فاعلية المشروع العربي تجاه القضية الفلسطينية

::cck::1451::/cck::
::introtext::

ستون عاماً مضت على نكبة القضية الفلسطينية وهي لا تزال تعيش حالة بين الأمل واليأس، ومر على قمة أنشاص أكثر من 62 عاماً تلتها قمم أخرى عصيبة أعقبت حرب النكبة عام 1948 وحرب انتصار إسرائيل على الدول العربية 1967 التي عقدت بعدها قمة الخرطوم التي اشتهرت بقمة اللاءات الثلاث، أماالقمة التي عقدت بعد احتلال صدام حسين للكويت 1990 فقد كانت من أكثر القمم خصومة وخلافاً. والآن الصف العربي ينقسم بلا حرب لكن بسبب إخفاقات عديدة فشل العرب بإدارتها.

::/introtext::
::fulltext::

ستون عاماً مضت على نكبة القضية الفلسطينية وهي لا تزال تعيش حالة بين الأمل واليأس، ومر على قمة أنشاص أكثر من 62 عاماً تلتها قمم أخرى عصيبة أعقبت حرب النكبة عام 1948 وحرب انتصار إسرائيل على الدول العربية 1967 التي عقدت بعدها قمة الخرطوم التي اشتهرت بقمة اللاءات الثلاث، أماالقمة التي عقدت بعد احتلال صدام حسين للكويت 1990 فقد كانت من أكثر القمم خصومة وخلافاً. والآن الصف العربي ينقسم بلا حرب لكن بسبب إخفاقات عديدة فشل العرب بإدارتها.

حصلت إسرائيل في المقابل على مساعدات دولية بعد عام 1967 في سنة واحدة بقدر ما حصلت عليه بين عامي (1948 – 1967) عندما أثبتت حقيقة مشروع الدولة الإسرائيلية، بينما لا يزال المشروع العربي متخاذلاً يتسم بالضعف بسبب غياب استراتيجية عربية واضحة.

فإلى جانب القضية الفلسطينية الأم تقاذفت الأزمات على المنطقة كالفتنة الأهلية التي أحدثها الاحتلال الأمريكي في العراق والصراع الداخلي في لبنان والأزمة الدامية في الصومال منذ سقوط نظام سياد بري عام 1991 وما يدور في السودان ليس بأحسن حال فهو يعيش منذ زمن صراعات وقلاقل وحروب بين الجنوب والشمال، وفي كل بلد عربي فتنة نائمة يمكن إثارتها في الزمن والوقت الذي يراد لها أن تثور، بالإضافة إلى الحرب على الإرهاب التي اشتد لظاها بعد 11 سبتمبر 2001 وهي جزء من حرب عالمية.

وحتى الآن لا يزال العرب يعانون صدمة احتلال الكويت من قبل صدام حسين عام 1991 وما تلاه من أحداث جسام متعاقبة حتى سقوط بغداد في 2003، أي لايزال العالم العربي يعيش حالة صدمة وغيبوبة.

فالمنطقة العربية مرت منذ الستينات والسبعينات بصراع ما بين الأنظمة الثورية والمحافظة قد تكون امتداداًً للصراع الأيديولوجي الاستراتيجي الدولي، وقد استجدت منذ السبعينات دوائر تشاورية لضمان الحد الأدنى من التنسيق العربي المشترك، لكن في الوقت الحاضر انحسر زخمها وفقدت نجاعتها تدريجياً وفي مقدمتها (إعلان دمشق) المحور الثلاثي بين السعودية ومصر وسوريا.

وعلى الصعيد الدولي برز بعد 11 سبتمبر مؤشر جديد هو في حقيقته قطيعة بين حقبتين في العلاقات الدولية عبر وسائل الإثارة والمبالغة لخدمة الاستراتيجيات الخاصة وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية التي سعت إلى قطع الطريق على نشوء عالم متعدد الأقطاب قائم على التعاون الدولي والمشاورات المتبادلة إلى سياسة القوة التي منحتها الإمبراطورية بامتياز نتج عنها قفز الأجندة الأمنية على حساب منظمات المجتمع المدني حتى داخل الولايات المتحدة وليس فقط في العالم العربي، وكان الخيار محدداً بين الأنظمة أو الجماعات الراديكالية فأهمل المجتمع المدني، أي أن تلك الأجندة كانت على  حساب مفاهيم الديمقراطية والتعددية الثقافية وحرية الأفراد انعكست على العلاقات الدولية التي جعلت أولوية العلاقات الدولية قائمة على الشراكة الأمنية والاقتصادية من خلال تعديل الرؤية للعولمة، مثلما يرى المحلل السياسي أغناسيور رامونة أن في الحرب على العراق وتداعيات 11 سبتمبر تصحيحاً للرؤية التي سادت قبلها للعولمة التي كانت تعطي الأولوية للاقتصاد والثقافة الموحدة، بينما أعاد ملف الحرب على الإرهاب الميزان نحو عناصر القوة المرتبطة بالتفوق العسكري والنفوذ السياسي على حساب الاقتصاد والأيديولوجيا.

وأتت الحرب على العراق لتحقيق هدف استراتيجي يتمثل في إعادة بناء الشرق الأوسط المختل وفقاً للتصور الأمريكي للديمقراطية وعلى نحو يخدم مواقف الولايات المتحدة كقوة مهيمنة على المنطقة، لكن هذه الحرب فشلت فشلاً ذريعاً على الصعيد الاستراتيجي، وبرز على أثر هذه الحرب التحدي الشيعي القوي للتحالف السني المؤيد للغرب في الشرق الأوسط، وكانت زيارة محمود أحمدي نجاد إلى العراق تحمل رسالة واضحة للأمريكيين مفادها أن أمل الولايات المتحدة في تحقيق أي قدر معقول من الاستقرار في العراق أصبح الآن رهناً بالتحالف مع إيران.

فالحرب في العراق كانت تعني أن أمريكا تجاهلت عملية السلام الفلسطينية-الإسرائيلية خاصة وأن (لجنة العمل السياسي الأمريكية-الإسرائيلية) (إيباك) تمارس ضغوطاً مثيرة للدهشة أمام أي انتقاد متوازن مع غياب ضغوط لجنة عربية مماثلة في أمريكا على مواجهة تسلط لجنة (إيباك).

ولم تعد تجدي نفعاً محاولات أمريكا لحشد القوى السنية المعتدلة المناصرة لها في المنطقة للمساعدة على إنقاذ السلام الفلسطيني-الإسرائيلي بعدما أصبحت القضية الفلسطينية رهينة محور إقليمي تتزعمه إيران، ولم تعد الجامعة العربية هي الرباط الوحيد، حيث كانت القضية الفلسطينية وتفريعاتها المختلفة خاصة بعد احتلال أراضي دول عربية أخرى بعد هزيمة يونيو 1967 هي الرابطة السياسية التي اجتمع عندها العرب وتفرقوا بسببها، بينما الروابط الثقافية والاقتصادية لم تبلغ الكتلة الحرجة التي تجعل النظام العربي ينتقل من حال إلى آخر كما جرى من قبل بين دول المجموعة الأوروبية.

فلا يزال العالم العربي بحاجة إلى تطوير رؤيته الاندماجية التي مرت من (غنائية) الأيديولوجيا القومية إلى منطق التكتل الوطني المصلحي من دون المراجعة الفكرية المعمقة لمفهوم السيادة نفسه الذي هو بؤرة الفكر السياسي الحديث، أي لابد أن يخرج العالم العربي من ارتكانه كله على تحركات دولة أو مجموعة من الدول تصيب النظام العربي كله وهناً على وهن، لأن حساباتها كانت خاطئة خاصة عندما تكون القيادات غارقة في خطيئة الفشل السياسي. فالعالم العربي يتمزق بتدخلات مباشرة وغير مباشرة مثل تدخل مصر في الستينات في اليمن والتدخل السوري في السبعينات في لبنان وغيرها من تدخلات مزقت العالم العربي، بينما الدول تتحد على أولويات مثلما اجتمعت ست دول أوروبية على أولويات أساسية في السياسة الخارجية وفي أمورها الداخلية التي كانت نواة الوحدة التي تتمتع بها الآن أوروبا في أكبر تكتل اندماجي في العالم.

ويحق للمراقب العربي أن يتساءل عن أمور مصيرية مجدولة على هواجس وجودية: هل للعرب كيان ونظام ومشروع وهوية وحضور ودور وفاعلية؟ وهل عجزت عنه أربعة قرون من (العثمنة)، أو قرن كامل من (الغربنة)، وستون عاماً من (الصهينة)؟ فهل ننجح اليوم في الحضور الإيراني بعد فشل المحاولة الأولى خلال العصر العباسي وخطر الحركة الشعبوية، وفشل الدولة الصفوية قبل خمسة قرون أمام النفوذ العثماني في بلاد الشام؟ وكان أحد أخطر الاختراقات الإيرانية في القمة العربية الأخيرة في دمشق أي في الحالة العربية وذراعاً طويلة لمشروع طهران في صميم الوضع العربي من لبنان إلى فلسطين فالعراق.

إذ إن المطامح الإيرانية تاريخية ومتناقضة مع المصالح العربية، لأن الخطاب الإيراني يتصف بالممانعة والتصدي ومواجهة الغرب وإزالة إسرائيل وهي بذلك تستثير الغرائز النائمة التي هداها الوعي والتقدم الحضاري وأبعدها عن ثقافة العنف والغلو. أي أن العالم العربي لم يستطع حتى الآن أن يصبح لاعباً في حين أصبح ساحة للعب بين أمريكا وإيران.

وعندما كان العرب ينتظرون من الرئيس الأمريكي جورج بوش إعلان قيام الدولة الفلسطينية حسب وعوده السابقة في خطابه في شرم الشيخ لدى زيارته مصر، كانت الولايات المتحدة وإيران وتركيا تعمل على إنهاء حلم قيام دولة كردية تمثل تهديداً مشتركاً لكل من تركيا وإيران وحتى لسوريا، فهذه الدول يجمعها هاجس تهديد مشترك، وتعد لتركيا وإيران هاجساً أكبر من هاجس القضية الفلسطينية لأن الأكراد في تركيا يصل عددهم إلى عشرين مليون كردي وستة ملايين في إيران ومليونين في سوريا.

أما المفاوضات فقد تحولت الآن إلى مفاوضات عبثية، ومن أجل تغطية هذا التفاوض العبثي غاب موضوع الدولة الفلسطينية عن طاولة المفاوضات، وحضر بدلاً منه موضوع (اتفاق الإطار)، أي تكرار تجربة أوسلو عام 1993. ومنذ توقيع أنابوليس وافقت إسرائيل على أكثر من 70 ألف تصريح استيطان في الأراضي المحتلة وبهذا فإن هناك تطابقاً في المواقف الأمريكية-الإسرائيلية ضد المطالب الفلسطينية العربية.

وعندما رأت الإدارة الأمريكية أن معسكر الاعتدال في العالم العربي ليس متساهلاً ومنفتحاً معها قررت أن تتعامل مع معسكر التشدد المتمثل في إيران وسوريا والحركات الراديكالية.

لقد أصبحت إسرائيل تتاجر بالسلام لكسب الوقت من أجل إضعاف الطرف العربي كي يتراجع عن مواقفه ويتنازل حتى يسلم في النهاية ويخضع لقوة إسرائيل العسكرية والعلمية والاقتصادية، أي أن إسرائيل تبني حضارة مذهلة مكان حضارة تاريخية سابقة. فالحضارة الجديدة هي أشبه بحضارة البيض في أمريكا التي كانت على حساب إبادة الهنود الحمر، فكذلك إسرائيل تعمل الآن على إبادة الشعب الفلسطيني مع فارق الزمنين واختلاف المكانين تحت مسمع ومرأى من العالم أجمع الذي لم يستطع أن يحرك ساكناً، لأن القوة العظمى التي تقود العالم هي التي تدعم هذا العدوان بحجج الحرب على الإرهاب، لكن لماذا استطاع اليهود إقامة حضارة مذهلة مكان حضارة سابقة؟ فكما استغل البيض بدائية الهنود الحمر استغل اليهود ضعف المستوى العلمي والتقني والاقتصادي عند العرب والفلسطينيين (وإن كان الفلسطينيون تحت الحصار الإسرائيلي) إلى جانب افتقارهم إلى القيادة الواعية والمتطورة والمخلصة والوحدة اللازمة أمام الطغيان الإسرائيلي.

لا يزال المشروع العربي متخاذلاً يتسم بالضعف بسبب غياب استراتيجية عربية واضحة

لذلك لابد أن نعترف بأن انتصار إسرائيل هو انتصار للعلم والعقل والتكنولوجيا على تخلف العرب علمياً وتقنياً واقتصادياً وبالطبع عسكرياً، وما وصل إليه اليهود انعكس على عملية السلام بين الطرفين، فأصبح مفهوم السلام عند اليهود غير مفهوم السلام عند العرب والفلسطينيين، وبهذه المعادلة أصبح العرب تائهين في نفق مظلم مسدود. فالعرب ما زالوا ينظرون إلى القضية الفلسطينية كقضية نزاع سياسي مع إسرائيل فقط، ويتضح ذلك من المؤتمر الذي عقده محمود عباس في بيت لحم من أجل جذب الاستثمارات العربية لتنمية المناطق في الأراضي الفلسطينية، وتحدى محمود عباس المشككين وأقام المؤتمر في بيت لحم بدلاً من أن يقيمه في دولة أخرى كي يثبت للعرب قبل الأجانب واجبهم القومي والإسلامي في تقديم الاستثمارات المطلوبة رغم أن واجبهم هو تقديمها كمساعدات لدعم الصناعة الفلسطينية والتنمية الزراعية للقضاء على البطالة ودعم المنكوبين لتخفيف آثار الحصار الواقع على الفلسطينيين. فالاستثمار في فلسطين أولاً وأخيراً هدف إنساني يضمد الجراح ويفرج كربة المنكوبين وهو عامل أساسي من عوامل مساعدة الفلسطينيين على الصمود في أرضهم واستغنائهم عن طلب المساعدات.

::/fulltext::

araa46-44-089
Getting your Trinity Audio player ready...

::cck::1451::/cck::
::introtext::

ستون عاماً مضت على نكبة القضية الفلسطينية وهي لا تزال تعيش حالة بين الأمل واليأس، ومر على قمة أنشاص أكثر من 62 عاماً تلتها قمم أخرى عصيبة أعقبت حرب النكبة عام 1948 وحرب انتصار إسرائيل على الدول العربية 1967 التي عقدت بعدها قمة الخرطوم التي اشتهرت بقمة اللاءات الثلاث، أماالقمة التي عقدت بعد احتلال صدام حسين للكويت 1990 فقد كانت من أكثر القمم خصومة وخلافاً. والآن الصف العربي ينقسم بلا حرب لكن بسبب إخفاقات عديدة فشل العرب بإدارتها.

::/introtext::
::fulltext::

ستون عاماً مضت على نكبة القضية الفلسطينية وهي لا تزال تعيش حالة بين الأمل واليأس، ومر على قمة أنشاص أكثر من 62 عاماً تلتها قمم أخرى عصيبة أعقبت حرب النكبة عام 1948 وحرب انتصار إسرائيل على الدول العربية 1967 التي عقدت بعدها قمة الخرطوم التي اشتهرت بقمة اللاءات الثلاث، أماالقمة التي عقدت بعد احتلال صدام حسين للكويت 1990 فقد كانت من أكثر القمم خصومة وخلافاً. والآن الصف العربي ينقسم بلا حرب لكن بسبب إخفاقات عديدة فشل العرب بإدارتها.

حصلت إسرائيل في المقابل على مساعدات دولية بعد عام 1967 في سنة واحدة بقدر ما حصلت عليه بين عامي (1948 – 1967) عندما أثبتت حقيقة مشروع الدولة الإسرائيلية، بينما لا يزال المشروع العربي متخاذلاً يتسم بالضعف بسبب غياب استراتيجية عربية واضحة.

فإلى جانب القضية الفلسطينية الأم تقاذفت الأزمات على المنطقة كالفتنة الأهلية التي أحدثها الاحتلال الأمريكي في العراق والصراع الداخلي في لبنان والأزمة الدامية في الصومال منذ سقوط نظام سياد بري عام 1991 وما يدور في السودان ليس بأحسن حال فهو يعيش منذ زمن صراعات وقلاقل وحروب بين الجنوب والشمال، وفي كل بلد عربي فتنة نائمة يمكن إثارتها في الزمن والوقت الذي يراد لها أن تثور، بالإضافة إلى الحرب على الإرهاب التي اشتد لظاها بعد 11 سبتمبر 2001 وهي جزء من حرب عالمية.

وحتى الآن لا يزال العرب يعانون صدمة احتلال الكويت من قبل صدام حسين عام 1991 وما تلاه من أحداث جسام متعاقبة حتى سقوط بغداد في 2003، أي لايزال العالم العربي يعيش حالة صدمة وغيبوبة.

فالمنطقة العربية مرت منذ الستينات والسبعينات بصراع ما بين الأنظمة الثورية والمحافظة قد تكون امتداداًً للصراع الأيديولوجي الاستراتيجي الدولي، وقد استجدت منذ السبعينات دوائر تشاورية لضمان الحد الأدنى من التنسيق العربي المشترك، لكن في الوقت الحاضر انحسر زخمها وفقدت نجاعتها تدريجياً وفي مقدمتها (إعلان دمشق) المحور الثلاثي بين السعودية ومصر وسوريا.

وعلى الصعيد الدولي برز بعد 11 سبتمبر مؤشر جديد هو في حقيقته قطيعة بين حقبتين في العلاقات الدولية عبر وسائل الإثارة والمبالغة لخدمة الاستراتيجيات الخاصة وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية التي سعت إلى قطع الطريق على نشوء عالم متعدد الأقطاب قائم على التعاون الدولي والمشاورات المتبادلة إلى سياسة القوة التي منحتها الإمبراطورية بامتياز نتج عنها قفز الأجندة الأمنية على حساب منظمات المجتمع المدني حتى داخل الولايات المتحدة وليس فقط في العالم العربي، وكان الخيار محدداً بين الأنظمة أو الجماعات الراديكالية فأهمل المجتمع المدني، أي أن تلك الأجندة كانت على  حساب مفاهيم الديمقراطية والتعددية الثقافية وحرية الأفراد انعكست على العلاقات الدولية التي جعلت أولوية العلاقات الدولية قائمة على الشراكة الأمنية والاقتصادية من خلال تعديل الرؤية للعولمة، مثلما يرى المحلل السياسي أغناسيور رامونة أن في الحرب على العراق وتداعيات 11 سبتمبر تصحيحاً للرؤية التي سادت قبلها للعولمة التي كانت تعطي الأولوية للاقتصاد والثقافة الموحدة، بينما أعاد ملف الحرب على الإرهاب الميزان نحو عناصر القوة المرتبطة بالتفوق العسكري والنفوذ السياسي على حساب الاقتصاد والأيديولوجيا.

وأتت الحرب على العراق لتحقيق هدف استراتيجي يتمثل في إعادة بناء الشرق الأوسط المختل وفقاً للتصور الأمريكي للديمقراطية وعلى نحو يخدم مواقف الولايات المتحدة كقوة مهيمنة على المنطقة، لكن هذه الحرب فشلت فشلاً ذريعاً على الصعيد الاستراتيجي، وبرز على أثر هذه الحرب التحدي الشيعي القوي للتحالف السني المؤيد للغرب في الشرق الأوسط، وكانت زيارة محمود أحمدي نجاد إلى العراق تحمل رسالة واضحة للأمريكيين مفادها أن أمل الولايات المتحدة في تحقيق أي قدر معقول من الاستقرار في العراق أصبح الآن رهناً بالتحالف مع إيران.

فالحرب في العراق كانت تعني أن أمريكا تجاهلت عملية السلام الفلسطينية-الإسرائيلية خاصة وأن (لجنة العمل السياسي الأمريكية-الإسرائيلية) (إيباك) تمارس ضغوطاً مثيرة للدهشة أمام أي انتقاد متوازن مع غياب ضغوط لجنة عربية مماثلة في أمريكا على مواجهة تسلط لجنة (إيباك).

ولم تعد تجدي نفعاً محاولات أمريكا لحشد القوى السنية المعتدلة المناصرة لها في المنطقة للمساعدة على إنقاذ السلام الفلسطيني-الإسرائيلي بعدما أصبحت القضية الفلسطينية رهينة محور إقليمي تتزعمه إيران، ولم تعد الجامعة العربية هي الرباط الوحيد، حيث كانت القضية الفلسطينية وتفريعاتها المختلفة خاصة بعد احتلال أراضي دول عربية أخرى بعد هزيمة يونيو 1967 هي الرابطة السياسية التي اجتمع عندها العرب وتفرقوا بسببها، بينما الروابط الثقافية والاقتصادية لم تبلغ الكتلة الحرجة التي تجعل النظام العربي ينتقل من حال إلى آخر كما جرى من قبل بين دول المجموعة الأوروبية.

فلا يزال العالم العربي بحاجة إلى تطوير رؤيته الاندماجية التي مرت من (غنائية) الأيديولوجيا القومية إلى منطق التكتل الوطني المصلحي من دون المراجعة الفكرية المعمقة لمفهوم السيادة نفسه الذي هو بؤرة الفكر السياسي الحديث، أي لابد أن يخرج العالم العربي من ارتكانه كله على تحركات دولة أو مجموعة من الدول تصيب النظام العربي كله وهناً على وهن، لأن حساباتها كانت خاطئة خاصة عندما تكون القيادات غارقة في خطيئة الفشل السياسي. فالعالم العربي يتمزق بتدخلات مباشرة وغير مباشرة مثل تدخل مصر في الستينات في اليمن والتدخل السوري في السبعينات في لبنان وغيرها من تدخلات مزقت العالم العربي، بينما الدول تتحد على أولويات مثلما اجتمعت ست دول أوروبية على أولويات أساسية في السياسة الخارجية وفي أمورها الداخلية التي كانت نواة الوحدة التي تتمتع بها الآن أوروبا في أكبر تكتل اندماجي في العالم.

ويحق للمراقب العربي أن يتساءل عن أمور مصيرية مجدولة على هواجس وجودية: هل للعرب كيان ونظام ومشروع وهوية وحضور ودور وفاعلية؟ وهل عجزت عنه أربعة قرون من (العثمنة)، أو قرن كامل من (الغربنة)، وستون عاماً من (الصهينة)؟ فهل ننجح اليوم في الحضور الإيراني بعد فشل المحاولة الأولى خلال العصر العباسي وخطر الحركة الشعبوية، وفشل الدولة الصفوية قبل خمسة قرون أمام النفوذ العثماني في بلاد الشام؟ وكان أحد أخطر الاختراقات الإيرانية في القمة العربية الأخيرة في دمشق أي في الحالة العربية وذراعاً طويلة لمشروع طهران في صميم الوضع العربي من لبنان إلى فلسطين فالعراق.

إذ إن المطامح الإيرانية تاريخية ومتناقضة مع المصالح العربية، لأن الخطاب الإيراني يتصف بالممانعة والتصدي ومواجهة الغرب وإزالة إسرائيل وهي بذلك تستثير الغرائز النائمة التي هداها الوعي والتقدم الحضاري وأبعدها عن ثقافة العنف والغلو. أي أن العالم العربي لم يستطع حتى الآن أن يصبح لاعباً في حين أصبح ساحة للعب بين أمريكا وإيران.

وعندما كان العرب ينتظرون من الرئيس الأمريكي جورج بوش إعلان قيام الدولة الفلسطينية حسب وعوده السابقة في خطابه في شرم الشيخ لدى زيارته مصر، كانت الولايات المتحدة وإيران وتركيا تعمل على إنهاء حلم قيام دولة كردية تمثل تهديداً مشتركاً لكل من تركيا وإيران وحتى لسوريا، فهذه الدول يجمعها هاجس تهديد مشترك، وتعد لتركيا وإيران هاجساً أكبر من هاجس القضية الفلسطينية لأن الأكراد في تركيا يصل عددهم إلى عشرين مليون كردي وستة ملايين في إيران ومليونين في سوريا.

أما المفاوضات فقد تحولت الآن إلى مفاوضات عبثية، ومن أجل تغطية هذا التفاوض العبثي غاب موضوع الدولة الفلسطينية عن طاولة المفاوضات، وحضر بدلاً منه موضوع (اتفاق الإطار)، أي تكرار تجربة أوسلو عام 1993. ومنذ توقيع أنابوليس وافقت إسرائيل على أكثر من 70 ألف تصريح استيطان في الأراضي المحتلة وبهذا فإن هناك تطابقاً في المواقف الأمريكية-الإسرائيلية ضد المطالب الفلسطينية العربية.

وعندما رأت الإدارة الأمريكية أن معسكر الاعتدال في العالم العربي ليس متساهلاً ومنفتحاً معها قررت أن تتعامل مع معسكر التشدد المتمثل في إيران وسوريا والحركات الراديكالية.

لقد أصبحت إسرائيل تتاجر بالسلام لكسب الوقت من أجل إضعاف الطرف العربي كي يتراجع عن مواقفه ويتنازل حتى يسلم في النهاية ويخضع لقوة إسرائيل العسكرية والعلمية والاقتصادية، أي أن إسرائيل تبني حضارة مذهلة مكان حضارة تاريخية سابقة. فالحضارة الجديدة هي أشبه بحضارة البيض في أمريكا التي كانت على حساب إبادة الهنود الحمر، فكذلك إسرائيل تعمل الآن على إبادة الشعب الفلسطيني مع فارق الزمنين واختلاف المكانين تحت مسمع ومرأى من العالم أجمع الذي لم يستطع أن يحرك ساكناً، لأن القوة العظمى التي تقود العالم هي التي تدعم هذا العدوان بحجج الحرب على الإرهاب، لكن لماذا استطاع اليهود إقامة حضارة مذهلة مكان حضارة سابقة؟ فكما استغل البيض بدائية الهنود الحمر استغل اليهود ضعف المستوى العلمي والتقني والاقتصادي عند العرب والفلسطينيين (وإن كان الفلسطينيون تحت الحصار الإسرائيلي) إلى جانب افتقارهم إلى القيادة الواعية والمتطورة والمخلصة والوحدة اللازمة أمام الطغيان الإسرائيلي.

لا يزال المشروع العربي متخاذلاً يتسم بالضعف بسبب غياب استراتيجية عربية واضحة

لذلك لابد أن نعترف بأن انتصار إسرائيل هو انتصار للعلم والعقل والتكنولوجيا على تخلف العرب علمياً وتقنياً واقتصادياً وبالطبع عسكرياً، وما وصل إليه اليهود انعكس على عملية السلام بين الطرفين، فأصبح مفهوم السلام عند اليهود غير مفهوم السلام عند العرب والفلسطينيين، وبهذه المعادلة أصبح العرب تائهين في نفق مظلم مسدود. فالعرب ما زالوا ينظرون إلى القضية الفلسطينية كقضية نزاع سياسي مع إسرائيل فقط، ويتضح ذلك من المؤتمر الذي عقده محمود عباس في بيت لحم من أجل جذب الاستثمارات العربية لتنمية المناطق في الأراضي الفلسطينية، وتحدى محمود عباس المشككين وأقام المؤتمر في بيت لحم بدلاً من أن يقيمه في دولة أخرى كي يثبت للعرب قبل الأجانب واجبهم القومي والإسلامي في تقديم الاستثمارات المطلوبة رغم أن واجبهم هو تقديمها كمساعدات لدعم الصناعة الفلسطينية والتنمية الزراعية للقضاء على البطالة ودعم المنكوبين لتخفيف آثار الحصار الواقع على الفلسطينيين. فالاستثمار في فلسطين أولاً وأخيراً هدف إنساني يضمد الجراح ويفرج كربة المنكوبين وهو عامل أساسي من عوامل مساعدة الفلسطينيين على الصمود في أرضهم واستغنائهم عن طلب المساعدات.

::/fulltext::
::cck::1451::/cck::

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *