الموقف الخليجي من مسألة التطبيع مع إسرائيل
::cck::1453::/cck::
::introtext::
تعتبر مسألة التطبيع بين دول الخليج العربية وإسرائيل إحدى المسائل المتفرعة من قضية الصراع العربي – الإسرائيلي الذي بات يحلو للبعض تسميته بالصراع الفلسطيني-الإسرائيلي بعد اتفاقات أوسلو إمعاناً في التعامي عن جوهر هذا الصراع وتملصاً من المسؤوليات وإلا لما كانت مسألة التطبيع بين إسرائيل والدول العربية بشكل عام ودول الخليج بشكل خاص تستحق كل هذا الجدل بين الرفض والقبول على الصعيدين الرسمي والشعبي في العالم العربي وكل هذا الاهتمام من قبل إسرائيل والدول الغربية التي لم تدع وسيلة للتحايل أو الضغط من أجل إكمال عملية التطبيع.
::/introtext::
::fulltext::
تعتبر مسألة التطبيع بين دول الخليج العربية وإسرائيل إحدى المسائل المتفرعة من قضية الصراع العربي – الإسرائيلي الذي بات يحلو للبعض تسميته بالصراع الفلسطيني-الإسرائيلي بعد اتفاقات أوسلو إمعاناً في التعامي عن جوهر هذا الصراع وتملصاً من المسؤوليات وإلا لما كانت مسألة التطبيع بين إسرائيل والدول العربية بشكل عام ودول الخليج بشكل خاص تستحق كل هذا الجدل بين الرفض والقبول على الصعيدين الرسمي والشعبي في العالم العربي وكل هذا الاهتمام من قبل إسرائيل والدول الغربية التي لم تدع وسيلة للتحايل أو الضغط من أجل إكمال عملية التطبيع.
على الرغم من أن اثنتين من الدول العربية هما مصر والأردن أبرمتا اتفاق سلام مع إسرائيل وشرعتا بإقامة علاقات طبيعية مع إسرائيل، كما كان الأمر بالنسبة لمنظمة التحرير الفلسطينية التي أبرمت اتفاقات أوسلو ودخلت في علاقات تفاوض لم تنته بعد مع الدولة العبرية، إلا أن مسألة التطبيع ظلت إلى اليوم تواجه رفضاً شعبياً مستمراً خاصة بعد أن تأكدت الشعوب العربية أن إسرائيل تريد تطبيعاً مجانياً في الوقت الذي تستمر فيه في سياساتها العدوانية ضد العرب، وتريد فرض الاستسلام عليهم لإقامة سلام عادل معهم.
الخلفيات
منذ قيام دولة الاحتلال في فلسطين عام 1948 كانت الدول والشعوب العربية تنظر إلى هذه الدولة باعتبارها كياناً غريباً معادياً للأمة العربية بأجمعها ليس بسبب ما ألحقته بالشعب العربي الفلسطيني من ويلات وتشريد أو بسبب احتلالها للقدس أولى القبلتين لدى المسلمين والذي اكتمل عام 1967، ولكن لأن مرور الأيام أثبت أن هذا الكيان لا يعدو كونه خنجراً غرس في قلب الأمة لأنه لم يوجد أصلاً بمساعدة القوى الاستعمارية إلا من أجل فرض الهيمنة على المنطقة والقضاء على تطلعات شعوبها في النهضة والاستقلال.
ومع أن التدخل العسكري العربي ضد إسرائيل عام 1948 فشل في القضاء على دولة العدوان رغم مشاركة سبعة جيوش عربية في تلك المعركة فقد ظلت النظرة العدائية متبادلة بين الجانبين، إذ اتخذ الصراع أشكالاً أخرى.
ولجأ العرب منذ وقت مبكر إلى سلاح المقاطعة الاقتصادية لكيان الاحتلال وفرض حصار محكم عليه وهو أمر كان قد بدأ منذ عام 1945 لدى تأسيس الجامعة العربية التي أصدرت قراراً يدعو إلى المقاطعة ونظم الإشراف عليها فيما بعد من خلال مكتب مقاطعة إسرائيل الذي أنشئ في 11 مايو 1951 واتخذ من دمشق مقراً له.
وقد كبدت المقاطعة دولة الاحتلال خسائر كبيرة قدرت بعشرات المليارات من الدولارات، وألحقت بها أضراراً كبيرة كانت الولايات المتحدة والدول الغربية تسعى باستمرار إلى تخفيف آثارها في الوقت الذي ظلت تسعى جاهدة ولا تزال إلى إنهاء هذه المقاطعة من خلال عملية التطبيع بين إسرائيل والدول العربية.
دول الخليج ومسيرة الصراع العربي – الإسرائيلي
لم يكن مواطنو الخليج غائبين عما يحدث في فلسطين ولا بعيدين عنه منذ بدايات الصراع الأولى خاصة منذ بدايات القرن الماضي، وتذكر المصادر التاريخية أن وفداً من البحرين قام بزيارة إلى فلسطين مع اندلاع انتفاضة عام 1920 الشهيرة من أجل دعم المجاهدين الفلسطينيين، كما تذكر المصادر نفسها أنه مع صدور قرار تقسيم فلسطين وقيام دولة الاحتلال عام 1948 اندلعت مظاهرات ومسيرات في عدد من المدن الخليجية مثل المنامة والكويت والإحساء والطائف مطالبة بطرد الصهاينة من فلسطين ودعم الشعب الفلسطيني لاستعادة وطنه السليب في الوقت الذي تجاوبت فيه الحكومات الخليجية بقوة مع قرار المقاطعة العربية.
لم يكن مواطنو الخليج غائبين عما يحدث في فلسطين ولا بعيدين عنه منذ بدايات الصراع الأولى
وقد تأسست مكاتب للمقاطعة العربية منذ عام 1963 في كل من المنامة والكويت وبقية دول الخليج، حيث مارست هذه المكاتب دوراً كبيراً في منع أي اختراق اقتصادي أو ثقافي من قبل إسرائيل في الوقت الذي شكل فيه الوعي الشعبي لدى شعوب الخليج بمخاطر الاستهداف الصهيوني لمنطقة الخليج حصناً منيعاً ضد أي نوع من أنواع التطبيع مما أفشل كل المحاولات الغربية المبكرة لإقحام دول الخليج في مشاريع تطبيع سرية أو علنية مع إسرائيل.
ويذكر التاريخ الحديث أن دول الخليج العربية وفي مقدمتها دولة الكويت لعبت دوراً أساسياً في دعم حركة المقاومة الفلسطيينة التي انطلقت عقب هزيمة حزيران عام 1967، وقدمت منطقة الخليج لهذه المقاومة كل أشكال الدعم المادي والمعنوي، بل والمشاركة الفعلية من قبل أبناء الخليج الذين انخرطوا في صفوف المقاتلين الفلسطينيين.
دول الخليج في الاستراتيجية الصهيونية
تنبع أهمية دول الخليج بالنسبة لإسرائيل والحركة الصهيونية من إدراكها أن الدعم المالي لأي حرب أو مواجهة عربية معها يأتي من دول الخليج بالدرجة الأولى، وبالطبع فإن إسرائيل لم تنس الدور الذي قامت به دول الخليج في حرب 1973 من خلال استخدام البترول كسلاح في تلك الحرب.
كما تدرك إسرائيل أن الدعم المالي الرسمي والشعبي للمقاومة الفلسطينية كان يأتي بشكل أساسي من دول الخليج، ولذلك كان تحييد هذه القوة من خلال التطبيع وكسر جدار المقاطعة هدفاً إسرائيلياً استراتيجياً ولأن استمرار الإخفاق في كسر جدار المقاطعة في الخليج يعتبر إخفاقاً لمشاريع التطبيع الأخرى في العالم العربي.
ومع تطور اقتصادات دول الخليج التي تعتبر من أغنى دول العالم بثرواتها النفطية خاصة زيادة وفوراتها المالية كانت إسرائيل تزداد حرصاً على اختراق جدار المقاطعة وصولاً إلى الأسواق الاستهلاكية الضخمة في دول الخليج والتي يسيل لها لعاب الكيان الصهيوني الذي يسعى إلى دخول هذه الأسواق من أجل الاستفادة منها لتعظيم شأن الصناعة الإسرائيلية وضمان عوائد مالية ضخمة لدعم اقتصادها.
وقد حاولت إسرائيل جاهدة منذ السنوات الأولى لقيامها اختراق جدار المقاطعة من خلال إنشاء وحدة اقتصادية في جهاز الموساد الصهيوني كانت مهمتها مكافحة المقاطعة العربية، وكان مركز هذا النشاط جزيرة قبرص بشكل أساسي، حيث كان الموساد يجند رجال أعمال عرباً من خلال منحهم خصومات وتسهيلات تجارية كبيرة، ويضع ماركة تجارية مزيفة تحمل اسم دولة أجنبية على المنتجات الإسرائيلية لإعادة تصديرها إلى دول الخليج.
ولاشك في أن الوضع بات مختلفاً اليوم، إذ باتت البضائع الإسرائيلية تدخل بشكل علني وإن كان خجولاً طبقاً لاتفاقيات ارتبطت بها بعض الدول الخليجية خاصة ما يتعلق باتفاقيات التجارة الحرة.
ولاشك أيضاً في أن دخول دول الخليج في درب التطبيع سيكون آخر الحلقات العربية المهمة التي كانت عائقاً في سبيل تحقيق الجزء الأكبر من الاستراتيجية الصهيونية، وبذلك سوف تترسخ في قناعات القيادات السياسية العربية أن إسرائيل لا يمكن مقاومتها انطلاقاً من قوتها النووية المدعومة من الولايات المتحدة، وبالتالي ليس أمام العرب سوى الاستسلام وقبول المشاريع الإسرائيلية للمنطقة وفي مقدمتها مشروع الشرق الأوسط الكبير الذي تقوده إسرائيل في مواجهة إيران التي تريد إسرائيل أن تستبدل العداء العربي لها بالعداء لإيران.
الضغوط الإسرائيلية والغربية على دول الخليج
تزايدت الضغوط التي مورست على دول الخليج من أجل التطبيع مع إسرائيل شيئاً فشيئاً بعد توقيع اتفاقات كامب ديفيد بين مصر وإسرائيل عام 1979 وإجماع الدول العربية على عزل مصر في ذلك الحين ونقل مقر الجامعة العربية من القاهرة لكن مسار التطبيع في ذلك الوقت اتجه في نحو إنهاء عزلة مصر ومقاطعتها خاصة على الصعيد الرسمي، وكان تطبيع العلاقات مع القاهرة يعني ضمناً القبول بفكرة التطبيع مع إسرائيل وهو ما تتوج بالفعل في توقيع اتفاق (وادي عربة) للسلام بين إسرائيل والأردن ثم اتفاقات أوسلو بين منظمة التحرير الفلسطيينة وإسرائيل الذي رحبت به دول الخليج، وأعلنت بعده عن موافقتها على الشروع بإقامة روابط اقتصادية وتجارية مع إسرائيل.
ولاشك في أن وتيرة الضغوط الغربية وحجمها تزايدت بشكل كبير وسافر بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر في نيويورك، وكانت هذه الضغوط تتجه إلى مسائل مثل حقوق الإنسان ومكافحة التطرف الديني وتحسين سجل دول المنطقة في مجال التمييز ضد المرأة وتحقيق إنجازات على صعيد الإصلاحات الديمقراطية بالإضافة إلى مسألة التطبيع مع إسرائيل.
وفي ظل هذه الأجواء أبدت معظم العواصم الخليجية تجاوباً كبيراً مع مسألة التطبيع مع إسرائيل رضوخاً لهذه الضغوط، فما كان من الولايات المتحدة والدول الغربية إلا أن صرفت النظر عن بقية المطالب الأخرى.
مسيرة التطبيع الخليجية
يمكن بشكل عام رصد مستويين في هذه المسيرة المستوى الشعبي الذي رفض ولا يزال يرفض فكرة التطبيع من أساسها بغض النظر عن أي مبررات.
أما المستوى الثاني فهو المستوى الرسمي وقد تميز بالحذر والاضطراب في ما يتعلق بهذه المسألة، وتتفاوت مواقف الدول الخليجية من هذه المسألة، وعموماً فإن تباين مواقف دول الخليج من التطبيع يشير إلى عدم التنسيق بين حكومات هذه الدول بشأن المسألة. ولعل السبب وراء هذا الاضطراب يعود أصلاً إلى استمرار السياسات العدوانية والعنجهية الإسرائيلية بخصوص قضايا المنطقة مما يجعل دول الخليج تشعر بالحرج خاصة في ظل غياب أي أفق لتحقيق تقدم في عملية السلام بين إسرائيل والفلسطينيين.
وكانت مسيرة التطبيع قد بدأت بين إسرائيل ودول الخليج خلال عامي (1994-1995) عندما زارت وفود إسرائيلية كلاً من مسقط وقطر والبحرين، حيث رحبت مسقط بإقامة مركز شرق أوسطي لأبحاث تحلية مياه البحر يستند إلى التكنولوجيا الإسرائيلية في هذا المجال. كما طرحت قطر فكرة مد خط أنابيب لنقل الغاز والنفط إلى إسرائيل، وفي عام 1995 شارك رجال أعمال سعوديون وإسرائيليون في مؤتمر عقد في الولايات المتحدة، وفي العام نفسه شارك وفد قطري في تشييع جنازة رئيس الوزراء الإسرائيلي إسحاق رابين الذي اغتيل في ذلك الحين، وفي هذه الأثناء بدأت الشركات الإسرائيلية تنشط من أجل التواجد في السوق الخليجي من خلال إقامة مشاريع مشتركة.
تأسست مكاتب للمقاطعة العربية منذ عام 1963 في كل من المنامة والكويت وبقية دول الخليج
وربما كانت مبادرة خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز (الذي كان آنذاك ولياً للعهد) خلال قمة بيروت الشهيرة نقلة نوعية سياسية في مواقف دول الخليج من عملية التطبيع، إذ أضفت تلك المبادرة الشرعية على عملية التطبيع المشروط، خاصة وأن المبادرة جاءت هذه المرة من المملكة العربية السعودية وهي دولة لها تأثير كبير على الصعيدين العربي والإسلامي وهو ما كانت إسرائيل تسعى إليه منذ زمن بعيد، فالمباركة السعودية لعملية التطبيع بما تمثله المملكة من ثقل بالإضافة إلى العمق الثقافي والسياسي الذي مثلته مصر والأردن كانا ولا شك مكسباً إسرائيلياً لم تكن تحلم به إسرائيل على طريق إسقاط المقاطعة العربية حتى إن كان على الصعيد الرسمي خاصة وأن إسرائيل استطاعت فيما بعد أن تفرغ المبادرة السعودية من مضمونها السياسي الخاص بعملية السلام بين العرب وإسرائيل.
وهكذا استطاعت إسرائيل مع مرور الأيام الحصول على تطبيع تدريجي من خلال التحايل الأمريكي والإسرائيلي لدفع دول المنطقة إلى التطبيع من الباب الخلفي وبشكل واقعي تمهيداً لأن يصبح الأمر رسمياً خاصة في ما يتعلق باتفاقيات التجارة الحرة بين دول الخليج والولايات المتحدة، مما أثمر رفع الحظر عن البضائع الإسرائيلية طبقاً لهذه الاتفاقيات.
المقاومة الشعبية لعملية التطبيع
مثلما كانت الحال في مصر والأردن من الرفض الشعبي لعملية التطبيع، فإن الرفض الشعبي الخليجي كان أقوى مما هو في هذين البلدين نظراً لاختلاف الظروف السياسية والاقتصادية ونظراً أيضاً للشعور الديني القوي لدى شعوب الخليج، ومن هنا أخذت تبرز فكرة تغيير المناهج وإدخال تغييرات ثقافية على المنطقة هدفها التأثير في الوعي الشعبي.
وكان مواطنو الخليج قد بادروا، في مواجهة عملية التطبيع الرسمي، إلى إنشاء أول مؤسسة خليجية شعبية مشتركة هي (المؤتمر الشعبي لمقاومة التطبيع مع الكيان الصهيوني)، وعلى أثر ذلك تأسست الجمعية البحرينية لمقاومة التطبيع وكذلك لجنة الإمارات لمقاومة التطبيع.
وعقدت مؤتمرات عدة في الكويت والبحرين شارك فيها عدد كبير من أبناء الخليج استشعاراً منهم لخطورة ما يجري على المستوى الرسمي وخطورة الاستهداف الصهيوني للمنطقة، وهكذا فنتيجة للضغوط الشعبية التي تعرضت لها حكومتا قطر وعُمان فقد قررت الدولتان إغلاق مكتب التمثيل الإسرائيلي في كل من الدوحة ومسقط، وتقوم استراتيجية المؤتمر الشعبي لمقاومة التطبيع على تفعيل دور مكاتب المقاطعة العربية لإسرائيل في العواصم الخليجية والقيام بحملات شعبية لتحصين الأجيال الجديدة من أي استهداف صهيوني بالإضافة إلى أنشطة ذات أبعاد تربوية وثقافية كتدريس مادة الصراع العربي – الإسرائيلي في المدارس والجامعات، كما يقوم المؤتمر بتبادل الخبرات بين الجمعيات الخليجية لمقاومة التطبيع ومثيلاتها في البلاد العربية الأخرى وحركات مقاومة العنصرية والعولمة على الصعيد الدولي، بالإضافة إلى العمل على دعم كفاح الشعب الفلسطيني في مواجهة إسرائيل.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::1453::/cck::
::introtext::
تعتبر مسألة التطبيع بين دول الخليج العربية وإسرائيل إحدى المسائل المتفرعة من قضية الصراع العربي – الإسرائيلي الذي بات يحلو للبعض تسميته بالصراع الفلسطيني-الإسرائيلي بعد اتفاقات أوسلو إمعاناً في التعامي عن جوهر هذا الصراع وتملصاً من المسؤوليات وإلا لما كانت مسألة التطبيع بين إسرائيل والدول العربية بشكل عام ودول الخليج بشكل خاص تستحق كل هذا الجدل بين الرفض والقبول على الصعيدين الرسمي والشعبي في العالم العربي وكل هذا الاهتمام من قبل إسرائيل والدول الغربية التي لم تدع وسيلة للتحايل أو الضغط من أجل إكمال عملية التطبيع.
::/introtext::
::fulltext::
تعتبر مسألة التطبيع بين دول الخليج العربية وإسرائيل إحدى المسائل المتفرعة من قضية الصراع العربي – الإسرائيلي الذي بات يحلو للبعض تسميته بالصراع الفلسطيني-الإسرائيلي بعد اتفاقات أوسلو إمعاناً في التعامي عن جوهر هذا الصراع وتملصاً من المسؤوليات وإلا لما كانت مسألة التطبيع بين إسرائيل والدول العربية بشكل عام ودول الخليج بشكل خاص تستحق كل هذا الجدل بين الرفض والقبول على الصعيدين الرسمي والشعبي في العالم العربي وكل هذا الاهتمام من قبل إسرائيل والدول الغربية التي لم تدع وسيلة للتحايل أو الضغط من أجل إكمال عملية التطبيع.
على الرغم من أن اثنتين من الدول العربية هما مصر والأردن أبرمتا اتفاق سلام مع إسرائيل وشرعتا بإقامة علاقات طبيعية مع إسرائيل، كما كان الأمر بالنسبة لمنظمة التحرير الفلسطينية التي أبرمت اتفاقات أوسلو ودخلت في علاقات تفاوض لم تنته بعد مع الدولة العبرية، إلا أن مسألة التطبيع ظلت إلى اليوم تواجه رفضاً شعبياً مستمراً خاصة بعد أن تأكدت الشعوب العربية أن إسرائيل تريد تطبيعاً مجانياً في الوقت الذي تستمر فيه في سياساتها العدوانية ضد العرب، وتريد فرض الاستسلام عليهم لإقامة سلام عادل معهم.
الخلفيات
منذ قيام دولة الاحتلال في فلسطين عام 1948 كانت الدول والشعوب العربية تنظر إلى هذه الدولة باعتبارها كياناً غريباً معادياً للأمة العربية بأجمعها ليس بسبب ما ألحقته بالشعب العربي الفلسطيني من ويلات وتشريد أو بسبب احتلالها للقدس أولى القبلتين لدى المسلمين والذي اكتمل عام 1967، ولكن لأن مرور الأيام أثبت أن هذا الكيان لا يعدو كونه خنجراً غرس في قلب الأمة لأنه لم يوجد أصلاً بمساعدة القوى الاستعمارية إلا من أجل فرض الهيمنة على المنطقة والقضاء على تطلعات شعوبها في النهضة والاستقلال.
ومع أن التدخل العسكري العربي ضد إسرائيل عام 1948 فشل في القضاء على دولة العدوان رغم مشاركة سبعة جيوش عربية في تلك المعركة فقد ظلت النظرة العدائية متبادلة بين الجانبين، إذ اتخذ الصراع أشكالاً أخرى.
ولجأ العرب منذ وقت مبكر إلى سلاح المقاطعة الاقتصادية لكيان الاحتلال وفرض حصار محكم عليه وهو أمر كان قد بدأ منذ عام 1945 لدى تأسيس الجامعة العربية التي أصدرت قراراً يدعو إلى المقاطعة ونظم الإشراف عليها فيما بعد من خلال مكتب مقاطعة إسرائيل الذي أنشئ في 11 مايو 1951 واتخذ من دمشق مقراً له.
وقد كبدت المقاطعة دولة الاحتلال خسائر كبيرة قدرت بعشرات المليارات من الدولارات، وألحقت بها أضراراً كبيرة كانت الولايات المتحدة والدول الغربية تسعى باستمرار إلى تخفيف آثارها في الوقت الذي ظلت تسعى جاهدة ولا تزال إلى إنهاء هذه المقاطعة من خلال عملية التطبيع بين إسرائيل والدول العربية.
دول الخليج ومسيرة الصراع العربي – الإسرائيلي
لم يكن مواطنو الخليج غائبين عما يحدث في فلسطين ولا بعيدين عنه منذ بدايات الصراع الأولى خاصة منذ بدايات القرن الماضي، وتذكر المصادر التاريخية أن وفداً من البحرين قام بزيارة إلى فلسطين مع اندلاع انتفاضة عام 1920 الشهيرة من أجل دعم المجاهدين الفلسطينيين، كما تذكر المصادر نفسها أنه مع صدور قرار تقسيم فلسطين وقيام دولة الاحتلال عام 1948 اندلعت مظاهرات ومسيرات في عدد من المدن الخليجية مثل المنامة والكويت والإحساء والطائف مطالبة بطرد الصهاينة من فلسطين ودعم الشعب الفلسطيني لاستعادة وطنه السليب في الوقت الذي تجاوبت فيه الحكومات الخليجية بقوة مع قرار المقاطعة العربية.
لم يكن مواطنو الخليج غائبين عما يحدث في فلسطين ولا بعيدين عنه منذ بدايات الصراع الأولى
وقد تأسست مكاتب للمقاطعة العربية منذ عام 1963 في كل من المنامة والكويت وبقية دول الخليج، حيث مارست هذه المكاتب دوراً كبيراً في منع أي اختراق اقتصادي أو ثقافي من قبل إسرائيل في الوقت الذي شكل فيه الوعي الشعبي لدى شعوب الخليج بمخاطر الاستهداف الصهيوني لمنطقة الخليج حصناً منيعاً ضد أي نوع من أنواع التطبيع مما أفشل كل المحاولات الغربية المبكرة لإقحام دول الخليج في مشاريع تطبيع سرية أو علنية مع إسرائيل.
ويذكر التاريخ الحديث أن دول الخليج العربية وفي مقدمتها دولة الكويت لعبت دوراً أساسياً في دعم حركة المقاومة الفلسطيينة التي انطلقت عقب هزيمة حزيران عام 1967، وقدمت منطقة الخليج لهذه المقاومة كل أشكال الدعم المادي والمعنوي، بل والمشاركة الفعلية من قبل أبناء الخليج الذين انخرطوا في صفوف المقاتلين الفلسطينيين.
دول الخليج في الاستراتيجية الصهيونية
تنبع أهمية دول الخليج بالنسبة لإسرائيل والحركة الصهيونية من إدراكها أن الدعم المالي لأي حرب أو مواجهة عربية معها يأتي من دول الخليج بالدرجة الأولى، وبالطبع فإن إسرائيل لم تنس الدور الذي قامت به دول الخليج في حرب 1973 من خلال استخدام البترول كسلاح في تلك الحرب.
كما تدرك إسرائيل أن الدعم المالي الرسمي والشعبي للمقاومة الفلسطينية كان يأتي بشكل أساسي من دول الخليج، ولذلك كان تحييد هذه القوة من خلال التطبيع وكسر جدار المقاطعة هدفاً إسرائيلياً استراتيجياً ولأن استمرار الإخفاق في كسر جدار المقاطعة في الخليج يعتبر إخفاقاً لمشاريع التطبيع الأخرى في العالم العربي.
ومع تطور اقتصادات دول الخليج التي تعتبر من أغنى دول العالم بثرواتها النفطية خاصة زيادة وفوراتها المالية كانت إسرائيل تزداد حرصاً على اختراق جدار المقاطعة وصولاً إلى الأسواق الاستهلاكية الضخمة في دول الخليج والتي يسيل لها لعاب الكيان الصهيوني الذي يسعى إلى دخول هذه الأسواق من أجل الاستفادة منها لتعظيم شأن الصناعة الإسرائيلية وضمان عوائد مالية ضخمة لدعم اقتصادها.
وقد حاولت إسرائيل جاهدة منذ السنوات الأولى لقيامها اختراق جدار المقاطعة من خلال إنشاء وحدة اقتصادية في جهاز الموساد الصهيوني كانت مهمتها مكافحة المقاطعة العربية، وكان مركز هذا النشاط جزيرة قبرص بشكل أساسي، حيث كان الموساد يجند رجال أعمال عرباً من خلال منحهم خصومات وتسهيلات تجارية كبيرة، ويضع ماركة تجارية مزيفة تحمل اسم دولة أجنبية على المنتجات الإسرائيلية لإعادة تصديرها إلى دول الخليج.
ولاشك في أن الوضع بات مختلفاً اليوم، إذ باتت البضائع الإسرائيلية تدخل بشكل علني وإن كان خجولاً طبقاً لاتفاقيات ارتبطت بها بعض الدول الخليجية خاصة ما يتعلق باتفاقيات التجارة الحرة.
ولاشك أيضاً في أن دخول دول الخليج في درب التطبيع سيكون آخر الحلقات العربية المهمة التي كانت عائقاً في سبيل تحقيق الجزء الأكبر من الاستراتيجية الصهيونية، وبذلك سوف تترسخ في قناعات القيادات السياسية العربية أن إسرائيل لا يمكن مقاومتها انطلاقاً من قوتها النووية المدعومة من الولايات المتحدة، وبالتالي ليس أمام العرب سوى الاستسلام وقبول المشاريع الإسرائيلية للمنطقة وفي مقدمتها مشروع الشرق الأوسط الكبير الذي تقوده إسرائيل في مواجهة إيران التي تريد إسرائيل أن تستبدل العداء العربي لها بالعداء لإيران.
الضغوط الإسرائيلية والغربية على دول الخليج
تزايدت الضغوط التي مورست على دول الخليج من أجل التطبيع مع إسرائيل شيئاً فشيئاً بعد توقيع اتفاقات كامب ديفيد بين مصر وإسرائيل عام 1979 وإجماع الدول العربية على عزل مصر في ذلك الحين ونقل مقر الجامعة العربية من القاهرة لكن مسار التطبيع في ذلك الوقت اتجه في نحو إنهاء عزلة مصر ومقاطعتها خاصة على الصعيد الرسمي، وكان تطبيع العلاقات مع القاهرة يعني ضمناً القبول بفكرة التطبيع مع إسرائيل وهو ما تتوج بالفعل في توقيع اتفاق (وادي عربة) للسلام بين إسرائيل والأردن ثم اتفاقات أوسلو بين منظمة التحرير الفلسطيينة وإسرائيل الذي رحبت به دول الخليج، وأعلنت بعده عن موافقتها على الشروع بإقامة روابط اقتصادية وتجارية مع إسرائيل.
ولاشك في أن وتيرة الضغوط الغربية وحجمها تزايدت بشكل كبير وسافر بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر في نيويورك، وكانت هذه الضغوط تتجه إلى مسائل مثل حقوق الإنسان ومكافحة التطرف الديني وتحسين سجل دول المنطقة في مجال التمييز ضد المرأة وتحقيق إنجازات على صعيد الإصلاحات الديمقراطية بالإضافة إلى مسألة التطبيع مع إسرائيل.
وفي ظل هذه الأجواء أبدت معظم العواصم الخليجية تجاوباً كبيراً مع مسألة التطبيع مع إسرائيل رضوخاً لهذه الضغوط، فما كان من الولايات المتحدة والدول الغربية إلا أن صرفت النظر عن بقية المطالب الأخرى.
مسيرة التطبيع الخليجية
يمكن بشكل عام رصد مستويين في هذه المسيرة المستوى الشعبي الذي رفض ولا يزال يرفض فكرة التطبيع من أساسها بغض النظر عن أي مبررات.
أما المستوى الثاني فهو المستوى الرسمي وقد تميز بالحذر والاضطراب في ما يتعلق بهذه المسألة، وتتفاوت مواقف الدول الخليجية من هذه المسألة، وعموماً فإن تباين مواقف دول الخليج من التطبيع يشير إلى عدم التنسيق بين حكومات هذه الدول بشأن المسألة. ولعل السبب وراء هذا الاضطراب يعود أصلاً إلى استمرار السياسات العدوانية والعنجهية الإسرائيلية بخصوص قضايا المنطقة مما يجعل دول الخليج تشعر بالحرج خاصة في ظل غياب أي أفق لتحقيق تقدم في عملية السلام بين إسرائيل والفلسطينيين.
وكانت مسيرة التطبيع قد بدأت بين إسرائيل ودول الخليج خلال عامي (1994-1995) عندما زارت وفود إسرائيلية كلاً من مسقط وقطر والبحرين، حيث رحبت مسقط بإقامة مركز شرق أوسطي لأبحاث تحلية مياه البحر يستند إلى التكنولوجيا الإسرائيلية في هذا المجال. كما طرحت قطر فكرة مد خط أنابيب لنقل الغاز والنفط إلى إسرائيل، وفي عام 1995 شارك رجال أعمال سعوديون وإسرائيليون في مؤتمر عقد في الولايات المتحدة، وفي العام نفسه شارك وفد قطري في تشييع جنازة رئيس الوزراء الإسرائيلي إسحاق رابين الذي اغتيل في ذلك الحين، وفي هذه الأثناء بدأت الشركات الإسرائيلية تنشط من أجل التواجد في السوق الخليجي من خلال إقامة مشاريع مشتركة.
تأسست مكاتب للمقاطعة العربية منذ عام 1963 في كل من المنامة والكويت وبقية دول الخليج
وربما كانت مبادرة خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز (الذي كان آنذاك ولياً للعهد) خلال قمة بيروت الشهيرة نقلة نوعية سياسية في مواقف دول الخليج من عملية التطبيع، إذ أضفت تلك المبادرة الشرعية على عملية التطبيع المشروط، خاصة وأن المبادرة جاءت هذه المرة من المملكة العربية السعودية وهي دولة لها تأثير كبير على الصعيدين العربي والإسلامي وهو ما كانت إسرائيل تسعى إليه منذ زمن بعيد، فالمباركة السعودية لعملية التطبيع بما تمثله المملكة من ثقل بالإضافة إلى العمق الثقافي والسياسي الذي مثلته مصر والأردن كانا ولا شك مكسباً إسرائيلياً لم تكن تحلم به إسرائيل على طريق إسقاط المقاطعة العربية حتى إن كان على الصعيد الرسمي خاصة وأن إسرائيل استطاعت فيما بعد أن تفرغ المبادرة السعودية من مضمونها السياسي الخاص بعملية السلام بين العرب وإسرائيل.
وهكذا استطاعت إسرائيل مع مرور الأيام الحصول على تطبيع تدريجي من خلال التحايل الأمريكي والإسرائيلي لدفع دول المنطقة إلى التطبيع من الباب الخلفي وبشكل واقعي تمهيداً لأن يصبح الأمر رسمياً خاصة في ما يتعلق باتفاقيات التجارة الحرة بين دول الخليج والولايات المتحدة، مما أثمر رفع الحظر عن البضائع الإسرائيلية طبقاً لهذه الاتفاقيات.
المقاومة الشعبية لعملية التطبيع
مثلما كانت الحال في مصر والأردن من الرفض الشعبي لعملية التطبيع، فإن الرفض الشعبي الخليجي كان أقوى مما هو في هذين البلدين نظراً لاختلاف الظروف السياسية والاقتصادية ونظراً أيضاً للشعور الديني القوي لدى شعوب الخليج، ومن هنا أخذت تبرز فكرة تغيير المناهج وإدخال تغييرات ثقافية على المنطقة هدفها التأثير في الوعي الشعبي.
وكان مواطنو الخليج قد بادروا، في مواجهة عملية التطبيع الرسمي، إلى إنشاء أول مؤسسة خليجية شعبية مشتركة هي (المؤتمر الشعبي لمقاومة التطبيع مع الكيان الصهيوني)، وعلى أثر ذلك تأسست الجمعية البحرينية لمقاومة التطبيع وكذلك لجنة الإمارات لمقاومة التطبيع.
وعقدت مؤتمرات عدة في الكويت والبحرين شارك فيها عدد كبير من أبناء الخليج استشعاراً منهم لخطورة ما يجري على المستوى الرسمي وخطورة الاستهداف الصهيوني للمنطقة، وهكذا فنتيجة للضغوط الشعبية التي تعرضت لها حكومتا قطر وعُمان فقد قررت الدولتان إغلاق مكتب التمثيل الإسرائيلي في كل من الدوحة ومسقط، وتقوم استراتيجية المؤتمر الشعبي لمقاومة التطبيع على تفعيل دور مكاتب المقاطعة العربية لإسرائيل في العواصم الخليجية والقيام بحملات شعبية لتحصين الأجيال الجديدة من أي استهداف صهيوني بالإضافة إلى أنشطة ذات أبعاد تربوية وثقافية كتدريس مادة الصراع العربي – الإسرائيلي في المدارس والجامعات، كما يقوم المؤتمر بتبادل الخبرات بين الجمعيات الخليجية لمقاومة التطبيع ومثيلاتها في البلاد العربية الأخرى وحركات مقاومة العنصرية والعولمة على الصعيد الدولي، بالإضافة إلى العمل على دعم كفاح الشعب الفلسطيني في مواجهة إسرائيل.
::/fulltext::
::cck::1453::/cck::
