مرتكزات أمن الخليج والصراع العربي – الإسرائيلي

::cck::1468::/cck::
::introtext::

الأمن، وبصفة خاصة الأمن القومي العربي، وبصفة أكثر خصوصية أمن مجلس التعاون لدول الخليج العربية هو موضوع مهم وخطير لا لأنه يتعلق بحاضر الأمة العربية فحسب، بل لأنه يمس مستقبلها في عالم تتغير فيه الموازين والمؤثرات في مجال السياسة الدولية، حيث انفردت الإرادات الدولية وبعض الإرادات الإقليمية بأن تصول وتجول دونما اعتبار لغيرها من الإرادات.

::/introtext::
::fulltext::

الأمن، وبصفة خاصة الأمن القومي العربي، وبصفة أكثر خصوصية أمن مجلس التعاون لدول الخليج العربية هو موضوع مهم وخطير لا لأنه يتعلق بحاضر الأمة العربية فحسب، بل لأنه يمس مستقبلها في عالم تتغير فيه الموازين والمؤثرات في مجال السياسة الدولية، حيث انفردت الإرادات الدولية وبعض الإرادات الإقليمية بأن تصول وتجول دونما اعتبار لغيرها من الإرادات.

على الرغم من أهمية موضوع الأمن وخطورته، إلا أنه لم يلق إلا حظاً متواضعاً من عناية المفكرين والساسة العرب في الوقت الذي نجد فيه أن كتّاب وساسة العالم يطرقون موضوع الأمن بشكل موسع، مما يزيد من إلحاحنا على ضرورة تأصيل مفهوم للأمن القومي العربي وأمن مجلس التعاون نابع من قلب الإرادة والمصالح العربية.

مرتكزات الأمن الجماعي لدول مجلس التعاون

يعتبر الأمن الجماعي إحدى صور تحقيق الأمن القومي لمجموعة من الدول، وأبسط تعريف للأمن الجماعي أنه الضمان الذي تكفل به جماعة من الدول أمن كل دولة وسلامة أراضيها، وتلجأ في سبيل ذلك إلى تنسيق جهودها المشتركة لمنع أي اعتداء على إحداها أو عليها مجتمعة. ويمكن القول بصفة عامة إن مجمل تجارب التحالفات والتجمعات الدولية ارتكزت على صورة أو أخرى من صور الأمن الجماعي (مثال ذلك عصبة الأمم، الأمم المتحدة، حلف شمال الأطلنطي، جامعة الدول العربية، مجلس التعاون …). وما يهمنا في هذا التحليل أن نؤكد أن مجلس التعاون لدول الخليج العربية يمثل شكلاً من أشكال التعاون من أجل تحقيق الأمن الجماعي لدول الخليج العربية والجزيرة العربية.

لقد كشفت إسرائيل أكثر من مرة أن لها طموحاً في ضرب مرتكزات أمن الخليج والعودة إلى (خيبر)

وهنا لابد من التأكيد على أن فكرة ومفهوم الأمن الجماعي في العلاقات الدولية لم يظهرا من فراغ، فهذه الفكرة في مفهومها المعاصر تقوم على مبادئ التعايش السلمي بين الدول ذات الأنظمة الاجتماعية المختلفة، وأن حماية السلام والأمن تتطلب جهوداً مشتركة وتعاوناً على قدم المساواة بين مختلف الدول. وبالتالي أصبحت قضية عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول جزءاً لا يتجزأ من مفهوم الأمن في العلاقات الدولية.

وهنا لابد من الإشارة إلى أن تحقيق الأمن الجماعي لدول مجلس التعاون الخليجي يجب أن يرتكز على الأسس الآتية:

أولاً: إن الأمن الجماعي لمجلس التعاون لدول الخليج العربية لا يمكن تحقيقه إلا إذا كانت كل دولة عربية خليجية تتمتع بالأمن والاستقرار الداخلي.

ثانياً: إن الأمن الجماعي لدول مجلس التعاون يمكن تحقيقه إذا استجابت الدول العربية الخليجية لأية دولة يتعرض أمنها للخطر بمساعدتها على مواجهة التخريب الداخلي والمستورد.

ثالثاً: أن أمن دول مجلس التعاون هو قضية تهم أبناءه في المقام الأول، وأن الدفاع عنه مسؤولية دوله وشعوبه.

رابعاً: إن أمن دول مجلس التعاون يرتبط بقضية البناء الاجتماعي والسياسي والقدرة على إقامة المؤسسات والأنظمة الجماعية القادرة على تحقيق مستويات من التنمية والتطور الذاتي بما في ذلك استثمار الثروة النفطية لصالح المجتمع.

من سياسة إسرائيل والولايات المتحدة العمل على إشعال الحرائق في أكثر من مكان في الوطن العربي

خامساً: إن أمن مجلس التعاون لدول الخليج العربية جزء لا يتجزأ من الأمن القومي العربي، وأنه يتأثر به ويؤثر فيه سلباً وإيجاباً.

إن الأمن الجماعي لدول مجلس التعاون يمكن أن ينطبق عليه مفهوم الأمن الإقليمي، فالمفهوم هنا يشمل أكثر من دولة واحدة في منطقة جغرافية معينة تربطها روابط وصلات معينة. وفي معناه العام ينصرف أمن مجلس التعاون لدول الخليج العربية إلى تلك الحالة من الاستقرار الذي يجب أن يشمل منطقة الخليج العربي كلها بعيداً عن أي تهديد سواء من الداخل أو الخارج.

ولذلك فإن الإجراءات التي يجب أن تتخذ لحماية أمن مجلس التعاون لدول الخليج العربية يجب أن تمثل تصرفاً جماعياً من جانب كافة دول مجلس التعاون متضامنة لرد أي تهديد لأمنها الجماعي بأي صورة من الصور. ومن هذا المنطلق لابد أن تتم تنمية الوعي بمفهوم الأمن الجماعي العربي لدول منطقة الخليج العربي، وأن تتم أيضاً صياغة واضحة لمرتكزات أمن مجلس التعاون كمجموعة واحدة متميزة بين الدول العربية، مع عدم إغفال الترابط بين الأمن القومي العربي ككل والأمن الجماعي لدول الخليج العربية.

 أهداف أمن مجلس التعاون لدول الخليج العربية

إذا كان الأمن الوطني لدولة من الدول يهدف إلى تأمينها من الداخل، ودفع التهديد الخارجي عنها، بما يكفل لشعبها حياة مستقرة توفر له استغلال أقصى طاقاته للنهوض والتقدم والازدهار، فإن الأمن الجماعي لدول مجلس التعاون يهدف إلى حمايتها من كل ما من شأنه المسّ بكيانها وأمنها الداخلي والخارجي.

إن أمن الخليج العربي ينبغي أن يفهم بالمعنى المجتمعي الشامل لمفهوم الأمن وهو بذلك يشمل أهدافاً عسكرية واجتماعية واقتصادية وسياسية حيث يتكامل الأداء نحو تحقيق الحد الأدنى من الحماية اللازم للحفاظ على دول مجلس التعاون.

مبادئ ومرتكزات الأمن الجماعي لمجلس التعاون والصراع العربي-الإسرائيلي

لقد أصبحت مهمة بناء نظام للأمن الجماعي لمجلس التعاون لدول الخليج العربية قضية ملحة لا تحتمل أي تأخير، ذلك أن دول الخليج العربية باتت مستهدفة من جانب دول كبرى عالمية وإقليمية، ولذلك فإن الجهود يجب أن تنصب نحو صياغة مبادئ ومرتكزات للأمن الجماعي لدول مجلس التعاون، ولا بد أن تشرع دول المجلس في بناء نظام فعال لأمنها الجماعي وترسيخ مبادئ هذا النظام في الممارسة القيادية والشعبية، وأن تتوحد جهودها المشتركة وتعاونها المخلص من أجل حماية أمنها الذاتي والجماعي. وفي محاولة نظرية تصب في دائرة هذا الهدف فإن الباحث يقدم تصوراً لمرتكزات الأمن الجماعي لدول مجلس التعاون. وهذه المرتكزات لا تزال في طور الصياغة النظرية مما يعني أنها قابلة للتطوير والتعديل.

ويمكن القول إن مبادئ ومرتكزات الأمن الجماعي لمجلس التعاون لدول الخليج العربية تتمثل في العناصر الآتية:

 1- ضرورة النظر للخليج العربي والبحر الأحمر وبحر عُمان على أنها بحيرات عربية

 من المعروف أن شبه الجزيرة العربية تحيط بها ثلاثة مسطحات مائية يشكل بحر عُمان قاعدتها ويمثل كل من البحر الأحمر والخليج العربي أذرعاً مائية تخترق اليابسة، ويمكن أن تشكل منطلقات لتهديد دول مجلس التعاون. فالوجود الإسرائيلي في البحر الأحمر سيظل مصدراً محتملاً لتهديد الجدار السعودي الغربي والشمالي، والمعروف أن المملكة العربية السعودية تمثل الدولة القائد (Pilot State) لدول مجلس التعاون. إن العداء بين اليهود والمسلمين والتنزيل القرآني المصدّق إلهياً حول حتمية الصراع بين اليهود والمسلمين- رغم ما يبدو من تسويات سلمية أو هدنات مؤقتة – ينذر بتفجر الصراع المسلح وهذا قد يجعل المملكة العربية السعودية طرفاً مباشراً في الصراع. وقد تقوم إسرائيل بالتقدم في شمال المملكة واحتلال منطقة تبوك وكذلك إغلاق بعض المؤانىء السعودية على البحر الأحمر مثل ميناءي جدة وينبع. وهذا لا ينفي أن الصراع العربي-الصهيوني ينطوي على مستويات عدة ويحتوي على مضامين عدة فهو صراع حضاري شامل من جانب، وهو في الوقت نفسه صراع وطني على المستوى الفلسطيني-الإسرائيلي من جانب آخر، وهو صراع قومي على المستوى العربي-الصهيوني من جانب ثالث، وهو ديني إسلامي-يهودي من جانب رابع، كما أنه صراع ضد الوجود الاستعماري الاستيطاني الصهيوني في قلب الوطن العربي من جانب خامس. إذ إن الصراع الحضاري مع إسرائيل يشمل كافة المستويات، وسيظل صراعاً حول الوجود أكثر من كونه نزاعاً حول الحدود، حيث إن إسرائيل بوصفها كياناً استعمارياً استيطانياً توسعياً عدوانياً لا يمكن أن تكتفي -على المدى البعيد- باستيطان فلسطين، بل إن أطماعها تمتد إلى مناطق أخرى في شرق الأردن وشبة جزيرة سيناء، والمملكة العربية السعودية، وأجزاء من لبنان والعراق

أما مياه الخليج العربي -في حالة سيطرة قوى معادية عليها- فهي قابلة لأن تكون خنجراً في جسد دول مجلس التعاون إذا لم يتم اتخاذ الإجراءات والتدابير الملائمة لتفادي التقدم الإيراني عبر الخليج واحتلال أراض عربية في شرق المملكة العربية السعودية والبحرين وغيرهما من دول الخليج تحت شعار حماية المصالح الشيعية في المنطقة. أما بالنسبة لبحر عُمان فإن الواجب أن يبقى بعيداً عن الأساطيل الدولية، وأن تعيد عُمان الخبرة التاريخية حيث تتصدى للغزوات الخارجية، وأن يتم التعاون بين دول مجلس التعاون ودول شبه الجزيرة العربية (اليمن) من أجل أن تكون هذه الممرات المائية تحت السيطرة العربية، والعمل على إبعاد الأساطيل الدولية منها وكذلك الحذر من التسلل الإسرائيلي إلى أرتيريا ومحاولات إسرائيل إقامة قواعد لها في جزر البحر الأحمر بما يهدد أمن دول مجلس التعاون والجزيرة العربية.

من مصلحة إسرائيل المبالغة في الخطر الإيراني لنقل التوتر إلى منطقة الخليج العربي

2- ضرورة التساند والتكامل بين عواصم دول مجلس التعاون الخليجي

إن إقامة علاقة من الترابط والتساند والتكامل بين دول مجلس التعاون الست في كافة المجالات السياسية والاجتماعية والاقتصادية تشكل المرتكز الثاني من مرتكزات الأمن الجماعي لدول مجلس التعاون. فهذه الدول يجب النظر إليها على أنها تمثل جسداً واحداً إذا اشتكى منه عضو تداعت له سائر الأعضاء بالمساعدة والمؤازرة. فالمملكة العربية السعودية بثقلها الروحي، حيث مكة أقدس أقداس المسلمين، وكذلك مركزها كدولة قائد في مجلس التعاون، وكذلك كحامل لميزان التوازن في المجلس (Balance Holder)، وما تمتلكه من قدرات بشرية واقتصادية، وعُمان بتقاليدها الحربية العريقة وأصالتها العربية التاريخية والتي تصدت في مراحل تاريخية للعدوان البرتغالي وغيره، ودولة الإمارات العربية المتحدة التي تمثل رأس الحكمة في سياسة المنطقة، وكذلك كل من البحرين وقطر والكويت وهي دول تمثل قلاعاً وأبراجاً في الحائط الدفاعي لدول مجلس التعاون تكمل الخطوط الدفاعية لمجلس التعاون. والتساند بين هذه الدول يجب أن يعني تكتيل الجهود والقدرات الدفاعية والهجومية وغيرها والتي تمتلكها دول المجلس من أجل تكامل قدراتها في مواجهة أي مخاطر قد تتعرض لها فرادى أو مجتمعة وكذلك التصدي لكل ما من شأنه تعريض أمنها وسلامتها الإقليمية وكيانها الذاتي للخطر.

قد يبدو هذا الحديث نوعاً من المجاملة أكثر مما يدخل في إطار المنهجية العلمية، ولذلك فإن الباحث يرى أن التساند والتكامل الأمني بين دول المجلس يجعلانها تطبق المبدأ القائل (الكل للواحد والواحد من أجل الكل). فالأمن والاستقرار في أية دولة من دول مجلس التعاون يعتبران امتداداً طبيعياً للأمن والاستقرار في بقية دول المجلس. ومعنى كل هذا أن أمن دول مجلس التعاون هو كل لا يتجزأ، فأمن سلطنة عمان يكمل أمن دولة الإمارات العربية المتحدة، وأمن المملكة العربية السعودية ينعكس سلباً وإيجاباً على أمن كل من قطر والبحرين والكويت.

لقد كشفت إسرائيل أكثر من مرة أن لها طموحاً في ضرب مرتكزات أمن الخليج والعودة إلى (خيبر) وغزو أجزاء من المملكة العربية السعودية انتقاماً ليهود خيبر، كما كشفت الصحف مخططات إسرائيلية للقيام بإنزال جوي في الكويت وقيام إسرائيل بضرب المفاعل النووي العراقي عام 1981، بالإضافة إلى قيام إسرائيل بالتهويل من الخطر الإيراني وحرف الانتباه عن أن العدو الإقليمي الرئيسي للأمن القومي العربي بما فيه أمن الخليج العربي هو إسرائيل ذاتها.

3- مبدأ عدم المساس بالحدود والسيادة الإقليمية لدول مجلس التعاون

إن مشكلة عدم المساس بالحدود وحرمتها ترتبط ارتباطاًً وثيقاً بمبدأ احترام السيادة. ورغم أن مشكلات الحدود هي من مواريث المرحلة الاستعمارية، فإنه يمكن حل نزاعات الحدود بالطرق السلمية عن طريق المفاوضات الثنائية وبروح حسن الجوار والتنازلات الأخوية المتبادلة. وبالطبع لا ينفي مبدأ حرمة الحدود مشروعية إحداث تغييرات تتناول الأرض، وذلك ضمن استعمال أساليب التفاهم الأخوي والحوار الودي بين دول المجلس.

وما يهمنا في هذا المبدأ هو التصدي لكل عدوان خارجي يهدف إلى انتهاك سيادة دول مجلس التعاون وسيادتها الإقليمية على أراضيها. ولعل من الأخطار الحالية والمحتملة قد تأتي من إيران وإسرائيل وبعض الدول الآسيوية، كما أن أطماع القوى الدولية والإقليمية في المنطقة قد تشكل تهديداً مباشراً لسيادة دول مجلس التعاون وسلامتها الإقليمية.

لقد وقفت إسرائيل معشاه إيران عندما قام باحتلال الجزر العربية الإماراتية (طنب الصغرى وطنب الكبرى وأبو موسى). ولا يمكن استبعاد قيام إسرائيل في المستقبل بتشجيع الأقليات العرقية في دول الخليج على المطالبة بالمشاركة السياسية وحق تقرير المصير وإثارة منطق الأقليات والنعرات الطائفية. إذ إن من سياسة إسرائيل والولايات المتحدة العمل على إشعال الحرائق في أكثر من مكان في الوطن العربي، وندعو هنا إلى اليقظة والحذر من نقل التوترات إلى منطقة الخليج العربي بما يهدد أمن واستقرار المنطقة.

4. عدم التدخل في الشؤون الداخلية لدول مجلس التعاون

من دون المراعاة الحازمة لمبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية يصبح من غير الممكن تأمين حق أي شعب سواء أكان كبيراً أم صغيراً في اختيار طريق التطور الذي يرتضيه وحل القضايا الاجتماعية والسياسية والاقتصادية التي تواجهه بإرادته المستقلة. وكذلك من دون المراعاة الحازمة لهذا المبدأ يصبح من المستحيل إقامة علاقات ثقة وتعاون بين البلدان ذات الأنظمة الاجتماعية والاقتصادية المختلفة، حيث إن مبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية لدول مجلس التعاون يعتبر دعامة أساسية من دعامات أمنها الجماعي والفردي، وهذا يشمل عدم السماح لأية جهة بالتدخل في الشؤون السياسية والاجتماعية والاقتصادية والأنظمة التي ارتضتها دول المجلس لنفسها. ويمتد هذا ليشمل محاولات التصدير المذهبي والفكري وكذلك احترام مناهج الحياة وطرق العيش التي تنتهجها دول مجلس التعاون.

إن هذا المرتكز من مرتكزات أمن مجلس التعاون لدول الخليج العربية يجب أن يقوم على أساس منع أي مخاطر قد تتعرض لها دول مجلس التعاون من الداخل والخارج. فمن الداخل يجب التنبه إلى الآثار السلبية التي قد تنعكس على أمن دول المجلس نتيجة للتركيبة السكانية وطغيان العناصر غير العربية فيها مما قد تكون له آثار بعيدة المدى على أمن دول المجلس. وبالنسبة للأخطار التي قد تأتي من الخارج ينبغي الحذر واليقظة والتصدي لكل محاولات تجنيد الأقليات والطوائف لخدمة مصالح دول معادية لمجلس التعاون لدول الخليج العربية (أقليات آسيوية، فلبينية، تايلندية، هندية، كورية، إيرانية، باكستانية، سريلانكية…إلخ).

إن أحد مرتكزات السياسة الخارجية الإسرائيلية هو (تشجيع منطق الأقليات) والتدخل في الشؤون الداخلية بشكل غير مباشر من خلال دفع بعض الأقليات لإثارة الفتن والقلاقل والاضطرابات، كما عملت إسرائيل وتعمل على تشجيع القوى الجاذبة الخارجية وخاصة تركيا والحبشة /إثيوبيا وإيران الشاه. ولعل من مصلحة إسرائيل المبالغة في الخطر الإيراني لنقل التوتر لمنطقة الخليج العربي، ذلك أن أي مواجهة بين أمريكا وإسرائيل من جانب وإيران من جانب آخر سوف تنعكس سلباً وبشكل مباشر على أمن دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية.

5. نبذ استخدام القوة

إن نبذ استخدام القوة في العلاقات بين الدول هو المبدأ الرئيسي الذي يمكن أن يقام عليه الأمن الجماعي لدول مجلس التعاون وكذلك في كل مناطق العالم. وتحريم استخدام القوة في العلاقات بين الدول لا ينصب على القوة المسلحة فقط، بل يشمل أيضاً تحريم كل أشكال الضغط الاقتصادي والسياسي وغيرها. وكما هو معروف فإن استخدام القوة المسلحة ضد حرية الدول والشعوب يعتبر خرقاً لمبادئ القانون الدولي المتعارف عليها.

إن تحقيق الأمن الجماعي لمجلس التعاون لدول الخليج العربية يتطلب نبذ كافة أشكال استعمال القوة أو التهديد بها في مجال العلاقات الدولية بدول المجلس، وكذلك يشمل عدم استعمال الأشكال المعاصرة من أساليب استعمال القوة مثل الضغط الاقتصادي واستعمال الجماعات المسلحة وإثارة القلاقل والفتن الداخلية، أساليب العنف المختلفة من خلال توظيف طرف ثالث، أو ما يمكن أن يسمى التدخل بالوكالة (Intervention by proxy).

ورغم ذلك فقد تم تشجيع بعض الأطراف الخليجية وخاصة العراق وإيران من أجل استخدام العنف من خلال الحرب العراقية-الإيرانية التي استمرت ثماني سنوات، وانعكست على أمن الخليج العربي وكذلك تشجيع صدام حسين على احتلال الكويت لتدخل المنطقة في دوامة العنف التي لا تزال المنطقة تعاني من آثارها حتى الآن.

6- اعتبار الأمن الجماعي لدول مجلس التعاون جزءاً لا يتجزأ من الأمن القومي العربي

إن الحديث عن الأمن الجماعي لدول مجلس التعاون لا يعني أن أمن هذه المنطقة هو بمعزل عن الأمن القومي العربي. بل إن بعض مرتكزات الأمن الجماعي لدول المجلس تشكل في الوقت نفسه مرتكزات للأمن القومي العربي. صحيح أن الوطن العربي يمر بحالة من التهلهل الداخلي والتمزق، إلا أن ذلك لا يمنع من التأكيد على وظيفة المفكر العربي وهي ضرورة التصدي لمعالجة قضايا أمته بما يخدم الصالح العام.

إن مبادئ الأمن الجماعي لدول الخليج العربية يجب أن تترسخ في الوعي الجماعي على المستويين القيادي والجماهيري، وأن يتم تدريس هذه المبادئ في كافة مراحل التعليم بحيث تصبح حاضرة في الوعي والضمير العام لكل فرد في المجتمع ولكل دولة من دول المنطقة، وأن تمثل الحد الأدنى اللازم من الحماية لدول مجلس التعاون والذي لا يجوز التنازل عنه حتى لو أدى ذلك إلى استعمال القوة المسلحة، حيث إن انتهاك أي مبدأ أو مرتكز من المرتكزات السابقة الذكر يعتبر انتهاكاً مباشراً للأمن الجماعي لدول مجلس التعاون مما يتطلب التدخل الفوري ومنع التهديد لأي عضو من أعضاء مجلس التعاون لدول الخليج العربية.

ولا شك في أن التشديد على التلازم الوثيق بين أمن مجلس التعاون لدول الخليج العربية والأمن القومي العربي أصبح حقيقة مؤكدة تفرضها الأوضاع القائمة في المنطقة العربية. فالدول العربية الخليجية لمست ضرورة تجسيد هذه الحقيقة بعدما أصبحت لإسرائيل حرية الحركة في خليج العقبة والبحر الأحمر وإقامة قواعد إسرائيلية في البحر الأحمر بمساعدة أرتيريا وامتلاك إسرائيل القدرة على تهديد أمن المملكة العربية السعودية بشكل خاص ودول مجلس التعاون بشكل عام من خلال تهديد الجدار السعودي لأمن دول مجلس التعاون.

وخلاصة القول أن هناك بعض جوانب التأثير والتأثر بين أمن الخليج العربي والصراع العربي-الإسرائيلي ولعل في تجربة حرب أكتوبر 1973 واستخدام سلاح النفط والدعم الذي قدمته دول الخليج، ولا تزال، للشعب الفلسطيني دلالة واضحة على ذلك.

::/fulltext::

Getting your Trinity Audio player ready...

::cck::1468::/cck::
::introtext::

الأمن، وبصفة خاصة الأمن القومي العربي، وبصفة أكثر خصوصية أمن مجلس التعاون لدول الخليج العربية هو موضوع مهم وخطير لا لأنه يتعلق بحاضر الأمة العربية فحسب، بل لأنه يمس مستقبلها في عالم تتغير فيه الموازين والمؤثرات في مجال السياسة الدولية، حيث انفردت الإرادات الدولية وبعض الإرادات الإقليمية بأن تصول وتجول دونما اعتبار لغيرها من الإرادات.

::/introtext::
::fulltext::

الأمن، وبصفة خاصة الأمن القومي العربي، وبصفة أكثر خصوصية أمن مجلس التعاون لدول الخليج العربية هو موضوع مهم وخطير لا لأنه يتعلق بحاضر الأمة العربية فحسب، بل لأنه يمس مستقبلها في عالم تتغير فيه الموازين والمؤثرات في مجال السياسة الدولية، حيث انفردت الإرادات الدولية وبعض الإرادات الإقليمية بأن تصول وتجول دونما اعتبار لغيرها من الإرادات.

على الرغم من أهمية موضوع الأمن وخطورته، إلا أنه لم يلق إلا حظاً متواضعاً من عناية المفكرين والساسة العرب في الوقت الذي نجد فيه أن كتّاب وساسة العالم يطرقون موضوع الأمن بشكل موسع، مما يزيد من إلحاحنا على ضرورة تأصيل مفهوم للأمن القومي العربي وأمن مجلس التعاون نابع من قلب الإرادة والمصالح العربية.

مرتكزات الأمن الجماعي لدول مجلس التعاون

يعتبر الأمن الجماعي إحدى صور تحقيق الأمن القومي لمجموعة من الدول، وأبسط تعريف للأمن الجماعي أنه الضمان الذي تكفل به جماعة من الدول أمن كل دولة وسلامة أراضيها، وتلجأ في سبيل ذلك إلى تنسيق جهودها المشتركة لمنع أي اعتداء على إحداها أو عليها مجتمعة. ويمكن القول بصفة عامة إن مجمل تجارب التحالفات والتجمعات الدولية ارتكزت على صورة أو أخرى من صور الأمن الجماعي (مثال ذلك عصبة الأمم، الأمم المتحدة، حلف شمال الأطلنطي، جامعة الدول العربية، مجلس التعاون …). وما يهمنا في هذا التحليل أن نؤكد أن مجلس التعاون لدول الخليج العربية يمثل شكلاً من أشكال التعاون من أجل تحقيق الأمن الجماعي لدول الخليج العربية والجزيرة العربية.

لقد كشفت إسرائيل أكثر من مرة أن لها طموحاً في ضرب مرتكزات أمن الخليج والعودة إلى (خيبر)

وهنا لابد من التأكيد على أن فكرة ومفهوم الأمن الجماعي في العلاقات الدولية لم يظهرا من فراغ، فهذه الفكرة في مفهومها المعاصر تقوم على مبادئ التعايش السلمي بين الدول ذات الأنظمة الاجتماعية المختلفة، وأن حماية السلام والأمن تتطلب جهوداً مشتركة وتعاوناً على قدم المساواة بين مختلف الدول. وبالتالي أصبحت قضية عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول جزءاً لا يتجزأ من مفهوم الأمن في العلاقات الدولية.

وهنا لابد من الإشارة إلى أن تحقيق الأمن الجماعي لدول مجلس التعاون الخليجي يجب أن يرتكز على الأسس الآتية:

أولاً: إن الأمن الجماعي لمجلس التعاون لدول الخليج العربية لا يمكن تحقيقه إلا إذا كانت كل دولة عربية خليجية تتمتع بالأمن والاستقرار الداخلي.

ثانياً: إن الأمن الجماعي لدول مجلس التعاون يمكن تحقيقه إذا استجابت الدول العربية الخليجية لأية دولة يتعرض أمنها للخطر بمساعدتها على مواجهة التخريب الداخلي والمستورد.

ثالثاً: أن أمن دول مجلس التعاون هو قضية تهم أبناءه في المقام الأول، وأن الدفاع عنه مسؤولية دوله وشعوبه.

رابعاً: إن أمن دول مجلس التعاون يرتبط بقضية البناء الاجتماعي والسياسي والقدرة على إقامة المؤسسات والأنظمة الجماعية القادرة على تحقيق مستويات من التنمية والتطور الذاتي بما في ذلك استثمار الثروة النفطية لصالح المجتمع.

من سياسة إسرائيل والولايات المتحدة العمل على إشعال الحرائق في أكثر من مكان في الوطن العربي

خامساً: إن أمن مجلس التعاون لدول الخليج العربية جزء لا يتجزأ من الأمن القومي العربي، وأنه يتأثر به ويؤثر فيه سلباً وإيجاباً.

إن الأمن الجماعي لدول مجلس التعاون يمكن أن ينطبق عليه مفهوم الأمن الإقليمي، فالمفهوم هنا يشمل أكثر من دولة واحدة في منطقة جغرافية معينة تربطها روابط وصلات معينة. وفي معناه العام ينصرف أمن مجلس التعاون لدول الخليج العربية إلى تلك الحالة من الاستقرار الذي يجب أن يشمل منطقة الخليج العربي كلها بعيداً عن أي تهديد سواء من الداخل أو الخارج.

ولذلك فإن الإجراءات التي يجب أن تتخذ لحماية أمن مجلس التعاون لدول الخليج العربية يجب أن تمثل تصرفاً جماعياً من جانب كافة دول مجلس التعاون متضامنة لرد أي تهديد لأمنها الجماعي بأي صورة من الصور. ومن هذا المنطلق لابد أن تتم تنمية الوعي بمفهوم الأمن الجماعي العربي لدول منطقة الخليج العربي، وأن تتم أيضاً صياغة واضحة لمرتكزات أمن مجلس التعاون كمجموعة واحدة متميزة بين الدول العربية، مع عدم إغفال الترابط بين الأمن القومي العربي ككل والأمن الجماعي لدول الخليج العربية.

 أهداف أمن مجلس التعاون لدول الخليج العربية

إذا كان الأمن الوطني لدولة من الدول يهدف إلى تأمينها من الداخل، ودفع التهديد الخارجي عنها، بما يكفل لشعبها حياة مستقرة توفر له استغلال أقصى طاقاته للنهوض والتقدم والازدهار، فإن الأمن الجماعي لدول مجلس التعاون يهدف إلى حمايتها من كل ما من شأنه المسّ بكيانها وأمنها الداخلي والخارجي.

إن أمن الخليج العربي ينبغي أن يفهم بالمعنى المجتمعي الشامل لمفهوم الأمن وهو بذلك يشمل أهدافاً عسكرية واجتماعية واقتصادية وسياسية حيث يتكامل الأداء نحو تحقيق الحد الأدنى من الحماية اللازم للحفاظ على دول مجلس التعاون.

مبادئ ومرتكزات الأمن الجماعي لمجلس التعاون والصراع العربي-الإسرائيلي

لقد أصبحت مهمة بناء نظام للأمن الجماعي لمجلس التعاون لدول الخليج العربية قضية ملحة لا تحتمل أي تأخير، ذلك أن دول الخليج العربية باتت مستهدفة من جانب دول كبرى عالمية وإقليمية، ولذلك فإن الجهود يجب أن تنصب نحو صياغة مبادئ ومرتكزات للأمن الجماعي لدول مجلس التعاون، ولا بد أن تشرع دول المجلس في بناء نظام فعال لأمنها الجماعي وترسيخ مبادئ هذا النظام في الممارسة القيادية والشعبية، وأن تتوحد جهودها المشتركة وتعاونها المخلص من أجل حماية أمنها الذاتي والجماعي. وفي محاولة نظرية تصب في دائرة هذا الهدف فإن الباحث يقدم تصوراً لمرتكزات الأمن الجماعي لدول مجلس التعاون. وهذه المرتكزات لا تزال في طور الصياغة النظرية مما يعني أنها قابلة للتطوير والتعديل.

ويمكن القول إن مبادئ ومرتكزات الأمن الجماعي لمجلس التعاون لدول الخليج العربية تتمثل في العناصر الآتية:

 1- ضرورة النظر للخليج العربي والبحر الأحمر وبحر عُمان على أنها بحيرات عربية

 من المعروف أن شبه الجزيرة العربية تحيط بها ثلاثة مسطحات مائية يشكل بحر عُمان قاعدتها ويمثل كل من البحر الأحمر والخليج العربي أذرعاً مائية تخترق اليابسة، ويمكن أن تشكل منطلقات لتهديد دول مجلس التعاون. فالوجود الإسرائيلي في البحر الأحمر سيظل مصدراً محتملاً لتهديد الجدار السعودي الغربي والشمالي، والمعروف أن المملكة العربية السعودية تمثل الدولة القائد (Pilot State) لدول مجلس التعاون. إن العداء بين اليهود والمسلمين والتنزيل القرآني المصدّق إلهياً حول حتمية الصراع بين اليهود والمسلمين- رغم ما يبدو من تسويات سلمية أو هدنات مؤقتة – ينذر بتفجر الصراع المسلح وهذا قد يجعل المملكة العربية السعودية طرفاً مباشراً في الصراع. وقد تقوم إسرائيل بالتقدم في شمال المملكة واحتلال منطقة تبوك وكذلك إغلاق بعض المؤانىء السعودية على البحر الأحمر مثل ميناءي جدة وينبع. وهذا لا ينفي أن الصراع العربي-الصهيوني ينطوي على مستويات عدة ويحتوي على مضامين عدة فهو صراع حضاري شامل من جانب، وهو في الوقت نفسه صراع وطني على المستوى الفلسطيني-الإسرائيلي من جانب آخر، وهو صراع قومي على المستوى العربي-الصهيوني من جانب ثالث، وهو ديني إسلامي-يهودي من جانب رابع، كما أنه صراع ضد الوجود الاستعماري الاستيطاني الصهيوني في قلب الوطن العربي من جانب خامس. إذ إن الصراع الحضاري مع إسرائيل يشمل كافة المستويات، وسيظل صراعاً حول الوجود أكثر من كونه نزاعاً حول الحدود، حيث إن إسرائيل بوصفها كياناً استعمارياً استيطانياً توسعياً عدوانياً لا يمكن أن تكتفي -على المدى البعيد- باستيطان فلسطين، بل إن أطماعها تمتد إلى مناطق أخرى في شرق الأردن وشبة جزيرة سيناء، والمملكة العربية السعودية، وأجزاء من لبنان والعراق

أما مياه الخليج العربي -في حالة سيطرة قوى معادية عليها- فهي قابلة لأن تكون خنجراً في جسد دول مجلس التعاون إذا لم يتم اتخاذ الإجراءات والتدابير الملائمة لتفادي التقدم الإيراني عبر الخليج واحتلال أراض عربية في شرق المملكة العربية السعودية والبحرين وغيرهما من دول الخليج تحت شعار حماية المصالح الشيعية في المنطقة. أما بالنسبة لبحر عُمان فإن الواجب أن يبقى بعيداً عن الأساطيل الدولية، وأن تعيد عُمان الخبرة التاريخية حيث تتصدى للغزوات الخارجية، وأن يتم التعاون بين دول مجلس التعاون ودول شبه الجزيرة العربية (اليمن) من أجل أن تكون هذه الممرات المائية تحت السيطرة العربية، والعمل على إبعاد الأساطيل الدولية منها وكذلك الحذر من التسلل الإسرائيلي إلى أرتيريا ومحاولات إسرائيل إقامة قواعد لها في جزر البحر الأحمر بما يهدد أمن دول مجلس التعاون والجزيرة العربية.

من مصلحة إسرائيل المبالغة في الخطر الإيراني لنقل التوتر إلى منطقة الخليج العربي

2- ضرورة التساند والتكامل بين عواصم دول مجلس التعاون الخليجي

إن إقامة علاقة من الترابط والتساند والتكامل بين دول مجلس التعاون الست في كافة المجالات السياسية والاجتماعية والاقتصادية تشكل المرتكز الثاني من مرتكزات الأمن الجماعي لدول مجلس التعاون. فهذه الدول يجب النظر إليها على أنها تمثل جسداً واحداً إذا اشتكى منه عضو تداعت له سائر الأعضاء بالمساعدة والمؤازرة. فالمملكة العربية السعودية بثقلها الروحي، حيث مكة أقدس أقداس المسلمين، وكذلك مركزها كدولة قائد في مجلس التعاون، وكذلك كحامل لميزان التوازن في المجلس (Balance Holder)، وما تمتلكه من قدرات بشرية واقتصادية، وعُمان بتقاليدها الحربية العريقة وأصالتها العربية التاريخية والتي تصدت في مراحل تاريخية للعدوان البرتغالي وغيره، ودولة الإمارات العربية المتحدة التي تمثل رأس الحكمة في سياسة المنطقة، وكذلك كل من البحرين وقطر والكويت وهي دول تمثل قلاعاً وأبراجاً في الحائط الدفاعي لدول مجلس التعاون تكمل الخطوط الدفاعية لمجلس التعاون. والتساند بين هذه الدول يجب أن يعني تكتيل الجهود والقدرات الدفاعية والهجومية وغيرها والتي تمتلكها دول المجلس من أجل تكامل قدراتها في مواجهة أي مخاطر قد تتعرض لها فرادى أو مجتمعة وكذلك التصدي لكل ما من شأنه تعريض أمنها وسلامتها الإقليمية وكيانها الذاتي للخطر.

قد يبدو هذا الحديث نوعاً من المجاملة أكثر مما يدخل في إطار المنهجية العلمية، ولذلك فإن الباحث يرى أن التساند والتكامل الأمني بين دول المجلس يجعلانها تطبق المبدأ القائل (الكل للواحد والواحد من أجل الكل). فالأمن والاستقرار في أية دولة من دول مجلس التعاون يعتبران امتداداً طبيعياً للأمن والاستقرار في بقية دول المجلس. ومعنى كل هذا أن أمن دول مجلس التعاون هو كل لا يتجزأ، فأمن سلطنة عمان يكمل أمن دولة الإمارات العربية المتحدة، وأمن المملكة العربية السعودية ينعكس سلباً وإيجاباً على أمن كل من قطر والبحرين والكويت.

لقد كشفت إسرائيل أكثر من مرة أن لها طموحاً في ضرب مرتكزات أمن الخليج والعودة إلى (خيبر) وغزو أجزاء من المملكة العربية السعودية انتقاماً ليهود خيبر، كما كشفت الصحف مخططات إسرائيلية للقيام بإنزال جوي في الكويت وقيام إسرائيل بضرب المفاعل النووي العراقي عام 1981، بالإضافة إلى قيام إسرائيل بالتهويل من الخطر الإيراني وحرف الانتباه عن أن العدو الإقليمي الرئيسي للأمن القومي العربي بما فيه أمن الخليج العربي هو إسرائيل ذاتها.

3- مبدأ عدم المساس بالحدود والسيادة الإقليمية لدول مجلس التعاون

إن مشكلة عدم المساس بالحدود وحرمتها ترتبط ارتباطاًً وثيقاً بمبدأ احترام السيادة. ورغم أن مشكلات الحدود هي من مواريث المرحلة الاستعمارية، فإنه يمكن حل نزاعات الحدود بالطرق السلمية عن طريق المفاوضات الثنائية وبروح حسن الجوار والتنازلات الأخوية المتبادلة. وبالطبع لا ينفي مبدأ حرمة الحدود مشروعية إحداث تغييرات تتناول الأرض، وذلك ضمن استعمال أساليب التفاهم الأخوي والحوار الودي بين دول المجلس.

وما يهمنا في هذا المبدأ هو التصدي لكل عدوان خارجي يهدف إلى انتهاك سيادة دول مجلس التعاون وسيادتها الإقليمية على أراضيها. ولعل من الأخطار الحالية والمحتملة قد تأتي من إيران وإسرائيل وبعض الدول الآسيوية، كما أن أطماع القوى الدولية والإقليمية في المنطقة قد تشكل تهديداً مباشراً لسيادة دول مجلس التعاون وسلامتها الإقليمية.

لقد وقفت إسرائيل معشاه إيران عندما قام باحتلال الجزر العربية الإماراتية (طنب الصغرى وطنب الكبرى وأبو موسى). ولا يمكن استبعاد قيام إسرائيل في المستقبل بتشجيع الأقليات العرقية في دول الخليج على المطالبة بالمشاركة السياسية وحق تقرير المصير وإثارة منطق الأقليات والنعرات الطائفية. إذ إن من سياسة إسرائيل والولايات المتحدة العمل على إشعال الحرائق في أكثر من مكان في الوطن العربي، وندعو هنا إلى اليقظة والحذر من نقل التوترات إلى منطقة الخليج العربي بما يهدد أمن واستقرار المنطقة.

4. عدم التدخل في الشؤون الداخلية لدول مجلس التعاون

من دون المراعاة الحازمة لمبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية يصبح من غير الممكن تأمين حق أي شعب سواء أكان كبيراً أم صغيراً في اختيار طريق التطور الذي يرتضيه وحل القضايا الاجتماعية والسياسية والاقتصادية التي تواجهه بإرادته المستقلة. وكذلك من دون المراعاة الحازمة لهذا المبدأ يصبح من المستحيل إقامة علاقات ثقة وتعاون بين البلدان ذات الأنظمة الاجتماعية والاقتصادية المختلفة، حيث إن مبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية لدول مجلس التعاون يعتبر دعامة أساسية من دعامات أمنها الجماعي والفردي، وهذا يشمل عدم السماح لأية جهة بالتدخل في الشؤون السياسية والاجتماعية والاقتصادية والأنظمة التي ارتضتها دول المجلس لنفسها. ويمتد هذا ليشمل محاولات التصدير المذهبي والفكري وكذلك احترام مناهج الحياة وطرق العيش التي تنتهجها دول مجلس التعاون.

إن هذا المرتكز من مرتكزات أمن مجلس التعاون لدول الخليج العربية يجب أن يقوم على أساس منع أي مخاطر قد تتعرض لها دول مجلس التعاون من الداخل والخارج. فمن الداخل يجب التنبه إلى الآثار السلبية التي قد تنعكس على أمن دول المجلس نتيجة للتركيبة السكانية وطغيان العناصر غير العربية فيها مما قد تكون له آثار بعيدة المدى على أمن دول المجلس. وبالنسبة للأخطار التي قد تأتي من الخارج ينبغي الحذر واليقظة والتصدي لكل محاولات تجنيد الأقليات والطوائف لخدمة مصالح دول معادية لمجلس التعاون لدول الخليج العربية (أقليات آسيوية، فلبينية، تايلندية، هندية، كورية، إيرانية، باكستانية، سريلانكية…إلخ).

إن أحد مرتكزات السياسة الخارجية الإسرائيلية هو (تشجيع منطق الأقليات) والتدخل في الشؤون الداخلية بشكل غير مباشر من خلال دفع بعض الأقليات لإثارة الفتن والقلاقل والاضطرابات، كما عملت إسرائيل وتعمل على تشجيع القوى الجاذبة الخارجية وخاصة تركيا والحبشة /إثيوبيا وإيران الشاه. ولعل من مصلحة إسرائيل المبالغة في الخطر الإيراني لنقل التوتر لمنطقة الخليج العربي، ذلك أن أي مواجهة بين أمريكا وإسرائيل من جانب وإيران من جانب آخر سوف تنعكس سلباً وبشكل مباشر على أمن دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية.

5. نبذ استخدام القوة

إن نبذ استخدام القوة في العلاقات بين الدول هو المبدأ الرئيسي الذي يمكن أن يقام عليه الأمن الجماعي لدول مجلس التعاون وكذلك في كل مناطق العالم. وتحريم استخدام القوة في العلاقات بين الدول لا ينصب على القوة المسلحة فقط، بل يشمل أيضاً تحريم كل أشكال الضغط الاقتصادي والسياسي وغيرها. وكما هو معروف فإن استخدام القوة المسلحة ضد حرية الدول والشعوب يعتبر خرقاً لمبادئ القانون الدولي المتعارف عليها.

إن تحقيق الأمن الجماعي لمجلس التعاون لدول الخليج العربية يتطلب نبذ كافة أشكال استعمال القوة أو التهديد بها في مجال العلاقات الدولية بدول المجلس، وكذلك يشمل عدم استعمال الأشكال المعاصرة من أساليب استعمال القوة مثل الضغط الاقتصادي واستعمال الجماعات المسلحة وإثارة القلاقل والفتن الداخلية، أساليب العنف المختلفة من خلال توظيف طرف ثالث، أو ما يمكن أن يسمى التدخل بالوكالة (Intervention by proxy).

ورغم ذلك فقد تم تشجيع بعض الأطراف الخليجية وخاصة العراق وإيران من أجل استخدام العنف من خلال الحرب العراقية-الإيرانية التي استمرت ثماني سنوات، وانعكست على أمن الخليج العربي وكذلك تشجيع صدام حسين على احتلال الكويت لتدخل المنطقة في دوامة العنف التي لا تزال المنطقة تعاني من آثارها حتى الآن.

6- اعتبار الأمن الجماعي لدول مجلس التعاون جزءاً لا يتجزأ من الأمن القومي العربي

إن الحديث عن الأمن الجماعي لدول مجلس التعاون لا يعني أن أمن هذه المنطقة هو بمعزل عن الأمن القومي العربي. بل إن بعض مرتكزات الأمن الجماعي لدول المجلس تشكل في الوقت نفسه مرتكزات للأمن القومي العربي. صحيح أن الوطن العربي يمر بحالة من التهلهل الداخلي والتمزق، إلا أن ذلك لا يمنع من التأكيد على وظيفة المفكر العربي وهي ضرورة التصدي لمعالجة قضايا أمته بما يخدم الصالح العام.

إن مبادئ الأمن الجماعي لدول الخليج العربية يجب أن تترسخ في الوعي الجماعي على المستويين القيادي والجماهيري، وأن يتم تدريس هذه المبادئ في كافة مراحل التعليم بحيث تصبح حاضرة في الوعي والضمير العام لكل فرد في المجتمع ولكل دولة من دول المنطقة، وأن تمثل الحد الأدنى اللازم من الحماية لدول مجلس التعاون والذي لا يجوز التنازل عنه حتى لو أدى ذلك إلى استعمال القوة المسلحة، حيث إن انتهاك أي مبدأ أو مرتكز من المرتكزات السابقة الذكر يعتبر انتهاكاً مباشراً للأمن الجماعي لدول مجلس التعاون مما يتطلب التدخل الفوري ومنع التهديد لأي عضو من أعضاء مجلس التعاون لدول الخليج العربية.

ولا شك في أن التشديد على التلازم الوثيق بين أمن مجلس التعاون لدول الخليج العربية والأمن القومي العربي أصبح حقيقة مؤكدة تفرضها الأوضاع القائمة في المنطقة العربية. فالدول العربية الخليجية لمست ضرورة تجسيد هذه الحقيقة بعدما أصبحت لإسرائيل حرية الحركة في خليج العقبة والبحر الأحمر وإقامة قواعد إسرائيلية في البحر الأحمر بمساعدة أرتيريا وامتلاك إسرائيل القدرة على تهديد أمن المملكة العربية السعودية بشكل خاص ودول مجلس التعاون بشكل عام من خلال تهديد الجدار السعودي لأمن دول مجلس التعاون.

وخلاصة القول أن هناك بعض جوانب التأثير والتأثر بين أمن الخليج العربي والصراع العربي-الإسرائيلي ولعل في تجربة حرب أكتوبر 1973 واستخدام سلاح النفط والدعم الذي قدمته دول الخليج، ولا تزال، للشعب الفلسطيني دلالة واضحة على ذلك.

::/fulltext::
::cck::1468::/cck::

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *