أهمية الشباب في المجتمع الخليجي المعاصر

::cck::2253::/cck::
::introtext::

إن غلبة شريحة الشباب عددياً على سائر شرائح المجتمع الخليجي، كما في المجتمع العربي بشكل عام وفي المجتمعات العربية كل على انفراد، والتي تصل إلى أكثر من 40 في المائة، تجعل من الشباب القوة الضاغطة الأولى على الخدمات الصحية والتعليمية والمرفقية والتي تمولها الدولة عادة، وفي إطار سياسات الرعاية الاجتماعية الشاملة.

::/introtext::
::fulltext::

إن غلبة شريحة الشباب عددياً على سائر شرائح المجتمع الخليجي، كما في المجتمع العربي بشكل عام وفي المجتمعات العربية كل على انفراد، والتي تصل إلى أكثر من 40 في المائة، تجعل من الشباب القوة الضاغطة الأولى على الخدمات الصحية والتعليمية والمرفقية والتي تمولها الدولة عادة، وفي إطار سياسات الرعاية الاجتماعية الشاملة.

كما أن الشباب في هذه الحالة كذلك يشكل القوة الملحّة على سوق العمل لاستقبالها في صفوفه، وهي القوة المرغوبة في هذا السوق، إذا ما كانت هناك إمكانية لاستيعاب أعدادها المتزايدة، في الوقت الذي تعتبر هذه القوة أكبر كتلة منتجة في المجتمع، سواء على المستوى المحلي أو المستوى العالمي.

وما يزيد من أهمية الشباب في العصر الحديث، هو أن ثقافة الديمقراطية والمعرفة التي بدأت تسود أرجاء العالم، تجد صداها في صفوف الشباب على النحو الممارس والمشاهد، في الوقت نفس الذي تزيد هذه الثقافة السائدة من تسارع وتيرة التغيير الاجتماعي والثقافي، وتزيد أيضاً من الانتباه إلى الشباب كمتقن لفنون المعرفة المتطورة، ومطالب حثيث بالديمقراطية كثقافة ينبغي أن تسود البيت قبل أن تخرج إلى الشارع، وتدخل المؤسسات الرسمية.

إن الشباب العربي يتابع لحظة بلحظة، وعبر أحدث وأسرع وسائل الاتصال، الخطوات التنموية والأشواط التطويرية التي تقطعها مجتمعات عديدة في العالم، ويلاحظ أيضاً محاولات اللحاق العربية بهذا الزخم التنموي والتزاحم في الإنجاز الحضاري، والذي يتم تحت إلحاح متطلبات العصرنة وشروط المدنية الحديثة، التي تجلت صورها في الانفتاح العلمي، تجارياً وصناعياً وإعلامياً وثقافياً وسياحياً، وكذلك في هجرة العمالة والتعليم تخصصاً وبحوثاً علمية.

المجتمعات الخليجية كانت في منأى عن مأزق المشاركة الشبابية التي تعتمد على الحشد الشبابي على أساس عقائدي

لقد أصبحت مجتمعات الخليج غير قادرة على تجاهل هذه الصور الحضارية المحيطة وهذه الإنجازات التنموية المتعددة، بل وجدت نفسها مندفعة للتفاعل وراغبة في التعامل مع محيطها العالمي، ومع الثقافات الأخرى بشكل ولّد الرغبة لديها، وخاصة في صفوف الشباب، في التقليد والاقتباس والمحاكاة، سواء على مستوى الأفراد أو على مستوى المجتمعات.

ولكن التغير المرغوب أو التلقائي الناجم عن هذا التفاعل والانفتاح، فإنه رغم فتحه الآفاق لفرص حياتية جديدة مادية ومعنوية، تتضمن إضافة خبرات ونمو قدرات وتحسن مهارات، إلا أنها مصحوبة بالتوتر والاضطراب الذي يصاحب التغيير عادة، إذ إن الكفاءة والإتقان والدقة في التعامل والتكيف مع هذا التغيير والتجديد لا تتحصل بسهولة ولا تكتمل بيسر. ومن هنا يأتي دور الأسرة والمدرسة والجامعة ووسائل الاتصال والثقافة والمعلومات في مساعدة الشباب على اختيار البدائل الأفضل، وعلى اتباع السلوك المناسب للتفاعل مع ما يتوفر أمامه من فرص. وفي حالة غياب هذا الوعي والإدراك لمزايا البديل المفضل وسلامة الأسلوب المناسب، فإن الشباب معرضون للارتباك، كما أنهم معرضون للانحراف، بمختلف الوسائل المبررة لبلوغ الأهداف وخاصة ما يتصل منها بالأهداف المصلحية الذاتية المادية، والتي تطغى عادة في هذه الأحوال على المثل العليا والأهداف المعنوية.

أما إذا ما حاولت المجتمعات الخليجية التمسك بالمثل والأهداف المعنوية السليمة، ولتدرأ عن نفسها مخاطر الانحراف والخوف والقلاقل والتداعيات السلبية ذات الأثر المميع في تماسك المجتمع وأيضاً ذات الأثر المعوق لمسيرة التنمية والتقدم، فإنها بحاجة للشباب كما هو الشباب بحاجة لمجتمعهم،

بحيث تتوفر فرص الاستماع إلى الشباب، وتلبى مطالبهم، وتتاح لهم الفرص للتعبير عن مكنوناتهم، ليس من أجلهم كأفراد، ولكن من أجلهم كمستقبل للمجتمع.

نظرة الشباب إلى المجتمع

إذا أدركنا أن الشباب أكثر الشرائح الاجتماعية تعرضاً لتداعيات التغير الاجتماعي، فإن الشباب يجدون أن المجتمع لا يوجههم لكي تكون استجابتهم تلك سليمة وصائبة تجاه المتغيرات الحديثة، وأيضاً لكي يحسنوا الاختيار. وتتفاوت المواقف بين المجتمعات تجاه هذا الأمر، ففي المجتمع الهادئ الثابت نسبياً يسود الاتفاق على ما هو صحيح ومقبول، لأنه مجتمع ذو بناء معياري ثابت والناس فيه يلازمون أماكنهم الجغرافية والوظيفية ضمن بناء اجتماعي واضح، ويتمتع جيل الكبار من الآباء والمعلمين ورجال الدين والحكمة والخبرة بسلطة مؤثرة من خلال مؤسساتهم التقليدية، واستناداً إلى كلمتهم المسموعة وآرائهم المؤيدة، بينما يكون الشباب لا دور لهم في هكذا مجتمع.

أما في المجتمع المتغير المتحرك، فإن ثمة اختلافاً على ما هو صحيح ومقبول، وتحوم التساؤلات في أذهان الجميع فيه حول الأدوار الاجتماعية والسعي للتقلب بينها والانتقال عبرها اجتماعياً وجغرافياً، في الوقت الذي تنحسر فيه سلطة الكبار، ولم تعد خبراتهم ذات اعتبار لأنها تصبح غير مواكبة لروح العصر وعهد التجديد، ويتمادى الشباب في مساءلة المؤسسات التقليدية وتوجيه الانتقاد لأساليبها ولوم مواقفها.

إن الشباب في المجتمع الحديث المتغير يأخذ في البحث عن ثلاث حلقات تتصل بحياته: الأولى اكتشاف الذات، والثانية، تحقيق الأهمية، والثالثة، الحصول على الاستقلالية.

ففي الحلقة الأولى يبحث الشاب عن ذاته، من يكون وما هو بالنسبة للآخرين والمجتمع، حتى أنه يسأل عن معنى حياته الإنسانية كفرد في هذا العالم.

أما في الحلقة الثانية فيبحث الشاب عن أهميته ومكانته، في الوقت الذي يجد فيه أن المجتمع الحديث المتغير يعطي المكانة الاجتماعية للفرد بمنظور الإنجاز والمزايا، فمقدار الإنجاز ونوعيته وأهميته للمجتمع هو الذي يحدد للمكانة الاجتماعية مقدارها ومستواها. ولذلك فإن المتواضعين بإمكاناتهم يصعب عليهم إحراز مكانة مرموقة في مجتمعهم، ويشعرون حينذاك بالرفض الاجتماعي.

تأهيل المجتمع وإعادة بنائه يتطلبان التعامل مع الشباب باعتبارهم اليد الفاعلة القادرة على إعادة التأهيل

أما في الحلقة الثالثة فإن المجتمع الحديث المتطور يشهد صراعاً بين الكبار والصغار في خضم سعي الشباب للحصول على الاستقلالية الوجدانية عن الكبار، بما يدعم سعيهم لتطوير حياتهم بأنفسهم، ويعملون بحرية في بناء مستقبلهم الشخصي من جهة، ويساهمون باقتناع في بناء مجتمعهم الذي يعكس طموحاتهم في مواصفاته وظروفه من حهة ثانية.

الحوار بين الأجيال

إن قضية الحوار بين الأجيال تتطلب من الكبار الإصغاء إلى الشباب، وتتطلب في الوقت نفسه من الشباب أن يتخلوا عن اعتقادهم بصحة افتراضاتهم وسلامة أطروحاتهم حول مستقبلهم ومستقبل مجتمعهم بالمطلق، ومن هنا يتم الاتفاق بين الجيلين على مصالح مشتركة وأهداف واحدة أساسها انتماء الجيلين إلى مجتمع واحد، عليهما المشاركة في بنائه وتطويره، حيث تترسخ القناعة عند الجميع بأن الشباب بحاجة إلى الدعم وإلى دفعهم إلى المشاركة في وضع السياسات الاجتماعية التي تتضمن الأهداف الاستراتيجية بعيدة المدى والمشاركة أيضاً في تصميم الخطط الموصلة إلى تلك الأهداف، فضلاً عن مشاركتهم في البرامج والمشروعات تنفيذاً لتلك الخطط التي شارك الشباب في وضعها، وقد تضمنت تصوراتهم لمعالم مجتمع المستقبل ودور الجيل الجديد في تأسيسه، وإعلاء بنيانه في إطار مسؤوليتهم الاجتماعية.

إننا نلاحظ مثلما نسمع دائماً عن تذمر الشباب من اتجاهات الكبار نحوهم، وعن شكواهم من تدخلاتهم ومحاولة السيطرة عليهم من خلال السلطة التقليدية للكبار،

والتي يعامل الشباب فيها كأطفال، الأمر الذي يفقد الشباب الشعور بالواجب نحو المجتمع أو الالتزام بالمسؤولية الاجتماعية، لتنقلب الحقيقة جراء ذلك فيدان الشباب على اعتبار أنهم تخلوا عن مثل هذه المسؤولية تجاه مجتمعهم ويعتبرون متقاعسين عن واجباتهم في حين يطالبون بحقوقهم على نحو لا يحقق شروط المواطنة المتوازنة.

لقد وقع العديد من المجتمعات، ومنها بعض المجتمعات العربية، في مأزق المشاركة الشبابية عندما اعتمدت على الحشد الشبابي على أساس عقائدي، على غرار ما كانت تفعله الدول ذات النظم الشمولية، وظلت مجتمعات الخليج في منأى عنها، والفضل يعود للقيادات الحكيمة والنخبة الواعية، وجنبت الشباب ما عانته المجتمعات من زج الشباب في صورة المشاركة في نقاشات أو ربما مجرد الحضور والاستماع في اللقاءات والمؤتمرات والمنابر وتوجيههم من خلالها إلى وجهة واحدة ترضاها الدولة أو تختارها. كما وقعت مجموعة أخرى من المجتمعات في مأزق من نوع آخر عندما اعتمدت أسلوب العمل التطوعي ودعوة الشباب للانخراط فيه، وكان قد فتح الباب أمامهم لخدمة المجتمع، وتنادى الشباب إليها بصورة ليست عفوية للمشاركة فيها ضمن معسكرات ومراكز يتخللها الحديث عن أهمية المواطنة وأداء الواجب الوطني والتطوع من أجل تنمية المجتمع.

ولكن التجارب في كلا النمطين لم تشر إلى نجاح مشهود في تأمين مشاركة حقيقية للشباب يرضى عنها المجتمع وتقنع الشباب، وترسي اتجاهاً مجتمعياً راسخاً ومستمراً على هذا النحو، وترسم معالم مشاركة شبابية فاعلة ودائمة. واعتبر الشباب النمط الأول مصادرة لاختيار الشباب لأفكارهم واتجاهاتهم ونظرتهم للحياة واجتهادهم في رسم صورة الغد وحريتهم في أنشطته المتنوعة، بينما اعتبر النمط الثاني أنه شكل من أشكال العمل من دون مقابل لتثبيت أوضاع اجتماعية قائمة والتسليم بالبرامج الموضوعة من قبل الكبار والعمل على تنفيذها من دون المشاركة في التخطيط لها أو وضع منطلقاتها وأسسها من قبل الشباب أنفسهم.

من الأجدى أن نفكر كيف نهيئ أنفسنا كأصحاب حضارة عريقة للاندماج التفاعلي في تيار العولمة

العولمة.. ثقافة العصر

العولمة كظاهرة عالمية بارزة كثقافة بدأت تنتشر في العالم المعاصر وتفرض نفسها في معرض الحديث وفي خضم النقاش، والذي يجري هو أن كل منا يتحدث عن العولمة بطريقته الخاصة، وإذا ما وضعنا هذه الأحاديث المختلفة في مصفوفة النقاش فنجد أنها تتراوح بين الترحيب التام والاندماج الكامل كحتمية عالمية لمختلف المجتمعات الإنسانية، ومنها المجتمع العربي بمختلف أرجائه، وبين الرفض التام والدعوة إلى مقاومة هذه الظاهرة الغريبة والثقافة الوافدة واعتبارها ضرباً من ضروب الهجمة الامبريالية الجديدة بعقليتها التوسعية التي تسعى إلى الهيمنة، التي لا تكتفي بإلغاء الفواصل الثقافية والحواجز السياسية بين الثقافات والشعوب والدول فحسب، بل تمهد لإحلال ثقافة واحدة مسيطرة لا شريك لها في التأثير في عقول الأجيال الجديدة واتجاهاتها وهويتها وولائها.

هنا، يجب ألا نتوقف عند محاولة الإجابة عن هذا التساؤل حول العولمة، بل من الأجدى أن نفكر كيف نهيئ أنفسنا كأصحاب حضارة ننتمي إليها أو ثقافة نعتز بها للاندماج في تيار العولمة، لا أعني بالاندماج في التيار الخضوع والاستسلام للمعطيات الوافدة كما هي، لكن الاندماج التفاعلي التكاملي على أساس متكافئ من المعطيات الثقافية والقناعات الفكرية التي تنظر إلى العولمة كظاهرة عالمية يتمثل فيها الجميع من كل الاتجاهات وفي كل الأنحاء على أساس فاعل متفاعل يصدّر ويستورد، يرسل ويستقبل، فلا توجد في عالم العولمة الموضوعي يد عليا ويد سفلى، وليس في عالمها مرسل باستعلاء ولا متلق باستذلال، وليس فيها متكلم بصوت الآمر الناهي المترفع تقابله أغلبية مذعنة منبهرة بتفوق الأول. أوليست العولمة تنتمي إلى العالم أجمع، لغة وثقافة وهوية، والعلم للجميع بمختلف اللغات والثقافات والهوية؟

إعادة تأهيل المجتمع

إن تأهيل المجتمع وإعادة بنائه الاجتماعي على أسس متينة تقوم على التكيف والتفاعل مع المستجدات العالمية يتطلبان التعامل مع الشباب باعتبارهم اليد الفاعلة القادرة على إعادة التأهيل والتشكيل، وهم في الوقت نفسه مخرجات النظم الاجتماعية السائدة، بدءاً من الأسرة إلى المدرسة والجامعة والنادي.

إن كل تلك المنطلقات في مجموعها تنهض لحمل المسؤولية الاجتماعية لتحقيق التنمية والتقدم التي تحتمها شروط العيش والبقاء والحياة الأفضل في عصر جديد يقوم على اقتصاد المعرفة وثقافة الانفتاح والاتصال العالمي ومتابعة البحث العلمي بنظرياته واكتشافاته المتلاحقة، هذه الحياة الني يتمتع فيها الإنسان بحرية القول والعمل، ويعامل فيها بديمقراطية. فمن غير الشباب أحرى في فهم هذه الرسالة، ومَنْ أجدر منهم لحملها في فتوة حياتهم إلى مجتمع الإنتاج الأمين والاستقرار الآمن والتفاهم المتبادل بين أبناء المجتمع الواحد وشعوب العالم

::/fulltext::

Getting your Trinity Audio player ready...

::cck::2253::/cck::
::introtext::

إن غلبة شريحة الشباب عددياً على سائر شرائح المجتمع الخليجي، كما في المجتمع العربي بشكل عام وفي المجتمعات العربية كل على انفراد، والتي تصل إلى أكثر من 40 في المائة، تجعل من الشباب القوة الضاغطة الأولى على الخدمات الصحية والتعليمية والمرفقية والتي تمولها الدولة عادة، وفي إطار سياسات الرعاية الاجتماعية الشاملة.

::/introtext::
::fulltext::

إن غلبة شريحة الشباب عددياً على سائر شرائح المجتمع الخليجي، كما في المجتمع العربي بشكل عام وفي المجتمعات العربية كل على انفراد، والتي تصل إلى أكثر من 40 في المائة، تجعل من الشباب القوة الضاغطة الأولى على الخدمات الصحية والتعليمية والمرفقية والتي تمولها الدولة عادة، وفي إطار سياسات الرعاية الاجتماعية الشاملة.

كما أن الشباب في هذه الحالة كذلك يشكل القوة الملحّة على سوق العمل لاستقبالها في صفوفه، وهي القوة المرغوبة في هذا السوق، إذا ما كانت هناك إمكانية لاستيعاب أعدادها المتزايدة، في الوقت الذي تعتبر هذه القوة أكبر كتلة منتجة في المجتمع، سواء على المستوى المحلي أو المستوى العالمي.

وما يزيد من أهمية الشباب في العصر الحديث، هو أن ثقافة الديمقراطية والمعرفة التي بدأت تسود أرجاء العالم، تجد صداها في صفوف الشباب على النحو الممارس والمشاهد، في الوقت نفس الذي تزيد هذه الثقافة السائدة من تسارع وتيرة التغيير الاجتماعي والثقافي، وتزيد أيضاً من الانتباه إلى الشباب كمتقن لفنون المعرفة المتطورة، ومطالب حثيث بالديمقراطية كثقافة ينبغي أن تسود البيت قبل أن تخرج إلى الشارع، وتدخل المؤسسات الرسمية.

إن الشباب العربي يتابع لحظة بلحظة، وعبر أحدث وأسرع وسائل الاتصال، الخطوات التنموية والأشواط التطويرية التي تقطعها مجتمعات عديدة في العالم، ويلاحظ أيضاً محاولات اللحاق العربية بهذا الزخم التنموي والتزاحم في الإنجاز الحضاري، والذي يتم تحت إلحاح متطلبات العصرنة وشروط المدنية الحديثة، التي تجلت صورها في الانفتاح العلمي، تجارياً وصناعياً وإعلامياً وثقافياً وسياحياً، وكذلك في هجرة العمالة والتعليم تخصصاً وبحوثاً علمية.

المجتمعات الخليجية كانت في منأى عن مأزق المشاركة الشبابية التي تعتمد على الحشد الشبابي على أساس عقائدي

لقد أصبحت مجتمعات الخليج غير قادرة على تجاهل هذه الصور الحضارية المحيطة وهذه الإنجازات التنموية المتعددة، بل وجدت نفسها مندفعة للتفاعل وراغبة في التعامل مع محيطها العالمي، ومع الثقافات الأخرى بشكل ولّد الرغبة لديها، وخاصة في صفوف الشباب، في التقليد والاقتباس والمحاكاة، سواء على مستوى الأفراد أو على مستوى المجتمعات.

ولكن التغير المرغوب أو التلقائي الناجم عن هذا التفاعل والانفتاح، فإنه رغم فتحه الآفاق لفرص حياتية جديدة مادية ومعنوية، تتضمن إضافة خبرات ونمو قدرات وتحسن مهارات، إلا أنها مصحوبة بالتوتر والاضطراب الذي يصاحب التغيير عادة، إذ إن الكفاءة والإتقان والدقة في التعامل والتكيف مع هذا التغيير والتجديد لا تتحصل بسهولة ولا تكتمل بيسر. ومن هنا يأتي دور الأسرة والمدرسة والجامعة ووسائل الاتصال والثقافة والمعلومات في مساعدة الشباب على اختيار البدائل الأفضل، وعلى اتباع السلوك المناسب للتفاعل مع ما يتوفر أمامه من فرص. وفي حالة غياب هذا الوعي والإدراك لمزايا البديل المفضل وسلامة الأسلوب المناسب، فإن الشباب معرضون للارتباك، كما أنهم معرضون للانحراف، بمختلف الوسائل المبررة لبلوغ الأهداف وخاصة ما يتصل منها بالأهداف المصلحية الذاتية المادية، والتي تطغى عادة في هذه الأحوال على المثل العليا والأهداف المعنوية.

أما إذا ما حاولت المجتمعات الخليجية التمسك بالمثل والأهداف المعنوية السليمة، ولتدرأ عن نفسها مخاطر الانحراف والخوف والقلاقل والتداعيات السلبية ذات الأثر المميع في تماسك المجتمع وأيضاً ذات الأثر المعوق لمسيرة التنمية والتقدم، فإنها بحاجة للشباب كما هو الشباب بحاجة لمجتمعهم،

بحيث تتوفر فرص الاستماع إلى الشباب، وتلبى مطالبهم، وتتاح لهم الفرص للتعبير عن مكنوناتهم، ليس من أجلهم كأفراد، ولكن من أجلهم كمستقبل للمجتمع.

نظرة الشباب إلى المجتمع

إذا أدركنا أن الشباب أكثر الشرائح الاجتماعية تعرضاً لتداعيات التغير الاجتماعي، فإن الشباب يجدون أن المجتمع لا يوجههم لكي تكون استجابتهم تلك سليمة وصائبة تجاه المتغيرات الحديثة، وأيضاً لكي يحسنوا الاختيار. وتتفاوت المواقف بين المجتمعات تجاه هذا الأمر، ففي المجتمع الهادئ الثابت نسبياً يسود الاتفاق على ما هو صحيح ومقبول، لأنه مجتمع ذو بناء معياري ثابت والناس فيه يلازمون أماكنهم الجغرافية والوظيفية ضمن بناء اجتماعي واضح، ويتمتع جيل الكبار من الآباء والمعلمين ورجال الدين والحكمة والخبرة بسلطة مؤثرة من خلال مؤسساتهم التقليدية، واستناداً إلى كلمتهم المسموعة وآرائهم المؤيدة، بينما يكون الشباب لا دور لهم في هكذا مجتمع.

أما في المجتمع المتغير المتحرك، فإن ثمة اختلافاً على ما هو صحيح ومقبول، وتحوم التساؤلات في أذهان الجميع فيه حول الأدوار الاجتماعية والسعي للتقلب بينها والانتقال عبرها اجتماعياً وجغرافياً، في الوقت الذي تنحسر فيه سلطة الكبار، ولم تعد خبراتهم ذات اعتبار لأنها تصبح غير مواكبة لروح العصر وعهد التجديد، ويتمادى الشباب في مساءلة المؤسسات التقليدية وتوجيه الانتقاد لأساليبها ولوم مواقفها.

إن الشباب في المجتمع الحديث المتغير يأخذ في البحث عن ثلاث حلقات تتصل بحياته: الأولى اكتشاف الذات، والثانية، تحقيق الأهمية، والثالثة، الحصول على الاستقلالية.

ففي الحلقة الأولى يبحث الشاب عن ذاته، من يكون وما هو بالنسبة للآخرين والمجتمع، حتى أنه يسأل عن معنى حياته الإنسانية كفرد في هذا العالم.

أما في الحلقة الثانية فيبحث الشاب عن أهميته ومكانته، في الوقت الذي يجد فيه أن المجتمع الحديث المتغير يعطي المكانة الاجتماعية للفرد بمنظور الإنجاز والمزايا، فمقدار الإنجاز ونوعيته وأهميته للمجتمع هو الذي يحدد للمكانة الاجتماعية مقدارها ومستواها. ولذلك فإن المتواضعين بإمكاناتهم يصعب عليهم إحراز مكانة مرموقة في مجتمعهم، ويشعرون حينذاك بالرفض الاجتماعي.

تأهيل المجتمع وإعادة بنائه يتطلبان التعامل مع الشباب باعتبارهم اليد الفاعلة القادرة على إعادة التأهيل

أما في الحلقة الثالثة فإن المجتمع الحديث المتطور يشهد صراعاً بين الكبار والصغار في خضم سعي الشباب للحصول على الاستقلالية الوجدانية عن الكبار، بما يدعم سعيهم لتطوير حياتهم بأنفسهم، ويعملون بحرية في بناء مستقبلهم الشخصي من جهة، ويساهمون باقتناع في بناء مجتمعهم الذي يعكس طموحاتهم في مواصفاته وظروفه من حهة ثانية.

الحوار بين الأجيال

إن قضية الحوار بين الأجيال تتطلب من الكبار الإصغاء إلى الشباب، وتتطلب في الوقت نفسه من الشباب أن يتخلوا عن اعتقادهم بصحة افتراضاتهم وسلامة أطروحاتهم حول مستقبلهم ومستقبل مجتمعهم بالمطلق، ومن هنا يتم الاتفاق بين الجيلين على مصالح مشتركة وأهداف واحدة أساسها انتماء الجيلين إلى مجتمع واحد، عليهما المشاركة في بنائه وتطويره، حيث تترسخ القناعة عند الجميع بأن الشباب بحاجة إلى الدعم وإلى دفعهم إلى المشاركة في وضع السياسات الاجتماعية التي تتضمن الأهداف الاستراتيجية بعيدة المدى والمشاركة أيضاً في تصميم الخطط الموصلة إلى تلك الأهداف، فضلاً عن مشاركتهم في البرامج والمشروعات تنفيذاً لتلك الخطط التي شارك الشباب في وضعها، وقد تضمنت تصوراتهم لمعالم مجتمع المستقبل ودور الجيل الجديد في تأسيسه، وإعلاء بنيانه في إطار مسؤوليتهم الاجتماعية.

إننا نلاحظ مثلما نسمع دائماً عن تذمر الشباب من اتجاهات الكبار نحوهم، وعن شكواهم من تدخلاتهم ومحاولة السيطرة عليهم من خلال السلطة التقليدية للكبار،

والتي يعامل الشباب فيها كأطفال، الأمر الذي يفقد الشباب الشعور بالواجب نحو المجتمع أو الالتزام بالمسؤولية الاجتماعية، لتنقلب الحقيقة جراء ذلك فيدان الشباب على اعتبار أنهم تخلوا عن مثل هذه المسؤولية تجاه مجتمعهم ويعتبرون متقاعسين عن واجباتهم في حين يطالبون بحقوقهم على نحو لا يحقق شروط المواطنة المتوازنة.

لقد وقع العديد من المجتمعات، ومنها بعض المجتمعات العربية، في مأزق المشاركة الشبابية عندما اعتمدت على الحشد الشبابي على أساس عقائدي، على غرار ما كانت تفعله الدول ذات النظم الشمولية، وظلت مجتمعات الخليج في منأى عنها، والفضل يعود للقيادات الحكيمة والنخبة الواعية، وجنبت الشباب ما عانته المجتمعات من زج الشباب في صورة المشاركة في نقاشات أو ربما مجرد الحضور والاستماع في اللقاءات والمؤتمرات والمنابر وتوجيههم من خلالها إلى وجهة واحدة ترضاها الدولة أو تختارها. كما وقعت مجموعة أخرى من المجتمعات في مأزق من نوع آخر عندما اعتمدت أسلوب العمل التطوعي ودعوة الشباب للانخراط فيه، وكان قد فتح الباب أمامهم لخدمة المجتمع، وتنادى الشباب إليها بصورة ليست عفوية للمشاركة فيها ضمن معسكرات ومراكز يتخللها الحديث عن أهمية المواطنة وأداء الواجب الوطني والتطوع من أجل تنمية المجتمع.

ولكن التجارب في كلا النمطين لم تشر إلى نجاح مشهود في تأمين مشاركة حقيقية للشباب يرضى عنها المجتمع وتقنع الشباب، وترسي اتجاهاً مجتمعياً راسخاً ومستمراً على هذا النحو، وترسم معالم مشاركة شبابية فاعلة ودائمة. واعتبر الشباب النمط الأول مصادرة لاختيار الشباب لأفكارهم واتجاهاتهم ونظرتهم للحياة واجتهادهم في رسم صورة الغد وحريتهم في أنشطته المتنوعة، بينما اعتبر النمط الثاني أنه شكل من أشكال العمل من دون مقابل لتثبيت أوضاع اجتماعية قائمة والتسليم بالبرامج الموضوعة من قبل الكبار والعمل على تنفيذها من دون المشاركة في التخطيط لها أو وضع منطلقاتها وأسسها من قبل الشباب أنفسهم.

من الأجدى أن نفكر كيف نهيئ أنفسنا كأصحاب حضارة عريقة للاندماج التفاعلي في تيار العولمة

العولمة.. ثقافة العصر

العولمة كظاهرة عالمية بارزة كثقافة بدأت تنتشر في العالم المعاصر وتفرض نفسها في معرض الحديث وفي خضم النقاش، والذي يجري هو أن كل منا يتحدث عن العولمة بطريقته الخاصة، وإذا ما وضعنا هذه الأحاديث المختلفة في مصفوفة النقاش فنجد أنها تتراوح بين الترحيب التام والاندماج الكامل كحتمية عالمية لمختلف المجتمعات الإنسانية، ومنها المجتمع العربي بمختلف أرجائه، وبين الرفض التام والدعوة إلى مقاومة هذه الظاهرة الغريبة والثقافة الوافدة واعتبارها ضرباً من ضروب الهجمة الامبريالية الجديدة بعقليتها التوسعية التي تسعى إلى الهيمنة، التي لا تكتفي بإلغاء الفواصل الثقافية والحواجز السياسية بين الثقافات والشعوب والدول فحسب، بل تمهد لإحلال ثقافة واحدة مسيطرة لا شريك لها في التأثير في عقول الأجيال الجديدة واتجاهاتها وهويتها وولائها.

هنا، يجب ألا نتوقف عند محاولة الإجابة عن هذا التساؤل حول العولمة، بل من الأجدى أن نفكر كيف نهيئ أنفسنا كأصحاب حضارة ننتمي إليها أو ثقافة نعتز بها للاندماج في تيار العولمة، لا أعني بالاندماج في التيار الخضوع والاستسلام للمعطيات الوافدة كما هي، لكن الاندماج التفاعلي التكاملي على أساس متكافئ من المعطيات الثقافية والقناعات الفكرية التي تنظر إلى العولمة كظاهرة عالمية يتمثل فيها الجميع من كل الاتجاهات وفي كل الأنحاء على أساس فاعل متفاعل يصدّر ويستورد، يرسل ويستقبل، فلا توجد في عالم العولمة الموضوعي يد عليا ويد سفلى، وليس في عالمها مرسل باستعلاء ولا متلق باستذلال، وليس فيها متكلم بصوت الآمر الناهي المترفع تقابله أغلبية مذعنة منبهرة بتفوق الأول. أوليست العولمة تنتمي إلى العالم أجمع، لغة وثقافة وهوية، والعلم للجميع بمختلف اللغات والثقافات والهوية؟

إعادة تأهيل المجتمع

إن تأهيل المجتمع وإعادة بنائه الاجتماعي على أسس متينة تقوم على التكيف والتفاعل مع المستجدات العالمية يتطلبان التعامل مع الشباب باعتبارهم اليد الفاعلة القادرة على إعادة التأهيل والتشكيل، وهم في الوقت نفسه مخرجات النظم الاجتماعية السائدة، بدءاً من الأسرة إلى المدرسة والجامعة والنادي.

إن كل تلك المنطلقات في مجموعها تنهض لحمل المسؤولية الاجتماعية لتحقيق التنمية والتقدم التي تحتمها شروط العيش والبقاء والحياة الأفضل في عصر جديد يقوم على اقتصاد المعرفة وثقافة الانفتاح والاتصال العالمي ومتابعة البحث العلمي بنظرياته واكتشافاته المتلاحقة، هذه الحياة الني يتمتع فيها الإنسان بحرية القول والعمل، ويعامل فيها بديمقراطية. فمن غير الشباب أحرى في فهم هذه الرسالة، ومَنْ أجدر منهم لحملها في فتوة حياتهم إلى مجتمع الإنتاج الأمين والاستقرار الآمن والتفاهم المتبادل بين أبناء المجتمع الواحد وشعوب العالم

::/fulltext::
::cck::2253::/cck::

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *