اتفاقية الصداقة بين بغداد وواشنطن.. تشريع للهيمنة على العراق

::cck::1292::/cck::
::introtext::

يبدو أن الأمور تتجه إلى سيناريو آخر في العراق ما بين الإدارة الأمريكية والائتلاف العراقي الحاكم. السيناريو لا يبدو أنه صراع لكسر العظم، لكنه بالتأكيد ينحو إلى دبلوماسية قاسية وضغوط متبادلة نتيجة للخلاف على موضوع اتفاقية الصداقة والتعاون طويلة الأمد بين بغداد وواشنطن المُزمع البدء في تنفيذها مطلع يناير المقبل. وما يجعل الأمور أكثر تعقيداً هو عدم اتفاق هذه الطبقة السياسية الحليفة جداً للولايات المتحدة على صيغة مُحدّدة لهذه الاتفاقية لدواعٍ مختلفة، ويجعلها مترددة إلى حدّ ما في القبول بصيغتها الحالية.

::/introtext::
::fulltext::

لا يبدو أنه صراع لكسر العظم، لكنه بالتأكيد ينحو إلى دبلوماسية قاسية وضغوط متبادلة نتيجة للخلاف على موضوع اتفاقية الصداقة والتعاون طويلة الأمد بين بغداد وواشنطن المُزمع البدء في تنفيذها مطلع يناير المقبل. وما يجعل الأمور أكثر تعقيداً هو عدم اتفاق هذه الطبقة السياسية الحليفة جداً للولايات المتحدة على صيغة مُحدّدة لهذه الاتفاقية لدواعٍ مختلفة، ويجعلها مترددة إلى حدّ ما في القبول بصيغتها الحالية.

إن الأمور قد تُفسّر (أمريكياً) بشكل مختلف هذه المرة إذا ما تمّ تعريف الرفض أو (التمنّع) العراقي على أنه صدى طبيعي للممانعة الإيرانية لهذه الاتفاقية التي تجلّت بشكل واضح في كلمة علي أكبر ولايتي مستشار المرشد الأعلى للثورة الإسلامية آية الله السيد علي خامنئي للشؤون الدولية خلال ملتقى دور المرجعية في هداية الجيل الصاعد والذي عُقِدَ بمدينة قم الإيرانية في الرابع والعشرين من شهر مايو الماضي، وما تبعها من تصريحات إيرانية مماثلة صدرت عن مستويات عليا في الدولة كتصريحات هاشمي رفسنجاني خلال زيارته إلى السعودية مؤخراً، وتصريحات أحمد خاتمي نائب رئيس مجلس الخبراء، وعلي لاريجاني رئيس البرلمان الإيراني الجديد.

يُضاف إلى ذلك أن التفسير الأمريكي قد يحيِّن التردد الشيعي (العراقي) بالرفض الشيعي (اللبناني) الذي عبّر عنه أمين عام حزب الله في لبنان السيد حسن نصرالله خلال خطابه في الذكرى الثامنة لتحريرالجنوب، والذي أعلن فيه جهاراً رفضه لهذه الاتفاقية وانحيازه التام لخيار توجيه البندقية للمحتل.

وهذا التفسير الأمريكي يحمل أبعاداً مختلفة أيضاً، فإدارة بوش ستفهمها ضمن تعاظم النفوذ الإيراني داخل العراق، وهو نفوذ بات محل إجماع، ويحمل صفة الفك والضم لأية تسويات داخلية سواء أكانت أمنية أو سياسية أو حتى دينية، بل إن الإدارة الأمريكية تعاملت معه بواقعية بعد إجرائها ثلاث جولات من المحادثات مع الجانب الإيراني.

ويدرك الأمريكيون أن الإيرانيين تهمهم أمور عدة داخل العراق، الأمر الأول هو ضرورة التناغم الشيعي-الشيعي القائم على التنوع في عين التضامن والكثرة في عين الوحدة والثبات في عين التعايش، فهم يُدركون (أي الإيرانيين) أن هذا البيت (الشيعي) قد أسهموا في صياغته و(كَيْنَنَتِه)، وبالتالي يتوجب حمايته على الأقل في خطوطه العامة، فالمجلس الأعلى والتيار الصدري وحزب الدعوة الإسلامية وغيرها من التنظيمات العراقية تجمعها بهم خيوط رفيعة منذ زمن.

 

الأمر الثاني، ما يعني الإيرانيين في العراق هو أن يأخذ البيت الشيعي نظرية وحدة الهدف المتزامن مع تعدد الأدوار، فجيش المهدي و(كتائب الحق) و(كتائب السجّاد) وحزبالله يُعمّرون البندقية ضد الوجود الأمريكي داخل العراق لإضعاف مشروعه العسكري، والمجلسيون والدعويون يُمسكون بزمام السلطة السياسية والقوى الأمنية والمرافق الثقافية والاقتصادية لتمكين خيارهم التاريخي وتأمين العلاقات غير المتوترة بين إيران والعراق (الأمريكي). وضمن ذلك فإن الجمهورية الإسلامية الإيرانية تريد للصدر أن يبقى عدواً للأمريكيين والحكيم حليفاً لهم، وأن يظل الصدر محايداً أمام الحكيم، على أن يُبقي الأخير على علاقته الجيدة مع طهران.

السيناريو الآخر الذي قد تُفسّره الولايات المتحدة الأمريكية خارج الرؤية الإيرانية للعراق، هو أن تحالفها مع القيادات الدينية والسياسية (الشيعية) بدأ يدخل حيّز الاختبار الفعلي، وبالتالي فهي أمام نوع جديد من العلاقة المقبوضة، والتي هي ذاتها من أمّن لها في وقت سابق مزيداً من الوقت والشرعية للتموضع داخل العراق عسكرياً وسياسياً، وبات الخيار القريب هو استبدال هذا الحليف أو تكييفه.

فإدارة الرئيس بوش تريد حصد نتائج حربها على العراق بأي ثمن لإعطاء سياسات الإدارة والجمهوريين عموماً مزيداً من الصدقية أمام موجة الانتقادات غير المنتهية من داخل الكونغرس وخارجه بسبب وصول تكاليف تلك الحرب إلى زيادة بنسبة 12 مليار دولار شهرياً، وإذا ما أصبح وجود التمنّع السياسي العراقي لتوقيع هذه الاتفاقية سواء من داخل الائتلاف أو خارجه صلباً فإن الأمريكيين قد يتصرفون كما تصرفوا مع العديد من النخب السياسية في بعض الدول بإجراءات تقضي باستبدال الحلقات الأمنع في تلك القيادات لتمرير اللازم من المشروعات المعلّقة.

وبالرجوع إلى مواقف النخب السياسية العراقية من الاتفاقية المذكورة سنجد أن الأمور مُعبّدة لأي خطوة أمريكية في ذلك الاتجاه، فعضو المجلس الأعلى الإسلامي الشيخ حميد معلة قال تعليقاً على الاتفاقية الأمنية بأن حكومة المالكي أمام خيارات ثلاثة أولها الوصول إلى نقاط توافق بين بغداد وواشنطن، والثاني بتمديد الوجود الأجنبي عاماً آخر في حال لم يتم التوافق على الاتفاقية الحالية، فيما يتضمن الخيار الأخير عدم تمديد بقاء القوات الأمريكية في العـراق.

وعلى الجانب الكردي قال النائب عن التحالف الكردستاني خالد الشواني إن اتفاقية التفاهم الأمني والسياسي والاقتصادي لها مردودات إيجابية على البلاد، لأن العراق دولة فتية، وإبرام مثل هذه الاتفاقيات مع دول لها ثقلها الكبير ستكون له نقاط ومردودات إيجابية، مبدياً تأييده لإبرام هذه الاتفاقية، وهي مفارقة مهمّة ضمن مسطرة المواقف العراقية من توقيع الاتفاقية المذكورة.

أما جبهة التوافق العراقية فقد تساءلت عبر أحد مسؤوليها وهو حسين الفلوجي عن الفائدة من توقيع هذه الاتفاقية، وضرورة عدم تقديم تنازلات والنظر إلى المستقبل برفض الوصاية على العراق من قبل أية دولة كانت.

في حين دعا الصدريون الأحزاب والكتل السياسية إلى رفض اتفاقية التعاون طويلة الأمد، لأنها تمنح الحصانة للقوات الأمريكية، وتمنع القضاء من ملاحقتهم، وتعتبر امتداداً لقرار الحاكم المدني السابق في العراق بول بريمر القاضي بمنح الحصانة لهذه القوات.

وأمام تلك المواقف التي يبدو أن الائتلاف العراقي يتصدرها هذه المرة، بل والبيت الشيعي عموماً على اعتبار أنه الحكم والحاكم، فإن الأمريكيين ربما يتخذون قرارات عدة في هذا السياق وأولها اللعب بالإمكانيات المتاحة لهم على الأرض للتحكّم بنتائج انتخابات المحافظات التي ستجرى في أكتوبر المقبل حسب آخر إعلان لحكومة المالكي.

فعضو مجلس المفوضين العراقيين كريم التميمي قال إن عدد الكيانات السياسية والمرشحين المستقلين الذين تقدموا للتسجيل والمصادقة في المفوضية بلغ أكثر من 140 كياناً سياسياً، أما على مستوى المحافظات فقد بلغ أكثر من 130، متوقعاً أن يصل عدد تلك التنظيمات إلى 300 حزب ومنظمة.

وأمام هذا الانشطار الحزبي أفقياً، ومع وجود الرغبة في العمل خلال الانتخابات المقبلة بنظام القوائم المفتوحة وليس المغلقة وإبعاد تأثير الرموز الدينية ودور العبادة على الناخبين فإن الأمور ستكون مهيأة جداً لأن تستقطب واشنطن إلى جانبها العديد من الأنصار داخل مجالس المحافظات وفي البرلمان المقبل الذي سيُشكّل الحكومة وفقاً لمُخرجات الانتخابات، خاصة وأن الأخبار الواردة تفيد بأن وكالة المخابرات الأمريكية (سي آي إيه) تسعى إلى منح كل نائب عراقي مبلغ ثلاثة ملايين دولار لتمرير الاتفاقية من بوابة مجلس النواب.

ولأن الاتفاقية المذكورة تمس بالسيادة الوطنية عبر تكريس الوجود الأمريكي من خلال 50 قاعدة عسكرية على الأراضي العراقية ولا تُخرج العراق من البند السابع، مع ضمانها حرية التحـرك العسكري الأمريكي جـواً (29 ألف قدم) وأرضاً وبحراً مـن دون التنسـيق مع الحكومة العراقية، واعتقال وسجن أي عراقي يُعتقد أنه يشكّل تهديداً لأمن القوات الأمريكية، بالإضافة إلى الحق في شن عمليات عسكرية لملاحقة (الإرهابيين) من دون الرجوع إلى حكومة بغداد، وكذلك الاحتفاظ بالحصانة القانونية لجنودهم ومقاوليهم وشركاتهم الأمنية، مع عدم إعطاء أية ضمانات لحماية العراق من أي اعتداء خارجي، أو حتى حماية النظام الديمقراطي فيه من أية مخاطر داخلية أو خارجية، أمام كل ذلك فإن الحكومة العراقية وبقية الأحزاب العراقية هي اليوم في مأزق حقيقي أمام جمهورها وأمام أيضاً محيطها العربي والإسلامي، وبخاصة سوريا وإيران اللتان ما زالتا تعانيان هاجساً أمنياً من تماسها مع القوات الأمريكية المرابطة في العراق.

وأمام حيرة الائتلاف بشأن الاتفاقية، ووجود الرغبة الأمريكية في اللعب على نتائج انتخابات المحافظات أو حتى شراء أصوات النواب في البرلمان، فقد يتّجه الأمريكيون إلى تقديم اتفاقية التعاون بينهم وبين العراق إلى الرأي العام العراقي والعربي والإسلامي بصورة أخرى وغير مباشرة على أن تتضمن مذكرة تفسيرية للنصوص الأصلية، تُفضي إلى النتيجة الحالية ذاتها من حيث الامتيازات والشروط والملحقات وحتى الالتزامات، وذلك لضمان تلقّي إعلامي هادئ وسلس.

وربما تكسب الإدارة الأمريكية جزءاً من رضا الائتلاف إذا ما تمّ ذلك وتُقلّل من الضغوط عليه، خاصة وأنه موقف هشّ وغير متماسك ومُحرج في آن واحد، لضرورات استراتيجية يراها خادمة له ولمشروعه السياسي الذي تمثّل اليوم بحكومة المالكي وتوغّله داخل أجهزة الدولة أمنياً واقتصادياً.

الائتلاف العراقي الحاكم اليوم في العراق أمام مفترق طرق، إما أن يرفض الاتفاقية فتدفع واشنطن بفصيل سياسي آخر غير الائتلاف إلى السلطة، وبالتالي يخسر الشيعة حكم العراق الذي فقدوه منذ ثورة العشرين والذي بات مخيالاً حاضراً ضمن غبن سردي تاريخي.

وإما أن يسترضوا أطرافاً داخلية وإقليمية للقبول بهذه الاتفاقية، وفي ذلك يتطلّب منهم أخذ الموافقة من الزعامة الروحية في العراق والمتمثلة في آية الله العظمى علي السيستاني الذي بالتأكيد لن يقبل بهذه الاتفاقية بشكلها الحالي لضرورات شرعية وأخلاقية يراها.

ما يعني الإيرانيين في العراق هو أن يأخذ البيت الشيعي نظرية وحدة الهدف المتزامن مع تعدد الأدوار

وأيضاً فإن جيوب العراق السياسية وبالخصوص تلك المستحصلة لأذرع عسكرية بالإضافة إلى تنظيم القاعدة في بلاد الرافدين تبقى موانع حقيقية على الأرض، بل هي تستطيع تغيير الخرائط السياسية وموازين القوى على الأرض، وبالتالي فهي تحتاج إلى حسابات من نوع خاص.

 كما أن حكومة المالكي ومن ورائها الائتلاف الحاكم يحتاجون إلى استرضاءات إقليمية تتمثّل زاويتها الحادة في الجمهورية الإسلامية الإيرانية التي زارها المالكي مطلع يونيو الماضي. ورغم أن المالكي أعطى تطمينات للإيرانيين بقوله بأنه لن يسمح للأمريكيين من مهاجمة بلادهم عبر الأراضي العراقية حسب ما أفاد مستشاروه، إلاّ أن طهران تُدرك أن المالكي غير قادر على تحقيق ذلك، فهو ضعيف داخلياً أمام سطوة الأحزاب العراقية، فضلاً عن الإدارة الأمريكية التي باتت تبتزه بخسارة سبعين مليار دولار وأربعين في المائة من عملته الصعبة المحمية بأمر رئاسي أمريكي لتحصينها من الملاحقة القضائية. وبالتالي فهي (أي إيران) إن ارتضت أجزاءً من الاتفاقية تتعلّق بقضايا التنمية والإعمار، فهي لتقليل مسؤوليتها كمحيط مجاور لمركز منهار يحتاج إلى تدعيم بُنية أساسية، إلاّ أنها لن تقبل أبداً بأي وجود أمريكي آخر مجاور لها بعد أفغانستان والخليج وتركيا وجزء من القوقاز باعتباره يشكّل خطراً استراتيجياً على أمنها القومي.

هذه المواءمات ربما تكون معقولة في جانب منها وقد تكون مأمولة في الجانب الآخر. وبالتالي فإن الائتلاف الحاكم في بغداد يمر في أهم اختبار حقيقي في علاقته مع الولايات المتحدة الأمريكية لصعوبة الفرز بين المصالح الوطنية وبين ميزان القوى على الأرض والتي لا تميل بالضرورة لصالحه.

وفي المُحصلة فإن الولايات المتحدة الأمريكية لا يمكن، وبأي حال من الأحوال، أن تتنازل عن روح اتفاقية الصداقة (كما تسميها) خاصة وأنها تشكّل جزءاً مهماً من التعويضات التي تصر واشنطن على استحصالها نتيجة لحربها على العراق، وبالتالي فإن معركة النصف الثاني من هذا العام تبقى حاسمة لمستقبل العراق ومستقبل جواره ومحيطه.

 

::/fulltext::

46-88-a3a
Getting your Trinity Audio player ready...

::cck::1292::/cck::
::introtext::

يبدو أن الأمور تتجه إلى سيناريو آخر في العراق ما بين الإدارة الأمريكية والائتلاف العراقي الحاكم. السيناريو لا يبدو أنه صراع لكسر العظم، لكنه بالتأكيد ينحو إلى دبلوماسية قاسية وضغوط متبادلة نتيجة للخلاف على موضوع اتفاقية الصداقة والتعاون طويلة الأمد بين بغداد وواشنطن المُزمع البدء في تنفيذها مطلع يناير المقبل. وما يجعل الأمور أكثر تعقيداً هو عدم اتفاق هذه الطبقة السياسية الحليفة جداً للولايات المتحدة على صيغة مُحدّدة لهذه الاتفاقية لدواعٍ مختلفة، ويجعلها مترددة إلى حدّ ما في القبول بصيغتها الحالية.

::/introtext::
::fulltext::

لا يبدو أنه صراع لكسر العظم، لكنه بالتأكيد ينحو إلى دبلوماسية قاسية وضغوط متبادلة نتيجة للخلاف على موضوع اتفاقية الصداقة والتعاون طويلة الأمد بين بغداد وواشنطن المُزمع البدء في تنفيذها مطلع يناير المقبل. وما يجعل الأمور أكثر تعقيداً هو عدم اتفاق هذه الطبقة السياسية الحليفة جداً للولايات المتحدة على صيغة مُحدّدة لهذه الاتفاقية لدواعٍ مختلفة، ويجعلها مترددة إلى حدّ ما في القبول بصيغتها الحالية.

إن الأمور قد تُفسّر (أمريكياً) بشكل مختلف هذه المرة إذا ما تمّ تعريف الرفض أو (التمنّع) العراقي على أنه صدى طبيعي للممانعة الإيرانية لهذه الاتفاقية التي تجلّت بشكل واضح في كلمة علي أكبر ولايتي مستشار المرشد الأعلى للثورة الإسلامية آية الله السيد علي خامنئي للشؤون الدولية خلال ملتقى دور المرجعية في هداية الجيل الصاعد والذي عُقِدَ بمدينة قم الإيرانية في الرابع والعشرين من شهر مايو الماضي، وما تبعها من تصريحات إيرانية مماثلة صدرت عن مستويات عليا في الدولة كتصريحات هاشمي رفسنجاني خلال زيارته إلى السعودية مؤخراً، وتصريحات أحمد خاتمي نائب رئيس مجلس الخبراء، وعلي لاريجاني رئيس البرلمان الإيراني الجديد.

يُضاف إلى ذلك أن التفسير الأمريكي قد يحيِّن التردد الشيعي (العراقي) بالرفض الشيعي (اللبناني) الذي عبّر عنه أمين عام حزب الله في لبنان السيد حسن نصرالله خلال خطابه في الذكرى الثامنة لتحريرالجنوب، والذي أعلن فيه جهاراً رفضه لهذه الاتفاقية وانحيازه التام لخيار توجيه البندقية للمحتل.

وهذا التفسير الأمريكي يحمل أبعاداً مختلفة أيضاً، فإدارة بوش ستفهمها ضمن تعاظم النفوذ الإيراني داخل العراق، وهو نفوذ بات محل إجماع، ويحمل صفة الفك والضم لأية تسويات داخلية سواء أكانت أمنية أو سياسية أو حتى دينية، بل إن الإدارة الأمريكية تعاملت معه بواقعية بعد إجرائها ثلاث جولات من المحادثات مع الجانب الإيراني.

ويدرك الأمريكيون أن الإيرانيين تهمهم أمور عدة داخل العراق، الأمر الأول هو ضرورة التناغم الشيعي-الشيعي القائم على التنوع في عين التضامن والكثرة في عين الوحدة والثبات في عين التعايش، فهم يُدركون (أي الإيرانيين) أن هذا البيت (الشيعي) قد أسهموا في صياغته و(كَيْنَنَتِه)، وبالتالي يتوجب حمايته على الأقل في خطوطه العامة، فالمجلس الأعلى والتيار الصدري وحزب الدعوة الإسلامية وغيرها من التنظيمات العراقية تجمعها بهم خيوط رفيعة منذ زمن.

 

الأمر الثاني، ما يعني الإيرانيين في العراق هو أن يأخذ البيت الشيعي نظرية وحدة الهدف المتزامن مع تعدد الأدوار، فجيش المهدي و(كتائب الحق) و(كتائب السجّاد) وحزبالله يُعمّرون البندقية ضد الوجود الأمريكي داخل العراق لإضعاف مشروعه العسكري، والمجلسيون والدعويون يُمسكون بزمام السلطة السياسية والقوى الأمنية والمرافق الثقافية والاقتصادية لتمكين خيارهم التاريخي وتأمين العلاقات غير المتوترة بين إيران والعراق (الأمريكي). وضمن ذلك فإن الجمهورية الإسلامية الإيرانية تريد للصدر أن يبقى عدواً للأمريكيين والحكيم حليفاً لهم، وأن يظل الصدر محايداً أمام الحكيم، على أن يُبقي الأخير على علاقته الجيدة مع طهران.

السيناريو الآخر الذي قد تُفسّره الولايات المتحدة الأمريكية خارج الرؤية الإيرانية للعراق، هو أن تحالفها مع القيادات الدينية والسياسية (الشيعية) بدأ يدخل حيّز الاختبار الفعلي، وبالتالي فهي أمام نوع جديد من العلاقة المقبوضة، والتي هي ذاتها من أمّن لها في وقت سابق مزيداً من الوقت والشرعية للتموضع داخل العراق عسكرياً وسياسياً، وبات الخيار القريب هو استبدال هذا الحليف أو تكييفه.

فإدارة الرئيس بوش تريد حصد نتائج حربها على العراق بأي ثمن لإعطاء سياسات الإدارة والجمهوريين عموماً مزيداً من الصدقية أمام موجة الانتقادات غير المنتهية من داخل الكونغرس وخارجه بسبب وصول تكاليف تلك الحرب إلى زيادة بنسبة 12 مليار دولار شهرياً، وإذا ما أصبح وجود التمنّع السياسي العراقي لتوقيع هذه الاتفاقية سواء من داخل الائتلاف أو خارجه صلباً فإن الأمريكيين قد يتصرفون كما تصرفوا مع العديد من النخب السياسية في بعض الدول بإجراءات تقضي باستبدال الحلقات الأمنع في تلك القيادات لتمرير اللازم من المشروعات المعلّقة.

وبالرجوع إلى مواقف النخب السياسية العراقية من الاتفاقية المذكورة سنجد أن الأمور مُعبّدة لأي خطوة أمريكية في ذلك الاتجاه، فعضو المجلس الأعلى الإسلامي الشيخ حميد معلة قال تعليقاً على الاتفاقية الأمنية بأن حكومة المالكي أمام خيارات ثلاثة أولها الوصول إلى نقاط توافق بين بغداد وواشنطن، والثاني بتمديد الوجود الأجنبي عاماً آخر في حال لم يتم التوافق على الاتفاقية الحالية، فيما يتضمن الخيار الأخير عدم تمديد بقاء القوات الأمريكية في العـراق.

وعلى الجانب الكردي قال النائب عن التحالف الكردستاني خالد الشواني إن اتفاقية التفاهم الأمني والسياسي والاقتصادي لها مردودات إيجابية على البلاد، لأن العراق دولة فتية، وإبرام مثل هذه الاتفاقيات مع دول لها ثقلها الكبير ستكون له نقاط ومردودات إيجابية، مبدياً تأييده لإبرام هذه الاتفاقية، وهي مفارقة مهمّة ضمن مسطرة المواقف العراقية من توقيع الاتفاقية المذكورة.

أما جبهة التوافق العراقية فقد تساءلت عبر أحد مسؤوليها وهو حسين الفلوجي عن الفائدة من توقيع هذه الاتفاقية، وضرورة عدم تقديم تنازلات والنظر إلى المستقبل برفض الوصاية على العراق من قبل أية دولة كانت.

في حين دعا الصدريون الأحزاب والكتل السياسية إلى رفض اتفاقية التعاون طويلة الأمد، لأنها تمنح الحصانة للقوات الأمريكية، وتمنع القضاء من ملاحقتهم، وتعتبر امتداداً لقرار الحاكم المدني السابق في العراق بول بريمر القاضي بمنح الحصانة لهذه القوات.

وأمام تلك المواقف التي يبدو أن الائتلاف العراقي يتصدرها هذه المرة، بل والبيت الشيعي عموماً على اعتبار أنه الحكم والحاكم، فإن الأمريكيين ربما يتخذون قرارات عدة في هذا السياق وأولها اللعب بالإمكانيات المتاحة لهم على الأرض للتحكّم بنتائج انتخابات المحافظات التي ستجرى في أكتوبر المقبل حسب آخر إعلان لحكومة المالكي.

فعضو مجلس المفوضين العراقيين كريم التميمي قال إن عدد الكيانات السياسية والمرشحين المستقلين الذين تقدموا للتسجيل والمصادقة في المفوضية بلغ أكثر من 140 كياناً سياسياً، أما على مستوى المحافظات فقد بلغ أكثر من 130، متوقعاً أن يصل عدد تلك التنظيمات إلى 300 حزب ومنظمة.

وأمام هذا الانشطار الحزبي أفقياً، ومع وجود الرغبة في العمل خلال الانتخابات المقبلة بنظام القوائم المفتوحة وليس المغلقة وإبعاد تأثير الرموز الدينية ودور العبادة على الناخبين فإن الأمور ستكون مهيأة جداً لأن تستقطب واشنطن إلى جانبها العديد من الأنصار داخل مجالس المحافظات وفي البرلمان المقبل الذي سيُشكّل الحكومة وفقاً لمُخرجات الانتخابات، خاصة وأن الأخبار الواردة تفيد بأن وكالة المخابرات الأمريكية (سي آي إيه) تسعى إلى منح كل نائب عراقي مبلغ ثلاثة ملايين دولار لتمرير الاتفاقية من بوابة مجلس النواب.

ولأن الاتفاقية المذكورة تمس بالسيادة الوطنية عبر تكريس الوجود الأمريكي من خلال 50 قاعدة عسكرية على الأراضي العراقية ولا تُخرج العراق من البند السابع، مع ضمانها حرية التحـرك العسكري الأمريكي جـواً (29 ألف قدم) وأرضاً وبحراً مـن دون التنسـيق مع الحكومة العراقية، واعتقال وسجن أي عراقي يُعتقد أنه يشكّل تهديداً لأمن القوات الأمريكية، بالإضافة إلى الحق في شن عمليات عسكرية لملاحقة (الإرهابيين) من دون الرجوع إلى حكومة بغداد، وكذلك الاحتفاظ بالحصانة القانونية لجنودهم ومقاوليهم وشركاتهم الأمنية، مع عدم إعطاء أية ضمانات لحماية العراق من أي اعتداء خارجي، أو حتى حماية النظام الديمقراطي فيه من أية مخاطر داخلية أو خارجية، أمام كل ذلك فإن الحكومة العراقية وبقية الأحزاب العراقية هي اليوم في مأزق حقيقي أمام جمهورها وأمام أيضاً محيطها العربي والإسلامي، وبخاصة سوريا وإيران اللتان ما زالتا تعانيان هاجساً أمنياً من تماسها مع القوات الأمريكية المرابطة في العراق.

وأمام حيرة الائتلاف بشأن الاتفاقية، ووجود الرغبة الأمريكية في اللعب على نتائج انتخابات المحافظات أو حتى شراء أصوات النواب في البرلمان، فقد يتّجه الأمريكيون إلى تقديم اتفاقية التعاون بينهم وبين العراق إلى الرأي العام العراقي والعربي والإسلامي بصورة أخرى وغير مباشرة على أن تتضمن مذكرة تفسيرية للنصوص الأصلية، تُفضي إلى النتيجة الحالية ذاتها من حيث الامتيازات والشروط والملحقات وحتى الالتزامات، وذلك لضمان تلقّي إعلامي هادئ وسلس.

وربما تكسب الإدارة الأمريكية جزءاً من رضا الائتلاف إذا ما تمّ ذلك وتُقلّل من الضغوط عليه، خاصة وأنه موقف هشّ وغير متماسك ومُحرج في آن واحد، لضرورات استراتيجية يراها خادمة له ولمشروعه السياسي الذي تمثّل اليوم بحكومة المالكي وتوغّله داخل أجهزة الدولة أمنياً واقتصادياً.

الائتلاف العراقي الحاكم اليوم في العراق أمام مفترق طرق، إما أن يرفض الاتفاقية فتدفع واشنطن بفصيل سياسي آخر غير الائتلاف إلى السلطة، وبالتالي يخسر الشيعة حكم العراق الذي فقدوه منذ ثورة العشرين والذي بات مخيالاً حاضراً ضمن غبن سردي تاريخي.

وإما أن يسترضوا أطرافاً داخلية وإقليمية للقبول بهذه الاتفاقية، وفي ذلك يتطلّب منهم أخذ الموافقة من الزعامة الروحية في العراق والمتمثلة في آية الله العظمى علي السيستاني الذي بالتأكيد لن يقبل بهذه الاتفاقية بشكلها الحالي لضرورات شرعية وأخلاقية يراها.

ما يعني الإيرانيين في العراق هو أن يأخذ البيت الشيعي نظرية وحدة الهدف المتزامن مع تعدد الأدوار

وأيضاً فإن جيوب العراق السياسية وبالخصوص تلك المستحصلة لأذرع عسكرية بالإضافة إلى تنظيم القاعدة في بلاد الرافدين تبقى موانع حقيقية على الأرض، بل هي تستطيع تغيير الخرائط السياسية وموازين القوى على الأرض، وبالتالي فهي تحتاج إلى حسابات من نوع خاص.

 كما أن حكومة المالكي ومن ورائها الائتلاف الحاكم يحتاجون إلى استرضاءات إقليمية تتمثّل زاويتها الحادة في الجمهورية الإسلامية الإيرانية التي زارها المالكي مطلع يونيو الماضي. ورغم أن المالكي أعطى تطمينات للإيرانيين بقوله بأنه لن يسمح للأمريكيين من مهاجمة بلادهم عبر الأراضي العراقية حسب ما أفاد مستشاروه، إلاّ أن طهران تُدرك أن المالكي غير قادر على تحقيق ذلك، فهو ضعيف داخلياً أمام سطوة الأحزاب العراقية، فضلاً عن الإدارة الأمريكية التي باتت تبتزه بخسارة سبعين مليار دولار وأربعين في المائة من عملته الصعبة المحمية بأمر رئاسي أمريكي لتحصينها من الملاحقة القضائية. وبالتالي فهي (أي إيران) إن ارتضت أجزاءً من الاتفاقية تتعلّق بقضايا التنمية والإعمار، فهي لتقليل مسؤوليتها كمحيط مجاور لمركز منهار يحتاج إلى تدعيم بُنية أساسية، إلاّ أنها لن تقبل أبداً بأي وجود أمريكي آخر مجاور لها بعد أفغانستان والخليج وتركيا وجزء من القوقاز باعتباره يشكّل خطراً استراتيجياً على أمنها القومي.

هذه المواءمات ربما تكون معقولة في جانب منها وقد تكون مأمولة في الجانب الآخر. وبالتالي فإن الائتلاف الحاكم في بغداد يمر في أهم اختبار حقيقي في علاقته مع الولايات المتحدة الأمريكية لصعوبة الفرز بين المصالح الوطنية وبين ميزان القوى على الأرض والتي لا تميل بالضرورة لصالحه.

وفي المُحصلة فإن الولايات المتحدة الأمريكية لا يمكن، وبأي حال من الأحوال، أن تتنازل عن روح اتفاقية الصداقة (كما تسميها) خاصة وأنها تشكّل جزءاً مهماً من التعويضات التي تصر واشنطن على استحصالها نتيجة لحربها على العراق، وبالتالي فإن معركة النصف الثاني من هذا العام تبقى حاسمة لمستقبل العراق ومستقبل جواره ومحيطه.

 

::/fulltext::
::cck::1292::/cck::

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *