جون ماكين واحد من المحافظين الجدد

::cck::2397::/cck::
::introtext::

التدقيق في مواقف مرشح الحزب الجمهوري للرئاسة الأمريكية جون ماكين يكشف حقيقة مهمة، هي أن جون ماكين يعد تجسيداً حقيقياً لأفكار المحافظين الجدد أكثر من الرئيس الأمريكي الحالي جورج بوش. فبوش – مقارنة بماكين – شخص استعان بالمحافظين الجدد بعد أحداث 11/9/2001 نظراً لنفوذهم الواسع داخل إدارته. ويكفي هنا الإشارة إلى أن بوش عبّر خلال حملته الانتخابية عام 2000 عن أفكار تفضل الواقعية والانعزالية على الساحة الخارجية، وهو أمر دفع جهات عربية مختلفة لمساندته في ذلك الحين.

::/introtext::
::fulltext::

التدقيق في مواقف مرشح الحزب الجمهوري للرئاسة الأمريكية جون ماكين يكشف حقيقة مهمة، هي أن جون ماكين يعد تجسيداً حقيقياً لأفكار المحافظين الجدد أكثر من الرئيس الأمريكي الحالي جورج بوش. فبوش – مقارنة بماكين – شخص استعان بالمحافظين الجدد بعد أحداث 11/9/2001 نظراً لنفوذهم الواسع داخل إدارته. ويكفي هنا الإشارة إلى أن بوش عبّر خلال حملته الانتخابية عام 2000 عن أفكار تفضل الواقعية والانعزالية على الساحة الخارجية، وهو أمر دفع جهات عربية مختلفة لمساندته في ذلك الحين.

إن دراسة مواقف جون ماكين، منذ نهاية التسعينات وحتى الآن، توضح أننا أمام أحد أهم المؤمنين بأفكار المحافظين الجدد والمعبّرين عن مواقفهم السياسية بين الساسة الأمريكيين.

التحول من العزلة للسيطرة

والمعروف هنا أن ماكين ينتمي إلى جيل حرب فيتنام وهو جيل فضّل الحذر في التعامل مع قضايا السياسة الخارجية وخاصة في ما يتعلق بالتدخل العسكري، ويقال إن ماكين تردد في مساندة جورج بوش الأب في حرب تحرير الكويت. ولكن تحولاً واضحاً طرأ على مواقف ماكين في النصف الثاني من التسعينات، حيث علت على مواقف ماكين نبرة تنادي بالتدخل العسكري الأمريكي في مناطق كالبلقان لأسباب إنسانية انطلاقاً من تعريف خاص بالمصلحة الأمريكية يتطابق تقريباً مع فكر المحافظين الجدد، حيث رأى ماكين وغيره من المحافظين الجدد أن مصلحة أمريكا تكمن في الحافظ على القطبية الأحادية لأطول فترة زمنية ممكنة من خلال ضمان التفوق العسكري الأمريكي على أقرب منافسيها كروسيا والصين والتدخل في مناطق العالم المختلفة لضمان عدم صعود قوى تؤثر في توازن القوى الإقليمي بشكل يضر بالمصلحة الأمريكية. ولهذا تغير ماكين من شخص يخشى التدخل العسكري إلى شخص يطالب به لأسباب تتعلق بالمصلحة الأمريكية المباشرة وغير المباشرة، كما ينطبق على قضايا كحفظ السلام في البلقان، بل إن ماكين لام على كلينتون تردده في التدخل العسكري الحاسم لضرب الصرب في النصف الثاني من التسعينات، حيث رأى ماكين أن على أمريكا أن تقود العالم، وأن من أهم سمات القيادة الحسم والمصداقية، وأنه ينبغي على أمريكا التدخل بحزم وقوة لمساعدة أصدقائها وهزيمة أعدائها.

مرشح المحافظين الجدد

أفكار ماكين السابقة جعلته بحق مرشح المحافظين الجدد في انتخابات عام 2000 حين واجه جورج دبليو بوش وتفوق عليه في البداية ثم هزم أمامه بفضل مساندة البروتستانت التبشيريين لبوش ضد ماكين الذي يمتلك أجندة ليبرالية على المستوى الداخلي كحال المحافظين الجدد.

ويضم ماكين منذ ذلك الحين بين مستشاريه للسياسية الخارجية عدداً من أبرز ممثلي تيار المحافظين الجدد يتقدمهم ويليام كريستول محرر مجلة (ويكلي ستاندارد) وهي أهم مجلات المحافظين الجدد الأسبوعية، ويقال إن ماكين بدأ قراءة المجلة بانتظام في نهاية التسعينات، وإن علاقته مع كريستول وثيقة حيث يستشيره باستمرار، وإن كريستول قام بترشيح عدد من مساعديه للعمل كمستشارين ومساعدين رئيسيين لماكين، وهم مستشارون ترصد وسائل الإعلام المختلفة مناصبهم المهمة داخل حملة ماكين الرئاسية ومكتبه في مجلس الشيوخ الأمريكي، وقد عمل هؤلاء سابقاً بمناصب محورية في مجلة (ويكلي ستاندارد) وفي مشروع القرن الأمريكي الجديد وهو أبرز مراكز الأبحاث المعبرة عن تيار المحافظين الجدد والذي جمد مؤخراً بسبب سمعته السياسية السيئة.

وقد عبر كريستول وغيره من المحافظين الجدد عن رفضهم لبوش في انتخابات عام 2000 حتى إن كريستول سخر من ذكاء بوش ومن قدرته على التعبير بشكل ذكي عن قضايا السياسة الخارجية أو مناظرة المرشحين الديمقراطيين.

سياسات العظمة الوطنية الأمريكية

هزيمة ماكين أمام بوش أشعرته بمرارة شديدة، وحولته إلى جيش من شخص واحد ضد بوش والقوى السياسية المحافظة المساندة له. و خلال ولاية بوش الأولى عمل ماكين مع الديمقراطيين لمعارضة سياسات بوش الخاصة بخفض الضرائب وتمرير سياسات ديمقراطية خاصة بتقنين التبرعات المالية للحملات الانتخابية والبيئة والصحة، وهو أمر أثار غضب الجمهوريين المحافظين خاصة الجماعات المساندة لبوش وعلى رأسهم البروتستانت التبشيريين الذين هاجمهم ماكين ووصف قادتهم بالتطرف. ولعل ذلك يفسر صورة ماكين الليبرالية لدى الكثيرين، حيث يمتلك ماكين سمعة جيدة كرجل يمتلك سياسيات ليبرالية على المستوى الأمريكي الداخلي وكسياسي جمهوري يمتلك دعماً واسعاً في أوساط الديمقراطيين وقادر على التعاون معهم.

وهنا يشير البعض إلى أن لجون ماكين شخصيتين، واحدة ليبرالية على المستوى الداخلي، والثانية محافظة (صقورية) على المستوى السياسة الخارجية، ويقول من يدققون في مواقفه إنه يؤمن بمبدأ (العظمة الوطنية) وهو مدرسة خاصة بأيديولوجية المحافظين الجدد.

وتنادي سياسات (العظمة الوطنية) بحاجة التيار المحافظ الأمريكي للتعالي على الخلافات (الثقافية الساذجة) التي تفصله عن الديمقراطيين، وعلى رأسها قضايا كالإجهاض وحقوق (الشواذ) والمهاجرين، وعلى الرغم من أن ماكين محافظ بوضوح اجتماعياً إلا أنه يرحب كحال المحافظين الجدد بالتقرب من الليبراليين على ساحة القضايا الداخلية وتبني مواقف منفتحة نسبياً تجاه المهاجرين والحقوق المدنية وحقوق الطبقات الفقيرة والمتوسطة.

وتهدف سياسات (العظمة الوطنية) إلى توحيد الصف الداخلي من أجل تبني سياسات خارجية تدخلية تنشر القيم الأمريكية عبر العالم وتضمن بقاء السيطرة الأمريكية.

ماكين وإسرائيل

وتظهر أفكار ماكين السابقة بوضوح على ساحة السياسة الخارجية، فالرجل تبنى سياسات المحافظين الجدد ونادى بها وأصر عليها قبل بوش نفسه، فماكين طالب بتغيير النظام العراقي منذ أواخر التسعينات، وخلال الفترة ذاتها طالب ماكين بفرملة عملية سلام الشرق الأوسط والسعي لتغيير النظم العربية ابتداء بالنظام العراقي كأسلوب أمثل لتحقيق سلام الشرق الأوسط. فهو يرى أن على أمريكا أن تساند أصدقاءها عبر العالم، ويعتبر أن التزام أمريكا بأمن إسرائيل مطلق، وأن السلام في الشرق الأوسط لن يتحقق من خلال (عملية أوسلو) بل يتحقق من خلال (فصل) الفلسطينيين عن الإسرائيليين في الفترة الحالية وحتى يتغير موقف العرب من إسرائيل.

لذا ساند ماكين (حائط الفصل الإسرائيلي) منذ طرحه إيهود باراك في عام 2000 بعد أن فشلت مفاوضاته مع الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات في أواخر عهد الرئيس الأمريكي السابق بيل كلينتون، وهو فشل حملة ماكين بالكامل للرئيس الراحل عرفات.

ماكين يدعم الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل منذ أواخر التسعينات

ويرى ماكين أن على أمريكا التدخل لضمان حماية إسرائيل حتى تتغير مواقف العرب تجاهها، ويؤمنوا بحقها في البقاء، ويعبر عن عدم ثقته بأي اتفاقيات يوقعها العرب مع إسرائيل، حيث يرى أن النظم العربية دكتاتورية وأنها تحاول الحفاظ على بقائها من خلال لعب لعبة مزدوجة تؤلب فيها عداء شعوبها ضد إسرائيل وأمريكا، ويقول إن العرب دعموا موقف عرفات الرافض للسلام، وإنهم يدعمون حالياً راديكالية الفلسطينيين وعنفهم ضد إسرائيل.

كما ساوى ماكين في مناسبات مختلفة بين مواقف إسرائيل وحربها ضد الجماعات الفلسطينية المسلحة ومواقف أمريكا وحربها ضد من يسميهم بـ (الإسلاميين الراديكاليين) بعد 11/9، مؤكداً أن أمريكا وإسرائيل تحاربان (العدو نفسه) ورفضه لمبدأ (المساواة الأخلاقية) بين العرب وإسرائيل، وهي مواقف تبناها بوش تدريجياً بعد 11/9 تحت ضغط المحافظين الجدد وسبقه إليها جون ماكين.

العراق وإيران

بالطبع كان ماكين من أول وأكبر الداعمين للإطاحة بنظام صدام حسين، ولا يزال ماكين يؤكد أنه مستعد لغزو العراق اليوم مرة أخرى لو لم تكن أمريكا قد قامت بذلك بالفعل، فهو يرى بشكل لا يدع مجالاً للشك أن غزو العراق كان ضرورة وقراراً صحيحاً لكي تؤكد أمريكا للعالم أنها دولة قائدة ذات مصداقية وغير قابلة للتحدي.

وقد دعم ماكين غزو العراق قبل الغزو وبعده، كما انتقد بوش وإدارته بسبب أخطاء ما بعد الغزو، وطالب الإدارة بزيادة القوات الأمريكية هناك، وكان من أكثر المنتقدين لقرار عدم زيادة القوات أسوة ببعض أكبر قادة المحافظين الجدد والذين رأوا في ماكين بطلاً أسطورياً، حيث بات يرتبط اسمه اليوم باستراتيجية زيادة القوات الأمريكية في العراق، التي يريد ماكين البقاء فيها بشكل مفتوح حتى تحقق أمريكا أهدافها، ويتحول العراق إلى نواة نشر الديمقراطية والقيم الأمريكية في الشرق الأوسط كما يأمل ماكين والمحافظون الجدد.

وترتبط بالموقف السابق مواقف متشددة مشابهة ضد سوريا وحزب الله وحماس، أما العداء الأكبر فيكنّه ماكين لإيران التي يرى أنها أكبر الدول المارقة المتحدية لأمريكا في الوقت الحالي، ويؤكد أن خيار الحرب قائم كملاذ أخير لإجهاض جهود إيران لامتلاك الأسلحة النووية.

ويحلو لماكين أن يؤكد في خطاباته أن الفوز في العراق ومواجهة تهديد إيران هما ضمانة لأمن أمريكا ومن ورائها إسرائيل في المنطقة، ويقول البعض إن تشدد ماكين في انتقاد إيران والتأكيد على مصالح إسرائيل نابع من أسباب عدة من بينها فكر المحافظين الجدد الذي يبالغ في تقدير أهمية الشرق الأوسط للسياسة الخارجية الأمريكية، وحرب العراق التي وضعت الشرق الأوسط في قلب تلك السياسة. هذا إضافة إلى رغبة ماكين في استخدام إسرائيل ومواقفه المتشددة في مساندتها للتقرب من البروتستانت التبشيريين وقوى المسيحيين المتشددين داخل الحزب الجمهوري والذين يرفضون مواقف ماكين المنفتحة نسبياً على المستويين الثقافي والاجتماعي، وبذلك تصبح مساندة إسرائيل وسيلة مهمة لماكين لتوحيد القواعد الجماهيرية المحافظة لتقف وراءه في الانتخابات الرئاسية المقبلة.

هل يختلف الرئيس ماكين؟

في مقابل الحجج السابقة هناك من يرى أن ماكين المتشدد حالياً سوف يهادن من مواقفه إذا أصبح رئيساً لسببين على الأقل، أولهما أن ماكين يحظى بدعم عدد كبير وخليط من مستشاري السياسة الخارجية الجمهوريين بمن في ذلك أصحاب التوجهات الواقعية الرافضون لأجندة المحافظين الجدد، ويأتي على رأسهم كولن باول وجيمس بايكر، ويرد المحافظون الجدد المساندون لماكين على تلك الحجة قائلين (إن العبرة بمن ينصت لهم ماكين وهم المحافظون الجدد وليس الواقعيين).

أما الحجة الثانية فتقول إن ماكين سوف يتقيد بمصالح وتقاليد السياسة الأمريكية كما حدث لبوش وغيره من الرؤساء الأمريكيين، فعلى سبيل المثال يدعم ماكين الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل منذ أواخر التسعينات، وخلال زيارته الأخيرة إلى إسرائيل في شهر مارس الماضي أكد ماكين على ذلك، ويرى أصحاب هذا الرأي أن ماكين عندما يصبح رئيساً ينبغي عليه التراجع عن تلك المواقف بسبب تكلفتها السياسية الباهظة.

في مقابل الرأي السابق يمكن الإشارة إلى شخصية ماكين التي تميل للتحدي إلى الدرجة التي جعلته يعلن موقفه تجاه القدس في مؤتمر نظمه العرب الأمريكيون في عام 1999 للتعرف إلى أجندته عندما كان مرشحاً رئاسياً في ذلك الحين، حيث لم يتردد ماكين في ذكر موقفه السلبي من حقوق العرب في القدس أمام العرب الأمريكيين بشكل أثار ملاحظة وسائل الإعلام اليهودية في أمريكا، وهو أمر يشبه تقريباً ما فعله ماكين في زيارته الأخيرة حيث تحدث عن موقفه من القدس في حديث أدلى به لصحف عربية في الأردن، وعندما زار إسرائيل توجه إلى مدينة سيدروت لإعلان مساندته المفتوحة لإسرائيل في الرد على الهجمات الصاروخية الفلسطينية واكتفى بالاتصال هاتفياً بمحمود عباس.

 

 

::/fulltext::

45-100-99c
Getting your Trinity Audio player ready...

::cck::2397::/cck::
::introtext::

التدقيق في مواقف مرشح الحزب الجمهوري للرئاسة الأمريكية جون ماكين يكشف حقيقة مهمة، هي أن جون ماكين يعد تجسيداً حقيقياً لأفكار المحافظين الجدد أكثر من الرئيس الأمريكي الحالي جورج بوش. فبوش – مقارنة بماكين – شخص استعان بالمحافظين الجدد بعد أحداث 11/9/2001 نظراً لنفوذهم الواسع داخل إدارته. ويكفي هنا الإشارة إلى أن بوش عبّر خلال حملته الانتخابية عام 2000 عن أفكار تفضل الواقعية والانعزالية على الساحة الخارجية، وهو أمر دفع جهات عربية مختلفة لمساندته في ذلك الحين.

::/introtext::
::fulltext::

التدقيق في مواقف مرشح الحزب الجمهوري للرئاسة الأمريكية جون ماكين يكشف حقيقة مهمة، هي أن جون ماكين يعد تجسيداً حقيقياً لأفكار المحافظين الجدد أكثر من الرئيس الأمريكي الحالي جورج بوش. فبوش – مقارنة بماكين – شخص استعان بالمحافظين الجدد بعد أحداث 11/9/2001 نظراً لنفوذهم الواسع داخل إدارته. ويكفي هنا الإشارة إلى أن بوش عبّر خلال حملته الانتخابية عام 2000 عن أفكار تفضل الواقعية والانعزالية على الساحة الخارجية، وهو أمر دفع جهات عربية مختلفة لمساندته في ذلك الحين.

إن دراسة مواقف جون ماكين، منذ نهاية التسعينات وحتى الآن، توضح أننا أمام أحد أهم المؤمنين بأفكار المحافظين الجدد والمعبّرين عن مواقفهم السياسية بين الساسة الأمريكيين.

التحول من العزلة للسيطرة

والمعروف هنا أن ماكين ينتمي إلى جيل حرب فيتنام وهو جيل فضّل الحذر في التعامل مع قضايا السياسة الخارجية وخاصة في ما يتعلق بالتدخل العسكري، ويقال إن ماكين تردد في مساندة جورج بوش الأب في حرب تحرير الكويت. ولكن تحولاً واضحاً طرأ على مواقف ماكين في النصف الثاني من التسعينات، حيث علت على مواقف ماكين نبرة تنادي بالتدخل العسكري الأمريكي في مناطق كالبلقان لأسباب إنسانية انطلاقاً من تعريف خاص بالمصلحة الأمريكية يتطابق تقريباً مع فكر المحافظين الجدد، حيث رأى ماكين وغيره من المحافظين الجدد أن مصلحة أمريكا تكمن في الحافظ على القطبية الأحادية لأطول فترة زمنية ممكنة من خلال ضمان التفوق العسكري الأمريكي على أقرب منافسيها كروسيا والصين والتدخل في مناطق العالم المختلفة لضمان عدم صعود قوى تؤثر في توازن القوى الإقليمي بشكل يضر بالمصلحة الأمريكية. ولهذا تغير ماكين من شخص يخشى التدخل العسكري إلى شخص يطالب به لأسباب تتعلق بالمصلحة الأمريكية المباشرة وغير المباشرة، كما ينطبق على قضايا كحفظ السلام في البلقان، بل إن ماكين لام على كلينتون تردده في التدخل العسكري الحاسم لضرب الصرب في النصف الثاني من التسعينات، حيث رأى ماكين أن على أمريكا أن تقود العالم، وأن من أهم سمات القيادة الحسم والمصداقية، وأنه ينبغي على أمريكا التدخل بحزم وقوة لمساعدة أصدقائها وهزيمة أعدائها.

مرشح المحافظين الجدد

أفكار ماكين السابقة جعلته بحق مرشح المحافظين الجدد في انتخابات عام 2000 حين واجه جورج دبليو بوش وتفوق عليه في البداية ثم هزم أمامه بفضل مساندة البروتستانت التبشيريين لبوش ضد ماكين الذي يمتلك أجندة ليبرالية على المستوى الداخلي كحال المحافظين الجدد.

ويضم ماكين منذ ذلك الحين بين مستشاريه للسياسية الخارجية عدداً من أبرز ممثلي تيار المحافظين الجدد يتقدمهم ويليام كريستول محرر مجلة (ويكلي ستاندارد) وهي أهم مجلات المحافظين الجدد الأسبوعية، ويقال إن ماكين بدأ قراءة المجلة بانتظام في نهاية التسعينات، وإن علاقته مع كريستول وثيقة حيث يستشيره باستمرار، وإن كريستول قام بترشيح عدد من مساعديه للعمل كمستشارين ومساعدين رئيسيين لماكين، وهم مستشارون ترصد وسائل الإعلام المختلفة مناصبهم المهمة داخل حملة ماكين الرئاسية ومكتبه في مجلس الشيوخ الأمريكي، وقد عمل هؤلاء سابقاً بمناصب محورية في مجلة (ويكلي ستاندارد) وفي مشروع القرن الأمريكي الجديد وهو أبرز مراكز الأبحاث المعبرة عن تيار المحافظين الجدد والذي جمد مؤخراً بسبب سمعته السياسية السيئة.

وقد عبر كريستول وغيره من المحافظين الجدد عن رفضهم لبوش في انتخابات عام 2000 حتى إن كريستول سخر من ذكاء بوش ومن قدرته على التعبير بشكل ذكي عن قضايا السياسة الخارجية أو مناظرة المرشحين الديمقراطيين.

سياسات العظمة الوطنية الأمريكية

هزيمة ماكين أمام بوش أشعرته بمرارة شديدة، وحولته إلى جيش من شخص واحد ضد بوش والقوى السياسية المحافظة المساندة له. و خلال ولاية بوش الأولى عمل ماكين مع الديمقراطيين لمعارضة سياسات بوش الخاصة بخفض الضرائب وتمرير سياسات ديمقراطية خاصة بتقنين التبرعات المالية للحملات الانتخابية والبيئة والصحة، وهو أمر أثار غضب الجمهوريين المحافظين خاصة الجماعات المساندة لبوش وعلى رأسهم البروتستانت التبشيريين الذين هاجمهم ماكين ووصف قادتهم بالتطرف. ولعل ذلك يفسر صورة ماكين الليبرالية لدى الكثيرين، حيث يمتلك ماكين سمعة جيدة كرجل يمتلك سياسيات ليبرالية على المستوى الأمريكي الداخلي وكسياسي جمهوري يمتلك دعماً واسعاً في أوساط الديمقراطيين وقادر على التعاون معهم.

وهنا يشير البعض إلى أن لجون ماكين شخصيتين، واحدة ليبرالية على المستوى الداخلي، والثانية محافظة (صقورية) على المستوى السياسة الخارجية، ويقول من يدققون في مواقفه إنه يؤمن بمبدأ (العظمة الوطنية) وهو مدرسة خاصة بأيديولوجية المحافظين الجدد.

وتنادي سياسات (العظمة الوطنية) بحاجة التيار المحافظ الأمريكي للتعالي على الخلافات (الثقافية الساذجة) التي تفصله عن الديمقراطيين، وعلى رأسها قضايا كالإجهاض وحقوق (الشواذ) والمهاجرين، وعلى الرغم من أن ماكين محافظ بوضوح اجتماعياً إلا أنه يرحب كحال المحافظين الجدد بالتقرب من الليبراليين على ساحة القضايا الداخلية وتبني مواقف منفتحة نسبياً تجاه المهاجرين والحقوق المدنية وحقوق الطبقات الفقيرة والمتوسطة.

وتهدف سياسات (العظمة الوطنية) إلى توحيد الصف الداخلي من أجل تبني سياسات خارجية تدخلية تنشر القيم الأمريكية عبر العالم وتضمن بقاء السيطرة الأمريكية.

ماكين وإسرائيل

وتظهر أفكار ماكين السابقة بوضوح على ساحة السياسة الخارجية، فالرجل تبنى سياسات المحافظين الجدد ونادى بها وأصر عليها قبل بوش نفسه، فماكين طالب بتغيير النظام العراقي منذ أواخر التسعينات، وخلال الفترة ذاتها طالب ماكين بفرملة عملية سلام الشرق الأوسط والسعي لتغيير النظم العربية ابتداء بالنظام العراقي كأسلوب أمثل لتحقيق سلام الشرق الأوسط. فهو يرى أن على أمريكا أن تساند أصدقاءها عبر العالم، ويعتبر أن التزام أمريكا بأمن إسرائيل مطلق، وأن السلام في الشرق الأوسط لن يتحقق من خلال (عملية أوسلو) بل يتحقق من خلال (فصل) الفلسطينيين عن الإسرائيليين في الفترة الحالية وحتى يتغير موقف العرب من إسرائيل.

لذا ساند ماكين (حائط الفصل الإسرائيلي) منذ طرحه إيهود باراك في عام 2000 بعد أن فشلت مفاوضاته مع الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات في أواخر عهد الرئيس الأمريكي السابق بيل كلينتون، وهو فشل حملة ماكين بالكامل للرئيس الراحل عرفات.

ماكين يدعم الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل منذ أواخر التسعينات

ويرى ماكين أن على أمريكا التدخل لضمان حماية إسرائيل حتى تتغير مواقف العرب تجاهها، ويؤمنوا بحقها في البقاء، ويعبر عن عدم ثقته بأي اتفاقيات يوقعها العرب مع إسرائيل، حيث يرى أن النظم العربية دكتاتورية وأنها تحاول الحفاظ على بقائها من خلال لعب لعبة مزدوجة تؤلب فيها عداء شعوبها ضد إسرائيل وأمريكا، ويقول إن العرب دعموا موقف عرفات الرافض للسلام، وإنهم يدعمون حالياً راديكالية الفلسطينيين وعنفهم ضد إسرائيل.

كما ساوى ماكين في مناسبات مختلفة بين مواقف إسرائيل وحربها ضد الجماعات الفلسطينية المسلحة ومواقف أمريكا وحربها ضد من يسميهم بـ (الإسلاميين الراديكاليين) بعد 11/9، مؤكداً أن أمريكا وإسرائيل تحاربان (العدو نفسه) ورفضه لمبدأ (المساواة الأخلاقية) بين العرب وإسرائيل، وهي مواقف تبناها بوش تدريجياً بعد 11/9 تحت ضغط المحافظين الجدد وسبقه إليها جون ماكين.

العراق وإيران

بالطبع كان ماكين من أول وأكبر الداعمين للإطاحة بنظام صدام حسين، ولا يزال ماكين يؤكد أنه مستعد لغزو العراق اليوم مرة أخرى لو لم تكن أمريكا قد قامت بذلك بالفعل، فهو يرى بشكل لا يدع مجالاً للشك أن غزو العراق كان ضرورة وقراراً صحيحاً لكي تؤكد أمريكا للعالم أنها دولة قائدة ذات مصداقية وغير قابلة للتحدي.

وقد دعم ماكين غزو العراق قبل الغزو وبعده، كما انتقد بوش وإدارته بسبب أخطاء ما بعد الغزو، وطالب الإدارة بزيادة القوات الأمريكية هناك، وكان من أكثر المنتقدين لقرار عدم زيادة القوات أسوة ببعض أكبر قادة المحافظين الجدد والذين رأوا في ماكين بطلاً أسطورياً، حيث بات يرتبط اسمه اليوم باستراتيجية زيادة القوات الأمريكية في العراق، التي يريد ماكين البقاء فيها بشكل مفتوح حتى تحقق أمريكا أهدافها، ويتحول العراق إلى نواة نشر الديمقراطية والقيم الأمريكية في الشرق الأوسط كما يأمل ماكين والمحافظون الجدد.

وترتبط بالموقف السابق مواقف متشددة مشابهة ضد سوريا وحزب الله وحماس، أما العداء الأكبر فيكنّه ماكين لإيران التي يرى أنها أكبر الدول المارقة المتحدية لأمريكا في الوقت الحالي، ويؤكد أن خيار الحرب قائم كملاذ أخير لإجهاض جهود إيران لامتلاك الأسلحة النووية.

ويحلو لماكين أن يؤكد في خطاباته أن الفوز في العراق ومواجهة تهديد إيران هما ضمانة لأمن أمريكا ومن ورائها إسرائيل في المنطقة، ويقول البعض إن تشدد ماكين في انتقاد إيران والتأكيد على مصالح إسرائيل نابع من أسباب عدة من بينها فكر المحافظين الجدد الذي يبالغ في تقدير أهمية الشرق الأوسط للسياسة الخارجية الأمريكية، وحرب العراق التي وضعت الشرق الأوسط في قلب تلك السياسة. هذا إضافة إلى رغبة ماكين في استخدام إسرائيل ومواقفه المتشددة في مساندتها للتقرب من البروتستانت التبشيريين وقوى المسيحيين المتشددين داخل الحزب الجمهوري والذين يرفضون مواقف ماكين المنفتحة نسبياً على المستويين الثقافي والاجتماعي، وبذلك تصبح مساندة إسرائيل وسيلة مهمة لماكين لتوحيد القواعد الجماهيرية المحافظة لتقف وراءه في الانتخابات الرئاسية المقبلة.

هل يختلف الرئيس ماكين؟

في مقابل الحجج السابقة هناك من يرى أن ماكين المتشدد حالياً سوف يهادن من مواقفه إذا أصبح رئيساً لسببين على الأقل، أولهما أن ماكين يحظى بدعم عدد كبير وخليط من مستشاري السياسة الخارجية الجمهوريين بمن في ذلك أصحاب التوجهات الواقعية الرافضون لأجندة المحافظين الجدد، ويأتي على رأسهم كولن باول وجيمس بايكر، ويرد المحافظون الجدد المساندون لماكين على تلك الحجة قائلين (إن العبرة بمن ينصت لهم ماكين وهم المحافظون الجدد وليس الواقعيين).

أما الحجة الثانية فتقول إن ماكين سوف يتقيد بمصالح وتقاليد السياسة الأمريكية كما حدث لبوش وغيره من الرؤساء الأمريكيين، فعلى سبيل المثال يدعم ماكين الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل منذ أواخر التسعينات، وخلال زيارته الأخيرة إلى إسرائيل في شهر مارس الماضي أكد ماكين على ذلك، ويرى أصحاب هذا الرأي أن ماكين عندما يصبح رئيساً ينبغي عليه التراجع عن تلك المواقف بسبب تكلفتها السياسية الباهظة.

في مقابل الرأي السابق يمكن الإشارة إلى شخصية ماكين التي تميل للتحدي إلى الدرجة التي جعلته يعلن موقفه تجاه القدس في مؤتمر نظمه العرب الأمريكيون في عام 1999 للتعرف إلى أجندته عندما كان مرشحاً رئاسياً في ذلك الحين، حيث لم يتردد ماكين في ذكر موقفه السلبي من حقوق العرب في القدس أمام العرب الأمريكيين بشكل أثار ملاحظة وسائل الإعلام اليهودية في أمريكا، وهو أمر يشبه تقريباً ما فعله ماكين في زيارته الأخيرة حيث تحدث عن موقفه من القدس في حديث أدلى به لصحف عربية في الأردن، وعندما زار إسرائيل توجه إلى مدينة سيدروت لإعلان مساندته المفتوحة لإسرائيل في الرد على الهجمات الصاروخية الفلسطينية واكتفى بالاتصال هاتفياً بمحمود عباس.

 

 

::/fulltext::
::cck::2397::/cck::

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *