الأمن الاقتصادي الخليجي والمتغيرات الدولية والمحلية
::cck::2082::/cck::
::introtext::
ليس من السهولة الركون إلى تعريف بسيط، محدد، ومباشر للأمن الاقتصادي، فقد يُعنى بالتعريف الاقتصاد الكلي وأمنه أو الاقتصاد الجزئي وأمنه، أو يُعنى به خليط بينهما مع العلم بإمكانية تفرع التعريف ليشمل الأمن الاقتصادي في التصدير والأمن الاقتصادي في الطاقة وغيرها من القطاعات الاقتصادية التي بالإمكان ربطها بالتعريف.
::/introtext::
::fulltext::
ليس من السهولة الركون إلى تعريف بسيط، محدد، ومباشر للأمن الاقتصادي، فقد يُعنى بالتعريف الاقتصاد الكلي وأمنه أو الاقتصاد الجزئي وأمنه، أو يُعنى به خليط بينهما مع العلم بإمكانية تفرع التعريف ليشمل الأمن الاقتصادي في التصدير والأمن الاقتصادي في الطاقة وغيرها من القطاعات الاقتصادية التي بالإمكان ربطها بالتعريف.
تعرّف منظمة العمل الدولية الأمن الاقتصادي بأنه من أساسيات الأمن الاجتماعي التي تشمل حق الحصول على الاحتياجات الأساسية بما فيها الصحة، التعليم، السكن، الوصول إلى المعلومة، الضمان الاجتماعي، والأمن الوظيفي. إذاً، وتبعاً لتعريف منظمة العمل الدولية فإن الأمن الاقتصادي لصيق بالأمن الاجتماعي بمحدداته آنفة الذكر التي تتداخل فيما بينها بطريقة تبين أن حبل الوريد بين الاقتصاد والمجتمع يكمن في الأمن، وأن كليهما مرتبط بالآخر.
أما على صعيد الاقتصاد الكلي، فبنظرة عامة إلى التاريخ الاقتصادي وأدبيات الاقتصاد السياسي، نجد أن مفهوم الأمن الاقتصادي ارتبط تاريخياً بالاستقلال الاقتصادي وعدم الاعتماد على الدول الأخرى في الجوانب الاقتصادية لأبعد مدى بما يضمن عدم تمكن الدول الأخرى من استخدام أية أدوات اقتصادية كالتجارة والاستثمار وغيرها للتأثير في الأهداف السياسية، الاقتصادية، والاجتماعية للدولة. وكان العصر الذهبي لهذه القراءة قبل نهاية الحرب العالمية الثانية في أوروبا، أما في آسيا ودول الخليج العربية فقد تفاوت وقت تطبيق هذه التجارب التي نذكر منها دعم إنتاج القمح لتحقيق الاكتفاء الذاتي و (الأمن الغذائي) على الرغم من أن حفظ القمح وتخزينه باستخدام تقنيات التخزين وتقنيات الحفاظ على قابلية الأرض للزراعة قد يكونان أكثر جاذبية من الناحية الاقتصادية في حينه، وخاصة حين نتناول التبعات السلبية لتحقيق استراتيجية الاكتفاء الذاتي في استهلاك القمح وإنتاجه على المياه الجوفية والقطاعات والمنتجات الأخرى الأقل تكلفة والتي تم إهمالها نظراً لتفاوت الحافز الاقتصادي بين المنتجات المدعومة حكومياً لتحقيق الأمن الغذائي وغيرها الأقل تكلفة بحسابات السوق.
وقد تعلق مفهوم الاستقلالية الاقتصادية عن الدول الأخرى والاكتفاء الذاتي بالدول العربية لفترة طويلة بعد نشوء حركات التحرر الوطني من الاستعمار عموماً، وأثرت هذه الفلسفة في الدول الخليجية المؤسسة والمستقلة كذلك لكون أهداف الاستعمار السابقة مبنية على الأطماع الاقتصادية بالدرجة الأولى، والنفوذ السياسي والثقافي بدرجات أخرى ترتبط بالصراعات الدولية حينذاك. إذاً ففك الارتباط الاقتصادي بالمستعمر وتقليل الارتباط بالاقتصادات الأخرى التي قد تستغل الروابط الاقتصادية للتأثير السياسي يحتمان الفكاك من أية أدوات أو نماذج اقتصادية تذكر بالمستعمر أو ترتبط به، وإن كانت في الكثير من الأحيان نماذج اقتصادية سليمة من المتوقع أن تتفوق في تحقيق التنمية والتطور على ما تم تحقيقه لاحقاً.
فعلى الرغم من مركزية مفهوم الاستقلالية الاقتصادية لتحقيق الأمن الاقتصادي في زمن مضى، فقد استمر العالم العربي خلال مرحلة الثمانينات – مع تفاوت التجارب والإنجازات – في التأكيد على الاستقلالية الاقتصادية والتخصص في توفير ما يحقق الأمن الاقتصادي من صناعات أو خدمات بمنأى عن الأسواق والعلاقات مع الاقتصادات الأخرى لتحقيق الاستقلال الاقتصادي الذي يضمن الأمن الاقتصادي الذي يمكن الاعتماد عليه مع التركيز على تعميق التعاون الاقتصادي العربي – العربي كسياسة اقتصادية تفضيلية وبديل عن التعامل مع الدول الأخرى التي لا تتسق مع أهداف وسياسات الدول العربية. لذلك، نلاحظ وجود صندوق النقد العربي ومنطقة التجارة الحرة العربية الكبرى، وغيرهما من المؤسسات العربية التي تؤكد على التوجه القومي حينها وعلى التوجه الإسلامي لاحقاً والتي بدأت في البروز منذ الستينات لنجد الدينار الذهبي الإسلامي والبنك الإسلامي للتنمية وغير ذلك من المؤسسات الإسلامية التنموية والبنوك والمنتجات الإسلامية التي تشابه نظيرتها العربية في التأسيس والأهداف على الرغم من أن الأولى جاءت رداً على المستعمر فقط، بينما الثانية جاءت منافسة للأولى ومحاولة لمجابهة الإرث الاستعماري الاقتصادي بأدوات دينية غير تلك العربية التي استخدمت من قبل، بالإضافة إلى أهدافها الشرعية المعلنة.
وكان لسقوط جدار برلين، وتفكك الاتحاد السوفييتي، وثورة الاتصالات وتقنية المعلومات آثار كبيرة أهمها عولمة النجاح والمفاهيم ونجاح الدول المنفتحة على الدول الأخرى في الجوانب الاقتصادية والتجارية ككوريا الجنوبية وتايوان وغيرهما في الوصول إلى مستويات أداء اقتصادية مثيرة للإعجاب. لذلك، بدأت دول الخليج كغيرها من الدول النامية بالإعداد وتطبيق المناهج الاقتصادية للدول الناشئة الأخرى التي نجحت في التقدم من خلال التعاون والانفتاح الاقتصادي على الدول الأخرى، لا الاستقلال عنها واتباع سياسات الاكتفاء الذاتي.
لهذا التحقت دول الخليج وتبعتها الدول العربية الأخرى بركب التعاون والانفتاح الاقتصادي متعدد الأطراف لتحقيق الأهداف الاقتصادية والتجارية من خلال الانضمام إلى منظمة التجارة العالمية والاتفاقيات الاقتصادية متعددة الأطراف التي تضمن الأمن الاقتصادي في النهاية كحال السياسات السابقة. ونستنتج من ذلك أن انتقال سياسات الأمن الاقتصادي من الخوف المرتبط بالغريب والسعي نحو الاستقلال والاكتفاء الذاتي إلى سياسات التعاون التجاري والاستثماري الذي يدعم الأمن الاقتصادي من خلال ضمان مصلحة قطاع الأعمال بالتعامل مع الجهات المختلفة متعددة الأطراف والملكية لتحقيق المصلحة الاقتصادية يشير إلى تغير في الهيكل السياسي والاجتماعي والاقتصادي الكلي. فالتحول من الاستقلال عن مجتمع الأعمال إلى التعاون لتحقيق الهدف ذاته يعتبر من المفرزات الحميدة للعولمة التي تدعم التجارة العالمية وزيادة التبادل التجاري والتمويل. إذاً، فتطور المفاهيم الاقتصادية والفوز الكبير للرؤى الرأسمالية وقوى السوق التي أصبحت بوصلة السياسة للدول الغربية أسهما في تغير مفهوم الأمن الاقتصادي الذي أصبح يعني ارتباطاً أكثر وضمن اتفاقيات دولية متعددة الأطراف مع الدول الأخرى تحت مظلة تحكيمية دولية.
من أساسيات تحقيق الأمن الاقتصادي ضرورة تنويع مصادر مدخلات الإنتاج
ونظراً للحالة الخاصة للاقتصادات الخليجية نتيجة لاعتماد هياكلها الاقتصادية في الغالب الأعم على الصادرات الهيدروكربونية من نفط، وغاز طبيعي ومشتقاتهما، فإن من أساسيات تحقيق الأمن الاقتصادي – إلى جانب الانضمام للمنظمات التجارية الدولية – ضرورة تنويع مصادر مدخلات الإنتاج للقطاع الهيدروكربوني، وأيضاً تنويع الأسواق المستهدفة بالتصدير، وتنويع قنوات التصدير والشحن. فالشركات الأجنبية العاملة في التنقيب عن الموارد الطبيعية يجب أن تنتمي إلى دول مختلفة بما يقلل من احتمال تواطئها على الإضرار أو مقاطعة عمليات التنقيب. أما بشأن الأسواق المستهدفة بالتصدير، فإن التركيز على أسواق قليلة معينة قد يرفع من مخاطر بيع المنتجات المصدرة في حالة بروز عوائق سياسية مع السوق المستهدف، بينما مع تنوع الأسواق فإن المخاطرة تنخفض لتنوع خيارات الأسواق المستهدفة. وبتناول قنوات التصدير ونقل المنتجات، فإن دول الخليج باستثناء سلطنة عمان والمملكة العربية السعودية تفتقد منافذ بحرية لتصدير منتجاتها الهيدروكربونية ولاستيراد حاجياتها الاستهلاكية أيضاً غير الخليج العربي. لذلك، من المهم البدء بدراسة خيارات إنشاء خطوط تصدير، تكرير، وإسالة للغاز الطبيعي إلى جانب طرق توريد مدعومة بموانئ مؤهلة لذلك، وترتكز في سلطنة عمان لتفادي أي مخاطرة قد تؤدي إلى تعطيل حركة الملاحة في مضيق هرمز.
وعلى صعيد القطاع المالي، فمن متطلبات الأمن الاقتصادي المتعلق بتوظيف فوائض الدولة هو اللجوء إلى استثمار هذه الفوائض عالمياً بطرق ناجعة تضمن تحقيق عائد مرتفع تتم الاستفادة منه في أوقات الأزمات كصناديق استقرار أسعار النفط التي يتم استخدامها لإنقاذ الميزانيات العامة أوقات تراجع أسعار النفط والصناديق السيادية الخليجية التي برزت على الساحة الاقتصادية لفترة طويلة. وكمثال على أهمية هذه الصناديق، فإن استثمارات صندوق الأجيال الكويتي كانت لها أهمية كبيرة لتحقيق الأمن الاقتصادي للحكومة الكويتية إبان حرب الخليج. أما متطلبات الاستثمار الأجنبي وتأثيره المباشر سواء من خلال استثمارات المحافظ أو صناديق التحوط أو صناديق التملك الخاص، فإن الطريق الأمثل للتعامل معها يكمن في صياغة أنظمة وتشريعات تضمن التقليل من أموال المضاربات الساخنة وتحفيز الاستثمار طويل المدى والذي يستهدف القطاعات الإنتاجية ذات القيمة المضافة العالية.
وختاماً، إن تحقيق الأمن الاقتصادي يتم بالتأكيد على مدى عقود من التعاون التجاري مع الدول والجهات الأخرى عن طريق التبادل التجاري الحر، متعدد الأطراف وغير المشوه، بالإضافة إلى معرفة نقاط القوة والضعف المرتبطة بكل قوى العرض والطلب الكلية والجزئية للاقتصاد الوطني. فالوصفة الجاهزة للأمن الاقتصادي لاقتصاد معين قد لا تلائم أحد الاقتصادات الخليجية لاختلاف الهياكل الإنتاجية وأيضاً اختلاف الدرجة المطلوبة من الأمن الاقتصادي. فالمهم، أولاً وأخيراً، رفع مستوى الرفاه الاقتصادي لكل الأطراف جراء التبادل التجاري الحر متعدد الأطراف وبما يتسق مع تحقيق الأمن الاقتصادي الوطني الذي تسعى إليه شعوب الخليج.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::2082::/cck::
::introtext::
ليس من السهولة الركون إلى تعريف بسيط، محدد، ومباشر للأمن الاقتصادي، فقد يُعنى بالتعريف الاقتصاد الكلي وأمنه أو الاقتصاد الجزئي وأمنه، أو يُعنى به خليط بينهما مع العلم بإمكانية تفرع التعريف ليشمل الأمن الاقتصادي في التصدير والأمن الاقتصادي في الطاقة وغيرها من القطاعات الاقتصادية التي بالإمكان ربطها بالتعريف.
::/introtext::
::fulltext::
ليس من السهولة الركون إلى تعريف بسيط، محدد، ومباشر للأمن الاقتصادي، فقد يُعنى بالتعريف الاقتصاد الكلي وأمنه أو الاقتصاد الجزئي وأمنه، أو يُعنى به خليط بينهما مع العلم بإمكانية تفرع التعريف ليشمل الأمن الاقتصادي في التصدير والأمن الاقتصادي في الطاقة وغيرها من القطاعات الاقتصادية التي بالإمكان ربطها بالتعريف.
تعرّف منظمة العمل الدولية الأمن الاقتصادي بأنه من أساسيات الأمن الاجتماعي التي تشمل حق الحصول على الاحتياجات الأساسية بما فيها الصحة، التعليم، السكن، الوصول إلى المعلومة، الضمان الاجتماعي، والأمن الوظيفي. إذاً، وتبعاً لتعريف منظمة العمل الدولية فإن الأمن الاقتصادي لصيق بالأمن الاجتماعي بمحدداته آنفة الذكر التي تتداخل فيما بينها بطريقة تبين أن حبل الوريد بين الاقتصاد والمجتمع يكمن في الأمن، وأن كليهما مرتبط بالآخر.
أما على صعيد الاقتصاد الكلي، فبنظرة عامة إلى التاريخ الاقتصادي وأدبيات الاقتصاد السياسي، نجد أن مفهوم الأمن الاقتصادي ارتبط تاريخياً بالاستقلال الاقتصادي وعدم الاعتماد على الدول الأخرى في الجوانب الاقتصادية لأبعد مدى بما يضمن عدم تمكن الدول الأخرى من استخدام أية أدوات اقتصادية كالتجارة والاستثمار وغيرها للتأثير في الأهداف السياسية، الاقتصادية، والاجتماعية للدولة. وكان العصر الذهبي لهذه القراءة قبل نهاية الحرب العالمية الثانية في أوروبا، أما في آسيا ودول الخليج العربية فقد تفاوت وقت تطبيق هذه التجارب التي نذكر منها دعم إنتاج القمح لتحقيق الاكتفاء الذاتي و (الأمن الغذائي) على الرغم من أن حفظ القمح وتخزينه باستخدام تقنيات التخزين وتقنيات الحفاظ على قابلية الأرض للزراعة قد يكونان أكثر جاذبية من الناحية الاقتصادية في حينه، وخاصة حين نتناول التبعات السلبية لتحقيق استراتيجية الاكتفاء الذاتي في استهلاك القمح وإنتاجه على المياه الجوفية والقطاعات والمنتجات الأخرى الأقل تكلفة والتي تم إهمالها نظراً لتفاوت الحافز الاقتصادي بين المنتجات المدعومة حكومياً لتحقيق الأمن الغذائي وغيرها الأقل تكلفة بحسابات السوق.
وقد تعلق مفهوم الاستقلالية الاقتصادية عن الدول الأخرى والاكتفاء الذاتي بالدول العربية لفترة طويلة بعد نشوء حركات التحرر الوطني من الاستعمار عموماً، وأثرت هذه الفلسفة في الدول الخليجية المؤسسة والمستقلة كذلك لكون أهداف الاستعمار السابقة مبنية على الأطماع الاقتصادية بالدرجة الأولى، والنفوذ السياسي والثقافي بدرجات أخرى ترتبط بالصراعات الدولية حينذاك. إذاً ففك الارتباط الاقتصادي بالمستعمر وتقليل الارتباط بالاقتصادات الأخرى التي قد تستغل الروابط الاقتصادية للتأثير السياسي يحتمان الفكاك من أية أدوات أو نماذج اقتصادية تذكر بالمستعمر أو ترتبط به، وإن كانت في الكثير من الأحيان نماذج اقتصادية سليمة من المتوقع أن تتفوق في تحقيق التنمية والتطور على ما تم تحقيقه لاحقاً.
فعلى الرغم من مركزية مفهوم الاستقلالية الاقتصادية لتحقيق الأمن الاقتصادي في زمن مضى، فقد استمر العالم العربي خلال مرحلة الثمانينات – مع تفاوت التجارب والإنجازات – في التأكيد على الاستقلالية الاقتصادية والتخصص في توفير ما يحقق الأمن الاقتصادي من صناعات أو خدمات بمنأى عن الأسواق والعلاقات مع الاقتصادات الأخرى لتحقيق الاستقلال الاقتصادي الذي يضمن الأمن الاقتصادي الذي يمكن الاعتماد عليه مع التركيز على تعميق التعاون الاقتصادي العربي – العربي كسياسة اقتصادية تفضيلية وبديل عن التعامل مع الدول الأخرى التي لا تتسق مع أهداف وسياسات الدول العربية. لذلك، نلاحظ وجود صندوق النقد العربي ومنطقة التجارة الحرة العربية الكبرى، وغيرهما من المؤسسات العربية التي تؤكد على التوجه القومي حينها وعلى التوجه الإسلامي لاحقاً والتي بدأت في البروز منذ الستينات لنجد الدينار الذهبي الإسلامي والبنك الإسلامي للتنمية وغير ذلك من المؤسسات الإسلامية التنموية والبنوك والمنتجات الإسلامية التي تشابه نظيرتها العربية في التأسيس والأهداف على الرغم من أن الأولى جاءت رداً على المستعمر فقط، بينما الثانية جاءت منافسة للأولى ومحاولة لمجابهة الإرث الاستعماري الاقتصادي بأدوات دينية غير تلك العربية التي استخدمت من قبل، بالإضافة إلى أهدافها الشرعية المعلنة.
وكان لسقوط جدار برلين، وتفكك الاتحاد السوفييتي، وثورة الاتصالات وتقنية المعلومات آثار كبيرة أهمها عولمة النجاح والمفاهيم ونجاح الدول المنفتحة على الدول الأخرى في الجوانب الاقتصادية والتجارية ككوريا الجنوبية وتايوان وغيرهما في الوصول إلى مستويات أداء اقتصادية مثيرة للإعجاب. لذلك، بدأت دول الخليج كغيرها من الدول النامية بالإعداد وتطبيق المناهج الاقتصادية للدول الناشئة الأخرى التي نجحت في التقدم من خلال التعاون والانفتاح الاقتصادي على الدول الأخرى، لا الاستقلال عنها واتباع سياسات الاكتفاء الذاتي.
لهذا التحقت دول الخليج وتبعتها الدول العربية الأخرى بركب التعاون والانفتاح الاقتصادي متعدد الأطراف لتحقيق الأهداف الاقتصادية والتجارية من خلال الانضمام إلى منظمة التجارة العالمية والاتفاقيات الاقتصادية متعددة الأطراف التي تضمن الأمن الاقتصادي في النهاية كحال السياسات السابقة. ونستنتج من ذلك أن انتقال سياسات الأمن الاقتصادي من الخوف المرتبط بالغريب والسعي نحو الاستقلال والاكتفاء الذاتي إلى سياسات التعاون التجاري والاستثماري الذي يدعم الأمن الاقتصادي من خلال ضمان مصلحة قطاع الأعمال بالتعامل مع الجهات المختلفة متعددة الأطراف والملكية لتحقيق المصلحة الاقتصادية يشير إلى تغير في الهيكل السياسي والاجتماعي والاقتصادي الكلي. فالتحول من الاستقلال عن مجتمع الأعمال إلى التعاون لتحقيق الهدف ذاته يعتبر من المفرزات الحميدة للعولمة التي تدعم التجارة العالمية وزيادة التبادل التجاري والتمويل. إذاً، فتطور المفاهيم الاقتصادية والفوز الكبير للرؤى الرأسمالية وقوى السوق التي أصبحت بوصلة السياسة للدول الغربية أسهما في تغير مفهوم الأمن الاقتصادي الذي أصبح يعني ارتباطاً أكثر وضمن اتفاقيات دولية متعددة الأطراف مع الدول الأخرى تحت مظلة تحكيمية دولية.
من أساسيات تحقيق الأمن الاقتصادي ضرورة تنويع مصادر مدخلات الإنتاج
ونظراً للحالة الخاصة للاقتصادات الخليجية نتيجة لاعتماد هياكلها الاقتصادية في الغالب الأعم على الصادرات الهيدروكربونية من نفط، وغاز طبيعي ومشتقاتهما، فإن من أساسيات تحقيق الأمن الاقتصادي – إلى جانب الانضمام للمنظمات التجارية الدولية – ضرورة تنويع مصادر مدخلات الإنتاج للقطاع الهيدروكربوني، وأيضاً تنويع الأسواق المستهدفة بالتصدير، وتنويع قنوات التصدير والشحن. فالشركات الأجنبية العاملة في التنقيب عن الموارد الطبيعية يجب أن تنتمي إلى دول مختلفة بما يقلل من احتمال تواطئها على الإضرار أو مقاطعة عمليات التنقيب. أما بشأن الأسواق المستهدفة بالتصدير، فإن التركيز على أسواق قليلة معينة قد يرفع من مخاطر بيع المنتجات المصدرة في حالة بروز عوائق سياسية مع السوق المستهدف، بينما مع تنوع الأسواق فإن المخاطرة تنخفض لتنوع خيارات الأسواق المستهدفة. وبتناول قنوات التصدير ونقل المنتجات، فإن دول الخليج باستثناء سلطنة عمان والمملكة العربية السعودية تفتقد منافذ بحرية لتصدير منتجاتها الهيدروكربونية ولاستيراد حاجياتها الاستهلاكية أيضاً غير الخليج العربي. لذلك، من المهم البدء بدراسة خيارات إنشاء خطوط تصدير، تكرير، وإسالة للغاز الطبيعي إلى جانب طرق توريد مدعومة بموانئ مؤهلة لذلك، وترتكز في سلطنة عمان لتفادي أي مخاطرة قد تؤدي إلى تعطيل حركة الملاحة في مضيق هرمز.
وعلى صعيد القطاع المالي، فمن متطلبات الأمن الاقتصادي المتعلق بتوظيف فوائض الدولة هو اللجوء إلى استثمار هذه الفوائض عالمياً بطرق ناجعة تضمن تحقيق عائد مرتفع تتم الاستفادة منه في أوقات الأزمات كصناديق استقرار أسعار النفط التي يتم استخدامها لإنقاذ الميزانيات العامة أوقات تراجع أسعار النفط والصناديق السيادية الخليجية التي برزت على الساحة الاقتصادية لفترة طويلة. وكمثال على أهمية هذه الصناديق، فإن استثمارات صندوق الأجيال الكويتي كانت لها أهمية كبيرة لتحقيق الأمن الاقتصادي للحكومة الكويتية إبان حرب الخليج. أما متطلبات الاستثمار الأجنبي وتأثيره المباشر سواء من خلال استثمارات المحافظ أو صناديق التحوط أو صناديق التملك الخاص، فإن الطريق الأمثل للتعامل معها يكمن في صياغة أنظمة وتشريعات تضمن التقليل من أموال المضاربات الساخنة وتحفيز الاستثمار طويل المدى والذي يستهدف القطاعات الإنتاجية ذات القيمة المضافة العالية.
وختاماً، إن تحقيق الأمن الاقتصادي يتم بالتأكيد على مدى عقود من التعاون التجاري مع الدول والجهات الأخرى عن طريق التبادل التجاري الحر، متعدد الأطراف وغير المشوه، بالإضافة إلى معرفة نقاط القوة والضعف المرتبطة بكل قوى العرض والطلب الكلية والجزئية للاقتصاد الوطني. فالوصفة الجاهزة للأمن الاقتصادي لاقتصاد معين قد لا تلائم أحد الاقتصادات الخليجية لاختلاف الهياكل الإنتاجية وأيضاً اختلاف الدرجة المطلوبة من الأمن الاقتصادي. فالمهم، أولاً وأخيراً، رفع مستوى الرفاه الاقتصادي لكل الأطراف جراء التبادل التجاري الحر متعدد الأطراف وبما يتسق مع تحقيق الأمن الاقتصادي الوطني الذي تسعى إليه شعوب الخليج.
::/fulltext::
::cck::2082::/cck::
