إلى أين تمضي “الإسلاموفوبيا” في المجتمع الأمريكي؟

::cck::2252::/cck::
::introtext::

شيء ما يدعونا إلى تصديق حديث المؤامرة الموجهة لجهة العالم الإسلامي والمسلمين على نحو خاص، ويتمثل في المحاولات الواضحة والفاضحة لإذكاء نار الإسلاموفوبيا (التخويف مما هو إسلامي) بكل السبل المتاحة والممكنة حول العالم وبصورة خاصة في الولايات المتحدة الأمريكية.

::/introtext::
::fulltext::

شيء ما يدعونا إلى تصديق حديث المؤامرة الموجهة لجهة العالم الإسلامي والمسلمين على نحو خاص، ويتمثل في المحاولات الواضحة والفاضحة لإذكاء نار الإسلاموفوبيا (التخويف مما هو إسلامي) بكل السبل المتاحة والممكنة حول العالم وبصورة خاصة في الولايات المتحدة الأمريكية.

تمثل آخر تلك المشاهد في ما أعلنت عنه جريدة أمريكية أسبوعية من أنها ستوزع مجاناً لمشتركيها الجدد كتاباً مثيراً للجدل لمؤلف أمريكي متطرف يسيء فيه للرسول محمد (صلى الله عليه وسلم)، ويتهمه بحثِّ المسلمين على قتل اليهود وبخيانة صلح الحديبية وخلق اضطرابات في العالم حتى الآن. وقالت مجلة (هيومن إيفنتس) الأمريكية الأسبوعية، المقربة من اليمين الأمريكي والمحافظين والحزب الجمهوري، إنها ستوزع نسخاً مجانية من كتاب للكاتب الأمريكي الأصولي روبرت سبنسر اسمه (الحقيقة حول محمد، مؤسس أكثر ديانة غير متسامحة في العالم) والذي صدر في عام 2006 عن دار نشر ريجنري المتخصصة في الكتب المحافظة وكتب اليمين الأمريكي، وكانت تتخصص في الماضي في الكتب المناهضة للشيوعية، مع العلم بأن سعر الكتاب الأصلي يبلغ نحو 30 دولاراً أمريكياً أي أنه ليس ملحقاً أو كتيباً بل هو كتاب غالي الثمن.

والتساؤل المطروح هو هل بات المفر الوحيد من الأزمات الداخلية المتلاحقة في الولايات المتحدة الأمريكية هو الإسلام والإسلاموفوبيا وتعظيم المخاوف من الفاشية الإسلامية المنحولة التي كثر الحديث عنها بدءاً من ليو شتراوس وبرنارد لويس وصولاً إلى جورج ووكر بوش؟ وهل خلت الولايات المتحدة من رجال صادقين قادرين على دحر ودحض الأكاذيب التي يروج لها نفر من المتحالفين مع الدول والمؤسسات غير الصديقة للعرب والمسلمين، ولا نقول العدو للوجود الإسلامي على الأراضي الأمريكية.

هجوم غير مسبوق.. لماذا؟

في الأشهر القليلة الماضية كانت أمريكا تشهد موجة جديدة من التهجمات غير المسبوقة على الإسلام والمسلمين يدرك معها الناظر للمشهد أن الأمر ليس حوادث فردية، بل هو نهج فعلي يبدو أنه متفق عليه بين العديد من الأطراف الفاعلة ما بين وسائل الإعلام ومن يدفع بها للتطرف القريب من الجنون وبين رجالات الكونغرس ومن يحثهم على تعميق مشاهد الكراهية تجاه العالم الإسلامي.

أما عن الإعلام الأمريكي فحدّث ولا حرج عما جاء به مايكل سافدج صاحب برنامج (سافدج نيشن) أو (الأمة المتوحشة) من تهجمات غير مسبوقة -وبألفاظ يعاقب عليها القانون حال تطبيقه دون تمييز عنصري – على المسلمين وصلواتهم وعباداتهم، ناهيك عن دعواه البغيضة لترحيلهم من البلاد.

وقد وصلت تجاوزات (سافدج) حد انتقاده الحكومة الأمريكية لسماحها بدخول المسلمين إلى أمريكا قائلاً في تساؤل أقرب إلى الاستنكار: (أي أمة عاقلة تعبد الدستور الأمريكي وهو أعظم وثيقة للحرية كتبت على الإطلاق تجلب أناساً يعبدون كتاباً يأمرهم بالعكسي تماماً؟) ويضيف: (لا تخطئوا في هذا الشأن إن القران ليس وثيقة للحرية، إنه وثيقة للعبودية والرق، إنه يعلمك أنك عبد).

والمؤكد أن دعاوى الكراهية الأخيرة عند مايكل آلان وينير المشهور باسم (سافدج) لم تكن الأولى من نوعها، ففي عام 2006 طالب بحظر هجرة المسلمين إلى أمريكا ناصحاً بضرورة جعل بناء المساجد أمراً ضد القانون، وقبل ذلك بعامين جاهر برأي متطرف آخر قال فيه إنه لابد من إجبار المسلمين بالقوة على التحول إلى المسيحية.. إنه الشيء الوحيد الذي يمكنه أن يحولهم إلى كائن إنساني وذلك في مخالفة صريحة للدستور الأمريكي الذي يكفل حرية الدين والعبادة، هذا الدستور الذي يتشدق أنه أفضل وثيقة للحرية.

استعداء متجدد ضد السعودية

إن المتابع المهتم لسير الأحداث في الولايات المتحدة الأمريكية لاسيما في نهاية شهر أكتوبر الماضي يدرك أن هناك توافقاً عجيباً في حملة عدائية جديدة انطلقت ضد المملكة العربية السعودية داخل الكونغرس الأمريكي، كان ذلك في الخامس والعشرين من شهر أكتوبر، وجاءت تصريحات سافدج في التاسع والعشرين وكأنها تروج لما استجد فماذا عن ذلك؟

في ذلك الوقت كان السيناتور الأمريكي أرلن سبكتر اليهودي المعروف بعدائه الدائم للعرب والمسلمين وبإخلاصه المطلق لإسرائيل والذي رحل مؤخراً غير مأسوف عليه يقدم مشروعاً تحت اسم (محاسبة السعودية)، وجاء المشروع يحمل رقم S2243 وذلك على غرار ما جرى من قانون (محاسبة سوريا) من قبل.

وكانت حجة النائب ذي الهوى اليهودي أن القانون (يسعى إلى تشجيع حكومة المملكة العربية السعودية على إنهاء دعمها للمؤسسات التي تمول وتدرب وتحرض الإرهاب إضافة إلى مساعدته وغض الطرف عنه).

وفي هذا السياق كان لابد لأرلن سبكتر من الاستعانة بواحد من أولئك المروجين للخوف من الإسلام المدعو (ستيفن إيمرسون) صاحب الفيلم التسجيلي سيئ السمعة (جهاد في أمريكا) ليستشهد بأقواله العنصرية التي تذهب للقول بتورط السعودية في أعمال إرهابية ودعمها للمقاومة الفلسطينية والعمليات الاستشهادية وتمويلها لانتفاضة القدس كما يسميها، وإيمرسون في كل الأحوال ناشط صهيوني معروف وصاحب سلسلة من الأكاذيب التي تحاول أن تربط بين المملكة خاصة والإسلام عامة وظاهرة العنف المسلح.

هل بات المفر الوحيد من الأزمات الداخلية المتلاحقة في الولايات المتحدة هو الإسلام و(الإسلاموفوبيا)

جذور تاريخية لكراهية الإسلام

أما عن أصل النظرة المضطربة للإسلام اليوم من قبل العديد من الدوائر الغربية فربما تعود في القرون الأخيرة إلى الدور الذي لعبه مارتن لوثر في إذكاء نيران الخلافات ضد كل ما هو مسلم وإسلامي لاسيما بعد وقوع كتاب (ريكولدو دامونيكروتشي) المعادي للإسلام والمسمى (الرد على القرآن) من أعمال القرن الثالث عشر في يده فنقله إلى اللغة الألمانية، وأراد أن يطوره حتى يصبح أكثر (عصرانية) إن جاز التعبير فقدم له بمقدمة طويلة وذيّله بخاتمة، وغلبت على المقدمة والخاتمة مسحة كئيبة سوداوية لصورة الإسلام في أوروبا والتي تبلورت عقب الحروب التي وصفت بالصليبية بما حملته من إرث بغيض.

وفي تلك الأزمنة سيطرت على لوثر وأوروبا من خلفه قناعة مطلقة بأن المسلمين لا يمكن أن يعتنقوا المسيحية، ذلك أن قلوبهم ـ حسب الأكاذيب التي انطلقت ـ مقفلة وينظرون إلى النصوص المسيحية المقدسة باحتقار وهم متعلقون بأضاليل كتاباتهم بقوة وإيمان.

هذه الأصول قادتنا في السنوات القليلة الماضية إلى مرحلة أليمة من الصراعات المذهبية ظهرت معالمها التصادمية في تصريحات عدة، فقبل سنوات عديدة وصف الداعية الأمريكي جيري فالويل والمتوفي مؤخراً نبي الإسلام الكريم بأوصاف لا تليق به.

ما بين الإسلاموفوبيا والفاشية البوشية

والحق أنه لا يستطيع أحد ما أن ينكر أن أحداث الحادي عشر من سبتمبر جرّت وبالاً كثيراً على العرب والمسلمين في كافة الولايات الأمريكية، بل أحيت من جديد مشاعر الخوف من الإسلام والمسلمين، وجعلت من (ظاهرة الإسلاموفوبيا) الظاهرة الأكثر سيطرة على أفكار الأمريكيين، وقد تجلت ردود الفعل في قوانين وقرارات بعضها أعلن عنه والآخر يمارس في نطاق من السرية والكتمان، وكلاهما ليس في صالح مسلمي أمريكا.

فناهيك عن قوانين الأدلة السرية التي كانت سائدة قبل 11/9/2001 والتي كان بمقتضاها يتم إلقاء القبض عشوائياً على أي متهم ومن دون تقديم أي توضيحات وجد مسلمو أمريكا أنفسهم بين أيدي ما يعرف بـ (الباتريوت أكت) أو قانون الحماية الوطنية الداخلي إضافة إلى ما استتبع حياتهم من تعقيدات غداة القانون الجديد الذي أقره الرئيس بوش مؤخراً والخاص بكيفية معاملة المشتبه فيهم.

غير أن تقريراً نشرته مجلة (يو إس نيوز آند وورلد) منذ أكثر من عام ونصف العام ربما أشار إلى أن مسلمي أمريكا يعيشون أياماً عصيبة في تاريخهم، فقد ورد في التقرير أن مسؤولين أمريكيين ومنذ هجمات سبتمبر يقومون بمراقبة مستويات الإشعاع في مواقع إسلامية شملت مساجد وعقارات ومستودعات خاصة بالمسلمين في إطار البحث عن قنابل نووية محتملة وذلك من خلال برنامج سري للغاية.

ما الذي يعنيه هذا الحديث؟

باختصار غير مخل يمكننا القول إن المسلمين في الولايات المتحدة الأمريكية وصل الشك لديهم إلى وضع احتمال امتلاكهم أو في أحسن الأحوال ظناً وشكاً سعيهم لامتلاك أسلحة نووية تهدد أمن البلاد والعباد داخل أمريكا.

وفي شهر أغسطس من عام 2006 استخدم الرئيس الأمريكي جورج بوش تعبير (الفاشيين الإسلاميين) في إشارة إلى هؤلاء الذين حاولوا حسب ما أعلن خطف طائرات أمريكية من مطارات بريطانية وتفجيرها فوق سماء أمريكا.

ومعروف أنه بعد ساعات من الإعلان عن خبر إحباط المؤامرة قال بوش تعليقاً على هذا النبأ إنه (تذكرة قوية بأن هذه الأمة (أمريكا) في حالة حرب مع الفاشيين الإسلاميين الذين يستخدمون أي سبيل لتدمير من يحبون الحرية منا لأجل إيذاء أمتنا).

والمعنى الواضح للعيان في تصريح بوش هو أن هناك ربطاً بين الإسلام كدين والفاشية كحركة طاغية، ويلقي التعبير دونما شك بالشكوك والشبهات على جميع المسلمين حتى الأغلبية العظمى التي تريد العيش في سلام كغيرهم من الأمريكيين على حد تعبير (إيدينا ليكوفيتش) المتحدثة باسم مجلس الشؤون العامة للمسلمين في لوس أنجلوس.

الغرب أساء فهم الإسلام والمسلمين كما أساء فهم حركة الإحياء والتجديد الإسلامي

تقييد الحريات و(أحشاء الخنازير)

وللإشارة إلى الآثار السلبية الناتجة عن شيوع الإسلاموفوبيا أجرت جامعة كورنيل الأمريكية استطلاعاً للرأي حول المساحة التي يجب أن تتاح للمسلمين من الحريات داخل أمريكا وكانت النتيجة التي تدلل على خطورة المشهد الحالي كالآتي:

* 44 في المائة من الأمريكيين، أي ما يقارب من نحو مواطن من كل اثنين، يؤيدون اتخاذ حكومتهم إجراءات من شأنها تقييد حرية المسلمين الأمريكيين الذي يعيشون في وسطهم.

* أظهر الاستطلاع الذي قام عليه طلاب البحوث بالجامعة على نطاق واسع أن الذين يصفون أنفسهم بالمتدينين المسيحيين أو من ذوي الميول المحافظة والمؤيدين للحزب الجمهوري الحاكم هم الأكثر حماس لتضييق الخناق على المسلمين مقارنة بذوي الميول الديمقراطية أو الأقل تديناً.

* أيد 27 في المائة من الذين استطلعت آراؤهم إجبار المسلمين على تسجيل أنفسهم في مناطق سكناهم لدى السلطات الفيدرالية في حين دعا 29 في المائة الحكومة إلى زرع عملاء في أوساط المسلمين والمؤسسات التابعة لهم لمراقبتهم.

* 22 في المائة دعوا إلى وضع المسلمين أو الشرق الأوسطيين تحت المراقبة الدائمة كونهم يشكلون خطراً على البلاد.

ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد بل وصل إلى قيام سيناتور أمريكي بتوزيع مذكرة على 39 من زملائه تقترح طريقة جديدة لوقف هجمات من سماهم الإرهابيين المسلمين من خلال دفنهم مع أحشاء الخنازير.

والفكرة التي اقترحها السيناتور الديمقراطي عن ولاية ماساشوستس (جان جلوديس) كان قد عمد إلى تنفيذها الجنرال جون جوزيف بيرشينج عام 1913 في الفلبين عندما وجه رصاصات مغموسة في دماء الخنازير لمن سماهم المتطرفين الإسلاميين هناك، وحسب ما جاء في المذكرة فإن هذه العملية منعت بشكل فوري المسلمين من دخول الجنة وزجت بهم في النار.

جون إسبوسيتو في مواجهة برنارد لويس

 يعد إسبوسيتو واحداً من أشهر وأهم الأساتذة والباحثين الأمريكيين في العقدين الأخيرين في الولايات المتحدة الأمريكية والذي دارت أعماله حول الإسلام والمسلمين حتى إن هناك شبه إجماع على أن دراساته تتسم بكثير من الموضوعية، لدرجة أنه أضحى يعد نموذجاً فريداً من نماذج العلماء الذين استهدفت دراساتهم الوصول إلى حقيقة الدين الإسلامي، ناهيك عن بحثه في طبيعة ودوافع وتوجهات الحركات الإسلامية الإحيائية، وقد ركز كل جهوده من خلال عمله كأستاذ للأديان والعلاقات الدولية في جامعة جورج تاون للخروج بالأطروحات الأكاديمية إلى منتديات الحوار من خلال مركز التفاهم الإسلامي المسيحي، موجهاً النشاط البحثي هناك لخدمة التقارب بين الإسلام والغرب.

وقدم إسبوسيتو ستة كتب تناولت الإسلام من جوانب شتى كان من أهمها (التهديد الإسلامي.. أسطورة أم حقيقة؟) والدافع من وراء كتابته لهذا العمل على حد شرحه هو تفريغ الحتمية التصادمية التي تقول بضرورة المواجهة الإسلامية المرتقبة مع الغرب من محتواها على أسس من البحث العلمي السليم والتأصيل للمرض لا الحكم على العرض من خلال فهم واع لجذور الإسلام كدين وظاهرة الحراك الإسلامي في القرن العشرين.

والمثير هنا جهة (جون إسبوسيتو) أنه استطاع الوقوف في وجه هذه الهجمة الفكرية على كل ما هو إسلامي واصفاً كتابات هنتنغتون وأطروحات برنارد لويس بأنها جاءت عاجزة عن تعليل وتفسير التجربة الإسلامية، وأنها لم ترو القصة بجوانبها كافة وإن كانت قد ألقت بعض الضوء على كثير من جوانب وتاريخ العلاقات بين الإسلام والغرب، لذا فإن هذا الضوء من وجهة نظره جاء باهتاً طامساً أو مشوهاً للصورة الكاملة، ولم يوضح منها شيئاً بل إنها تسببت في اختزال الإسلام وحركة الإحياء الإسلامي إلى مجرد صور نمطية لإسلام معاد للغرب أو للحرب التي يخوضها الإسلام ضد الحداثة أو للغضب والتطرف والتعصب والإرهاب.

يشير استطلاع للرأي إلى أن 44 في المائة من الأمريكيين يؤيدون اتخاذ الحكومة إجراءات تقيد حركة المسلمين الأمريكيين

والحق أن الرجل كان موضوعياً عندما تساءل متحدياً أولئك المهاجمين للإسلام والمسلمين وعلى رأسهم برنارد لويس حينما قال: هل يمكن أن نتسامح إزاء إطلاق تعميمات مماثلة عند تحليل وتفسير تصرفات ودوافع الغرب؟ وكيف ستكون نظرتنا للمقالات التي تتحدث عن جذور الغضب المسيحي أو الغضب اليهودي وعن القنبلة المسيحية أو القنبلة اليهودية؟

ويعيب إسبوسيتو أشد ما يعيب على التحليل الانتقائي الغربي المتعصب لبعض المشاهد في حياة العرب والمسلمين التي يريد البعض هناك أن يجعل منها الجامع المانع والأمر الذي يصيب كبد الحقيقة وعن زيف لا عن حق، حتى إنه يعلق غير مرة بقوله إن الأمر أصبح بمثابة فرض غشاوة من الجهل على رؤية الغرب للإسلام وللحضارة الإسلامية، وإذا كان الكثيرون من كتابنا العرب ومثقفينا يقولون إن وهم نظرية المؤامرة هو المحرك الرئيسي لأفعالنا التي هي ردود أفعال في واقع الأمر، وليست أفعالاً بالمعنى الإيجابي الأوسع والأشمل فكيف يجيبون عن رؤية إسبوسيتو الأمريكي الجنسية الكاثوليكي المذهب الذي يرى أن وراء محاولة إلباس الإسلام والمسلمين عباءة العدو الأخضر تقف أهداف سياسية يريد البعض خدمتها إلى جانب استراتيجيات عسكرية وأمنية يتطلعون إلى بسطها على كافة الأحوال، ناهيك عن محاولة إرضاء الصهيونية العالمية ودعم الأهداف الإسرائيلية؟

خرافة التهديد الإسلامي للغرب

ويبقى التساؤل الأهم الذي تصدى إسبوسيتو للإجابة عنه هو هل هناك تهديد إسلامي للغرب أم أن مقولة التهديد مجرد أسطورة؟

نقول باختصار غير مخل يرى الأستاذ الكاثوليكي أن الغرب أساء فهم الإسلام والمسلمين، كما أساء فهم حركة الإحياء والتجديد الإسلامي. ويضيف (لقد أخطأ الغرب حينما صوّر في الماضي العرب والمسلمين على أنهم بدو وصحراء وإبل وتعدد زوجات وحريم ثم أخطأ مرة ثانية عندما استبدل هذا التصور بعد الثورة الإيرانية بأنهم ملالي، حاملو بنادق، أصوليون ملتحون، مناهضون بعنف للحضارة الغربية) فاختزل بذلك الاسلام والجهاد الإسلامي في مقولة التطرف والإرهاب الديني مجاوزاً للحقيقة، فالعنف والإرهاب والظلم هي ظواهر إنسانية موجودة في العالم الإسلامي وأيضاً في مناطق أخرى من العالم وبقدر ما تبرز عند اللزوم باسم (الدين الإسلامي) فإنها يمكن أن تبرز كذلك بإسم الدين المسيحي وباسم اليهودية بل وباسم الأيديولوجيات العلمانية.

 لكن كيف رسمت هذه الصورة المغلوطة في أذهان الكثيرين من المفكرين الغربيين المعاصرين عن الإسلام والمسلمين؟

ويعود السبب عند (إسبوسيتو) إلى الحكومات ووسائل الإعلام والتقارير الصحفية والإعلامية المغلوطة، لكنه يميط اللثام كذلك عن الدور الأعظم الذي لعبته إسرائيل وزعماؤها في تضخيم الأصولية الإسلامية من أجل ضمان استمرار قناعة الغرب بأن إسرائيل لا تزال قيمة استراتيجية حيوية لمصالح أمريكا.

وفي محاضرة للبروفيسور إسبوسيتو في المجلس القومي للشؤون الخارجية بالقاهرة أشار إلى أن الرئيس الأمريكي جورج بوش الابن لم يكن لديه قبل انتخابه أي فكرة عن العلاقات الدولية أو عن العالمين العربي والإسلامي ومثله مثل أغلب الشعب الأمريكي كان يجهل كل ما يتعلق بالإسلام حتى استغل اللوبي اليهودي في الولايات المتحدة أحداث الحادي عشر من سبتمبر لتنطلق موجة العداء الرسمي المعلن منه والمبطن.

ويبقى التساؤل هل (الإسلاموفوبيا) مرشحة للتصاعد بما يؤثر سلباً في المسلمين حالياً ومستقبلاً إنه؟ تساؤل في حاجة ماسة للوقوف أمامه ومحاولة إعداد طروحات للإجابة عنه وعن كيفية مجابهة هذه الظاهرة الأخطر في حياة العرب والمسلمين في القرن الحادي والعشرين.

وفي هذا السياق ربما تكون القمة الإسلامية الأخيرة التي عقدت في داكار قد نجحت بالفعل في لفت الأنظار إلى إشكالية (الإسلاموفوبيا) والتعصب والتمييز عموماً ضد الجماعات المسلمة في البلدان غير الإسلامية، وخاصة في الغرب، لاسيما أن الأمين العام للأمم المتحدة دعا إلى إيلاء عناية عاجلة لبيان منظمة المؤتمر الإسلامي حول (الإسلاموفوبيا) الصادر في نيويورك في فبراير 2008، غير أن الأمر في حقيقته يستحق تفكيراً عربياً وإسلامياً عميقاً في مواجهة هذا الوباء الفكري الفتاك والذي هو وبحق أشد خطراً من الحروب والمواجهات العسكرية المسلحة.

::/fulltext::

Getting your Trinity Audio player ready...

::cck::2252::/cck::
::introtext::

شيء ما يدعونا إلى تصديق حديث المؤامرة الموجهة لجهة العالم الإسلامي والمسلمين على نحو خاص، ويتمثل في المحاولات الواضحة والفاضحة لإذكاء نار الإسلاموفوبيا (التخويف مما هو إسلامي) بكل السبل المتاحة والممكنة حول العالم وبصورة خاصة في الولايات المتحدة الأمريكية.

::/introtext::
::fulltext::

شيء ما يدعونا إلى تصديق حديث المؤامرة الموجهة لجهة العالم الإسلامي والمسلمين على نحو خاص، ويتمثل في المحاولات الواضحة والفاضحة لإذكاء نار الإسلاموفوبيا (التخويف مما هو إسلامي) بكل السبل المتاحة والممكنة حول العالم وبصورة خاصة في الولايات المتحدة الأمريكية.

تمثل آخر تلك المشاهد في ما أعلنت عنه جريدة أمريكية أسبوعية من أنها ستوزع مجاناً لمشتركيها الجدد كتاباً مثيراً للجدل لمؤلف أمريكي متطرف يسيء فيه للرسول محمد (صلى الله عليه وسلم)، ويتهمه بحثِّ المسلمين على قتل اليهود وبخيانة صلح الحديبية وخلق اضطرابات في العالم حتى الآن. وقالت مجلة (هيومن إيفنتس) الأمريكية الأسبوعية، المقربة من اليمين الأمريكي والمحافظين والحزب الجمهوري، إنها ستوزع نسخاً مجانية من كتاب للكاتب الأمريكي الأصولي روبرت سبنسر اسمه (الحقيقة حول محمد، مؤسس أكثر ديانة غير متسامحة في العالم) والذي صدر في عام 2006 عن دار نشر ريجنري المتخصصة في الكتب المحافظة وكتب اليمين الأمريكي، وكانت تتخصص في الماضي في الكتب المناهضة للشيوعية، مع العلم بأن سعر الكتاب الأصلي يبلغ نحو 30 دولاراً أمريكياً أي أنه ليس ملحقاً أو كتيباً بل هو كتاب غالي الثمن.

والتساؤل المطروح هو هل بات المفر الوحيد من الأزمات الداخلية المتلاحقة في الولايات المتحدة الأمريكية هو الإسلام والإسلاموفوبيا وتعظيم المخاوف من الفاشية الإسلامية المنحولة التي كثر الحديث عنها بدءاً من ليو شتراوس وبرنارد لويس وصولاً إلى جورج ووكر بوش؟ وهل خلت الولايات المتحدة من رجال صادقين قادرين على دحر ودحض الأكاذيب التي يروج لها نفر من المتحالفين مع الدول والمؤسسات غير الصديقة للعرب والمسلمين، ولا نقول العدو للوجود الإسلامي على الأراضي الأمريكية.

هجوم غير مسبوق.. لماذا؟

في الأشهر القليلة الماضية كانت أمريكا تشهد موجة جديدة من التهجمات غير المسبوقة على الإسلام والمسلمين يدرك معها الناظر للمشهد أن الأمر ليس حوادث فردية، بل هو نهج فعلي يبدو أنه متفق عليه بين العديد من الأطراف الفاعلة ما بين وسائل الإعلام ومن يدفع بها للتطرف القريب من الجنون وبين رجالات الكونغرس ومن يحثهم على تعميق مشاهد الكراهية تجاه العالم الإسلامي.

أما عن الإعلام الأمريكي فحدّث ولا حرج عما جاء به مايكل سافدج صاحب برنامج (سافدج نيشن) أو (الأمة المتوحشة) من تهجمات غير مسبوقة -وبألفاظ يعاقب عليها القانون حال تطبيقه دون تمييز عنصري – على المسلمين وصلواتهم وعباداتهم، ناهيك عن دعواه البغيضة لترحيلهم من البلاد.

وقد وصلت تجاوزات (سافدج) حد انتقاده الحكومة الأمريكية لسماحها بدخول المسلمين إلى أمريكا قائلاً في تساؤل أقرب إلى الاستنكار: (أي أمة عاقلة تعبد الدستور الأمريكي وهو أعظم وثيقة للحرية كتبت على الإطلاق تجلب أناساً يعبدون كتاباً يأمرهم بالعكسي تماماً؟) ويضيف: (لا تخطئوا في هذا الشأن إن القران ليس وثيقة للحرية، إنه وثيقة للعبودية والرق، إنه يعلمك أنك عبد).

والمؤكد أن دعاوى الكراهية الأخيرة عند مايكل آلان وينير المشهور باسم (سافدج) لم تكن الأولى من نوعها، ففي عام 2006 طالب بحظر هجرة المسلمين إلى أمريكا ناصحاً بضرورة جعل بناء المساجد أمراً ضد القانون، وقبل ذلك بعامين جاهر برأي متطرف آخر قال فيه إنه لابد من إجبار المسلمين بالقوة على التحول إلى المسيحية.. إنه الشيء الوحيد الذي يمكنه أن يحولهم إلى كائن إنساني وذلك في مخالفة صريحة للدستور الأمريكي الذي يكفل حرية الدين والعبادة، هذا الدستور الذي يتشدق أنه أفضل وثيقة للحرية.

استعداء متجدد ضد السعودية

إن المتابع المهتم لسير الأحداث في الولايات المتحدة الأمريكية لاسيما في نهاية شهر أكتوبر الماضي يدرك أن هناك توافقاً عجيباً في حملة عدائية جديدة انطلقت ضد المملكة العربية السعودية داخل الكونغرس الأمريكي، كان ذلك في الخامس والعشرين من شهر أكتوبر، وجاءت تصريحات سافدج في التاسع والعشرين وكأنها تروج لما استجد فماذا عن ذلك؟

في ذلك الوقت كان السيناتور الأمريكي أرلن سبكتر اليهودي المعروف بعدائه الدائم للعرب والمسلمين وبإخلاصه المطلق لإسرائيل والذي رحل مؤخراً غير مأسوف عليه يقدم مشروعاً تحت اسم (محاسبة السعودية)، وجاء المشروع يحمل رقم S2243 وذلك على غرار ما جرى من قانون (محاسبة سوريا) من قبل.

وكانت حجة النائب ذي الهوى اليهودي أن القانون (يسعى إلى تشجيع حكومة المملكة العربية السعودية على إنهاء دعمها للمؤسسات التي تمول وتدرب وتحرض الإرهاب إضافة إلى مساعدته وغض الطرف عنه).

وفي هذا السياق كان لابد لأرلن سبكتر من الاستعانة بواحد من أولئك المروجين للخوف من الإسلام المدعو (ستيفن إيمرسون) صاحب الفيلم التسجيلي سيئ السمعة (جهاد في أمريكا) ليستشهد بأقواله العنصرية التي تذهب للقول بتورط السعودية في أعمال إرهابية ودعمها للمقاومة الفلسطينية والعمليات الاستشهادية وتمويلها لانتفاضة القدس كما يسميها، وإيمرسون في كل الأحوال ناشط صهيوني معروف وصاحب سلسلة من الأكاذيب التي تحاول أن تربط بين المملكة خاصة والإسلام عامة وظاهرة العنف المسلح.

هل بات المفر الوحيد من الأزمات الداخلية المتلاحقة في الولايات المتحدة هو الإسلام و(الإسلاموفوبيا)

جذور تاريخية لكراهية الإسلام

أما عن أصل النظرة المضطربة للإسلام اليوم من قبل العديد من الدوائر الغربية فربما تعود في القرون الأخيرة إلى الدور الذي لعبه مارتن لوثر في إذكاء نيران الخلافات ضد كل ما هو مسلم وإسلامي لاسيما بعد وقوع كتاب (ريكولدو دامونيكروتشي) المعادي للإسلام والمسمى (الرد على القرآن) من أعمال القرن الثالث عشر في يده فنقله إلى اللغة الألمانية، وأراد أن يطوره حتى يصبح أكثر (عصرانية) إن جاز التعبير فقدم له بمقدمة طويلة وذيّله بخاتمة، وغلبت على المقدمة والخاتمة مسحة كئيبة سوداوية لصورة الإسلام في أوروبا والتي تبلورت عقب الحروب التي وصفت بالصليبية بما حملته من إرث بغيض.

وفي تلك الأزمنة سيطرت على لوثر وأوروبا من خلفه قناعة مطلقة بأن المسلمين لا يمكن أن يعتنقوا المسيحية، ذلك أن قلوبهم ـ حسب الأكاذيب التي انطلقت ـ مقفلة وينظرون إلى النصوص المسيحية المقدسة باحتقار وهم متعلقون بأضاليل كتاباتهم بقوة وإيمان.

هذه الأصول قادتنا في السنوات القليلة الماضية إلى مرحلة أليمة من الصراعات المذهبية ظهرت معالمها التصادمية في تصريحات عدة، فقبل سنوات عديدة وصف الداعية الأمريكي جيري فالويل والمتوفي مؤخراً نبي الإسلام الكريم بأوصاف لا تليق به.

ما بين الإسلاموفوبيا والفاشية البوشية

والحق أنه لا يستطيع أحد ما أن ينكر أن أحداث الحادي عشر من سبتمبر جرّت وبالاً كثيراً على العرب والمسلمين في كافة الولايات الأمريكية، بل أحيت من جديد مشاعر الخوف من الإسلام والمسلمين، وجعلت من (ظاهرة الإسلاموفوبيا) الظاهرة الأكثر سيطرة على أفكار الأمريكيين، وقد تجلت ردود الفعل في قوانين وقرارات بعضها أعلن عنه والآخر يمارس في نطاق من السرية والكتمان، وكلاهما ليس في صالح مسلمي أمريكا.

فناهيك عن قوانين الأدلة السرية التي كانت سائدة قبل 11/9/2001 والتي كان بمقتضاها يتم إلقاء القبض عشوائياً على أي متهم ومن دون تقديم أي توضيحات وجد مسلمو أمريكا أنفسهم بين أيدي ما يعرف بـ (الباتريوت أكت) أو قانون الحماية الوطنية الداخلي إضافة إلى ما استتبع حياتهم من تعقيدات غداة القانون الجديد الذي أقره الرئيس بوش مؤخراً والخاص بكيفية معاملة المشتبه فيهم.

غير أن تقريراً نشرته مجلة (يو إس نيوز آند وورلد) منذ أكثر من عام ونصف العام ربما أشار إلى أن مسلمي أمريكا يعيشون أياماً عصيبة في تاريخهم، فقد ورد في التقرير أن مسؤولين أمريكيين ومنذ هجمات سبتمبر يقومون بمراقبة مستويات الإشعاع في مواقع إسلامية شملت مساجد وعقارات ومستودعات خاصة بالمسلمين في إطار البحث عن قنابل نووية محتملة وذلك من خلال برنامج سري للغاية.

ما الذي يعنيه هذا الحديث؟

باختصار غير مخل يمكننا القول إن المسلمين في الولايات المتحدة الأمريكية وصل الشك لديهم إلى وضع احتمال امتلاكهم أو في أحسن الأحوال ظناً وشكاً سعيهم لامتلاك أسلحة نووية تهدد أمن البلاد والعباد داخل أمريكا.

وفي شهر أغسطس من عام 2006 استخدم الرئيس الأمريكي جورج بوش تعبير (الفاشيين الإسلاميين) في إشارة إلى هؤلاء الذين حاولوا حسب ما أعلن خطف طائرات أمريكية من مطارات بريطانية وتفجيرها فوق سماء أمريكا.

ومعروف أنه بعد ساعات من الإعلان عن خبر إحباط المؤامرة قال بوش تعليقاً على هذا النبأ إنه (تذكرة قوية بأن هذه الأمة (أمريكا) في حالة حرب مع الفاشيين الإسلاميين الذين يستخدمون أي سبيل لتدمير من يحبون الحرية منا لأجل إيذاء أمتنا).

والمعنى الواضح للعيان في تصريح بوش هو أن هناك ربطاً بين الإسلام كدين والفاشية كحركة طاغية، ويلقي التعبير دونما شك بالشكوك والشبهات على جميع المسلمين حتى الأغلبية العظمى التي تريد العيش في سلام كغيرهم من الأمريكيين على حد تعبير (إيدينا ليكوفيتش) المتحدثة باسم مجلس الشؤون العامة للمسلمين في لوس أنجلوس.

الغرب أساء فهم الإسلام والمسلمين كما أساء فهم حركة الإحياء والتجديد الإسلامي

تقييد الحريات و(أحشاء الخنازير)

وللإشارة إلى الآثار السلبية الناتجة عن شيوع الإسلاموفوبيا أجرت جامعة كورنيل الأمريكية استطلاعاً للرأي حول المساحة التي يجب أن تتاح للمسلمين من الحريات داخل أمريكا وكانت النتيجة التي تدلل على خطورة المشهد الحالي كالآتي:

* 44 في المائة من الأمريكيين، أي ما يقارب من نحو مواطن من كل اثنين، يؤيدون اتخاذ حكومتهم إجراءات من شأنها تقييد حرية المسلمين الأمريكيين الذي يعيشون في وسطهم.

* أظهر الاستطلاع الذي قام عليه طلاب البحوث بالجامعة على نطاق واسع أن الذين يصفون أنفسهم بالمتدينين المسيحيين أو من ذوي الميول المحافظة والمؤيدين للحزب الجمهوري الحاكم هم الأكثر حماس لتضييق الخناق على المسلمين مقارنة بذوي الميول الديمقراطية أو الأقل تديناً.

* أيد 27 في المائة من الذين استطلعت آراؤهم إجبار المسلمين على تسجيل أنفسهم في مناطق سكناهم لدى السلطات الفيدرالية في حين دعا 29 في المائة الحكومة إلى زرع عملاء في أوساط المسلمين والمؤسسات التابعة لهم لمراقبتهم.

* 22 في المائة دعوا إلى وضع المسلمين أو الشرق الأوسطيين تحت المراقبة الدائمة كونهم يشكلون خطراً على البلاد.

ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد بل وصل إلى قيام سيناتور أمريكي بتوزيع مذكرة على 39 من زملائه تقترح طريقة جديدة لوقف هجمات من سماهم الإرهابيين المسلمين من خلال دفنهم مع أحشاء الخنازير.

والفكرة التي اقترحها السيناتور الديمقراطي عن ولاية ماساشوستس (جان جلوديس) كان قد عمد إلى تنفيذها الجنرال جون جوزيف بيرشينج عام 1913 في الفلبين عندما وجه رصاصات مغموسة في دماء الخنازير لمن سماهم المتطرفين الإسلاميين هناك، وحسب ما جاء في المذكرة فإن هذه العملية منعت بشكل فوري المسلمين من دخول الجنة وزجت بهم في النار.

جون إسبوسيتو في مواجهة برنارد لويس

 يعد إسبوسيتو واحداً من أشهر وأهم الأساتذة والباحثين الأمريكيين في العقدين الأخيرين في الولايات المتحدة الأمريكية والذي دارت أعماله حول الإسلام والمسلمين حتى إن هناك شبه إجماع على أن دراساته تتسم بكثير من الموضوعية، لدرجة أنه أضحى يعد نموذجاً فريداً من نماذج العلماء الذين استهدفت دراساتهم الوصول إلى حقيقة الدين الإسلامي، ناهيك عن بحثه في طبيعة ودوافع وتوجهات الحركات الإسلامية الإحيائية، وقد ركز كل جهوده من خلال عمله كأستاذ للأديان والعلاقات الدولية في جامعة جورج تاون للخروج بالأطروحات الأكاديمية إلى منتديات الحوار من خلال مركز التفاهم الإسلامي المسيحي، موجهاً النشاط البحثي هناك لخدمة التقارب بين الإسلام والغرب.

وقدم إسبوسيتو ستة كتب تناولت الإسلام من جوانب شتى كان من أهمها (التهديد الإسلامي.. أسطورة أم حقيقة؟) والدافع من وراء كتابته لهذا العمل على حد شرحه هو تفريغ الحتمية التصادمية التي تقول بضرورة المواجهة الإسلامية المرتقبة مع الغرب من محتواها على أسس من البحث العلمي السليم والتأصيل للمرض لا الحكم على العرض من خلال فهم واع لجذور الإسلام كدين وظاهرة الحراك الإسلامي في القرن العشرين.

والمثير هنا جهة (جون إسبوسيتو) أنه استطاع الوقوف في وجه هذه الهجمة الفكرية على كل ما هو إسلامي واصفاً كتابات هنتنغتون وأطروحات برنارد لويس بأنها جاءت عاجزة عن تعليل وتفسير التجربة الإسلامية، وأنها لم ترو القصة بجوانبها كافة وإن كانت قد ألقت بعض الضوء على كثير من جوانب وتاريخ العلاقات بين الإسلام والغرب، لذا فإن هذا الضوء من وجهة نظره جاء باهتاً طامساً أو مشوهاً للصورة الكاملة، ولم يوضح منها شيئاً بل إنها تسببت في اختزال الإسلام وحركة الإحياء الإسلامي إلى مجرد صور نمطية لإسلام معاد للغرب أو للحرب التي يخوضها الإسلام ضد الحداثة أو للغضب والتطرف والتعصب والإرهاب.

يشير استطلاع للرأي إلى أن 44 في المائة من الأمريكيين يؤيدون اتخاذ الحكومة إجراءات تقيد حركة المسلمين الأمريكيين

والحق أن الرجل كان موضوعياً عندما تساءل متحدياً أولئك المهاجمين للإسلام والمسلمين وعلى رأسهم برنارد لويس حينما قال: هل يمكن أن نتسامح إزاء إطلاق تعميمات مماثلة عند تحليل وتفسير تصرفات ودوافع الغرب؟ وكيف ستكون نظرتنا للمقالات التي تتحدث عن جذور الغضب المسيحي أو الغضب اليهودي وعن القنبلة المسيحية أو القنبلة اليهودية؟

ويعيب إسبوسيتو أشد ما يعيب على التحليل الانتقائي الغربي المتعصب لبعض المشاهد في حياة العرب والمسلمين التي يريد البعض هناك أن يجعل منها الجامع المانع والأمر الذي يصيب كبد الحقيقة وعن زيف لا عن حق، حتى إنه يعلق غير مرة بقوله إن الأمر أصبح بمثابة فرض غشاوة من الجهل على رؤية الغرب للإسلام وللحضارة الإسلامية، وإذا كان الكثيرون من كتابنا العرب ومثقفينا يقولون إن وهم نظرية المؤامرة هو المحرك الرئيسي لأفعالنا التي هي ردود أفعال في واقع الأمر، وليست أفعالاً بالمعنى الإيجابي الأوسع والأشمل فكيف يجيبون عن رؤية إسبوسيتو الأمريكي الجنسية الكاثوليكي المذهب الذي يرى أن وراء محاولة إلباس الإسلام والمسلمين عباءة العدو الأخضر تقف أهداف سياسية يريد البعض خدمتها إلى جانب استراتيجيات عسكرية وأمنية يتطلعون إلى بسطها على كافة الأحوال، ناهيك عن محاولة إرضاء الصهيونية العالمية ودعم الأهداف الإسرائيلية؟

خرافة التهديد الإسلامي للغرب

ويبقى التساؤل الأهم الذي تصدى إسبوسيتو للإجابة عنه هو هل هناك تهديد إسلامي للغرب أم أن مقولة التهديد مجرد أسطورة؟

نقول باختصار غير مخل يرى الأستاذ الكاثوليكي أن الغرب أساء فهم الإسلام والمسلمين، كما أساء فهم حركة الإحياء والتجديد الإسلامي. ويضيف (لقد أخطأ الغرب حينما صوّر في الماضي العرب والمسلمين على أنهم بدو وصحراء وإبل وتعدد زوجات وحريم ثم أخطأ مرة ثانية عندما استبدل هذا التصور بعد الثورة الإيرانية بأنهم ملالي، حاملو بنادق، أصوليون ملتحون، مناهضون بعنف للحضارة الغربية) فاختزل بذلك الاسلام والجهاد الإسلامي في مقولة التطرف والإرهاب الديني مجاوزاً للحقيقة، فالعنف والإرهاب والظلم هي ظواهر إنسانية موجودة في العالم الإسلامي وأيضاً في مناطق أخرى من العالم وبقدر ما تبرز عند اللزوم باسم (الدين الإسلامي) فإنها يمكن أن تبرز كذلك بإسم الدين المسيحي وباسم اليهودية بل وباسم الأيديولوجيات العلمانية.

 لكن كيف رسمت هذه الصورة المغلوطة في أذهان الكثيرين من المفكرين الغربيين المعاصرين عن الإسلام والمسلمين؟

ويعود السبب عند (إسبوسيتو) إلى الحكومات ووسائل الإعلام والتقارير الصحفية والإعلامية المغلوطة، لكنه يميط اللثام كذلك عن الدور الأعظم الذي لعبته إسرائيل وزعماؤها في تضخيم الأصولية الإسلامية من أجل ضمان استمرار قناعة الغرب بأن إسرائيل لا تزال قيمة استراتيجية حيوية لمصالح أمريكا.

وفي محاضرة للبروفيسور إسبوسيتو في المجلس القومي للشؤون الخارجية بالقاهرة أشار إلى أن الرئيس الأمريكي جورج بوش الابن لم يكن لديه قبل انتخابه أي فكرة عن العلاقات الدولية أو عن العالمين العربي والإسلامي ومثله مثل أغلب الشعب الأمريكي كان يجهل كل ما يتعلق بالإسلام حتى استغل اللوبي اليهودي في الولايات المتحدة أحداث الحادي عشر من سبتمبر لتنطلق موجة العداء الرسمي المعلن منه والمبطن.

ويبقى التساؤل هل (الإسلاموفوبيا) مرشحة للتصاعد بما يؤثر سلباً في المسلمين حالياً ومستقبلاً إنه؟ تساؤل في حاجة ماسة للوقوف أمامه ومحاولة إعداد طروحات للإجابة عنه وعن كيفية مجابهة هذه الظاهرة الأخطر في حياة العرب والمسلمين في القرن الحادي والعشرين.

وفي هذا السياق ربما تكون القمة الإسلامية الأخيرة التي عقدت في داكار قد نجحت بالفعل في لفت الأنظار إلى إشكالية (الإسلاموفوبيا) والتعصب والتمييز عموماً ضد الجماعات المسلمة في البلدان غير الإسلامية، وخاصة في الغرب، لاسيما أن الأمين العام للأمم المتحدة دعا إلى إيلاء عناية عاجلة لبيان منظمة المؤتمر الإسلامي حول (الإسلاموفوبيا) الصادر في نيويورك في فبراير 2008، غير أن الأمر في حقيقته يستحق تفكيراً عربياً وإسلامياً عميقاً في مواجهة هذا الوباء الفكري الفتاك والذي هو وبحق أشد خطراً من الحروب والمواجهات العسكرية المسلحة.

::/fulltext::
::cck::2252::/cck::

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *