القضية الكردية والعلاقات الإيرانية- التركية في ضوء احتلال العراق
::cck::1938::/cck::
::introtext::
تطرح تطورات الملف الكردي التي كان آخرها الاجتياح البري الذي نفذه الجيش التركي شمال العراق تفعيلاً للتفويض الذي منحه إياه البرلمان التركي في أكتوبر الماضي لسحق المتمردين الأكراد الذين ينفذون من شمال العراق عمليات ضد الأهداف التركية، عدداً من التساؤلات ليس بما يخص تأثير هذه التطورات في الوضع بالعراق فحسب، ولكن أيضاً تأثير الملف الكردي في دول أخرى خاصة في ظل ما تتسم به القضية الكردية من خصوصية، إذ إن تأثير هذه القضية يشمل دولاً عدة في المنطقة وذلك في ظل وجود أقليات كردية في بعض دول المنطقة.
::/introtext::
::fulltext::
تطرح تطورات الملف الكردي التي كان آخرها الاجتياح البري الذي نفذه الجيش التركي شمال العراق تفعيلاً للتفويض الذي منحه إياه البرلمان التركي في أكتوبر الماضي لسحق المتمردين الأكراد الذين ينفذون من شمال العراق عمليات ضد الأهداف التركية، عدداً من التساؤلات ليس بما يخص تأثير هذه التطورات في الوضع بالعراق فحسب، ولكن أيضاً تأثير الملف الكردي في دول أخرى خاصة في ظل ما تتسم به القضية الكردية من خصوصية، إذ إن تأثير هذه القضية يشمل دولاً عدة في المنطقة وذلك في ظل وجود أقليات كردية في بعض دول المنطقة.
بالتطرق إلى الجذور التاريخية للقضية الكردية، فقد نصت معاهدة (سيفر)، التي وُقعت بين الدولة العثمانية والدول الحلفاء في عام 1920، على إنشاء دولة كردية في كردستان، وذلك في قسمي الأخيرة الشمالي والجنوبي. وفي الوقت الحالي فإن الجزء الشمالي من كردستان يقع في تركيا، بينما يقع القسم الجنوبي شمال العراق. كما نصت معاهدة لوزان لعام 1923 على تقسيم أراضي وسكان إقليم كردستان، وبموجب الاتفاق الأخير حصلت تركيا على ما يزيد على 230 ألف كيلومتر مربع من إقليم كردستان الشمالية، في حين سيطرت إيران بموجب الاتفاق ذاته على حوالي 125 ألف كيلومتر مربع من المنطقة الواقعة شرق إقليم كردستان، أما في ما يتعلق ببقية أراضي الإقليم فقد ضُمت إلى كل من العراق وسوريا (74 ألف كيلومتر مربع، و20 ألف كيلومتر مربع على التوالي)، كما تم ضم 10 آلاف كيلومتر مربع إلى الاتحاد السوفييتي السابق.
وتشير الإحصائيات إلى أن توزيع الأكراد في هذه الدول (تركيا، العراق، إيران، سوريا والاتحاد السوفييتي السابق) مثّل في ذاك الوقت على التوالي 24 في المائة، 30 في المائة، 16 في المائة، 11 في المائة، 0.3 في المائة. وفي الوقت الحالي يُشكل الأكراد 20 في المائة من سكان تركيا، و15- 20 في المائة في العراق، و7 في المائة من سكان إيران، كما يُشكلون حوالي 5 في المائة تقريباً من سكان سوريا.
وبوجه عام، يوجد توافق بين الأطراف المعنية بالقضية الكردية على رفض قيام دولة كردية مستقلة قد تُشكّل تهديداً لاستقرار تلك الدول، إضافة إلى الرغبة في عدم المساس بالحدود القائمة بحيث ترفض تلك الدول أية دعاوى تُطرح بشأن الهوية الثقافية الخاصة بالأكراد وضرورة تجميعهم في دولتهم المستقلة.
نظرت إيران للغارات التركية شمال العراق على أنها عمليات تهدف بالأساس إلى السيطرة على منطقة الموصل الغنية بالنفط
وتجدر الإشارة إلى أن تداعيات القضية الكردية على علاقات الدول المعنية بها تفاوتت من فترة إلى أخرى، وفي ما يتعلق بالعلاقات الإيرانية- التركية، فقد شكّلت تلك القضية في الفترات السابقة، وبوجه خاص منذ تنامي نشاط حزب العمال الكردستاني ضد الحكومة التركية، مصدراً للتوتر في العلاقات الإيرانية- التركية. فمنذ منتصف الثمانينات من القرن العشرين أخذ نشاط حزب العمال الكردستاني التركي في التزايد، حيث كان التركيز على مبدأ إقامة دولة مستقلة عن تركيا، وكذلك تجميع الأكراد المتفرقين في دولة مستقلة. ومن هذا المنطلق، فقد لجأ حزب العمال الكردستاني إلى تبني شعار الكفاح المسلح ضد الدولة التركية.
وتمثّل الأثر الأبرز في هذا الصدد في الاتهامات التركية للحكومة الإيرانية بدورها في دعم العناصر المقاتلة من حزب العمال الكردستاني في أنشطتها المعادية للحكومة التركية وذلك من خلال تقديم الدعم اللوجيستي لأعضاء الحزب، خاصة أنه أثناء حكم صدام حسين تمتعت كلُّ من إيران وسوريا بصلات قوية مع الأحزاب الكردية شمال العراق وكذلك حزب العمال الكردستاني في تركيا بحيث ضمنت الدولتان من خلال هذه العلاقة عدم مواجهة أي هجوم كردي يأتي لها من شمال العراق. وفي واقع الأمر، فإن الدول الثلاث إيران والعراق وسوريا لجأت إلى استخدام الورقة الخاصة بحزب العمال الكردستاني، وإن كان بصور مختلفة كورقة ضغط ضد تركيا.
وقد تفاوت تأثير قضية الأكراد في العلاقات الإيرانية- التركية خاصة في ذلك الشق المتعلق بأكراد شمال العراق، ففي ظل الحرب الإيرانية- العراقية، فقد العراق سيطرته على الأكراد في شمال البلاد بحيث أدى هذا الأمر إلى ظهور فراغ سياسي هناك، مما أدى أيضاً إلى بروز تنافس إيراني- تركي، وهو ما يرجع بصورة أساسية إلى عدم ثقة أي من الدولتين باحترام الدولة الأخرى للاتفاق بشأن الحفاظ على تكامل الأراضي العراقية بحيث أسهمت هذه الشكوك المتبادلة في إذكاء حالة من الخوف المتبادل وعدم الثقة، إلا أن السمة الرئيسية لهذا الخلاف تمثلت في أنها حالة غير معلنة.
منذ منتصف الثمانينات من القرن العشرين أخذ نشاط حزب العمال الكردستاني التركي في التزايد
فعلى الجانب الإيراني، نظرت إيران للغارات التركية شمال العراق على أنها عمليات تهدف بالأساس إلى السيطرة على منطقة الموصل الغنية بالنفط، وهو الأمر الذي من شأنه في حال تحققه أن يُؤثر في توازن القوى في المنطقة لغير صالح إيران. هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى فإن إيران كانت تخشى من أي وجود تركي شمال العراق خوفاً من أن يعطي هذا الأمر لتركيا الفرصة ومن خلال التعاون مع إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية بالتدخل في إيران. وربما يُفسر لنا هذا الأمر الرفض الإيراني الشديد لقيام تركيا بعمليات عسكرية شمال العراق ضد حزب العمال الكردستاني، كما أنه في الوقت ذاته يُفسر محاولة إيران لتأمين وجود لها شمال العراق وذلك من خلال سعيها للتعاون مع الجماعات الكردية هناك وهي جماعات معارضة لتركيا.
وعلى الجانب التركي، فإن حكومة أنقرة كانت تخشى من تزايد التأثير الإيراني في كلٍّ من القادة الأكراد شمال العراق، وكذلك الشيعة العراقيين وهو ما دفع تركيا إلى الاتهام إيران بقيامها بتقديم دعم عسكري لحزب العمال الكردستاني رغبة منها في تأمين وجود لها شمال العراق.
وفي هذا السياق، فإن هذه القضية أسهمت في توتر العلاقات بين الدولتين، فقد أدت حركة القوات العسكرية لحزب العمال الكردستاني على الحدود الإيرانية- التركية- العراقية إلى تعميق الخلافات بين إيران وتركيا وذلك في ضوء تزايد الاتهامات التركية لإيران بدعمها لهذا الحزب المحظور وكذلك تقديم المساعدات المالية لأعضاء الحزب خاصة في المقاطعة الأذربيجيانية الغربية قرب الحدود الإيرانية- التركية، وهو الأمر الذي كان دائماً يحظى بالرفض الإيراني والأكثر من ذلك تم اللجوء إلى الاتهامات المتبادلة، إذ اتهمت إيران تركيا بدعم أنشطة الجماعات الإيرانية المعارضة خاصة منظمة (مجاهدي خلق).
وعلى هذا الأساس، فقد شهدت علاقات الدولتين قدراً كبيراً من الشد والجذب، ففي عام 1991 منعت تركيا عبَارة ترفع العَلَم الإيراني من المرور والتي كانت قادمة من بلغاريا بحجة أنها تحمل أسلحة تخص حزب العمال الكردستاني. وفي أغسطس من العام التالي احتجت إيران على قيام بعض العناصر من القوات التركية بعبور الحدود ودخول الأراضي الإيرانية بغية تعقب بعض العناصر من حزب العمال الكردستاني، وذلك رغم غياب اتفاقية بين الدولتين متعلقة بهذا الأمر. وفي يناير عام 1994، قامت القوات الجوية التركية بغارة جوية على معسكر خاص بحزب العمال الكردستاني شمال العراق، الأمر الذي ترتب عليه مقتل تسعة مزارعين إيرانيين وهو ما قوبل بمعارضة إيرانية شديدة.
وبذلك فقد أسهمت بعض التطورات ذات الصلة بالملف الكردي في التأثير سلباً في علاقات الدولتين، ففي فبراير 1999 قامت الوحدات الأمنية التركية باعتقال عبدالله أوجلان زعيم حزب العمال الكردستاني، وذلك بعد اختطافه من كينيا ثم الحكم عليه بالإعدام في يونيو من العام ذاته، وأسهم هذا الأمر في دخول علاقات الدولتين مرحلة من التوتر وذلك من خلال بعض الإعلانات المتبادلة. ففي الشهر التالي لصدور الحكم سالف الإشارة، أعلن بولنت أجاويد، رئيس الوزراء التركي آنذاك، عن وجود بعض الشكوك بشأن دعم إيران لحزب العمال الكردستاني، إذ أشار إلى أن وجود حزب العمال الكردستاني انتهى بصورة شبه كاملة من سوريا، وأن إيران اتجهت لتأخذ مكان سوريا، حيث أكد أن قيام إيران بضم عناصر من حزب العمال الكردستاني أمر لا يتناسب مع سياسة حسن الجوار. وفي سياق هذا الجو الخلافي بين الدولتين، وفي الشهر ذاته (تحديداً 18 يوليو 1999) اتهمت طهران أنقرة بأنها قامت بانتهاك المجال الجوي الإيراني، وقامت بإلقاء القنابل على الأراضي الإيرانية، الأمر الذي ردت عليه الحكومة التركية بأنه لم يكن متعمداً، لكنه جاء في إطار محاولة تتبع عناصر من حزب العمال الكردستاني. وفي السياق ذاته، اتهمت إيران بعض المسؤولين الأتراك بسعيهم لاتباع استراتيجية عدائية تجاه إيران وبتشجيع من الغرب. وبعد الحادث الأخير بأيام (22 يوليو 1999) قامت القوات الإيرانية بإلقاء القبض على جنود أتراك يعبرون الحدود بصورة غير شرعية للقيام بأنشطة تجسس ضد إيران، كما وجهت إيران اتهامات لتركيا بإيواء بعض العناصر من منظمة (مجاهدي خلق) المعارضة لإيران إضافة إلى الاتهام الإيراني لتركيا بمحاولتها استمالة الأقلية الآذرية المقيمة في إيران والمتحدثة باللغة التركية والموجودة في مدينة أذربيجان الإيرانية.
وتجدر الإشارة إلى أن هذه المخاوف من قبل كلٍّ من تركيا وإيران جسدتها بعض المشكلات الأمنية التي واجهتها الدولتان إضافة إلى سوريا. ومن بين هذه الأحداث ما حصل في 7 يوليو عام 2004 من حدوث مواجهات عنيفة بين حزب العمال الكردستاني والجيش الإيراني وقعت قرب الحدود بين إيران وتركيا في مدينتي سالماس وخوي غرب. وفي تركيا فقد أعلن حزب العمال الكردستاني من خلال تنظيم (كونجرا-جل)، وفي الشهر ذاته أيضاً، عن وقف الهدنة التي أعلنها مع الحكومة التركية من جانب واحد منذ خمس سنوات، أما في سوريا فقد شهدت في شهر مارس عام 2004 بعض النزاعات من قبل الأكراد في مدينة القامشلي.
يوجد توافق بين الأطراف المعنية بالقضية الكردية على رفض قيام دولة كردية مستقلة قد تُشكّل تهديداً لاستقرارها
وفي واقع الأمر، فقد شهدت الآونة الأخيرة تحسناً في علاقات الدولتين في هذا الشأن، فرغم أن الملف الأمني وقضاياه الشائكة ظل لفترة طويلة مصدراً لخلاف الدولتين إلا أن التطورات الأمنية في النطاق الإقليمي تطلبت من الدولتين تنحية خلافاتهما جانباً والتركيز بصورة أكبر على التعاون في هذا الشأن، وهو التحسن الذي برز بوجه خاص منذ بدايات عام 2003، فقد شهد هذا العام تحسناً في مستوى وكم الزيارات المتبادلة بين الدولتين، فقد زار عبدالله غول، (وزير الخارجية التركي آنذاك) إيران مرتين في ذاك العام، كما قام كمال خرازي، وزير الخارجية الإيراني السابق، بزيارة إلى تركيا في العام ذاته. كما أنه ولأول مرة اعترفت الدولتان بكل من حزب العمال الكردستاني التركي ومنظمة (مجاهدي خلق) الإيرانية على أنهما جماعات إرهابية، خاصة بعد قيام حزب العمال الكردستاني بتغيير اسمه في إبريل عام 2002 ليحظى بالاعتراف كمنظمة سياسية للأكراد في تركيا، حيث أصبح اسمه (هو كونجرس) الحرية والديمقراطية في كردستان(The Congress for Freedom and Democracy in Kurdistan ). وفي 28 يوليو عام 2004 زار رجب طيب أردوغان رئيس الوزراء التركي إيران وهي الزيارة التي ركزت بالأساس على مناقشة الوضع في العراق، خاصة في ظل مخاوف الدولتين من أن تؤدي حالة الانفلات الأمني في العراق لاسيما في ظل التدخل الإسرائيلي شمال العراق والمخاوف مما قد يُسفر عنه هذا الأمر من تكوين الأكراد لدولتهم المستقلة شمال العراق. هذا، وقد سبق الزيارة الأخيرة قيام وفد أمني إيراني برئاسة علي أحمدي، نائب وزير الداخلية الإيراني آنذاك، بزيارة إلى أنقرة في 27 يوليو 2004، وركزت المباحثات على الوضع الأمني في شمال العراق والتدخل الإسرائيلي هناك، والتنسيق المشترك لمكافحة أنشطة (منظمة مجاهدي خلق) وحزب العمال الكردستاني المحظورين.
وفي ما يتعلق بالعملية الأخيرة التي نفذها الجيش التركي، فتجدر الإشارة إلى أن أحد العناصر التي شجعت تركيا على القيام بهذه العملية في هذا التوقيت تحديداً يتمثل في نجاح الإدارة التركية في الترويج دولياً لقدرتها على لعب دور مؤثر في مكافحة الإرهاب الدولي. وأيضاً في ما يتعلق بالعلاقات الإيرانية- التركية في هذا الشأن فقد عملت الإدارة التركية منذ حصولها على التفويض من البرلمان التركي على كسب الموقف الإقليمي إلى جانبها خاصة من دول مثل سوريا وإيران، حيث عملت تركيا على تحسين علاقاتها السياسية والاقتصادية والتجارية مع إيران وهو ما نجحت فيه الإدارة التركية.
وعلى هذا الأساس، يتضح أن الملف الكردي، وبقدر ما أسهم في التأثير بصورة سلبية في علاقات الدولتين، فقد أسهم الملف ذاته في إيجاد مزيد من التقارب بين الدولتين وذلك في سياق التطور الخاص باحتلال العراق.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::1938::/cck::
::introtext::
تطرح تطورات الملف الكردي التي كان آخرها الاجتياح البري الذي نفذه الجيش التركي شمال العراق تفعيلاً للتفويض الذي منحه إياه البرلمان التركي في أكتوبر الماضي لسحق المتمردين الأكراد الذين ينفذون من شمال العراق عمليات ضد الأهداف التركية، عدداً من التساؤلات ليس بما يخص تأثير هذه التطورات في الوضع بالعراق فحسب، ولكن أيضاً تأثير الملف الكردي في دول أخرى خاصة في ظل ما تتسم به القضية الكردية من خصوصية، إذ إن تأثير هذه القضية يشمل دولاً عدة في المنطقة وذلك في ظل وجود أقليات كردية في بعض دول المنطقة.
::/introtext::
::fulltext::
تطرح تطورات الملف الكردي التي كان آخرها الاجتياح البري الذي نفذه الجيش التركي شمال العراق تفعيلاً للتفويض الذي منحه إياه البرلمان التركي في أكتوبر الماضي لسحق المتمردين الأكراد الذين ينفذون من شمال العراق عمليات ضد الأهداف التركية، عدداً من التساؤلات ليس بما يخص تأثير هذه التطورات في الوضع بالعراق فحسب، ولكن أيضاً تأثير الملف الكردي في دول أخرى خاصة في ظل ما تتسم به القضية الكردية من خصوصية، إذ إن تأثير هذه القضية يشمل دولاً عدة في المنطقة وذلك في ظل وجود أقليات كردية في بعض دول المنطقة.
بالتطرق إلى الجذور التاريخية للقضية الكردية، فقد نصت معاهدة (سيفر)، التي وُقعت بين الدولة العثمانية والدول الحلفاء في عام 1920، على إنشاء دولة كردية في كردستان، وذلك في قسمي الأخيرة الشمالي والجنوبي. وفي الوقت الحالي فإن الجزء الشمالي من كردستان يقع في تركيا، بينما يقع القسم الجنوبي شمال العراق. كما نصت معاهدة لوزان لعام 1923 على تقسيم أراضي وسكان إقليم كردستان، وبموجب الاتفاق الأخير حصلت تركيا على ما يزيد على 230 ألف كيلومتر مربع من إقليم كردستان الشمالية، في حين سيطرت إيران بموجب الاتفاق ذاته على حوالي 125 ألف كيلومتر مربع من المنطقة الواقعة شرق إقليم كردستان، أما في ما يتعلق ببقية أراضي الإقليم فقد ضُمت إلى كل من العراق وسوريا (74 ألف كيلومتر مربع، و20 ألف كيلومتر مربع على التوالي)، كما تم ضم 10 آلاف كيلومتر مربع إلى الاتحاد السوفييتي السابق.
وتشير الإحصائيات إلى أن توزيع الأكراد في هذه الدول (تركيا، العراق، إيران، سوريا والاتحاد السوفييتي السابق) مثّل في ذاك الوقت على التوالي 24 في المائة، 30 في المائة، 16 في المائة، 11 في المائة، 0.3 في المائة. وفي الوقت الحالي يُشكل الأكراد 20 في المائة من سكان تركيا، و15- 20 في المائة في العراق، و7 في المائة من سكان إيران، كما يُشكلون حوالي 5 في المائة تقريباً من سكان سوريا.
وبوجه عام، يوجد توافق بين الأطراف المعنية بالقضية الكردية على رفض قيام دولة كردية مستقلة قد تُشكّل تهديداً لاستقرار تلك الدول، إضافة إلى الرغبة في عدم المساس بالحدود القائمة بحيث ترفض تلك الدول أية دعاوى تُطرح بشأن الهوية الثقافية الخاصة بالأكراد وضرورة تجميعهم في دولتهم المستقلة.
نظرت إيران للغارات التركية شمال العراق على أنها عمليات تهدف بالأساس إلى السيطرة على منطقة الموصل الغنية بالنفط
وتجدر الإشارة إلى أن تداعيات القضية الكردية على علاقات الدول المعنية بها تفاوتت من فترة إلى أخرى، وفي ما يتعلق بالعلاقات الإيرانية- التركية، فقد شكّلت تلك القضية في الفترات السابقة، وبوجه خاص منذ تنامي نشاط حزب العمال الكردستاني ضد الحكومة التركية، مصدراً للتوتر في العلاقات الإيرانية- التركية. فمنذ منتصف الثمانينات من القرن العشرين أخذ نشاط حزب العمال الكردستاني التركي في التزايد، حيث كان التركيز على مبدأ إقامة دولة مستقلة عن تركيا، وكذلك تجميع الأكراد المتفرقين في دولة مستقلة. ومن هذا المنطلق، فقد لجأ حزب العمال الكردستاني إلى تبني شعار الكفاح المسلح ضد الدولة التركية.
وتمثّل الأثر الأبرز في هذا الصدد في الاتهامات التركية للحكومة الإيرانية بدورها في دعم العناصر المقاتلة من حزب العمال الكردستاني في أنشطتها المعادية للحكومة التركية وذلك من خلال تقديم الدعم اللوجيستي لأعضاء الحزب، خاصة أنه أثناء حكم صدام حسين تمتعت كلُّ من إيران وسوريا بصلات قوية مع الأحزاب الكردية شمال العراق وكذلك حزب العمال الكردستاني في تركيا بحيث ضمنت الدولتان من خلال هذه العلاقة عدم مواجهة أي هجوم كردي يأتي لها من شمال العراق. وفي واقع الأمر، فإن الدول الثلاث إيران والعراق وسوريا لجأت إلى استخدام الورقة الخاصة بحزب العمال الكردستاني، وإن كان بصور مختلفة كورقة ضغط ضد تركيا.
وقد تفاوت تأثير قضية الأكراد في العلاقات الإيرانية- التركية خاصة في ذلك الشق المتعلق بأكراد شمال العراق، ففي ظل الحرب الإيرانية- العراقية، فقد العراق سيطرته على الأكراد في شمال البلاد بحيث أدى هذا الأمر إلى ظهور فراغ سياسي هناك، مما أدى أيضاً إلى بروز تنافس إيراني- تركي، وهو ما يرجع بصورة أساسية إلى عدم ثقة أي من الدولتين باحترام الدولة الأخرى للاتفاق بشأن الحفاظ على تكامل الأراضي العراقية بحيث أسهمت هذه الشكوك المتبادلة في إذكاء حالة من الخوف المتبادل وعدم الثقة، إلا أن السمة الرئيسية لهذا الخلاف تمثلت في أنها حالة غير معلنة.
منذ منتصف الثمانينات من القرن العشرين أخذ نشاط حزب العمال الكردستاني التركي في التزايد
فعلى الجانب الإيراني، نظرت إيران للغارات التركية شمال العراق على أنها عمليات تهدف بالأساس إلى السيطرة على منطقة الموصل الغنية بالنفط، وهو الأمر الذي من شأنه في حال تحققه أن يُؤثر في توازن القوى في المنطقة لغير صالح إيران. هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى فإن إيران كانت تخشى من أي وجود تركي شمال العراق خوفاً من أن يعطي هذا الأمر لتركيا الفرصة ومن خلال التعاون مع إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية بالتدخل في إيران. وربما يُفسر لنا هذا الأمر الرفض الإيراني الشديد لقيام تركيا بعمليات عسكرية شمال العراق ضد حزب العمال الكردستاني، كما أنه في الوقت ذاته يُفسر محاولة إيران لتأمين وجود لها شمال العراق وذلك من خلال سعيها للتعاون مع الجماعات الكردية هناك وهي جماعات معارضة لتركيا.
وعلى الجانب التركي، فإن حكومة أنقرة كانت تخشى من تزايد التأثير الإيراني في كلٍّ من القادة الأكراد شمال العراق، وكذلك الشيعة العراقيين وهو ما دفع تركيا إلى الاتهام إيران بقيامها بتقديم دعم عسكري لحزب العمال الكردستاني رغبة منها في تأمين وجود لها شمال العراق.
وفي هذا السياق، فإن هذه القضية أسهمت في توتر العلاقات بين الدولتين، فقد أدت حركة القوات العسكرية لحزب العمال الكردستاني على الحدود الإيرانية- التركية- العراقية إلى تعميق الخلافات بين إيران وتركيا وذلك في ضوء تزايد الاتهامات التركية لإيران بدعمها لهذا الحزب المحظور وكذلك تقديم المساعدات المالية لأعضاء الحزب خاصة في المقاطعة الأذربيجيانية الغربية قرب الحدود الإيرانية- التركية، وهو الأمر الذي كان دائماً يحظى بالرفض الإيراني والأكثر من ذلك تم اللجوء إلى الاتهامات المتبادلة، إذ اتهمت إيران تركيا بدعم أنشطة الجماعات الإيرانية المعارضة خاصة منظمة (مجاهدي خلق).
وعلى هذا الأساس، فقد شهدت علاقات الدولتين قدراً كبيراً من الشد والجذب، ففي عام 1991 منعت تركيا عبَارة ترفع العَلَم الإيراني من المرور والتي كانت قادمة من بلغاريا بحجة أنها تحمل أسلحة تخص حزب العمال الكردستاني. وفي أغسطس من العام التالي احتجت إيران على قيام بعض العناصر من القوات التركية بعبور الحدود ودخول الأراضي الإيرانية بغية تعقب بعض العناصر من حزب العمال الكردستاني، وذلك رغم غياب اتفاقية بين الدولتين متعلقة بهذا الأمر. وفي يناير عام 1994، قامت القوات الجوية التركية بغارة جوية على معسكر خاص بحزب العمال الكردستاني شمال العراق، الأمر الذي ترتب عليه مقتل تسعة مزارعين إيرانيين وهو ما قوبل بمعارضة إيرانية شديدة.
وبذلك فقد أسهمت بعض التطورات ذات الصلة بالملف الكردي في التأثير سلباً في علاقات الدولتين، ففي فبراير 1999 قامت الوحدات الأمنية التركية باعتقال عبدالله أوجلان زعيم حزب العمال الكردستاني، وذلك بعد اختطافه من كينيا ثم الحكم عليه بالإعدام في يونيو من العام ذاته، وأسهم هذا الأمر في دخول علاقات الدولتين مرحلة من التوتر وذلك من خلال بعض الإعلانات المتبادلة. ففي الشهر التالي لصدور الحكم سالف الإشارة، أعلن بولنت أجاويد، رئيس الوزراء التركي آنذاك، عن وجود بعض الشكوك بشأن دعم إيران لحزب العمال الكردستاني، إذ أشار إلى أن وجود حزب العمال الكردستاني انتهى بصورة شبه كاملة من سوريا، وأن إيران اتجهت لتأخذ مكان سوريا، حيث أكد أن قيام إيران بضم عناصر من حزب العمال الكردستاني أمر لا يتناسب مع سياسة حسن الجوار. وفي سياق هذا الجو الخلافي بين الدولتين، وفي الشهر ذاته (تحديداً 18 يوليو 1999) اتهمت طهران أنقرة بأنها قامت بانتهاك المجال الجوي الإيراني، وقامت بإلقاء القنابل على الأراضي الإيرانية، الأمر الذي ردت عليه الحكومة التركية بأنه لم يكن متعمداً، لكنه جاء في إطار محاولة تتبع عناصر من حزب العمال الكردستاني. وفي السياق ذاته، اتهمت إيران بعض المسؤولين الأتراك بسعيهم لاتباع استراتيجية عدائية تجاه إيران وبتشجيع من الغرب. وبعد الحادث الأخير بأيام (22 يوليو 1999) قامت القوات الإيرانية بإلقاء القبض على جنود أتراك يعبرون الحدود بصورة غير شرعية للقيام بأنشطة تجسس ضد إيران، كما وجهت إيران اتهامات لتركيا بإيواء بعض العناصر من منظمة (مجاهدي خلق) المعارضة لإيران إضافة إلى الاتهام الإيراني لتركيا بمحاولتها استمالة الأقلية الآذرية المقيمة في إيران والمتحدثة باللغة التركية والموجودة في مدينة أذربيجان الإيرانية.
وتجدر الإشارة إلى أن هذه المخاوف من قبل كلٍّ من تركيا وإيران جسدتها بعض المشكلات الأمنية التي واجهتها الدولتان إضافة إلى سوريا. ومن بين هذه الأحداث ما حصل في 7 يوليو عام 2004 من حدوث مواجهات عنيفة بين حزب العمال الكردستاني والجيش الإيراني وقعت قرب الحدود بين إيران وتركيا في مدينتي سالماس وخوي غرب. وفي تركيا فقد أعلن حزب العمال الكردستاني من خلال تنظيم (كونجرا-جل)، وفي الشهر ذاته أيضاً، عن وقف الهدنة التي أعلنها مع الحكومة التركية من جانب واحد منذ خمس سنوات، أما في سوريا فقد شهدت في شهر مارس عام 2004 بعض النزاعات من قبل الأكراد في مدينة القامشلي.
يوجد توافق بين الأطراف المعنية بالقضية الكردية على رفض قيام دولة كردية مستقلة قد تُشكّل تهديداً لاستقرارها
وفي واقع الأمر، فقد شهدت الآونة الأخيرة تحسناً في علاقات الدولتين في هذا الشأن، فرغم أن الملف الأمني وقضاياه الشائكة ظل لفترة طويلة مصدراً لخلاف الدولتين إلا أن التطورات الأمنية في النطاق الإقليمي تطلبت من الدولتين تنحية خلافاتهما جانباً والتركيز بصورة أكبر على التعاون في هذا الشأن، وهو التحسن الذي برز بوجه خاص منذ بدايات عام 2003، فقد شهد هذا العام تحسناً في مستوى وكم الزيارات المتبادلة بين الدولتين، فقد زار عبدالله غول، (وزير الخارجية التركي آنذاك) إيران مرتين في ذاك العام، كما قام كمال خرازي، وزير الخارجية الإيراني السابق، بزيارة إلى تركيا في العام ذاته. كما أنه ولأول مرة اعترفت الدولتان بكل من حزب العمال الكردستاني التركي ومنظمة (مجاهدي خلق) الإيرانية على أنهما جماعات إرهابية، خاصة بعد قيام حزب العمال الكردستاني بتغيير اسمه في إبريل عام 2002 ليحظى بالاعتراف كمنظمة سياسية للأكراد في تركيا، حيث أصبح اسمه (هو كونجرس) الحرية والديمقراطية في كردستان(The Congress for Freedom and Democracy in Kurdistan ). وفي 28 يوليو عام 2004 زار رجب طيب أردوغان رئيس الوزراء التركي إيران وهي الزيارة التي ركزت بالأساس على مناقشة الوضع في العراق، خاصة في ظل مخاوف الدولتين من أن تؤدي حالة الانفلات الأمني في العراق لاسيما في ظل التدخل الإسرائيلي شمال العراق والمخاوف مما قد يُسفر عنه هذا الأمر من تكوين الأكراد لدولتهم المستقلة شمال العراق. هذا، وقد سبق الزيارة الأخيرة قيام وفد أمني إيراني برئاسة علي أحمدي، نائب وزير الداخلية الإيراني آنذاك، بزيارة إلى أنقرة في 27 يوليو 2004، وركزت المباحثات على الوضع الأمني في شمال العراق والتدخل الإسرائيلي هناك، والتنسيق المشترك لمكافحة أنشطة (منظمة مجاهدي خلق) وحزب العمال الكردستاني المحظورين.
وفي ما يتعلق بالعملية الأخيرة التي نفذها الجيش التركي، فتجدر الإشارة إلى أن أحد العناصر التي شجعت تركيا على القيام بهذه العملية في هذا التوقيت تحديداً يتمثل في نجاح الإدارة التركية في الترويج دولياً لقدرتها على لعب دور مؤثر في مكافحة الإرهاب الدولي. وأيضاً في ما يتعلق بالعلاقات الإيرانية- التركية في هذا الشأن فقد عملت الإدارة التركية منذ حصولها على التفويض من البرلمان التركي على كسب الموقف الإقليمي إلى جانبها خاصة من دول مثل سوريا وإيران، حيث عملت تركيا على تحسين علاقاتها السياسية والاقتصادية والتجارية مع إيران وهو ما نجحت فيه الإدارة التركية.
وعلى هذا الأساس، يتضح أن الملف الكردي، وبقدر ما أسهم في التأثير بصورة سلبية في علاقات الدولتين، فقد أسهم الملف ذاته في إيجاد مزيد من التقارب بين الدولتين وذلك في سياق التطور الخاص باحتلال العراق.
::/fulltext::
::cck::1938::/cck::
