أمن الطاقة: بين المقاربتين الروسية والأمريكية

::cck::1500::/cck::
::introtext::

الأزمة الحالية التي يشهدها سوق الطاقة العالمي – ورغم كونها ليست الأولى في هذا الشأن – فإنها أكدت حقيقة مهمة هي أنه من دون التخلي عن فكرة وطنية الطاقة (NationalismEnergy)، التي أصبحت هي المؤثر والحاكم لسياسات كلِّ من الدول المستهلكة والمنتجة، فلن تكون هناك إمكانية للوصول إلى أي حوار مستقبلي بشأن مختلف القضايا المتعلقة بسبل تحقيق أمن الطاقة على المستوى العالمي.

::/introtext::
::fulltext::

الأزمة الحالية التي يشهدها سوق الطاقة العالمي – ورغم كونها ليست الأولى في هذا الشأن – فإنها أكدت حقيقة مهمة هي أنه من دون التخلي عن فكرة وطنية الطاقة (NationalismEnergy)، التي أصبحت هي المؤثر والحاكم لسياسات كلِّ من الدول المستهلكة والمنتجة، فلن تكون هناك إمكانية للوصول إلى أي حوار مستقبلي بشأن مختلف القضايا المتعلقة بسبل تحقيق أمن الطاقة على المستوى العالمي.

(وطنية الطاقة) هي المقاربة الحاكمة لسياسات كلِّ من الدول المنتجة والمستهلكة لمصادر الطاقة المختلفة في الوقت الحالي – وإن أخذ تطبيق هذه المقاربة أشكالاً مختلفة بين كل واحدة من تلك الدول – وذلك من خلال طرح كل منها حتى لو تعارض مع سياسات الدول الأخرى، بحيث أضحى النظر إلى قضية أمن الطاقة يقتضي النظر إليها في ضوء الاعتبارات السياسية والأمنية الخاصة بكل واحدة من الدول المنتجة والمستهلكة لمصادر الطاقة المختلفة على حدة.

وبالنظر أولاً إلى الدول المنتجة لمصادر الطاقة، فقد تبنت تلك الدول مبدأ (وطنية الطاقة) من خلال تركيزها على اتباع كافة السبل الكفيلة بضمان (أمن الاحتياطيات) الخاصة بها كجزء أساسي من أمنها القومي وكأحد مصادر قوتها داخلياً وخارجياً وهو ما يجعلها راغبة في التحكم الكامل في سلسلة الطاقة (Energy Chain) وتشمل الإنتاج والنقل والتوزيع. فالاتجاه العام في الوقت الحالي أصبح يقوم على إحكام الحكومات لقبضتها على قطاع الطاقة كأداة من أدوات التأثير والنفوذ السياسي الخاصة بها.

ويمكن في هذا السياق الإشارة إلى النموذج الروسي، إذ تحتل روسيا المرتبة الثانية في العالم كأكبر مصدر للنفط في العالم بعد المملكة العربية السعودية (40 في المائة من الصادرات العالمية من النفط)، كما تُمثّل احتياطيات روسيا من النفط 4.6 في المائة من الاحتياطي العالمي. أما في ما يتعلق بالغاز الطبيعي فروسيا هي أكبر دول العالم من حيث احتياطيات الغاز الطبيعي بنحو 1.7 ألف تريليون قدم مكعبة أي 27.5 في المائة من الاحتياطي العالمي. وإذا كانت روسيا من كبار الدول المنتجة لمصادر الطاقة من نفط وغاز طبيعي، فهي أيضاً من كبار الدول المستهلكة لمصادر الطاقة المختلفة.

وتنظر روسيا باهتمام كبير لقطاع الطاقة في البلاد ليس فقط للمساعدة على تحقيق التنمية الاقتصادية ولكن أيضاً كأداة من أدوات ممارسة النفوذ في مجال سياستها الخارجية وبما يُسهم في تحقيق مصالحها الخاصة.

ونظراً لمحورية هذا القطاع بالنسبة للأمن القومي الروسي، فقد ارتكزت الاستراتيجية الروسية لأمن الطاقة على سيطرة الدولة والشركات الحكومية رغم الاتجاه العام لخصخصة القطاعات الاقتصادية الأخرى، بحيث تقوم الدولة بتطوير هذه الموارد بالشكل الذي يُسهم في تحقيق أمنها القومي، إضافة إلى السيطرة على خطوط الأنابيب الممتدة عبر أراضيها وأراضي جيرانها، فهناك شبكة واسعة من خطوط الأنابيب (للغاز والنفط) ممتدة من الأراضي الروسية إلى دول أوروبا (أوكرانيا، روسيا البيضاء، بولندا، ألمانيا، ليتوانيا، أستونيا، جمهورية التشيك، المجر، النمسا، اليونان، هنغاريا وبلغاريا).

ووفقاً للاستراتيجية الروسية يقتصر دور الشركات الدولية على توفير التكنولوجيا ورأس المال بما يساعد الدولة على تعظيم مكاسبها من احتياطياتها من النفط والغاز الطبيعي، بحيث يصبح القرار بيد الدولة بشأن كيف يتم تطوير الاحتياطيات ولمن يتم بيع الإنتاج. ويتضح هذا الأمر بالنظر إلى القرار الروسي في أوائل عام 2006 بوقف ضخ الغاز الطبيعي عن أوكرانيا.

تحتل روسيا المرتبة الثانية في العالم كأكبر مصدر للنفط في العالم بعد المملكة العربية السعودية

وتجدر الإشارة إلى أن هذه الاستراتيجية تتبعها غالبية الدول المنتجة لمصادر الطاقة في العالم في الوقت الحالي فالشركات النفطية المملوكة للحكومات أصبحت تسيطر على أكثر من 80 في المائة من النفط والغاز الطبيعي في العالم. وهذا الأمر يأتي في وقت تتجه فيه كافة الدول نحو خصخصة غالبية القطاعات الاقتصادية، إلا أن قطاع الطاقة هو الوحيد الذي يتجه نحو مزيد من إحكام الحكومات لقبضتها عليها.

وفي هذا السياق، فقد أنشأت الحكومة الروسية شركة (غازبروم) وتُعَدُّ هذه الشركة أكبر منتج للغاز الطبيعي في العالم، حيث تنتج نحو 20 في المائة من إجمالي الإنتاج العالمي من الغاز الطبيعي بالإضافة إلى كون الشركة تتحكم في نحو 16 في المائة من احتياطيات الغاز الطبيعي في العالم. ومن ناحية أخرى تملك الشركة أطول شبكة أنابيب لنقل الغاز الطبيعي عبر العالم يبلغ طولها 150 ألف كيلومتر.

وبشكل عام تأتي الاستراتيجية الروسية في ضوء رغبة الأخيرة في استعادة نفوذها على الساحة الدولية من خلال استغلال مكانتها في سوق الطاقة العالمي، وساعدها الارتفاع الأخير في أسعار النفط على تحقيق هذا الهدف بشكل كبير من خلال توفير عوائد ضخمة أسهمت في تحسين الوضع الاقتصادي بالبلاد خاصة في ظل سيطرة الدولة على هذا القطاع.

على الجانب الآخر، فإن الدول المستوردة للطاقة ورغم اعتراضها على فكرة وطنية الطاقة التي تُطالب بها الدول المصدّرة لمصادر الطاقة المختلفة انطلاقاً من كونها قد تؤدي إلى صراعات في المستقبل فقد لجأت هي الأخرى إلى تبني مفهوم وطنية الطاقة وإن كان بشكل مختلف من خلال أمور عدة تمثّلت في طرح مفاهيم من قبيل الاقتصاد في استخدام الطاقة وكفاية مصادر الطاقة، أما الأول فيعني الأعمال التي يقوم بها الأفراد بهدف استهلاك كمية أقل من الطاقة في تنفيذ أنشطتهم اليومية أو حتى عدم القيام بأنشطة معينة بهدف التوفير في استهلاك الطاقة. ولا يُشكّل الاقتصاد في استخدام الطاقة سياسة محبذة إلا في الأزمات. أما في ما يتعلق بكفاية الطاقة فهي سياسة لن تحقق نتائج في المدى القصير فهي لن تكون فعالة إلا إذا تم تنفيذها بشكل متواصل على امتداد سنوات وعقود بهدف تحقيق الاكتفاء الذاتي من خلال بناء مخزونات استراتيجية لمواجهة التقلبات في الإمدادات. يُضاف إلى ذلك التركيز على الطاقة البديلة لتقليل الاعتماد على استيراد النفط والغاز.

ويتضح هذا الأمر عند النظر إلى السياسة الأمريكية الحالية لتحقيق أمن الطاقة، فالمفهوم الأمريكي الحالي لأمن الطاقة يقوم على خفض اعتماد الولايات المتحدة الأمريكية على الواردات النفطية عن طريق الترويج لأنواع وقود منتجة محلياً مثل الإيثانول وخفض مخاطر الصدمات السعرية بالاعتماد على مصادر عدة وموردين.

وفي هذا السياق ترى الولايات المتحدة أن الاعتماد على البدائل البيولوجية للطاقة يُشكّل مشروعها الاستراتيجي القومي المقبل. وهذا الاقتراب روج له المحافظون الجدد بشكل كبير، حيث بدأوا يروجون لبعض الأكاذيب لتبرير هذا المشروع من خلال الترويج لفكرة مفادها أن تقليل الاعتماد على النفط من شأنه التشجيع على نشر الديمقراطية في الشرق الأوسط، حيث كانوا يروجون لفكرة أن البحث عن بدائل أخرى للنفط من شأنه تقليل سعر النفط ومن ثم تقل تدفقات أموال النفط لدول الشرق الأوسط. ووفقاً لوجهة النظر هذه فإن عائدات النفط المنخفضة سوف تجبر الحكومات لأن تصبح أكثر ديمقراطية، ومن ثم فإن تقليل الاعتماد على النفط من شأنه حل مشكلة (الأنظمة السلطوية) وهو ما دفعهم لتطوير بدائل الطاقة.

وطنية الطاقة هي المقاربة الحاكمة لسياسات الدول المنتجة والمصدرة في الوقت الراهن

وتُشير التحليلات في هذا الشأن إلى أن الارتفاع في أسعار النفط يرجع إلى سياسة متعمدة لإيجاد بدائل جديدة للبترول، واللجوء إلى هذه البدائل في الولايات المتحدة يأتي في ظل ما تشهده الولايات المتحدة من صراع بين تيارين فكريين في ما يتعلق بالاقتراب الأفضل للتعامل مع أمن الطاقة. ويعتقد الواقعيون أن النفط سيظل هو الأساس، وأن كافة البدائل الأخرى تعتمد بالأساس على النفط وإن كل بديل يأتي ومعه مشكلاته وقيوده، وأنه على الرغم من وجود بدائل عدة للنفط إلا أنها لن تحقق التوازن المطلوب في سوق الطاقة. ومن ثم فإن من مصلحة الولايات المتحدة الأمريكية ضمان تحقيق الاستقرار في سوق النفط العالمي وتنويع مصادر النفط.

على الجانب الآخر، فإن المحافظين الجدد يدافعون عن الطاقة البديلة انطلاقاً من أن الاعتماد على النفط في مجالات الحياة المختلفة يأخذ كثيراً من المال والوقت والإرادة السياسية، وأن العالم يدخل عصراً جديداً للطاقة يتطلب استجابة مختلفة تختلف عن العصور السابقة. فهناك فريق ضخم من المفكرين والمثقفين والساسة الأمريكيين الذين يدافعون منذ سنوات عدة عن فكرة الطاقة البديلة والوصول إلى مصادر جديدة لا يمكن الوصول إليها من دون إعطائها مزايا تنافسية وسعرية في مقابل النفط. ويتزعم هذا الاتجاه توماس فريدمان. ولا يهدف هذا الفريق، الذي يشمل بعض الساسة وأعضاء الكونغرس،إلى التخلص من نفط الخليج فقط ولكن التخلص أيضاً من الاعتماد على النفط عامة.

وفي هذا السياق شهد عام 2007 استخدام ما يُقارب الـ 25 في المائة من محصول الذرة في أمريكا لصنع الإيثانول، ومن المرجح أن تزيد النسبة إلى 35 في المائة في عام 2008، حيث تُعَدُّ الولايات المتحدة أكبر الدول المنتجة للإيثانول في العالم، وقفز الإنتاج من 53 مليون ليتر عام 2003 إلى 280 مليون ليتر عام 2005. وأدت الزيادة في إنتاج الإيثانول في الولايات المتحدة إلى ارتفاع أسعار الذرة بنسبة 20 في المائة خلال عام. وتجدر الإشارة إلى أن البرازيل كانت أول دولة تلجأ إلى بديل الوقود الحيوي تلتها بعض الدول، وتمكنت البرازيل فعلياً من الاستغناء نهائياً عن استيراد النفط.

ودفع هذا الوضع بالرئيس الأمريكي جورج بوش للدعوة إلى تشكيل منظمة عالمية لتصدير الإيثانول النباتي على غرار (أوبك)، وتتمثل أهم أهداف هذه المنظمة في حماية البيئة والتقليل من ظاهرة الاحتباس الحراري.

وتجدر الإشارة إلى أن أهم ميزات (الإيثانول النباتي) هي إنه يحافظ على البيئة، فخلط الإيثانول مع بنزين السيارات بنسبة 85 في المائة يؤدي إلى خفض الانبعاثات الناجمة عن عوادم السيارات بنسبة 90 في المائة. حيث تحتوي محروقات الوقود الحيوي على نسبة أقل من ثاني أكسيد الكربون والرصاص، يُضاف إلى ذلك أن غالبية زيوت الوقود الحيوي تتحلل تدريجياً. كما أن من أهم ميزاته أنه يمكن إنتاجه من المخلفات والفضلات الحيوانية كبقايا الحيوانات وكذلك بعض المخلفات النباتية مثل قش الأرز ونشارة الخشب بالإضافة إلى إمكانية إنتاجه من الطحالب المائية. ومن ناحية أخرى، فإنه عند مقارنة الوقود الحيوي بأنواع الطاقة الأخرى البديلة الأخرى كطاقة الرياح والطاقة الشمسية نجد أن الوقود الحيوي يتمتع ببعض المزايا منها رخص تكلفة إنتاجه بالإضافة إلى عدم ارتباطه في الإنتاج بأوقات أو ظروف مناخية بعينها، إلا أنه على الجانب الآخر فإن إنتاج 13 ليتراً فقط من الإيثانول يحتاج إلى 230 كيلو غراماً من الذرة.

وبذلك لا يمكن فهم التطورات الأخيرة في سوق الطاقة العالمي من دون النظر إلى تأثير المحافظين الجدد وأفكارهم المتعلقة بالطاقة البديلة وما يروجون له من مبررات لتنفيذ خططهم في هذا الشأن، ورغم ذلك فإن تلك الأفكار لم تُسهم فعلياً في تحقيق أمن الطاقة، ولم تُسهم أيضاً في انخفاض أسعار النفط بشكل يخفض عائدات دول الشرق الأوسط بشكل يدفعها للاتجاه إلى تبني الديمقراطية، بل على العكس من ذلك فإن الارتفاع في أسعار النفط دعم أوضاع بعض الاقتصادات مثل روسيا وفنزويلا. كما أن تلك الخطوة غير المدروسة على وشك أن تقود العالم إلى مجاعة، حيث تُشير التقارير الدولية إلى أن هذه الخطوة غير مدروسة فالإيثانول يُشكّل الخطر الأكبر على الأمن الغذائي في العالم، وفي حال استمرار استخراج الوقود الحيوي على حساب القمح والذرة فسوف يقبل العالم بأسره على مجاعة.

وعلى هذا الأساس يتضح أن كلاً من الدول المنتجة والمستهلكة تبنت مفهوم (وطنية الطاقة) وإن كان بشكل مختلف، فهي وإن كانت لدى الدول المنتجة تركز على التحكم في سلسلة الطاقة فهي لدى الدول المستهلكة تأخذ شكل البحث عن بدائل أخرى للنفط وتقليل واردات النفط والغاز الطبيعي. لذا فتزايد الاعتماد على فكرة وطنية الطاقة كبديل عن تعاون والحوار بين الدول المنتجة والمستهلكة من شأنه تهديد أمن الطاقة على المستوى العالمي. فتبني كل دولة لمفهومها الخاص بأمن الطاقة أسهم فعلياً في غياب أمن الطاقة نتيجة لعرقلة جهود التعاون بين كلِّ من الدول المنتجة والدول المستهلكة للطاقة. كما أن هذا الوضع أوجد ما يُسمى  (معضلة الطاقة) ويُقصد بها (أن سعي أية دولة إلى تحقيق أمن الطاقة الخاص بها سوف يؤثر في سياسات الدول الأخرى المستهلكة للطاقة). وتكمن خطورة هذه المقاربة في أن تحقيق أمن الطاقة يتطلب مزيداً من التعاون بين كلِّ من الدول المنتجة والمستهلكة للطاقة وبما يضمن تحقيق الاستخدام الفعال للطاقة في كافة المجالات وتحقيق الاستثمار في الطاقة.

فإذا كانت المقاربة التقليدية في التعامل مع قضية أمن الطاقة تركز على أمن العرض فحسب، فإن الوضع الحالي في سوق الطاقة العالمي يؤكد أنه رغم أهمية أمن العرض كأساس لتحقيق أمن الطاقة، إلا أن هناك مجموعة أخرى من الاعتبارات السياسية والأمنية المؤثرة في قضية أمن الطاقة. وكافة هذه العوامل يمكن ترجمتها في فكرة وطنية الطاقة على جانبي الدول المنتجة والمستهلكة للطاقة. لذا فإنه لا مجال لضمان تحقيق أمن الطاقة العالمي من دون التخلي، ولو بشكل محدود، عن فكرة (وطنية الطاقة) ليس من قبل الدول المنتجة فحسب ولكن من جانب الدول المستوردة للطاقة أيضاً وبما يضمن إيجاد حوار على المستوى العالمي وتحقيق أمن الطاقة.

::/fulltext::

Getting your Trinity Audio player ready...

::cck::1500::/cck::
::introtext::

الأزمة الحالية التي يشهدها سوق الطاقة العالمي – ورغم كونها ليست الأولى في هذا الشأن – فإنها أكدت حقيقة مهمة هي أنه من دون التخلي عن فكرة وطنية الطاقة (NationalismEnergy)، التي أصبحت هي المؤثر والحاكم لسياسات كلِّ من الدول المستهلكة والمنتجة، فلن تكون هناك إمكانية للوصول إلى أي حوار مستقبلي بشأن مختلف القضايا المتعلقة بسبل تحقيق أمن الطاقة على المستوى العالمي.

::/introtext::
::fulltext::

الأزمة الحالية التي يشهدها سوق الطاقة العالمي – ورغم كونها ليست الأولى في هذا الشأن – فإنها أكدت حقيقة مهمة هي أنه من دون التخلي عن فكرة وطنية الطاقة (NationalismEnergy)، التي أصبحت هي المؤثر والحاكم لسياسات كلِّ من الدول المستهلكة والمنتجة، فلن تكون هناك إمكانية للوصول إلى أي حوار مستقبلي بشأن مختلف القضايا المتعلقة بسبل تحقيق أمن الطاقة على المستوى العالمي.

(وطنية الطاقة) هي المقاربة الحاكمة لسياسات كلِّ من الدول المنتجة والمستهلكة لمصادر الطاقة المختلفة في الوقت الحالي – وإن أخذ تطبيق هذه المقاربة أشكالاً مختلفة بين كل واحدة من تلك الدول – وذلك من خلال طرح كل منها حتى لو تعارض مع سياسات الدول الأخرى، بحيث أضحى النظر إلى قضية أمن الطاقة يقتضي النظر إليها في ضوء الاعتبارات السياسية والأمنية الخاصة بكل واحدة من الدول المنتجة والمستهلكة لمصادر الطاقة المختلفة على حدة.

وبالنظر أولاً إلى الدول المنتجة لمصادر الطاقة، فقد تبنت تلك الدول مبدأ (وطنية الطاقة) من خلال تركيزها على اتباع كافة السبل الكفيلة بضمان (أمن الاحتياطيات) الخاصة بها كجزء أساسي من أمنها القومي وكأحد مصادر قوتها داخلياً وخارجياً وهو ما يجعلها راغبة في التحكم الكامل في سلسلة الطاقة (Energy Chain) وتشمل الإنتاج والنقل والتوزيع. فالاتجاه العام في الوقت الحالي أصبح يقوم على إحكام الحكومات لقبضتها على قطاع الطاقة كأداة من أدوات التأثير والنفوذ السياسي الخاصة بها.

ويمكن في هذا السياق الإشارة إلى النموذج الروسي، إذ تحتل روسيا المرتبة الثانية في العالم كأكبر مصدر للنفط في العالم بعد المملكة العربية السعودية (40 في المائة من الصادرات العالمية من النفط)، كما تُمثّل احتياطيات روسيا من النفط 4.6 في المائة من الاحتياطي العالمي. أما في ما يتعلق بالغاز الطبيعي فروسيا هي أكبر دول العالم من حيث احتياطيات الغاز الطبيعي بنحو 1.7 ألف تريليون قدم مكعبة أي 27.5 في المائة من الاحتياطي العالمي. وإذا كانت روسيا من كبار الدول المنتجة لمصادر الطاقة من نفط وغاز طبيعي، فهي أيضاً من كبار الدول المستهلكة لمصادر الطاقة المختلفة.

وتنظر روسيا باهتمام كبير لقطاع الطاقة في البلاد ليس فقط للمساعدة على تحقيق التنمية الاقتصادية ولكن أيضاً كأداة من أدوات ممارسة النفوذ في مجال سياستها الخارجية وبما يُسهم في تحقيق مصالحها الخاصة.

ونظراً لمحورية هذا القطاع بالنسبة للأمن القومي الروسي، فقد ارتكزت الاستراتيجية الروسية لأمن الطاقة على سيطرة الدولة والشركات الحكومية رغم الاتجاه العام لخصخصة القطاعات الاقتصادية الأخرى، بحيث تقوم الدولة بتطوير هذه الموارد بالشكل الذي يُسهم في تحقيق أمنها القومي، إضافة إلى السيطرة على خطوط الأنابيب الممتدة عبر أراضيها وأراضي جيرانها، فهناك شبكة واسعة من خطوط الأنابيب (للغاز والنفط) ممتدة من الأراضي الروسية إلى دول أوروبا (أوكرانيا، روسيا البيضاء، بولندا، ألمانيا، ليتوانيا، أستونيا، جمهورية التشيك، المجر، النمسا، اليونان، هنغاريا وبلغاريا).

ووفقاً للاستراتيجية الروسية يقتصر دور الشركات الدولية على توفير التكنولوجيا ورأس المال بما يساعد الدولة على تعظيم مكاسبها من احتياطياتها من النفط والغاز الطبيعي، بحيث يصبح القرار بيد الدولة بشأن كيف يتم تطوير الاحتياطيات ولمن يتم بيع الإنتاج. ويتضح هذا الأمر بالنظر إلى القرار الروسي في أوائل عام 2006 بوقف ضخ الغاز الطبيعي عن أوكرانيا.

تحتل روسيا المرتبة الثانية في العالم كأكبر مصدر للنفط في العالم بعد المملكة العربية السعودية

وتجدر الإشارة إلى أن هذه الاستراتيجية تتبعها غالبية الدول المنتجة لمصادر الطاقة في العالم في الوقت الحالي فالشركات النفطية المملوكة للحكومات أصبحت تسيطر على أكثر من 80 في المائة من النفط والغاز الطبيعي في العالم. وهذا الأمر يأتي في وقت تتجه فيه كافة الدول نحو خصخصة غالبية القطاعات الاقتصادية، إلا أن قطاع الطاقة هو الوحيد الذي يتجه نحو مزيد من إحكام الحكومات لقبضتها عليها.

وفي هذا السياق، فقد أنشأت الحكومة الروسية شركة (غازبروم) وتُعَدُّ هذه الشركة أكبر منتج للغاز الطبيعي في العالم، حيث تنتج نحو 20 في المائة من إجمالي الإنتاج العالمي من الغاز الطبيعي بالإضافة إلى كون الشركة تتحكم في نحو 16 في المائة من احتياطيات الغاز الطبيعي في العالم. ومن ناحية أخرى تملك الشركة أطول شبكة أنابيب لنقل الغاز الطبيعي عبر العالم يبلغ طولها 150 ألف كيلومتر.

وبشكل عام تأتي الاستراتيجية الروسية في ضوء رغبة الأخيرة في استعادة نفوذها على الساحة الدولية من خلال استغلال مكانتها في سوق الطاقة العالمي، وساعدها الارتفاع الأخير في أسعار النفط على تحقيق هذا الهدف بشكل كبير من خلال توفير عوائد ضخمة أسهمت في تحسين الوضع الاقتصادي بالبلاد خاصة في ظل سيطرة الدولة على هذا القطاع.

على الجانب الآخر، فإن الدول المستوردة للطاقة ورغم اعتراضها على فكرة وطنية الطاقة التي تُطالب بها الدول المصدّرة لمصادر الطاقة المختلفة انطلاقاً من كونها قد تؤدي إلى صراعات في المستقبل فقد لجأت هي الأخرى إلى تبني مفهوم وطنية الطاقة وإن كان بشكل مختلف من خلال أمور عدة تمثّلت في طرح مفاهيم من قبيل الاقتصاد في استخدام الطاقة وكفاية مصادر الطاقة، أما الأول فيعني الأعمال التي يقوم بها الأفراد بهدف استهلاك كمية أقل من الطاقة في تنفيذ أنشطتهم اليومية أو حتى عدم القيام بأنشطة معينة بهدف التوفير في استهلاك الطاقة. ولا يُشكّل الاقتصاد في استخدام الطاقة سياسة محبذة إلا في الأزمات. أما في ما يتعلق بكفاية الطاقة فهي سياسة لن تحقق نتائج في المدى القصير فهي لن تكون فعالة إلا إذا تم تنفيذها بشكل متواصل على امتداد سنوات وعقود بهدف تحقيق الاكتفاء الذاتي من خلال بناء مخزونات استراتيجية لمواجهة التقلبات في الإمدادات. يُضاف إلى ذلك التركيز على الطاقة البديلة لتقليل الاعتماد على استيراد النفط والغاز.

ويتضح هذا الأمر عند النظر إلى السياسة الأمريكية الحالية لتحقيق أمن الطاقة، فالمفهوم الأمريكي الحالي لأمن الطاقة يقوم على خفض اعتماد الولايات المتحدة الأمريكية على الواردات النفطية عن طريق الترويج لأنواع وقود منتجة محلياً مثل الإيثانول وخفض مخاطر الصدمات السعرية بالاعتماد على مصادر عدة وموردين.

وفي هذا السياق ترى الولايات المتحدة أن الاعتماد على البدائل البيولوجية للطاقة يُشكّل مشروعها الاستراتيجي القومي المقبل. وهذا الاقتراب روج له المحافظون الجدد بشكل كبير، حيث بدأوا يروجون لبعض الأكاذيب لتبرير هذا المشروع من خلال الترويج لفكرة مفادها أن تقليل الاعتماد على النفط من شأنه التشجيع على نشر الديمقراطية في الشرق الأوسط، حيث كانوا يروجون لفكرة أن البحث عن بدائل أخرى للنفط من شأنه تقليل سعر النفط ومن ثم تقل تدفقات أموال النفط لدول الشرق الأوسط. ووفقاً لوجهة النظر هذه فإن عائدات النفط المنخفضة سوف تجبر الحكومات لأن تصبح أكثر ديمقراطية، ومن ثم فإن تقليل الاعتماد على النفط من شأنه حل مشكلة (الأنظمة السلطوية) وهو ما دفعهم لتطوير بدائل الطاقة.

وطنية الطاقة هي المقاربة الحاكمة لسياسات الدول المنتجة والمصدرة في الوقت الراهن

وتُشير التحليلات في هذا الشأن إلى أن الارتفاع في أسعار النفط يرجع إلى سياسة متعمدة لإيجاد بدائل جديدة للبترول، واللجوء إلى هذه البدائل في الولايات المتحدة يأتي في ظل ما تشهده الولايات المتحدة من صراع بين تيارين فكريين في ما يتعلق بالاقتراب الأفضل للتعامل مع أمن الطاقة. ويعتقد الواقعيون أن النفط سيظل هو الأساس، وأن كافة البدائل الأخرى تعتمد بالأساس على النفط وإن كل بديل يأتي ومعه مشكلاته وقيوده، وأنه على الرغم من وجود بدائل عدة للنفط إلا أنها لن تحقق التوازن المطلوب في سوق الطاقة. ومن ثم فإن من مصلحة الولايات المتحدة الأمريكية ضمان تحقيق الاستقرار في سوق النفط العالمي وتنويع مصادر النفط.

على الجانب الآخر، فإن المحافظين الجدد يدافعون عن الطاقة البديلة انطلاقاً من أن الاعتماد على النفط في مجالات الحياة المختلفة يأخذ كثيراً من المال والوقت والإرادة السياسية، وأن العالم يدخل عصراً جديداً للطاقة يتطلب استجابة مختلفة تختلف عن العصور السابقة. فهناك فريق ضخم من المفكرين والمثقفين والساسة الأمريكيين الذين يدافعون منذ سنوات عدة عن فكرة الطاقة البديلة والوصول إلى مصادر جديدة لا يمكن الوصول إليها من دون إعطائها مزايا تنافسية وسعرية في مقابل النفط. ويتزعم هذا الاتجاه توماس فريدمان. ولا يهدف هذا الفريق، الذي يشمل بعض الساسة وأعضاء الكونغرس،إلى التخلص من نفط الخليج فقط ولكن التخلص أيضاً من الاعتماد على النفط عامة.

وفي هذا السياق شهد عام 2007 استخدام ما يُقارب الـ 25 في المائة من محصول الذرة في أمريكا لصنع الإيثانول، ومن المرجح أن تزيد النسبة إلى 35 في المائة في عام 2008، حيث تُعَدُّ الولايات المتحدة أكبر الدول المنتجة للإيثانول في العالم، وقفز الإنتاج من 53 مليون ليتر عام 2003 إلى 280 مليون ليتر عام 2005. وأدت الزيادة في إنتاج الإيثانول في الولايات المتحدة إلى ارتفاع أسعار الذرة بنسبة 20 في المائة خلال عام. وتجدر الإشارة إلى أن البرازيل كانت أول دولة تلجأ إلى بديل الوقود الحيوي تلتها بعض الدول، وتمكنت البرازيل فعلياً من الاستغناء نهائياً عن استيراد النفط.

ودفع هذا الوضع بالرئيس الأمريكي جورج بوش للدعوة إلى تشكيل منظمة عالمية لتصدير الإيثانول النباتي على غرار (أوبك)، وتتمثل أهم أهداف هذه المنظمة في حماية البيئة والتقليل من ظاهرة الاحتباس الحراري.

وتجدر الإشارة إلى أن أهم ميزات (الإيثانول النباتي) هي إنه يحافظ على البيئة، فخلط الإيثانول مع بنزين السيارات بنسبة 85 في المائة يؤدي إلى خفض الانبعاثات الناجمة عن عوادم السيارات بنسبة 90 في المائة. حيث تحتوي محروقات الوقود الحيوي على نسبة أقل من ثاني أكسيد الكربون والرصاص، يُضاف إلى ذلك أن غالبية زيوت الوقود الحيوي تتحلل تدريجياً. كما أن من أهم ميزاته أنه يمكن إنتاجه من المخلفات والفضلات الحيوانية كبقايا الحيوانات وكذلك بعض المخلفات النباتية مثل قش الأرز ونشارة الخشب بالإضافة إلى إمكانية إنتاجه من الطحالب المائية. ومن ناحية أخرى، فإنه عند مقارنة الوقود الحيوي بأنواع الطاقة الأخرى البديلة الأخرى كطاقة الرياح والطاقة الشمسية نجد أن الوقود الحيوي يتمتع ببعض المزايا منها رخص تكلفة إنتاجه بالإضافة إلى عدم ارتباطه في الإنتاج بأوقات أو ظروف مناخية بعينها، إلا أنه على الجانب الآخر فإن إنتاج 13 ليتراً فقط من الإيثانول يحتاج إلى 230 كيلو غراماً من الذرة.

وبذلك لا يمكن فهم التطورات الأخيرة في سوق الطاقة العالمي من دون النظر إلى تأثير المحافظين الجدد وأفكارهم المتعلقة بالطاقة البديلة وما يروجون له من مبررات لتنفيذ خططهم في هذا الشأن، ورغم ذلك فإن تلك الأفكار لم تُسهم فعلياً في تحقيق أمن الطاقة، ولم تُسهم أيضاً في انخفاض أسعار النفط بشكل يخفض عائدات دول الشرق الأوسط بشكل يدفعها للاتجاه إلى تبني الديمقراطية، بل على العكس من ذلك فإن الارتفاع في أسعار النفط دعم أوضاع بعض الاقتصادات مثل روسيا وفنزويلا. كما أن تلك الخطوة غير المدروسة على وشك أن تقود العالم إلى مجاعة، حيث تُشير التقارير الدولية إلى أن هذه الخطوة غير مدروسة فالإيثانول يُشكّل الخطر الأكبر على الأمن الغذائي في العالم، وفي حال استمرار استخراج الوقود الحيوي على حساب القمح والذرة فسوف يقبل العالم بأسره على مجاعة.

وعلى هذا الأساس يتضح أن كلاً من الدول المنتجة والمستهلكة تبنت مفهوم (وطنية الطاقة) وإن كان بشكل مختلف، فهي وإن كانت لدى الدول المنتجة تركز على التحكم في سلسلة الطاقة فهي لدى الدول المستهلكة تأخذ شكل البحث عن بدائل أخرى للنفط وتقليل واردات النفط والغاز الطبيعي. لذا فتزايد الاعتماد على فكرة وطنية الطاقة كبديل عن تعاون والحوار بين الدول المنتجة والمستهلكة من شأنه تهديد أمن الطاقة على المستوى العالمي. فتبني كل دولة لمفهومها الخاص بأمن الطاقة أسهم فعلياً في غياب أمن الطاقة نتيجة لعرقلة جهود التعاون بين كلِّ من الدول المنتجة والدول المستهلكة للطاقة. كما أن هذا الوضع أوجد ما يُسمى  (معضلة الطاقة) ويُقصد بها (أن سعي أية دولة إلى تحقيق أمن الطاقة الخاص بها سوف يؤثر في سياسات الدول الأخرى المستهلكة للطاقة). وتكمن خطورة هذه المقاربة في أن تحقيق أمن الطاقة يتطلب مزيداً من التعاون بين كلِّ من الدول المنتجة والمستهلكة للطاقة وبما يضمن تحقيق الاستخدام الفعال للطاقة في كافة المجالات وتحقيق الاستثمار في الطاقة.

فإذا كانت المقاربة التقليدية في التعامل مع قضية أمن الطاقة تركز على أمن العرض فحسب، فإن الوضع الحالي في سوق الطاقة العالمي يؤكد أنه رغم أهمية أمن العرض كأساس لتحقيق أمن الطاقة، إلا أن هناك مجموعة أخرى من الاعتبارات السياسية والأمنية المؤثرة في قضية أمن الطاقة. وكافة هذه العوامل يمكن ترجمتها في فكرة وطنية الطاقة على جانبي الدول المنتجة والمستهلكة للطاقة. لذا فإنه لا مجال لضمان تحقيق أمن الطاقة العالمي من دون التخلي، ولو بشكل محدود، عن فكرة (وطنية الطاقة) ليس من قبل الدول المنتجة فحسب ولكن من جانب الدول المستوردة للطاقة أيضاً وبما يضمن إيجاد حوار على المستوى العالمي وتحقيق أمن الطاقة.

::/fulltext::
::cck::1500::/cck::

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *