أنظمتها السياسية مرتبط بنجاح مشروعها الشرق أوسطي ومفتاحه العراق.
* إقناع دول الخليج العربية بأن مصدر التهديد الرئيسي لأمن دولها ولأنظمتها السياسية هو إيران التي ستزداد خطورتها بعد أن تتحول إلى قوة نووية وليس (إسرائيل الراشدة)، الأمر الذي يستدعي التصاقاً أكبر بالسياسة الأمريكية الشرق أوسطية وخاصة الخليجية.
* حمل الدول الخليجية على القبول بوجود دائم للقوات والقواعد العسكرية الأمريكية على أراضيها من خلال منظومة أمنية إقليمية تكون إسرائيل أحد أركانها الأساسية وزعامة أمريكية مما يحقق للولايات المتحدة الأمريكية ليس إحكام سيطرتها على منابع النفط العربي فحسب، بل إعادة بعض الدول الأوروبية واليابان الطامحة إلى تخفيف حدة التبعية للسياسة الأمريكية، وحسم التنافس الدولي مجدداً لصالحها بالحيلولة دون العودة إلى عالم التعددية القطبية بروسيا الاتحادية والصين الشعبية والاتحاد الأوروبي مثلاً.
* حمل دول الخليج على شراء المزيد من الأسلحة الأمريكية لمواجهة التهديد الذي يتربص بها ليس من إيران فحسب، بل ممن تسميها بالجماعات الإرهابية التي اتخذت من العراق وأفغانستان ولبنان وفلسطين مسرحاً لها ومن الدول المارقة التي تؤويها وتدعمها.
مدى نجاح بوش في زيارته
الحكم على نجاح الزيارة من فشلها يرتبط بالنظام المعياري المعتمد في تقييم الزيارة الذي لا بد أن يستند إلى حزمة من المعايير أهمها:
* الملف الفلسطيني- الإسرائيلي.
* الملف الفلسطيني- الفلسطيني.
* الملف العراقي.
* الملف الإيراني وخاصة النووي والتدخل في الشأن العراقي (ودعم الإرهاب والمارقين على القانون).
* سباق التسلح الإقليمي وخاصة في الخليج.
* الملف النووي المصري وغيرها من الطموحات النووية لدى بعض دول المنطقة.
* الملف اللبناني.
لماذا تقبل الولايات المتحدة التعايش مع إيران النووية في حين أنها رفضت ذلك بالنسبة للعراق؟
إن تطبيق هذه المعايير على ما تمخضت عنه الزيارة من نتائج، باستثناء صفقة الأسلحة التي عقدتها أمريكا مع السعودية والمقدرة بحوالي 21 مليار دولار أمريكي، يشير بوضوح إلى أنها لم تسفر عن نتائج ذات أهمية بالنسبة لدول الخليج ومصر، الأمر الذي يؤكد أن الإدارة الأمريكية غير مهتمة أصلاً إلا بمصالحها.
أما الحرب الكلامية المتبادلة بين واشنطن وطهران فهي من باب ذر الرماد في العيون بهدف التعتيم على الجانب الخفي في العلاقات الإيرانية-الأمريكية التي كان من أبرز وأخطر نتائجها الظاهرة تشجيع أمريكا على غزو أفغانستان والعراق وتمكينها من احتلالهما لتصبح بذلك جاراً مباشراً لعدد من دول المنطقة مقابل تمكين إيران من الثأر من العراق وقلب موازين القوى الإقليمية لصالحها لتكون القوة المقررة ليس في العراق فحسب، بل في منطقة الخليج التي تخطب القوة العظمى ودها وتتقاسم الأدوار معها في العراق والخليج. لا بل إن أمريكا، كما أشار السفير هاس، مستعدة للقبول بإيران النووية، لأن في ذلك خدمة لمصالحها الحيوية وتثبيتاً لها كقوة مقررة في المنطقة، لا سيما أن أمريكا وإيران وحتى إسرائيل تدرك أن إيران النووية ستكون خطراً محبباً ومرغوباً فيه ضد الدول الخليجية وغيرها من الدول العربية وليس ضد إسرائيل.
زيارة في الوقت الضائع
أما لماذا جاءت زيارة بوش للمنطقة في الوقت الضائع، وتحديداً في السنة الأخيرة من ولاية بوش الابن، فربما يعود ذلك إلى أن التوقيت يخدم الإدارة الأمريكية في أكثر من مجال واتجاه. فالزيارة، كما هي زيارة سلفه الرئيس بيل كلينتون، تأتي في فترة يكاد يكون فيها الرئيس قد دخل طور الرحيل المسبوق بانتخابات رئاسية. فهو لذلك كالبطة العرجاء التي لن يحاسبها أحد على ما تقول طالما أن الرئيس محكوم بظروف داخلية يحرص الجميع على ألا تلحق ضرراً أكبر مما ألحقته حروبه الاستباقية بالحزب الجمهوري الحاكم وخاصة أنه يخوض غمار معركة الرئاسة الأمريكية.
أما إصراره على ضرورة التوصل إلى تسوية للصراع الإسرائيلي- الفلسطيني بإنهاء الاحتلال وإقامة دولة فلسطينية كسيحة فسيمكنه من كسب رضا أصدقائه العرب، ويحسن من صورة الولايات المتحدة الأمريكية لدى الشارع العربي، ويسحب البساط من تحت أقدام (التطرف العربي) وسيدخله التاريخ من أوسع أبوابه، لا سيما أنه ظل يتبجح بأنه الرئيس الأمريكي الذي كان له قصب السبق في الدعوة إلى ضرورة إقامة دولة فلسطينية قابلة للحياة، والعمل على تحقيق ذلك فعلاً قبل مغادرته البيت الأبيض في 20 يناير 2009، وأنه سيعود إلى المنطقة في مايو المقبل لإنجاز التسوية الأمريكية.
(إياك أعني واسمعي يا جارة)
وختاماً لا بد من الإشارة إلى أن طبول الحرب التي تقرعها الإدارة الأمريكية ورد الفعل الإيراني بنفس الأسلوب على لسان الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد يجب ألا تعمي المرء عن حقيقة أن اهتمام أمريكا بالمخزون النووي الباكستاني لهو أكبر من اهتمامها بالخطر النووي الإيراني المفتعل من الطرفين في كثير من جوانبه وأبعاده ومستوياته. إذ ترى الإدارة الأمريكية في إمكان تسرب السلاح النووي إلى أيدي بعض الجماعات الإرهابية الإسلامية المتطرفة بسبب تدهور الأوضاع الأمنية في باكستان، وضعف سلطة الدولة المركزية الخطر الحقيقي على الأمن والسلم الدوليين، الأمر الذي حدا بالرئيس الباكستاني برويز مشرف إلى الرد على المخاوف الأمريكية بأن السلاح النووي الباكستاني آمن وفي منأى عن أن تطاله الأيدي التخريبية. فالتلميحات والمخاوف الأمريكية على مستقبل المخزون النووي الباكستاني تذكر بالمثل القائل (إياك اعني واسمعي يا جارة)، أي باكستان أعني واسمعي يا إيران.
::/fulltext::
::cck::2010::/cck::
