الهوية الإيرانية والحرب المقبلة

::cck::2391::/cck::
::introtext::

يشكّل الإسلام غير العربي، في إبان صعود القوميات في القرن العشرين وما بعده، أزمة من الجانب السياسي للشعوب الإسلامية غير العربية. وفي الذهن نموذجان: إيران وتركيا، وكلاهما يواجه أزمة مع الذات ومع الغرب، وإن كانت بأشكال مختلفة، والسبب (الإسلام السياسي) أو التطبيق الحديث منه.

::/introtext::
::fulltext::

يشكّل الإسلام غير العربي، في إبان صعود القوميات في القرن العشرين وما بعده، أزمة من الجانب السياسي للشعوب الإسلامية غير العربية. وفي الذهن نموذجان: إيران وتركيا، وكلاهما يواجه أزمة مع الذات ومع الغرب، وإن كانت بأشكال مختلفة، والسبب (الإسلام السياسي) أو التطبيق الحديث منه.

إن إحدى مشكلات إيران اليوم مع الحكم الإسلامي (الجمهورية الإسلامية الإيرانية) أن هناك تناقضاً واضحاً بين تلك الهوية الإسلامية القائمة على التعاليم والتراث الإسلامي، والتي يريد قادة الجمهورية أن ينحتوها لتثبيت الحكم الإسلامي الذي يبتغونه، وبين الهوية القومية الإيرانية المستندة إلى العرق والتراث الآري، والتي ما فتئت تؤثر في التكوين الاجتماعي والسياسي لإيران، كما أنها متجذرة في النسيج الإيراني. وكانت الآرية هي القائدة للهوية الإيرانية من دون أن يتلاشى المكون الإسلامي في معظم سني القرن العشرين، وهي لا تزال فاعلة، وهذا الصدام بين الهويتين يشكل لب المسألة الإيرانية اليوم.

 إيران، تسمية جديدة قررها ضابط شاب طموح هو رضا شاه، أصبح في وقت مبكر وهو الثلث الأول من القرن العشرين، ملكاً على إيران. وكانت إيران قبل ذلك تعرف ببلاد فارس. وهذا الطموح تمثل في الرغبة في بناء دولة حديثة قريبة إلى العلمانية، متأثرة بتجربة مصطفى أتاتورك في تركيا، تسعى في جزء منها إلى الانفكاك عن التراث الإسلامي التقليدي الذي اعتمد لفترة طويلة، وهو توليفة من حكم أسرة إمبراطورية، وشعب يؤثر فيه الملالي.

إلا أن هذه المحاولة كتب لها التعثر مرتين، على الأقل، وبشكل حاد: الأولى عند دخول القوات البريطانية والروسية للإطاحة بالملك المؤسس في السنوات الأولى من الحرب العالمية الثانية، وتنصيب ابنه محمد رضا ملكاً على إيران. والثانية اقتلاع تجربة الملكية عن بكرة أبيها بعد الثورة الإسلامية عام 1979 والإطاحة بحكم محمد رضا مرة واحدة. وفي الحالتين استعين بـ (الإسلام السياسي)، إما في تبرير (الاحتلال) أو تبرير (الانقلاب). وفي الفترة الملكية (1920- 1979) التي امتدت ستة عقود كان الصراع على الهوية الإيرانية/الفارسية صراعاً بين (القومي) و(الإسلامي)، وقف فيه رجال الدين معارضين للشاه الوالد رضا في أكثر من موقف سياسي واجتماعي واقتصادي، إلى درجة أنه في أكثر من مرة قام بتوقيع عقاب جماعي حازم للإسلاميين وهدم المساجد على من تحصّن منهم فيها، تنفيذاً لسياسة (قومية/علمانية) أراد رضا أن تستتب في إيران باتجاه تحديثها على النمط الأوروبي. لكنه لم يكن ليستطيع لا هو ولا ابنه من بعده محمد رضا، أن يفرضا اقتلاعاً كاملاً للتراث الإسلامي السياسي، وأن ينقلبا نهائياً على أفكار القومية الإيرانية. أما في حال إيران الإسلامية التي استحدثت بعد الثورة وحتى الآن، وربما في المستقبل، فلن يكون بمستطاعها أن تفرض (إيران الإسلامية) بتطبيقات جذرية على المجتمع الإيراني (الفارسي)، حيث تنتعش في إيران جذوة قومية حتى إن أخذت وجهاً دينياً مؤقتاً.

ومن هنا تعقدت العلاقة العربية – الإيرانية في الزمن المعاصر. فإيران بوصفها مسلمة تدعو إلى إسلام من نوع آخر (إسلام مُؤيرنْ) إن صح التعبير، في الوقت الذي تلقى فيه دعوتها في الداخل إلى بناء جمهورية إسلامية (نقية) مقاومة مضادة على قاعدة القومية الإيرانية المتجذرة، وتجد المقاومة نفسها في الجوار العربي.

في الوقت الذي يسيطر (أصحاب العمائم) على قيادة إيران اليوم، فإنهم بصفتهم تلك، ينحدرون من أصول عربية في نظر القوميين الإيرانيين، يضاف إليها أنها أصول متحدرة من عرب (بدو متخلفين)! وبهذا فإن مظاهر (إخفاء) أو التقليل من الأصول العربية للحكام الإيرانيين الحاليين تظهر رمزياً في رفض أصحاب العمائم، (حتى إن أتقنوا العربية بسبب انتمائهم لمدارس دينية)، الحديث باللغة العربية مع العرب تأكيداً على انتمائهم للإيرانية (القومية)، هذا الرفض يعوضه اندفاع تجاه العرب، فالسياسة الإيرانية تجاه الخاصرة العربية هي شيء من تعويض غامض للبقاء في (الإسلام العربي) ولكن تحت مظاهر تقديم البديل وهو الإسلام الإيراني، حيث إن (الإسلام العربي) (إسلام مهادن) للغرب، ولا يؤثر في الصراع في فلسطين، في الوقت الذي يظهر (الإسلام الإيراني) مختلفاً، ثورياً ضد الغرب وضد (العربدة الإسرائيلية)، وهذا يفسر توجههم إلى العرب أو إلى شرائح منهم لحشدهم خلف (الإسلام المُؤيرنْ). ففي الوقت الذي تجاورهم أقوام أخرى بعض نسيجها شيعي، كتركيا وأفغانستان وباكستان، إلا أن الاندفاع إلى الخاصرة العربية هو الأكثر وضوحاً، وهو تأكيد على البحث عن الهوية الممتزجة بين الإسلام وبين العرب التي لا يستوي فيها قيام الشعائر الدينية إلا بلسانهمّ! فالعلاقة إذن علاقة (حب-كره) في الوقت نفسه مع محاولة تقديم توليفة جديدة مختلفة.

وعلى الرغم من أن الإسلام العربي دخل إلى إيران في السنوات الأولى من انتشار الدعوة خارج الجزيرة العربية، إلا أن فارس لم تعرّب كما عُرّب غيرها من أمصار المشرق، فقد قَبِل الإيرانيون الدين الإسلامي، وأسبغوا عليه ثقافتهم الزرادشتية. فإذا تبصرنا في عدد من المظاهر الاجتماعية الإيرانية اليوم نجدها ذات تأثير زرادشتي، فالإيرانيون اليوم يحتفلون بـ (النيروز) بشكل أكبر وواضح من الاحتفال بالعيدين الإسلاميين، عيد الفطر وعيد الأضحى، ولو تفحصنا احتفالية الزواج التقليدي الإيراني لرأينا أن جلّها فيما يسمى احتفال (السفرة) زرادشتية الأصل، فقط أضيف إليها وجود نسخة من القرآن (العربي) للتبرك في مائدة تضم أنواعاً من البقوليات والتوابل وأشكالاً من المأكولات. أما اهتمام الإيرانيين بأهل البيت فهو نوع من أنواع التفرد عن الإسلام العربي، الذي في غالبه سنّي. كما ينظر الإيرانيون إلى الثقافة العربية والعرب نظرة دونية يتخللها شيء من العنصرية، وصور آل البيت عندهم هي صور لوجوه إيرانية، متجاوزين عربيتهم إلى إسلامهم ومؤكدين على اضطهادهم وحرمانهم الذي تسبب به أهل السنّة. وإذا قرأنا أدب إيران المعاصر وبحثنا عن إشاراته للعربي، فنجدها في الغالب سلبية إلى حد كبير، بل حتى سقوط نظام الشاه السابق كان يشار إلى دخول الإسلام لإيران على أنه (احتلال عربي) في الأدبيات الرسمية.

ينظر الإيرانيون إلى الثقافة العربية والعرب نظرة دونية يتخللها شيء من العنصرية

ونستطيع أن نفسّر الموقف الإيراني اليوم، من العرب ومن العالم، بأنه شكل من أشكال البحث عن الهوية المضطربة، لكن بتعبير سلبي. ففي الوقت الذي تحمل الثقافة الإيرانية تاريخاً من ازدراء العرب، يحمل العرب تاريخياً مهد الدين الإسلامي الذي يشكل وحدة أصيلة من مكونات الجمهورية الإسلامية، ولا تصح ممارسته إلا بلسان عربي، مما يوقع الهوية الإيرانية الجديدة باضطراب تبحث فيه، ولو على سبيل التعويض، خلق (عرب) يشتركون بهامش مع إيران المسلمة، إما عن طريق المذهب أو عن طريق السياسة.

في المذهب لم ينجرف كثيرون للالتحاق بقيادة إيران المذهبية، بل خرج كثيرون أفراداً وجماعات من الشيعة عن الصيرورة المذهبية الإيرانية، ورفض بعضهم تكريس (ولاية الفقيه) كما في العراق، أو تكريس سيادة الفقيه في قم أو طهران على الجميع، كما حاول السيد خامنئي في فترة سابقة، فقط فئات قليلة ممن خلطوا (المذهب بالسياسة) أضحوا في التيار الإيراني ربما ولأسباب سياسية ومصلحية، بقي لإيران الانخراط في القضايا العربية كقضايا إنسانية وقضايا مناكفة للغرب، ولعل أهمها الحلف الإيراني-السوري، ومناصرة حركة (حماس) السنّية في غزة (نكاية) بمسلمي فلسطين السنّة في الضفة الغربية على خلفية أن أغلبهم مسالمون.

إن حاجة الهوية الإيرانية الإسلامية للعرب للسير في ركابهم أكثر من حاجة العرب، فهي تؤمن للهوية الإيرانية المبتغاة سنداً عربياً يوازن دعواهم في (الإسلام السياسي)، ويبرر لهم في الداخل قدرتهم على أن يكونوا إيرانيين وثوريين وحلفاء مع صلب الإسلام التاريخي العربي، إلا أن ذلك إلى جانب إيجابيته للحكم له ضرر كبير على من ترسخت فيهم مفاهيم القومية الإيرانية في الستين سنة السابقة للحكم الثوري الأخير.

إن أزمة الهوية الثقافية/السياسية الإيرانية تكمن في أنها تبحث عن غطاء عربي بنَفَس إيراني، وهو دليل على أن الاستقرار المبتغى لإيران لابد من أن يوازن في النهاية بين (القومي) و(الإسلامي) في الذات الإيرانية الحديثة، وكما فشل القومي في اجتثاث الإسلامي، فسوف يفشل الإسلامي في اجتثاث القومي المطالب بالعودة إلى الثقافة الإيرانية ذات المنحى الآري والمحدّثة بأفكار غربية حديثة.

وأمام هذه المعضلة المركبة، وهي البحث عن استقرار تتضارب فيه الهويات المتعارضة، تجد إيران نفسها تخوض صراعاً مميتاً مع الآخر، وهذا يفسر الموقف الإيراني من الغرب ومن الصراع في الشرق الأوسط، وأيضاً يفسر الاضطراب السياسي الداخلي الإيراني وصراع القوى المحتدم بين الأجنحة الإيرانية الداخلية، والذي يريد البعض أن (يصدّره) إلى الخارج سواء الإقليمي أو الدولي.

وعلى عكس ما يحدث في إيران، يحدث في تركيا، فبعد محاولات جادة ودؤوبة من كمال أتاتورك والقوميين الأتراك الذين دأبوا على (تغريب) تركيا بكل الوسائل والسبل، من تغيير العادات والتقاليد التركية، إلى تغيير في تركيبة اللغة، إلى أن فشلوا في إخراج تركيا من تخلفها الاقتصادي، وزجوا بها في أتون صراعات مختلفة مع الآخر في الداخل أو الخارج (قبرص)، وجاء الإسلاميون على خلاف ما جاء نظراؤهم الإيرانيون، ليس من انقلاب، لكن من ناتج مخارج صناديق الاقتراع الحر، وقدموا، (وهنا الفارق الجوهري)، قصة نجاح اقتصادية لافتة للنظر، وتدرجوا في التحول الاجتماعي. طبعاً لم يأت ذلك فجأة بل بعد عدد من التجارب القاسية والفاشلة.

المهم في الأمر أن التجربة التركية زادها عمقاً ما يطمح إليه الأتراك في الوصول إلى عضوية السوق الأوروبية المشتركة، الأمر الذي جعلهم يُخضعون تشريعاتهم إلى مسطرة أوروبية في حقوق الإنسان والديمقراطية وعدد من المبادئ التي تعتبرها أوروبا ضرورة سابقة لأي ارتباط سياسي/اقتصادي بها. ومن اللافت أن الأتراك، وهم يستجيبون لتلك المطالب التحديثية الأوروبية، ساعدهم ذلك على انتشال اقتصادهم المريض عن طريق تخليصه من العلل البيروقراطية والممارسات الفاسدة، كما أبقت تركيا الإسلامية علاقات صحية مع الغرب، وحتى مع إسرائيل ذات النكهة الملوثة للعلاقات العربية.

إن تركيا اليوم تمثل قصة نجاح إسلامية منسجمة مع نفسها، وغير متخاصمة مع القومي التركي إلا بدرجات طفيفة، على عكس إيران التي تبحث دون هوادة عن مخرج أو توليفة لكن من دون طائل، قد تأخذها إلى طريق مسدود تجد نفسها فيه تحت عنوان الصراع مع الغرب أو البحث عن نفوذ إقليمي وبناء قوة نووية تعويضاً عن فشل اقتصادي ذريع، وقد تجد نفسها في النهاية في صراع تفقد في محصلته ما حاولت أن تحافظ عَليه، وهو استمرار النظام نفسه.

وبيت القصيد أن البحث عن الهوية الإيرانية/الإسلامية الجديدة، هو بحث عن مجهول، ولا يوجد تحليل نظري –حتى الآن– لتوليفة ناجحة بين الإسلام السياسي (الإيراني) وبين (القومية الآرية)، حتى ممارسة (الانتخابات) فرّغتها القوانين الإيرانية من خلال (تنقية) و(استبعاد) البعض من قوائم المرشحين، ما منعها من أن تأخذ طريقها إلى النضوج.

وأمام هذا كله فمن المحتمل أن تأخذ النخبة الحاكمة الإيرانية بلادها إلى صراع عسكري مع الآخر بسبب انسداد الطرق السياسية لتطوير تجربة الثورة الإيرانية، خاصة إذا سُحبت منها ورقة (الصراع) مع إسرائيل. لذا، من المتوقع أن ينشأ صراع عسكري جديد في الخليج، تكون طرفه هذه المرة إيران الإسلامية، وقد يشهد نهاية هذه التجربة.

::/fulltext::

45-70-ec0
Getting your Trinity Audio player ready...

::cck::2391::/cck::
::introtext::

يشكّل الإسلام غير العربي، في إبان صعود القوميات في القرن العشرين وما بعده، أزمة من الجانب السياسي للشعوب الإسلامية غير العربية. وفي الذهن نموذجان: إيران وتركيا، وكلاهما يواجه أزمة مع الذات ومع الغرب، وإن كانت بأشكال مختلفة، والسبب (الإسلام السياسي) أو التطبيق الحديث منه.

::/introtext::
::fulltext::

يشكّل الإسلام غير العربي، في إبان صعود القوميات في القرن العشرين وما بعده، أزمة من الجانب السياسي للشعوب الإسلامية غير العربية. وفي الذهن نموذجان: إيران وتركيا، وكلاهما يواجه أزمة مع الذات ومع الغرب، وإن كانت بأشكال مختلفة، والسبب (الإسلام السياسي) أو التطبيق الحديث منه.

إن إحدى مشكلات إيران اليوم مع الحكم الإسلامي (الجمهورية الإسلامية الإيرانية) أن هناك تناقضاً واضحاً بين تلك الهوية الإسلامية القائمة على التعاليم والتراث الإسلامي، والتي يريد قادة الجمهورية أن ينحتوها لتثبيت الحكم الإسلامي الذي يبتغونه، وبين الهوية القومية الإيرانية المستندة إلى العرق والتراث الآري، والتي ما فتئت تؤثر في التكوين الاجتماعي والسياسي لإيران، كما أنها متجذرة في النسيج الإيراني. وكانت الآرية هي القائدة للهوية الإيرانية من دون أن يتلاشى المكون الإسلامي في معظم سني القرن العشرين، وهي لا تزال فاعلة، وهذا الصدام بين الهويتين يشكل لب المسألة الإيرانية اليوم.

 إيران، تسمية جديدة قررها ضابط شاب طموح هو رضا شاه، أصبح في وقت مبكر وهو الثلث الأول من القرن العشرين، ملكاً على إيران. وكانت إيران قبل ذلك تعرف ببلاد فارس. وهذا الطموح تمثل في الرغبة في بناء دولة حديثة قريبة إلى العلمانية، متأثرة بتجربة مصطفى أتاتورك في تركيا، تسعى في جزء منها إلى الانفكاك عن التراث الإسلامي التقليدي الذي اعتمد لفترة طويلة، وهو توليفة من حكم أسرة إمبراطورية، وشعب يؤثر فيه الملالي.

إلا أن هذه المحاولة كتب لها التعثر مرتين، على الأقل، وبشكل حاد: الأولى عند دخول القوات البريطانية والروسية للإطاحة بالملك المؤسس في السنوات الأولى من الحرب العالمية الثانية، وتنصيب ابنه محمد رضا ملكاً على إيران. والثانية اقتلاع تجربة الملكية عن بكرة أبيها بعد الثورة الإسلامية عام 1979 والإطاحة بحكم محمد رضا مرة واحدة. وفي الحالتين استعين بـ (الإسلام السياسي)، إما في تبرير (الاحتلال) أو تبرير (الانقلاب). وفي الفترة الملكية (1920- 1979) التي امتدت ستة عقود كان الصراع على الهوية الإيرانية/الفارسية صراعاً بين (القومي) و(الإسلامي)، وقف فيه رجال الدين معارضين للشاه الوالد رضا في أكثر من موقف سياسي واجتماعي واقتصادي، إلى درجة أنه في أكثر من مرة قام بتوقيع عقاب جماعي حازم للإسلاميين وهدم المساجد على من تحصّن منهم فيها، تنفيذاً لسياسة (قومية/علمانية) أراد رضا أن تستتب في إيران باتجاه تحديثها على النمط الأوروبي. لكنه لم يكن ليستطيع لا هو ولا ابنه من بعده محمد رضا، أن يفرضا اقتلاعاً كاملاً للتراث الإسلامي السياسي، وأن ينقلبا نهائياً على أفكار القومية الإيرانية. أما في حال إيران الإسلامية التي استحدثت بعد الثورة وحتى الآن، وربما في المستقبل، فلن يكون بمستطاعها أن تفرض (إيران الإسلامية) بتطبيقات جذرية على المجتمع الإيراني (الفارسي)، حيث تنتعش في إيران جذوة قومية حتى إن أخذت وجهاً دينياً مؤقتاً.

ومن هنا تعقدت العلاقة العربية – الإيرانية في الزمن المعاصر. فإيران بوصفها مسلمة تدعو إلى إسلام من نوع آخر (إسلام مُؤيرنْ) إن صح التعبير، في الوقت الذي تلقى فيه دعوتها في الداخل إلى بناء جمهورية إسلامية (نقية) مقاومة مضادة على قاعدة القومية الإيرانية المتجذرة، وتجد المقاومة نفسها في الجوار العربي.

في الوقت الذي يسيطر (أصحاب العمائم) على قيادة إيران اليوم، فإنهم بصفتهم تلك، ينحدرون من أصول عربية في نظر القوميين الإيرانيين، يضاف إليها أنها أصول متحدرة من عرب (بدو متخلفين)! وبهذا فإن مظاهر (إخفاء) أو التقليل من الأصول العربية للحكام الإيرانيين الحاليين تظهر رمزياً في رفض أصحاب العمائم، (حتى إن أتقنوا العربية بسبب انتمائهم لمدارس دينية)، الحديث باللغة العربية مع العرب تأكيداً على انتمائهم للإيرانية (القومية)، هذا الرفض يعوضه اندفاع تجاه العرب، فالسياسة الإيرانية تجاه الخاصرة العربية هي شيء من تعويض غامض للبقاء في (الإسلام العربي) ولكن تحت مظاهر تقديم البديل وهو الإسلام الإيراني، حيث إن (الإسلام العربي) (إسلام مهادن) للغرب، ولا يؤثر في الصراع في فلسطين، في الوقت الذي يظهر (الإسلام الإيراني) مختلفاً، ثورياً ضد الغرب وضد (العربدة الإسرائيلية)، وهذا يفسر توجههم إلى العرب أو إلى شرائح منهم لحشدهم خلف (الإسلام المُؤيرنْ). ففي الوقت الذي تجاورهم أقوام أخرى بعض نسيجها شيعي، كتركيا وأفغانستان وباكستان، إلا أن الاندفاع إلى الخاصرة العربية هو الأكثر وضوحاً، وهو تأكيد على البحث عن الهوية الممتزجة بين الإسلام وبين العرب التي لا يستوي فيها قيام الشعائر الدينية إلا بلسانهمّ! فالعلاقة إذن علاقة (حب-كره) في الوقت نفسه مع محاولة تقديم توليفة جديدة مختلفة.

وعلى الرغم من أن الإسلام العربي دخل إلى إيران في السنوات الأولى من انتشار الدعوة خارج الجزيرة العربية، إلا أن فارس لم تعرّب كما عُرّب غيرها من أمصار المشرق، فقد قَبِل الإيرانيون الدين الإسلامي، وأسبغوا عليه ثقافتهم الزرادشتية. فإذا تبصرنا في عدد من المظاهر الاجتماعية الإيرانية اليوم نجدها ذات تأثير زرادشتي، فالإيرانيون اليوم يحتفلون بـ (النيروز) بشكل أكبر وواضح من الاحتفال بالعيدين الإسلاميين، عيد الفطر وعيد الأضحى، ولو تفحصنا احتفالية الزواج التقليدي الإيراني لرأينا أن جلّها فيما يسمى احتفال (السفرة) زرادشتية الأصل، فقط أضيف إليها وجود نسخة من القرآن (العربي) للتبرك في مائدة تضم أنواعاً من البقوليات والتوابل وأشكالاً من المأكولات. أما اهتمام الإيرانيين بأهل البيت فهو نوع من أنواع التفرد عن الإسلام العربي، الذي في غالبه سنّي. كما ينظر الإيرانيون إلى الثقافة العربية والعرب نظرة دونية يتخللها شيء من العنصرية، وصور آل البيت عندهم هي صور لوجوه إيرانية، متجاوزين عربيتهم إلى إسلامهم ومؤكدين على اضطهادهم وحرمانهم الذي تسبب به أهل السنّة. وإذا قرأنا أدب إيران المعاصر وبحثنا عن إشاراته للعربي، فنجدها في الغالب سلبية إلى حد كبير، بل حتى سقوط نظام الشاه السابق كان يشار إلى دخول الإسلام لإيران على أنه (احتلال عربي) في الأدبيات الرسمية.

ينظر الإيرانيون إلى الثقافة العربية والعرب نظرة دونية يتخللها شيء من العنصرية

ونستطيع أن نفسّر الموقف الإيراني اليوم، من العرب ومن العالم، بأنه شكل من أشكال البحث عن الهوية المضطربة، لكن بتعبير سلبي. ففي الوقت الذي تحمل الثقافة الإيرانية تاريخاً من ازدراء العرب، يحمل العرب تاريخياً مهد الدين الإسلامي الذي يشكل وحدة أصيلة من مكونات الجمهورية الإسلامية، ولا تصح ممارسته إلا بلسان عربي، مما يوقع الهوية الإيرانية الجديدة باضطراب تبحث فيه، ولو على سبيل التعويض، خلق (عرب) يشتركون بهامش مع إيران المسلمة، إما عن طريق المذهب أو عن طريق السياسة.

في المذهب لم ينجرف كثيرون للالتحاق بقيادة إيران المذهبية، بل خرج كثيرون أفراداً وجماعات من الشيعة عن الصيرورة المذهبية الإيرانية، ورفض بعضهم تكريس (ولاية الفقيه) كما في العراق، أو تكريس سيادة الفقيه في قم أو طهران على الجميع، كما حاول السيد خامنئي في فترة سابقة، فقط فئات قليلة ممن خلطوا (المذهب بالسياسة) أضحوا في التيار الإيراني ربما ولأسباب سياسية ومصلحية، بقي لإيران الانخراط في القضايا العربية كقضايا إنسانية وقضايا مناكفة للغرب، ولعل أهمها الحلف الإيراني-السوري، ومناصرة حركة (حماس) السنّية في غزة (نكاية) بمسلمي فلسطين السنّة في الضفة الغربية على خلفية أن أغلبهم مسالمون.

إن حاجة الهوية الإيرانية الإسلامية للعرب للسير في ركابهم أكثر من حاجة العرب، فهي تؤمن للهوية الإيرانية المبتغاة سنداً عربياً يوازن دعواهم في (الإسلام السياسي)، ويبرر لهم في الداخل قدرتهم على أن يكونوا إيرانيين وثوريين وحلفاء مع صلب الإسلام التاريخي العربي، إلا أن ذلك إلى جانب إيجابيته للحكم له ضرر كبير على من ترسخت فيهم مفاهيم القومية الإيرانية في الستين سنة السابقة للحكم الثوري الأخير.

إن أزمة الهوية الثقافية/السياسية الإيرانية تكمن في أنها تبحث عن غطاء عربي بنَفَس إيراني، وهو دليل على أن الاستقرار المبتغى لإيران لابد من أن يوازن في النهاية بين (القومي) و(الإسلامي) في الذات الإيرانية الحديثة، وكما فشل القومي في اجتثاث الإسلامي، فسوف يفشل الإسلامي في اجتثاث القومي المطالب بالعودة إلى الثقافة الإيرانية ذات المنحى الآري والمحدّثة بأفكار غربية حديثة.

وأمام هذه المعضلة المركبة، وهي البحث عن استقرار تتضارب فيه الهويات المتعارضة، تجد إيران نفسها تخوض صراعاً مميتاً مع الآخر، وهذا يفسر الموقف الإيراني من الغرب ومن الصراع في الشرق الأوسط، وأيضاً يفسر الاضطراب السياسي الداخلي الإيراني وصراع القوى المحتدم بين الأجنحة الإيرانية الداخلية، والذي يريد البعض أن (يصدّره) إلى الخارج سواء الإقليمي أو الدولي.

وعلى عكس ما يحدث في إيران، يحدث في تركيا، فبعد محاولات جادة ودؤوبة من كمال أتاتورك والقوميين الأتراك الذين دأبوا على (تغريب) تركيا بكل الوسائل والسبل، من تغيير العادات والتقاليد التركية، إلى تغيير في تركيبة اللغة، إلى أن فشلوا في إخراج تركيا من تخلفها الاقتصادي، وزجوا بها في أتون صراعات مختلفة مع الآخر في الداخل أو الخارج (قبرص)، وجاء الإسلاميون على خلاف ما جاء نظراؤهم الإيرانيون، ليس من انقلاب، لكن من ناتج مخارج صناديق الاقتراع الحر، وقدموا، (وهنا الفارق الجوهري)، قصة نجاح اقتصادية لافتة للنظر، وتدرجوا في التحول الاجتماعي. طبعاً لم يأت ذلك فجأة بل بعد عدد من التجارب القاسية والفاشلة.

المهم في الأمر أن التجربة التركية زادها عمقاً ما يطمح إليه الأتراك في الوصول إلى عضوية السوق الأوروبية المشتركة، الأمر الذي جعلهم يُخضعون تشريعاتهم إلى مسطرة أوروبية في حقوق الإنسان والديمقراطية وعدد من المبادئ التي تعتبرها أوروبا ضرورة سابقة لأي ارتباط سياسي/اقتصادي بها. ومن اللافت أن الأتراك، وهم يستجيبون لتلك المطالب التحديثية الأوروبية، ساعدهم ذلك على انتشال اقتصادهم المريض عن طريق تخليصه من العلل البيروقراطية والممارسات الفاسدة، كما أبقت تركيا الإسلامية علاقات صحية مع الغرب، وحتى مع إسرائيل ذات النكهة الملوثة للعلاقات العربية.

إن تركيا اليوم تمثل قصة نجاح إسلامية منسجمة مع نفسها، وغير متخاصمة مع القومي التركي إلا بدرجات طفيفة، على عكس إيران التي تبحث دون هوادة عن مخرج أو توليفة لكن من دون طائل، قد تأخذها إلى طريق مسدود تجد نفسها فيه تحت عنوان الصراع مع الغرب أو البحث عن نفوذ إقليمي وبناء قوة نووية تعويضاً عن فشل اقتصادي ذريع، وقد تجد نفسها في النهاية في صراع تفقد في محصلته ما حاولت أن تحافظ عَليه، وهو استمرار النظام نفسه.

وبيت القصيد أن البحث عن الهوية الإيرانية/الإسلامية الجديدة، هو بحث عن مجهول، ولا يوجد تحليل نظري –حتى الآن– لتوليفة ناجحة بين الإسلام السياسي (الإيراني) وبين (القومية الآرية)، حتى ممارسة (الانتخابات) فرّغتها القوانين الإيرانية من خلال (تنقية) و(استبعاد) البعض من قوائم المرشحين، ما منعها من أن تأخذ طريقها إلى النضوج.

وأمام هذا كله فمن المحتمل أن تأخذ النخبة الحاكمة الإيرانية بلادها إلى صراع عسكري مع الآخر بسبب انسداد الطرق السياسية لتطوير تجربة الثورة الإيرانية، خاصة إذا سُحبت منها ورقة (الصراع) مع إسرائيل. لذا، من المتوقع أن ينشأ صراع عسكري جديد في الخليج، تكون طرفه هذه المرة إيران الإسلامية، وقد يشهد نهاية هذه التجربة.

::/fulltext::
::cck::2391::/cck::

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *