العمالة العربية في الخليج وتحدي “العامل العالمي”
::cck::1473::/cck::
::introtext::
يخضع موضوع العمالة في منطقة الخليج للبحث والتحليل منذ سنوات طويلة، وتم طرح أفكار واقتراحات عديدة لحل مشكلة العمالة في الخليج، وأدى تبني بعض هذه الأفكار إلى حل عدد من مشكلات العمالة وتحسين أوضاع سوق العمل الخليجية، في حين لا تزال بعض جوانب مشكلة العمالة قائمة، بل إنها تتفاقم في ضوء عدم تنفيذ الحلول المقترحة أو عدم تطبيقها بدقة.
::/introtext::
::fulltext::
يخضع موضوع العمالة في منطقة الخليج للبحث والتحليل منذ سنوات طويلة، وتم طرح أفكار واقتراحات عديدة لحل مشكلة العمالة في الخليج، وأدى تبني بعض هذه الأفكار إلى حل عدد من مشكلات العمالة وتحسين أوضاع سوق العمل الخليجية، في حين لا تزال بعض جوانب مشكلة العمالة قائمة، بل إنها تتفاقم في ضوء عدم تنفيذ الحلول المقترحة أو عدم تطبيقها بدقة.
من الجوانب التي لم يجر التعرض لها كثيراً، ولا تزال بحاجة إلى مزيد من النظر والتدبر، مسألة العلاقة بين العمالة الخليجية ونظيرتها العربية، أو بعبارة أخرى، موضوع العمالة في منطقة الخليج من منظور عربي، وليس من منظور قطري أو عالمي، فدائماً ما يُنظر إلى مشكلات وأعباء ومتطلبات سوق العمالة الوافدة في الخليج من زاوية احتياجات الدولة المستقبلة للعمالة، أو من زاوية الشروط والمواصفات العالمية التي أصبحت مطلوبة في القوة العاملة حتى تكون قادرة على مواكبة العصر والتعاطي مع مفردات سوق العمل (المُعولم). بمعنى أن النظر إلى قضية العمالة دائماً يجري على مستويين: الأول المستوى الخليجي ذاته، والثاني المستوى العالمي، ويتم القفز على المستوى الوسيط بينهما وهو النطاق العربي أو الإقليمي، على الرغم من أن البيئة الإقليمية هي النطاق العضوي الحاضن للبيئة المحلية من جهة، والموصل الطبيعي إلى البيئة العالمية الأوسع من جهة ثانية.
من هنا ينبغي لدى التعاطي مع ملف العمالة في الخليج النظر إلى العمالة العربية والعلاقة بينها وبين العمالة الخليجية أو بالتحديد سوق العمل الخليجي، ليس باعتبارها مجرد عمالة وافدة ومساواتها بالعمالة الآسيوية أو حتى الأوروبية، وإنما باعتبارها جزءاً من نسيج ذات العباءة العربية التي تنتمي إليها منطقة الخليج أو على الأقل تنتمي إلى الوعاء الجغرافي والتاريخي والثقافي ذاته الذي يضم شعوب ومجتمعات الخليج.
إن الهدف من ذلك التمييز ليس تجنيب العمالة العربية الانتقادات الموجهة إلى العمالة الوافدة في الخليج، بل على العكس، الهدف هو البحث عن مصادر القوة والضعف في العمالة العربية، وحدود التكامل والتمايز بينها وبين العمالة الخليجية ذاتها، بما يساعد على التقريب بينهما من جهة، والتنسيق من أجل مواجهة تحديات العولمة والمقومات الحديثة الضرورية المطلوب توافرها في العمالة المعاصرة القادرة على المنافسة من جهة أخرى.
فوارق ومشتركات
هناك سمات مشتركة للعمالة في المنطقة العربية ككل، تشترك فيها مختلف أنماط العمالة سواء في النطاق الخليجي أو في النطاق العربي العام. ومن أبرز تلك السمات المشتركة أنها جميعاً تفتقد الإلمام بالتقنيات الحديثة في مختلف المجالات، حيث لا تزال البرامج والخطط التعليمية والتدريبية متأخرة سنوات وأحياناً عقوداً عن تلك التي يجري تطبيقها حالياً في العالم المتقدم. والسمة الثانية أن العمالة العربية (بما فيها الخليجية) تخضع للتأثيرات والعوامل الثقافية والاجتماعية المحيطة، حيث لا تزال قيم الإنجاز والارتباط بالهدف والالتزام المهني والانضباط الإداري وغيرها.. بعيدة عن المنظومة الثقافية الحاكمة لعقليات ومدركات العمالة العربية بشكل عام. وأخيراً، لا تزال التصورات التقليدية ومقتضيات التنميط المهني والوظيفي تؤثر بشكل واسع النطاق في اتجاهات قوة العمل والموقف من وظائف ومهن دون غيرها، حيث لا تزال العمالة الخليجية (ربما بشكل أكبر من بقية الدول العربية) تأنف امتهان بعض الوظائف الحرفية أو التي كانت تصنف في الماضي كمهن متدنية أو محدودة المكانة الأدبية.
ومقابل هذه المشتركات، هناك تباينات واضحة بين العمالتين الخليجية والعربية، من أبرزها تفاوت الخلفية التعليمية السابقة على النزول إلى سوق العمل، حيث أصبحت العمالة الخليجية تتقدم على نظيرتها العربية في المحتوى الذي تتلقاه خلال سنوات التعليم، خاصة في مجال اللغات وتقنيات الحواسيب والاتصالات، مما أدى إلى تفوق العمالة الخليجية في النواحي الإدارية والتنظيمية في مختلف مجالات العمل، خاصة مع توجه دول مجلس التعاون الخليجي إلى الاستفادة من تجارب العالم المتقدم في مجالات التشريع واللوائح الداخلية للعمل في المؤسسات المختلفة، وغيرها من السياسات الإدارية خاصة إدارة الأعمال والمشروعات. وفي المقابل لا تزال العمالة العربية تتميز بالمجالات التي تتطلب قدرات إبداعية أو مهارات اتصال، وهو ما يتجسد بوضوح في الإعلام، الدعاية، المبيعات، التعليم، التدريب والاستشارات.
هذا بينما تغيرت خريطة الاحتياجات الخليجية من العمالة الحرفية لتتجه نحو الهند وبنغلاديش وباكستان والفلبين وغيرها من دول شرق وجنوب آسيا، لتصبح هي المصدر الأساسي للعمالة في الحرف اليدوية والأعمال الميدانية والبسيطة.
مواصفات العامل العالمي
في ظل التقدم التكنولوجي الرهيب، وتسارع الاختراعات والابتكارات في شتى المجالات على مدار الساعة، اختلفت مواصفات العامل المطلوب لكي ينجح في شغل أي وظيفة أو مهنة في أي مكان في العالم، بل أصبحت الاختلافات بين الوظائف وبعضها البعض محدودة، وتقتصر على بعض النواحي الدقيقة المتخصصة جداً، بينما أصبحت هناك قاعدة واسعة من الشروط والمقومات ينبغي توافرها في العامل أو الموظف أو أياً كان لينزل إلى سوق العمل.
وأول تلك المتطلبات هو إجادة أكثر من لغة، فلم تعد اللغة الأم كافية وحدها حتى إن كان ذلك داخل النطاق العربي الواحد، حيث أصبح العالم سوقاً واحداً وأصبح العامل في أي مجال مطالباً بالانفتاح والتواصل مع مختلف الأماكن والأشخاص في العالم.
وكذلك لم يعد التعامل مع الحواسيب والأجهزة التكنولوجية المرتبطة بها من الكماليات، وإنما أصبح شرطاً أساسياً في العامل المعاصر، بدءاً من البائع في متجر أو سائق الحافلة وانتهاء بكبار رجال الأعمال، مروراً بينهما بالمصرفيين والأطباء بل وأيضاً الدعاة ورجال الدين. وليس أقل أهمية أن يتمتع العامل أو الشخص المطلوب للتوظيف في أي مكان، بقدر معقول من المعرفة الشاملة، أي أن يكون ملماً بشيء من كل شيء، وليس بالضرورة أن يكون موسوعي المعرفة، لكن أن يملك مهارة ورغبة الاطلاع الشامل العابر للتخصص، ففي ظل العولمة والانفتاح المتبادل في أرجاء العالم ومناحي الحياة، لم يعد التخصص الواحد أو التعمق الرأسي في علم بعينه ميزة تكفل النجاح وإحداث التقدم المواكب للعالم.
وكذلك من الميزات الأساسية حالياً في (العامل العالمي) أو (العامل المعولم) أن يكون عاملاً محترفاً، بمعنى الاحتراف المطبق في كرة القدم، إذ لا ولاءات ولا انتماءات عاطفية أو غيرها، وإنما الولاء لمصدر القوت والانتماء للتعاقد المبرم مع صاحب العمل، مع الحفاظ بالطبع على الثوابت والمبادئ والقيم الأساسية سواء دينية أو أخلاقية أو ثقافية وحضارية.
الفرص والتحديات
في ظل تلك الملامح المميزة لطبيعة ومواصفات العامل المطلوب في أي مكان في العالم، من الضروري الوقوف على ما يتوافر منها لدى قوة العمل الخليجية والعربية. وبالنظر إلى السمات المميزة للعمالة الخليجية والعربية، يمكن بسهولة القول إن مصاعب وتحديات كبيرة تواجه العمالة الخليجية وكذلك العربية في الألفية الثالثة، مع ملاحظة أن تلك المصاعب والتحديات تبدو أقل أمام العمالة الخليجية منها بالنسبة للعمالة في بقية الدول العربية، حيث تتوافر إلى حد كبير مقومات اللغة والتواصل مع التكنولوجيا وتقنيات الاتصال وغير ذلك من أشكال ومقومات التوافق مع سوق العمل العالمي. في حين يظل العامل العربي (غير الخليجي) بعيداً بمراحل عن تلك المقومات ومتأخراً سنوات عن مرحلة امتلاكها والتمتع بها.
والمعنى، أنه من العسير توقع وجود منظومة عمالة عربية متجانسة تضم مختلف أنماط وجنسيات العمالة العربية بشكل متناغم ومتوافق مع بعضه البعض، ومع مستوى المعايير العالمية السائدة للعمل والتوظيف، وربما يكون من قبيل التمنيات غير الواقعية أن يفكر المرء في تقريب المسافات بين مجموعات العمالة العربية، حيث لا تتيح وتيرة الحركة السريعة للتفاعلات على مستوى العالم أي فرصة لالتقاط الأنفاس أو لتنتظر مجموعة منها الأخرى حتى تلحق بها. كما أن سياسات العمالة المتبعة، سواء في الدول المستقبلة لها أو الدول المصدّرة، لا تساعد على تجسير الفجوة بين المطلوب والمعروض من العمالة، فالدول المستقبلة تتوقع دائماً عمالة مدربة جاهزة للتشغيل ولا تحتاج إلى إعادة تأهيل أو حتى مجرد توجيه وصقل للقدرات والمهارات ولو غير الأساسية.. ولابد من الإقرار بأن هذا حق طبيعي ومبرر تماماً لدول تستقبل العمالة لتحقق لها التنمية لا لتنمي نفسها هناك. والدول المصدّرة ليست لديها القدرة على القيام بتلك المهمة، وإلا لتصدت لها من البداية للاستفادة من تلك العمالة داخلها، بينما قدراتها وسياساتها الحالية تجعل إدارتها لملف العمالة أقرب إلى عملية طرد لها وتخلص من عبء أعداد من أفراد المجتمع، وليس من الوارد –في هذا السياق- التفكير في تطوير قدراتهم أو تحسين مؤهلاتهم المهنية.
والسؤال المطروح هل يعني كل ذلك أن ثمة انعداماً لفرص التكامل أو حتى التنسيق بين العمالتين الخليجية والعربية؟ وهو ما يعني صعوبة أكبر في التعاطي المشترك مع العالم ومواكبة شروط العصر في العمل والعمالة؟
ومن الجدير بالتأمل في هذا الصدد أن فرص التنسيق بل التكامل قائمة وغير منعدمة، لكنها لا تعني بحال إمكانية التعاطي المشترك أو الانخراط الجماعي المتكافئ مع المناخ العالمي للعمل، وهو ما يستحق شيئاً من التفصيل.
وكما سبقت الإشارة، هناك تمايزات واضحة بين نوعية ومستوى وخصائص العمالة الخليجية والعمالة العربية الأخرى، وهذا التمايز هو السبب الرئيسي في استمرار الاستعانة الخليجية بالعمالة العربية حتى الآن، وإلا لشغلت قوة العمل الخليجية تلك الوظائف واستغنت تماماً عن العمالة العربية. ورغم أن عملية التوطين تجري على قدم وساق في مختلف دول مجلس التعاون الخليجي، إلا أنها لا تزال تركز على مجالات بعينها ومستويات وظائف أو مواقع عمل تتراوح بين وسطية وعليا، مما يعني أن ثمة مجالاً متاحاً في المدى المتوسط على الأقل لاستمرار وجود العمالة العربية في المستويات تحت الوسيطة والدنيا من الهياكل التنظيمية لمؤسسات العمل، خاصة في المجالات ذات الطابع الإنساني أو التي تغلب عليها روح الإبداع والفكر، وهي المجالات التي لم تصل إليها بعد موجات المد الآسيوي في مجال العمالة، وليس من المتوقع أن يصل إليها في المستقبل القريب، لاعتبارات كثيرة أهمها عوامل اللغة والثقافة والتاريخ والحضارة المشتركة بين الخليج والمنطقة العربية ككل.
العمالة العربية (بما فيها الخليجية) تخضع للتأثيرات والعوامل الثقافية والاجتماعية المحيطة
لكن يظل هذا التنسيق أو الترابط الخليجي- العربي في مجال العمل والعمالة، محصوراً في نطاق الاستفادة الخليجية الداخلية، أي بما ينعكس على الشق الداخلي من المجالات المشار إليها، بينما تظهر المشكلة الحقيقية عند التفكير في كيفية الانتقال من النطاق الداخلي إلى التفاعل مع البيئة الخارجية، أي التداخل والتواصل مع العالم، فهنا تظهر أوجه القصور والعجز لدى العمالة العربية في المقام الأول، بينما تثبت العمالة أو قوة العمل الخليجية تفوقها، مما يعني أنه لا حاجة –عندئذ- للعمالة العربية، ما دامت لا تساعد على مواكبة العصر، في حين أن العمالة المواطنة قادرة وحدها في كثير من الأحيان على القيام بذلك. بل ربما لا يكون من المبالغة توقع أن تسير حركة العمالة في النطاق العربي في اتجاه عكسي خلال فترة زمنية لا تتعدى 20- 30 عاماً، فعندها ستكون معظم الدول العربية غير الخليجية قد أرادت –أو ربما أجبرت- على تبني سياسات انفتاحية حقيقية، وتعمل على إجراء إصلاحات اقتصادية شاملة أو جزئية، مما يعني (بمنطق السوق الحر) إمكانية عالية للاستعانة بالكوادر الإدارية والتنفيذية الخليجية. في حين ستظل العمالة العربية غير الخليجية تعاني وطأة تدهور التعليم وانخفاض مستوى التدريب الوظيفي وعدم توافق سياسات التشغيل مع الاحتياجات الفعلية للمجتمع والدولة.
والمحصلة، أن فرص التكامل والاستعانة المتبادلة بالعمالة على المستويين الخليجي الجزئي والعربي الكلي، تبدو قائمة وقابلة للتزايد خاصة في اتجاه تدفق نوعية ومستوى معين من العمالة مستقبلاً من الخليج إلى بقية الدول العربية. لكن في المقابل تتضاءل تماماً فرص أن تصمد العمالة العربية بشكل عام، وغير الخليجية بصفة خاصة، أمام التيار الجارف للعولمة والتقدم المتسارع في مختلف مجالات الحياة. ولما كانت دول مجلس التعاون أحرزت نجاحات مهمة وملموسة في سعيها الدؤوب نحو التوافق مع المتطلبات العالمية في كل شيء، فمن الطبيعي والمبرر تماماً أن يكون مجال العمالة وسياسات العمل من أبرز تجليات هذا التوجه الناجح، وبالتالي يصبح من المنطقي، بل ومن الضروري، أن ينحصر التقارب الخليجي- العربي في هذا المجال داخل النطاق الضيق المتعلق بالنواحي الحياتية والإنسانية الخليجية بشكل محض. أما عندما يتعلق الأمر بالتفاعل مع العالم، فليس من الوارد إلا أن يكون التعامل مع مستوى ونوعية من العمالة، تستحق بالفعل أن تحمل بطاقة (عامل معولم) أو (عامل عالمي) سواء كان هذا العامل آسيوياً أو أوروبياً أو ربما حتى – بعد حين- (إسرائيلياً).
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::1473::/cck::
::introtext::
يخضع موضوع العمالة في منطقة الخليج للبحث والتحليل منذ سنوات طويلة، وتم طرح أفكار واقتراحات عديدة لحل مشكلة العمالة في الخليج، وأدى تبني بعض هذه الأفكار إلى حل عدد من مشكلات العمالة وتحسين أوضاع سوق العمل الخليجية، في حين لا تزال بعض جوانب مشكلة العمالة قائمة، بل إنها تتفاقم في ضوء عدم تنفيذ الحلول المقترحة أو عدم تطبيقها بدقة.
::/introtext::
::fulltext::
يخضع موضوع العمالة في منطقة الخليج للبحث والتحليل منذ سنوات طويلة، وتم طرح أفكار واقتراحات عديدة لحل مشكلة العمالة في الخليج، وأدى تبني بعض هذه الأفكار إلى حل عدد من مشكلات العمالة وتحسين أوضاع سوق العمل الخليجية، في حين لا تزال بعض جوانب مشكلة العمالة قائمة، بل إنها تتفاقم في ضوء عدم تنفيذ الحلول المقترحة أو عدم تطبيقها بدقة.
من الجوانب التي لم يجر التعرض لها كثيراً، ولا تزال بحاجة إلى مزيد من النظر والتدبر، مسألة العلاقة بين العمالة الخليجية ونظيرتها العربية، أو بعبارة أخرى، موضوع العمالة في منطقة الخليج من منظور عربي، وليس من منظور قطري أو عالمي، فدائماً ما يُنظر إلى مشكلات وأعباء ومتطلبات سوق العمالة الوافدة في الخليج من زاوية احتياجات الدولة المستقبلة للعمالة، أو من زاوية الشروط والمواصفات العالمية التي أصبحت مطلوبة في القوة العاملة حتى تكون قادرة على مواكبة العصر والتعاطي مع مفردات سوق العمل (المُعولم). بمعنى أن النظر إلى قضية العمالة دائماً يجري على مستويين: الأول المستوى الخليجي ذاته، والثاني المستوى العالمي، ويتم القفز على المستوى الوسيط بينهما وهو النطاق العربي أو الإقليمي، على الرغم من أن البيئة الإقليمية هي النطاق العضوي الحاضن للبيئة المحلية من جهة، والموصل الطبيعي إلى البيئة العالمية الأوسع من جهة ثانية.
من هنا ينبغي لدى التعاطي مع ملف العمالة في الخليج النظر إلى العمالة العربية والعلاقة بينها وبين العمالة الخليجية أو بالتحديد سوق العمل الخليجي، ليس باعتبارها مجرد عمالة وافدة ومساواتها بالعمالة الآسيوية أو حتى الأوروبية، وإنما باعتبارها جزءاً من نسيج ذات العباءة العربية التي تنتمي إليها منطقة الخليج أو على الأقل تنتمي إلى الوعاء الجغرافي والتاريخي والثقافي ذاته الذي يضم شعوب ومجتمعات الخليج.
إن الهدف من ذلك التمييز ليس تجنيب العمالة العربية الانتقادات الموجهة إلى العمالة الوافدة في الخليج، بل على العكس، الهدف هو البحث عن مصادر القوة والضعف في العمالة العربية، وحدود التكامل والتمايز بينها وبين العمالة الخليجية ذاتها، بما يساعد على التقريب بينهما من جهة، والتنسيق من أجل مواجهة تحديات العولمة والمقومات الحديثة الضرورية المطلوب توافرها في العمالة المعاصرة القادرة على المنافسة من جهة أخرى.
فوارق ومشتركات
هناك سمات مشتركة للعمالة في المنطقة العربية ككل، تشترك فيها مختلف أنماط العمالة سواء في النطاق الخليجي أو في النطاق العربي العام. ومن أبرز تلك السمات المشتركة أنها جميعاً تفتقد الإلمام بالتقنيات الحديثة في مختلف المجالات، حيث لا تزال البرامج والخطط التعليمية والتدريبية متأخرة سنوات وأحياناً عقوداً عن تلك التي يجري تطبيقها حالياً في العالم المتقدم. والسمة الثانية أن العمالة العربية (بما فيها الخليجية) تخضع للتأثيرات والعوامل الثقافية والاجتماعية المحيطة، حيث لا تزال قيم الإنجاز والارتباط بالهدف والالتزام المهني والانضباط الإداري وغيرها.. بعيدة عن المنظومة الثقافية الحاكمة لعقليات ومدركات العمالة العربية بشكل عام. وأخيراً، لا تزال التصورات التقليدية ومقتضيات التنميط المهني والوظيفي تؤثر بشكل واسع النطاق في اتجاهات قوة العمل والموقف من وظائف ومهن دون غيرها، حيث لا تزال العمالة الخليجية (ربما بشكل أكبر من بقية الدول العربية) تأنف امتهان بعض الوظائف الحرفية أو التي كانت تصنف في الماضي كمهن متدنية أو محدودة المكانة الأدبية.
ومقابل هذه المشتركات، هناك تباينات واضحة بين العمالتين الخليجية والعربية، من أبرزها تفاوت الخلفية التعليمية السابقة على النزول إلى سوق العمل، حيث أصبحت العمالة الخليجية تتقدم على نظيرتها العربية في المحتوى الذي تتلقاه خلال سنوات التعليم، خاصة في مجال اللغات وتقنيات الحواسيب والاتصالات، مما أدى إلى تفوق العمالة الخليجية في النواحي الإدارية والتنظيمية في مختلف مجالات العمل، خاصة مع توجه دول مجلس التعاون الخليجي إلى الاستفادة من تجارب العالم المتقدم في مجالات التشريع واللوائح الداخلية للعمل في المؤسسات المختلفة، وغيرها من السياسات الإدارية خاصة إدارة الأعمال والمشروعات. وفي المقابل لا تزال العمالة العربية تتميز بالمجالات التي تتطلب قدرات إبداعية أو مهارات اتصال، وهو ما يتجسد بوضوح في الإعلام، الدعاية، المبيعات، التعليم، التدريب والاستشارات.
هذا بينما تغيرت خريطة الاحتياجات الخليجية من العمالة الحرفية لتتجه نحو الهند وبنغلاديش وباكستان والفلبين وغيرها من دول شرق وجنوب آسيا، لتصبح هي المصدر الأساسي للعمالة في الحرف اليدوية والأعمال الميدانية والبسيطة.
مواصفات العامل العالمي
في ظل التقدم التكنولوجي الرهيب، وتسارع الاختراعات والابتكارات في شتى المجالات على مدار الساعة، اختلفت مواصفات العامل المطلوب لكي ينجح في شغل أي وظيفة أو مهنة في أي مكان في العالم، بل أصبحت الاختلافات بين الوظائف وبعضها البعض محدودة، وتقتصر على بعض النواحي الدقيقة المتخصصة جداً، بينما أصبحت هناك قاعدة واسعة من الشروط والمقومات ينبغي توافرها في العامل أو الموظف أو أياً كان لينزل إلى سوق العمل.
وأول تلك المتطلبات هو إجادة أكثر من لغة، فلم تعد اللغة الأم كافية وحدها حتى إن كان ذلك داخل النطاق العربي الواحد، حيث أصبح العالم سوقاً واحداً وأصبح العامل في أي مجال مطالباً بالانفتاح والتواصل مع مختلف الأماكن والأشخاص في العالم.
وكذلك لم يعد التعامل مع الحواسيب والأجهزة التكنولوجية المرتبطة بها من الكماليات، وإنما أصبح شرطاً أساسياً في العامل المعاصر، بدءاً من البائع في متجر أو سائق الحافلة وانتهاء بكبار رجال الأعمال، مروراً بينهما بالمصرفيين والأطباء بل وأيضاً الدعاة ورجال الدين. وليس أقل أهمية أن يتمتع العامل أو الشخص المطلوب للتوظيف في أي مكان، بقدر معقول من المعرفة الشاملة، أي أن يكون ملماً بشيء من كل شيء، وليس بالضرورة أن يكون موسوعي المعرفة، لكن أن يملك مهارة ورغبة الاطلاع الشامل العابر للتخصص، ففي ظل العولمة والانفتاح المتبادل في أرجاء العالم ومناحي الحياة، لم يعد التخصص الواحد أو التعمق الرأسي في علم بعينه ميزة تكفل النجاح وإحداث التقدم المواكب للعالم.
وكذلك من الميزات الأساسية حالياً في (العامل العالمي) أو (العامل المعولم) أن يكون عاملاً محترفاً، بمعنى الاحتراف المطبق في كرة القدم، إذ لا ولاءات ولا انتماءات عاطفية أو غيرها، وإنما الولاء لمصدر القوت والانتماء للتعاقد المبرم مع صاحب العمل، مع الحفاظ بالطبع على الثوابت والمبادئ والقيم الأساسية سواء دينية أو أخلاقية أو ثقافية وحضارية.
الفرص والتحديات
في ظل تلك الملامح المميزة لطبيعة ومواصفات العامل المطلوب في أي مكان في العالم، من الضروري الوقوف على ما يتوافر منها لدى قوة العمل الخليجية والعربية. وبالنظر إلى السمات المميزة للعمالة الخليجية والعربية، يمكن بسهولة القول إن مصاعب وتحديات كبيرة تواجه العمالة الخليجية وكذلك العربية في الألفية الثالثة، مع ملاحظة أن تلك المصاعب والتحديات تبدو أقل أمام العمالة الخليجية منها بالنسبة للعمالة في بقية الدول العربية، حيث تتوافر إلى حد كبير مقومات اللغة والتواصل مع التكنولوجيا وتقنيات الاتصال وغير ذلك من أشكال ومقومات التوافق مع سوق العمل العالمي. في حين يظل العامل العربي (غير الخليجي) بعيداً بمراحل عن تلك المقومات ومتأخراً سنوات عن مرحلة امتلاكها والتمتع بها.
والمعنى، أنه من العسير توقع وجود منظومة عمالة عربية متجانسة تضم مختلف أنماط وجنسيات العمالة العربية بشكل متناغم ومتوافق مع بعضه البعض، ومع مستوى المعايير العالمية السائدة للعمل والتوظيف، وربما يكون من قبيل التمنيات غير الواقعية أن يفكر المرء في تقريب المسافات بين مجموعات العمالة العربية، حيث لا تتيح وتيرة الحركة السريعة للتفاعلات على مستوى العالم أي فرصة لالتقاط الأنفاس أو لتنتظر مجموعة منها الأخرى حتى تلحق بها. كما أن سياسات العمالة المتبعة، سواء في الدول المستقبلة لها أو الدول المصدّرة، لا تساعد على تجسير الفجوة بين المطلوب والمعروض من العمالة، فالدول المستقبلة تتوقع دائماً عمالة مدربة جاهزة للتشغيل ولا تحتاج إلى إعادة تأهيل أو حتى مجرد توجيه وصقل للقدرات والمهارات ولو غير الأساسية.. ولابد من الإقرار بأن هذا حق طبيعي ومبرر تماماً لدول تستقبل العمالة لتحقق لها التنمية لا لتنمي نفسها هناك. والدول المصدّرة ليست لديها القدرة على القيام بتلك المهمة، وإلا لتصدت لها من البداية للاستفادة من تلك العمالة داخلها، بينما قدراتها وسياساتها الحالية تجعل إدارتها لملف العمالة أقرب إلى عملية طرد لها وتخلص من عبء أعداد من أفراد المجتمع، وليس من الوارد –في هذا السياق- التفكير في تطوير قدراتهم أو تحسين مؤهلاتهم المهنية.
والسؤال المطروح هل يعني كل ذلك أن ثمة انعداماً لفرص التكامل أو حتى التنسيق بين العمالتين الخليجية والعربية؟ وهو ما يعني صعوبة أكبر في التعاطي المشترك مع العالم ومواكبة شروط العصر في العمل والعمالة؟
ومن الجدير بالتأمل في هذا الصدد أن فرص التنسيق بل التكامل قائمة وغير منعدمة، لكنها لا تعني بحال إمكانية التعاطي المشترك أو الانخراط الجماعي المتكافئ مع المناخ العالمي للعمل، وهو ما يستحق شيئاً من التفصيل.
وكما سبقت الإشارة، هناك تمايزات واضحة بين نوعية ومستوى وخصائص العمالة الخليجية والعمالة العربية الأخرى، وهذا التمايز هو السبب الرئيسي في استمرار الاستعانة الخليجية بالعمالة العربية حتى الآن، وإلا لشغلت قوة العمل الخليجية تلك الوظائف واستغنت تماماً عن العمالة العربية. ورغم أن عملية التوطين تجري على قدم وساق في مختلف دول مجلس التعاون الخليجي، إلا أنها لا تزال تركز على مجالات بعينها ومستويات وظائف أو مواقع عمل تتراوح بين وسطية وعليا، مما يعني أن ثمة مجالاً متاحاً في المدى المتوسط على الأقل لاستمرار وجود العمالة العربية في المستويات تحت الوسيطة والدنيا من الهياكل التنظيمية لمؤسسات العمل، خاصة في المجالات ذات الطابع الإنساني أو التي تغلب عليها روح الإبداع والفكر، وهي المجالات التي لم تصل إليها بعد موجات المد الآسيوي في مجال العمالة، وليس من المتوقع أن يصل إليها في المستقبل القريب، لاعتبارات كثيرة أهمها عوامل اللغة والثقافة والتاريخ والحضارة المشتركة بين الخليج والمنطقة العربية ككل.
العمالة العربية (بما فيها الخليجية) تخضع للتأثيرات والعوامل الثقافية والاجتماعية المحيطة
لكن يظل هذا التنسيق أو الترابط الخليجي- العربي في مجال العمل والعمالة، محصوراً في نطاق الاستفادة الخليجية الداخلية، أي بما ينعكس على الشق الداخلي من المجالات المشار إليها، بينما تظهر المشكلة الحقيقية عند التفكير في كيفية الانتقال من النطاق الداخلي إلى التفاعل مع البيئة الخارجية، أي التداخل والتواصل مع العالم، فهنا تظهر أوجه القصور والعجز لدى العمالة العربية في المقام الأول، بينما تثبت العمالة أو قوة العمل الخليجية تفوقها، مما يعني أنه لا حاجة –عندئذ- للعمالة العربية، ما دامت لا تساعد على مواكبة العصر، في حين أن العمالة المواطنة قادرة وحدها في كثير من الأحيان على القيام بذلك. بل ربما لا يكون من المبالغة توقع أن تسير حركة العمالة في النطاق العربي في اتجاه عكسي خلال فترة زمنية لا تتعدى 20- 30 عاماً، فعندها ستكون معظم الدول العربية غير الخليجية قد أرادت –أو ربما أجبرت- على تبني سياسات انفتاحية حقيقية، وتعمل على إجراء إصلاحات اقتصادية شاملة أو جزئية، مما يعني (بمنطق السوق الحر) إمكانية عالية للاستعانة بالكوادر الإدارية والتنفيذية الخليجية. في حين ستظل العمالة العربية غير الخليجية تعاني وطأة تدهور التعليم وانخفاض مستوى التدريب الوظيفي وعدم توافق سياسات التشغيل مع الاحتياجات الفعلية للمجتمع والدولة.
والمحصلة، أن فرص التكامل والاستعانة المتبادلة بالعمالة على المستويين الخليجي الجزئي والعربي الكلي، تبدو قائمة وقابلة للتزايد خاصة في اتجاه تدفق نوعية ومستوى معين من العمالة مستقبلاً من الخليج إلى بقية الدول العربية. لكن في المقابل تتضاءل تماماً فرص أن تصمد العمالة العربية بشكل عام، وغير الخليجية بصفة خاصة، أمام التيار الجارف للعولمة والتقدم المتسارع في مختلف مجالات الحياة. ولما كانت دول مجلس التعاون أحرزت نجاحات مهمة وملموسة في سعيها الدؤوب نحو التوافق مع المتطلبات العالمية في كل شيء، فمن الطبيعي والمبرر تماماً أن يكون مجال العمالة وسياسات العمل من أبرز تجليات هذا التوجه الناجح، وبالتالي يصبح من المنطقي، بل ومن الضروري، أن ينحصر التقارب الخليجي- العربي في هذا المجال داخل النطاق الضيق المتعلق بالنواحي الحياتية والإنسانية الخليجية بشكل محض. أما عندما يتعلق الأمر بالتفاعل مع العالم، فليس من الوارد إلا أن يكون التعامل مع مستوى ونوعية من العمالة، تستحق بالفعل أن تحمل بطاقة (عامل معولم) أو (عامل عالمي) سواء كان هذا العامل آسيوياً أو أوروبياً أو ربما حتى – بعد حين- (إسرائيلياً).
::/fulltext::
::cck::1473::/cck::
