إيران واحتمالات الضربة الأمريكية

::cck::1627::/cck::
::introtext::

توصيف الصراع الأمريكي – الإيراني يتطلب طرح أسئلة مفتوحة حول مصير الزمان والمكان الذي سيعقب الضربة العسكرية الصهيو/أمريكية للمنشآت النووية الإيرانية. بالتأكيد فإن هذه التساؤلات المفتوحة لن تزيد باعتقادي عن موضوعي الطاقة والأمن كمتغيرين مهمين في صياغة ميزان القوى في المنطقة. خياران يلعبان دوراً مهماً في تشكيل منظومة المصالح يُفضي بها لأن تتشابك إلى الحد الذي لا يُمكن فيه فرز المشتركات من التناقضات. وهو ما رأيناه جلياً في الصفقات الأوروبية لشراء النفط الإيراني أو لجلوس الأمريكيين مع الإيرانيين لتخفيف الضغط عليهم في العراق.

::/introtext::
::fulltext::

توصيف الصراع الأمريكي – الإيراني يتطلب طرح أسئلة مفتوحة حول مصير الزمان والمكان الذي سيعقب الضربة العسكرية الصهيو/أمريكية للمنشآت النووية الإيرانية. بالتأكيد فإن هذه التساؤلات المفتوحة لن تزيد باعتقادي عن موضوعي الطاقة والأمن كمتغيرين مهمين في صياغة ميزان القوى في المنطقة. خياران يلعبان دوراً مهماً في تشكيل منظومة المصالح يُفضي بها لأن تتشابك إلى الحد الذي لا يُمكن فيه فرز المشتركات من التناقضات. وهو ما رأيناه جلياً في الصفقات الأوروبية لشراء النفط الإيراني أو لجلوس الأمريكيين مع الإيرانيين لتخفيف الضغط عليهم في العراق.

سأركّز في هذه الورقة على متغيري الطاقة والأمن في قراءة ما ستؤول إليه المماحكات الجارية بين طهران وواشنطن والدفوع الصهيونية نحو التعجيل بضربة عسكرية خاطفة للمنشآت النووية الإيرانية.

مُتغيّر الطاقة

بالتطرق إلى موضوع الطاقة كمتغيّر أول يتم الربط بشكل آلي بين هذه القيمة وبين التأويل اللازم لها من حيث وجودها كورقة تفاوض لدى الإيرانيين، بحيث يسدّ اعتمادها تداعيات انحسار هذه الورقة من حيث حيويتها التفاوضية، وأيضاً ضياعها على مستوى التأثير المطلوب في الطاقة العالمية.

إن المشكلة المُركّبة في الموضوع هي أن وجود الطاقة الأحفورية بهذا الشكل الهائل يعطي إيران نفوذاً سياسياً ذا تأثير عال يتناسب بشكل طردي مع حاجة الآخرين إليها سواء من الحلفاء أم الخصوم.

فضمن محور تعظيم النفوذ السياسي عبر بوابة الطاقة استطاع النظام الإسلامي في إيران وبسبب عائدات النفط الضخمة (وخاصة بعد اشتعال أسعار النفط) أن يضمن شراء القوة والولاءات السياسية وتمتين بنيته الأمنية والاجتماعية في الداخل، وهو ما يُمكن ملاحظته بعد توزيع (أسهم العدالة) على شريحتين اجتماعيتين صُنّفتا على أنهما تندرجان تحت عنوان الفقر بمبلغ إجمالي تجاوز 2.75 مليار دولار على 4.6 مليون إيراني.

وعلى مستوى الإقليم المتاخم سواء بالجغرافيا أو السياسة فقد أغرق المال الإيراني حلفاءه في لبنان وفلسطين والعراق بل وحتى في إفريقيا الوسطى وأمريكا اللاتينية، فضَمِنَ بذلك أوراقاً جيدة شكّلت في محطات مختلفة مفاتيح الأزمات المستعصية خلال مرحلة التفاوض مع الخصوم.

وعلى المستوى العالمي مكّنت هذه الطاقة الهاجعة في جوف الأراضي الإيرانية من أن يتمّ تزمين عطاءاتها التنقيبية مع الضغوط الدولية، فتتكئ الدبلوماسية الإيرانية على ما يتركه ذلك السلوك ولَيّ الأذرع بين الفرقاء في الشرق والغرب كما حصل بالنسبة لحقل (آزادكان)، وأخيراً مع شركة توتال العملاقة.

وبات جلياً أنه لم يعد أمام تلك الدول سواء الحليفة منها افتراضاً مع الولايات المتحدة الأمريكية أو تلك المتشاركة معها في منظومة المصالح إلاّ خيارات محدودة في كيفية التوفيق بين الضغط على إيران والاستفادة من نفطها.

فجزء كبير من شمال أوروبا أو من دول حليفة لها قد تورّط في صفقات نفطية مع إيران، فتركيا قامت بالتوقيع في عام 2002 على اتفاق يقضي بتزويدها بـ 106 مليارات متر مكعب من الغاز، والنمسا (2004) بـ 900 مليار متر مكعب، وسويسرا (2008) بنصف مليار متر مكعب ولمدة 25 عاماً، وكذلك فعلت اليونان. كما مضت الشركة البريطانية – الهولندية (شل) في مشروع (برشين إل إن جي) للغاز في المرحلة 13 من حقل بارس الجنوبي.

وفي دول جنوب الخليج وهي الحليف الاستراتيجي للولايات المتحدة الأمريكية وقّعت الكويت في الثاني عشر من يناير من عام 2003 اتفاقاً يقضي بتزويدها بـ 300 مليون متر مكعب من الغاز الإيراني، وسلطنة عمان (2005) بثلاثمائة وخمسين مليار متر مكعب، والبحرين (2007) وقبلها كانت الإمارات.

أما في الشمال الشرقي فقد وقّعت أرمينيا في مايو من عام 2004 اتفاقاً مع إيران يقضي بتزويدها بـ 12.6 مليار متر مكعب في العام، وإقليم ناخيتيشفان بأذربيجان (2004) باثني عشر مليار متر مكعب.

تُصرّ تل أبيب على أن طهران قد تستطيع إنتاج سلاح نووي في بحر عام ونصف العام من الآن

وفي الشرق الأدنى بدأت اليابان بعد رسالة وزير تجارتها في شهر يوليو الماضي في رفع حصتها البالغة 10 في المائة في حقل آزادكان، وهي قيمة أخرى ستضاف للمستثمر الياباني منذ اندماج شركتي اينبيكس وتاكيكو اليابانيتين للنفط، ونزاع طوكيو وبكين على الطاقة الموجودة في بحر الصين الشرقي.

وفي منطقة أقرب وأمام رغبة العملاق الصيني في تأمين احتياجاته المتزايدة من النفط عَرَضَت حكومة أحمدي نجاد على الصين عرضاً نفطياً سخياً يتعلّق بتطوير حقل يادافاران (جنوب غرب بقيمة 100 مليار دولار (تبلغ احتياطيات الحقل 3.2 مليار برميل و2.7 تريليون قدم مكعبة من الغاز الطبيعي)، مما يعني أنّ حجم الواردات الصينية من النفط الخام الإيراني سيزيد إلى عشرين مليون طن يومياً لزيادة المخزون النفطي الاستراتيجي الصيني وتنويع مصادره، خاصة وأن الصين ستستهلك خلال العقدين المقبلين أكثر من 12.8 مليون برميل يومياً.

وضمن خطة العمل الإيرانية لجعل عمالقة القارة القديمة زبائن دائمين لها، فقد سعت طهران إلى جعل الهند مستورداً مهماً للنفط الإيراني. وقد سعى البلدان فعلاً إلى إتمام مشروع ثلاثي مع باكستان بشأن بناء أنبوب غاز يزوّد الهند عبر الأراضي الباكستانية بثلاثين مليون متر مكعب من الغاز الطبيعي الإيراني يومياً.

وبالإضافة إلى التورط الدولي في الطاقة النفطية والغازية الإيرانية فإن الدراسات الأحفورية الحديثة تشير إلى أن احتياطيات إيران من النفط قد تفوق 130.8 مليار برميل، أي أنها تأتي بعد المملكة العربية السعودية التي تمتلك احتياطياً يبلغ 260 مليار برميل، وكندا التي تبلغ 170 مليار برميل، كما أنها تمتلك 940 تريليون قدم مكعبة، أي أنها بعد روسيا في المخزون (راجع كتاب روجر هاورد حول نفط إيران).

وحسب إعلانات الطاقة الأخيرة فإن إيران تنتج أربعة ملايين و135 ألف برميل يومياً. وإذا ما تمّ النظر إلى إمكانية التعويض حول الصنف الإيراني من عموم نفط أوبك الاثني عشر فإن الولايات المتحدة ودول الخليج مجتمعة مطالبة بإنفاق نصف تريليون دولار لتحديث تقنية التنقيب وجلب الاستثمارات خلال الاثنتين وعشرين سنة المقبلة.

واليوم أضحى النفط الإيراني محل نظر الجميع طبقاً للظروف العالمية الصعبة التي تمرّ بها الطاقة في مواطنها الأصلية. فحقل كانتاريل المكسيكي قد نضب، وباتت بريطانيا ومنذ عام 2005 تستورد كافة احتياجاتها من النفط للمرة الأولى منذ ثلاثين سنة بسبب نضوب احتياطيات بحر الشمال، وحقول كازاخستان القزوينية لا يمكن الاستفادة منها طوال فترة الشتاء بسبب تجمّد المياه حولها، أما حقول أنغولا فإنها متعذرة نظراً لوجودها تحت مياه المحيط العميقة كما يقول هاورد.

مراكز الدراسات الأمريكية تصر على أن إيران لن تحصل على القنبلة النووية إلا بعد سبعة أعوام

وهذا العامل يُشكّل علامة فارقة في العلاقات الدولية وفي نظام المصالح القائم. فالدول التي لا تجد خيارات اقتصادية بديلة من دول حليفة تمارس عليها ضغوط هائلة تضطر كما اضطرت دول في أوروبا إلى التمرّد على مثل هذه الضغوط والانسياق نحو تصريف أمورها بشكل براغماتي صرف.

محور الأمن

يُشكّل محور الأمن في منطقة الشرق الأوسط أحد أهم الملفات التي تسعى الولايات المتحدة الأمريكية إلى ترتيبها وإعادة الهدوء إليها لضمان تمرير الكثير من المشاريع الخاصة بالعراق وتفصيلات الوضع النهائي في المفاوضات العربية – الصهيونية.

وبسبب هجمات الحادي عشر من سبتمبر على برجي التجارة العالمية في نيويورك في عام 2001 والتي دفعت إدارة بوش إلى الاستعجال غير المُبرّر في توصيف الخطر وسبل احتوائه؛ تمّ الهجوم على نظام طالبان في أفغانستان وإسقاطه، وبعد أقل من عامين على نظام البعث في العراق وتحطيم الدولة العراقية.

ولم تُعط إدارة جورج بوش اليمينية لنفسها فرصة جرد الخسائر والأرباح ومعرفة المستفيدين والخاسرين من مشروعات التصادم والإلغاء الأمريكية. ورغم أن الجميع كان يُدرك أن الإيرانيين كانت تربطهم علاقات (متأزمة) مع كل من نظام طالبان وصدام حسين، وأن أي عمل يؤدي إلى إسقاطهما هو في النهاية يصب في مصلحة الأمن القومي الإيراني.

وفي الجوار حيث كان النظامان في أفغانستان والعراق ينهاران، باتت واشنطن ومعها حلفاؤها الغربيون أمام مسؤولية إنهاض هذين البلدين على غرار ما حصل في تيمور الشرقية في آسيا والبوسنة وكوسوفو في أوروبا وسيراليون في إفريقيا.

وبانهيار مركزي أفغانستان والعراق أصبح المنطق الاستراتيجي يتّجه نحو تمدّد جوارهما القريب والقوي تلقائياً إلى نواته وحوافّه. وفي تلك الأثناء كانت جيرة أفغانستان لا تخرج عن إيران غرباً، وطاجيكستان وأوزبكستان وتركمانستان شمالاً، والصين شرقاً، ثم باكستان جنوباً وشرقاً.

وربما تصدرت إيران هذه الدول في القدرة على النفوذ داخل هذا البلد المنهار، خاصة وأن تماسها معه أيديولوجياً وسوسيولوجياً وتاريخياً أكثر من غيرها من الدول. وربما كانت أيضاً أكثرهم اضطلاعاً بمشكلاته الداخلية بعد دعمها لتحالف الشمال المعارض بقيادة أحمد شاه مسعود ومناكفتها لنظام طالبان التي كادت أن تتحوّل إلى نزاع عسكري بعد قتل حركة طالبان لتسعة من الدبلوماسيين الإيرانيين في مزار الشريف في أغسطس من عام 1998.

وفي العراق كانت المسؤولية الإيرانية مركّبة. فهي ومن منطلق أمنها القومي مُضطرة لأن تحوّل المشروع الأمريكي داخل العراق كسيحاً وذا تكلفة عالية، وفي الوقت نفسه أن تدعم حكّام بغداد الجدد الذين تربطهم معها علاقات وثيقة منذ ربع قرن.

ويملك الإيرانيون اليوم نفوذاً قوياً في العراق. وهي حقيقة دفعت الأمريكيين للاعتراف بها، وأن يُجروا معهم ثلاث جولات من المحادثات الرسمية لإعادة الأمن فيه، وتبيّن ذلك واضحاً إبّان إتمام اتفاق البصرة ومدينة الصدر بعد احتدام المعارك في المدينتين بين جيش المهدي من جهة والقوات العراقية والأمريكية من جهة أخرى، كما أن لهم حلاً وعقداً واضحاً في تشكيل الحكومات العراقية المتعاقبة. وتبيّن هذا جلياً في ترجيح كفة الجعفري المحسوب على حزب الدعوة أمام منافسه عادل عبدالمهدي المحسوب على المجلس الأعلى.

كما أن منظمة مجاهدي خلق الإيرانية المعارضة باتت اليوم غير قادرة على ممارسة نشاط عسكري مباشر كالذي كانت تمارسه إبّان حكم صدام حسين وهجمات الضياء الخالد، وبات معسكر (أشرف) أشبه ما يكون بالسجن الكبير الذي يُكبّل عمل هذه المنظمة.

أما عن بقية الفصائل الإيرانية المعارضة كتنظيم بيجاك الكردستاني فقد أصبح سلاحه معطوباً بعد الغارات المتكررة التي قام بها الجيش الإيراني في مناطق رزكه وماردوو وشناوه في الشمال العراقي مستفيداً في ذلك من علاقة طهران المميزة بالأكراد وبالتحديد حزبي البارزاني والطالباني.

وفي لبنان شكّلت حرب يوليو في عام 2006 وفشلها الذريع انتصاراً لبنانياً إيرانياً مشتركاً، باعتبار أن حزب الله كان هو رأس الحربة في التصدي للهجوم الصهيوني البري والبحري والجوي طيلة 33 يوماً. وإذا ما عُرِف بأن مال الحزب وسلاحه يأتي من طهران فإن الأكيد أن الأخيرة تعتبر نفسها معنية بالهزيمة الصهيونية وبالنصر اللبناني. كما أن الاتفاق الذي تمّ في الدوحة ثم بلورة الشراكة التي لبّت شروط المعارضة القريبة جداً من سوريا وإيران أسهم في تقوية هذا المحور الداخلي أمام الدعم الأمريكي لحكومة السنيورة ولعموم تحالف (14 آذار).

وفي الأراضي الفلسطينية المحتلّة وبالتحديد في قطاع غزة الذي تسيطر عليه حركة حماس منذ منتصف يونيو 2007 لم تزل الحركة تقيم توازن رعب حيناً وهدنة حيناً آخر بعد أن باتت صواريخها تتعدى سديروت ونتيفوت لتصل إلى عسقلان، كما أن العمليات النوعية التي قامت بها (حماس) كمحاولة أسر جنديين صهيونيين خلال عملية (الشتاء الحار) الفاشلة في فبراير الماضي أظهرت قدرة الحركة على القيام بدور الجيش النظامي والمدرّب وكامل الجهوزية كما ذكر ذلك صراحة تقرير مدير دراسات مركز الإرهاب والاستخبارات التابع لمتحف المخابرات الإسرائيلية رؤوفين ايرليخ.

وإذا ما قُرّر بأن حماس تحظى برعاية ودعم من طهران فإن انعكاس نشاطها سيكون حتماً وثيق الصلة بأوراق إيران وسياستها في المنطقة. وعلى الأقل هذا ما نسمعه من أعضاء المكتب السياسي لحماس الذين باتوا يُجاهرون بتلك العلاقة.

هذان المتغيران باعتقادي يلعبان دوراً مهماً في توجيه بوصلة الأحداث بين الولايات المتحدة الأمريكية والكيان الصهيوني من جهة، والجمهورية الإسلامية الإيرانية من جهة أخرى. وربما يُقرأ السعي الأمريكي لكبح جموح أي مسعى سواء داخل الإدارة أو لدى الكيان الصهيوني بتعجيل الضربة العسكرية لإيران دليلاً على المواءمات الأمريكية في هذا المجال. فالولايات المتحدة وعبر مراكز الدراسات التي تتنفّذ فيها الإدارة تُصرّ على أن إيران لن تحصّل على القنبلة النووية إلاّ بعد سبعة أعوام، كما تقول المسؤولة الأمريكية السابقة وخبيرة الانتشار النووي في معهد العلوم والأمن الدولي جاكلين، في حين تُصرّ تل أبيب على أن طهران قد تستطيع إنتاج سلاح نووي في بحر عام ونصف العام من الآن.

وأخلص إلى القول بأنني لا أرى في الأفق أي مسعى لضربة عسكرية أمريكية أو صهيونية للمنشآت الإيرانية، لأن هذه الضربة من شأنها أن تؤجج أسعار الطاقة وأيضاً ستزيد ملفات المنطقة اشتعالاً. وربما وجدنا في الانفتاح الفرنسي على سوريا والأمريكي على المباحثات النووية مع إيران رؤية في هذا المجال.

::/fulltext::

Getting your Trinity Audio player ready...

::cck::1627::/cck::
::introtext::

توصيف الصراع الأمريكي – الإيراني يتطلب طرح أسئلة مفتوحة حول مصير الزمان والمكان الذي سيعقب الضربة العسكرية الصهيو/أمريكية للمنشآت النووية الإيرانية. بالتأكيد فإن هذه التساؤلات المفتوحة لن تزيد باعتقادي عن موضوعي الطاقة والأمن كمتغيرين مهمين في صياغة ميزان القوى في المنطقة. خياران يلعبان دوراً مهماً في تشكيل منظومة المصالح يُفضي بها لأن تتشابك إلى الحد الذي لا يُمكن فيه فرز المشتركات من التناقضات. وهو ما رأيناه جلياً في الصفقات الأوروبية لشراء النفط الإيراني أو لجلوس الأمريكيين مع الإيرانيين لتخفيف الضغط عليهم في العراق.

::/introtext::
::fulltext::

توصيف الصراع الأمريكي – الإيراني يتطلب طرح أسئلة مفتوحة حول مصير الزمان والمكان الذي سيعقب الضربة العسكرية الصهيو/أمريكية للمنشآت النووية الإيرانية. بالتأكيد فإن هذه التساؤلات المفتوحة لن تزيد باعتقادي عن موضوعي الطاقة والأمن كمتغيرين مهمين في صياغة ميزان القوى في المنطقة. خياران يلعبان دوراً مهماً في تشكيل منظومة المصالح يُفضي بها لأن تتشابك إلى الحد الذي لا يُمكن فيه فرز المشتركات من التناقضات. وهو ما رأيناه جلياً في الصفقات الأوروبية لشراء النفط الإيراني أو لجلوس الأمريكيين مع الإيرانيين لتخفيف الضغط عليهم في العراق.

سأركّز في هذه الورقة على متغيري الطاقة والأمن في قراءة ما ستؤول إليه المماحكات الجارية بين طهران وواشنطن والدفوع الصهيونية نحو التعجيل بضربة عسكرية خاطفة للمنشآت النووية الإيرانية.

مُتغيّر الطاقة

بالتطرق إلى موضوع الطاقة كمتغيّر أول يتم الربط بشكل آلي بين هذه القيمة وبين التأويل اللازم لها من حيث وجودها كورقة تفاوض لدى الإيرانيين، بحيث يسدّ اعتمادها تداعيات انحسار هذه الورقة من حيث حيويتها التفاوضية، وأيضاً ضياعها على مستوى التأثير المطلوب في الطاقة العالمية.

إن المشكلة المُركّبة في الموضوع هي أن وجود الطاقة الأحفورية بهذا الشكل الهائل يعطي إيران نفوذاً سياسياً ذا تأثير عال يتناسب بشكل طردي مع حاجة الآخرين إليها سواء من الحلفاء أم الخصوم.

فضمن محور تعظيم النفوذ السياسي عبر بوابة الطاقة استطاع النظام الإسلامي في إيران وبسبب عائدات النفط الضخمة (وخاصة بعد اشتعال أسعار النفط) أن يضمن شراء القوة والولاءات السياسية وتمتين بنيته الأمنية والاجتماعية في الداخل، وهو ما يُمكن ملاحظته بعد توزيع (أسهم العدالة) على شريحتين اجتماعيتين صُنّفتا على أنهما تندرجان تحت عنوان الفقر بمبلغ إجمالي تجاوز 2.75 مليار دولار على 4.6 مليون إيراني.

وعلى مستوى الإقليم المتاخم سواء بالجغرافيا أو السياسة فقد أغرق المال الإيراني حلفاءه في لبنان وفلسطين والعراق بل وحتى في إفريقيا الوسطى وأمريكا اللاتينية، فضَمِنَ بذلك أوراقاً جيدة شكّلت في محطات مختلفة مفاتيح الأزمات المستعصية خلال مرحلة التفاوض مع الخصوم.

وعلى المستوى العالمي مكّنت هذه الطاقة الهاجعة في جوف الأراضي الإيرانية من أن يتمّ تزمين عطاءاتها التنقيبية مع الضغوط الدولية، فتتكئ الدبلوماسية الإيرانية على ما يتركه ذلك السلوك ولَيّ الأذرع بين الفرقاء في الشرق والغرب كما حصل بالنسبة لحقل (آزادكان)، وأخيراً مع شركة توتال العملاقة.

وبات جلياً أنه لم يعد أمام تلك الدول سواء الحليفة منها افتراضاً مع الولايات المتحدة الأمريكية أو تلك المتشاركة معها في منظومة المصالح إلاّ خيارات محدودة في كيفية التوفيق بين الضغط على إيران والاستفادة من نفطها.

فجزء كبير من شمال أوروبا أو من دول حليفة لها قد تورّط في صفقات نفطية مع إيران، فتركيا قامت بالتوقيع في عام 2002 على اتفاق يقضي بتزويدها بـ 106 مليارات متر مكعب من الغاز، والنمسا (2004) بـ 900 مليار متر مكعب، وسويسرا (2008) بنصف مليار متر مكعب ولمدة 25 عاماً، وكذلك فعلت اليونان. كما مضت الشركة البريطانية – الهولندية (شل) في مشروع (برشين إل إن جي) للغاز في المرحلة 13 من حقل بارس الجنوبي.

وفي دول جنوب الخليج وهي الحليف الاستراتيجي للولايات المتحدة الأمريكية وقّعت الكويت في الثاني عشر من يناير من عام 2003 اتفاقاً يقضي بتزويدها بـ 300 مليون متر مكعب من الغاز الإيراني، وسلطنة عمان (2005) بثلاثمائة وخمسين مليار متر مكعب، والبحرين (2007) وقبلها كانت الإمارات.

أما في الشمال الشرقي فقد وقّعت أرمينيا في مايو من عام 2004 اتفاقاً مع إيران يقضي بتزويدها بـ 12.6 مليار متر مكعب في العام، وإقليم ناخيتيشفان بأذربيجان (2004) باثني عشر مليار متر مكعب.

تُصرّ تل أبيب على أن طهران قد تستطيع إنتاج سلاح نووي في بحر عام ونصف العام من الآن

وفي الشرق الأدنى بدأت اليابان بعد رسالة وزير تجارتها في شهر يوليو الماضي في رفع حصتها البالغة 10 في المائة في حقل آزادكان، وهي قيمة أخرى ستضاف للمستثمر الياباني منذ اندماج شركتي اينبيكس وتاكيكو اليابانيتين للنفط، ونزاع طوكيو وبكين على الطاقة الموجودة في بحر الصين الشرقي.

وفي منطقة أقرب وأمام رغبة العملاق الصيني في تأمين احتياجاته المتزايدة من النفط عَرَضَت حكومة أحمدي نجاد على الصين عرضاً نفطياً سخياً يتعلّق بتطوير حقل يادافاران (جنوب غرب بقيمة 100 مليار دولار (تبلغ احتياطيات الحقل 3.2 مليار برميل و2.7 تريليون قدم مكعبة من الغاز الطبيعي)، مما يعني أنّ حجم الواردات الصينية من النفط الخام الإيراني سيزيد إلى عشرين مليون طن يومياً لزيادة المخزون النفطي الاستراتيجي الصيني وتنويع مصادره، خاصة وأن الصين ستستهلك خلال العقدين المقبلين أكثر من 12.8 مليون برميل يومياً.

وضمن خطة العمل الإيرانية لجعل عمالقة القارة القديمة زبائن دائمين لها، فقد سعت طهران إلى جعل الهند مستورداً مهماً للنفط الإيراني. وقد سعى البلدان فعلاً إلى إتمام مشروع ثلاثي مع باكستان بشأن بناء أنبوب غاز يزوّد الهند عبر الأراضي الباكستانية بثلاثين مليون متر مكعب من الغاز الطبيعي الإيراني يومياً.

وبالإضافة إلى التورط الدولي في الطاقة النفطية والغازية الإيرانية فإن الدراسات الأحفورية الحديثة تشير إلى أن احتياطيات إيران من النفط قد تفوق 130.8 مليار برميل، أي أنها تأتي بعد المملكة العربية السعودية التي تمتلك احتياطياً يبلغ 260 مليار برميل، وكندا التي تبلغ 170 مليار برميل، كما أنها تمتلك 940 تريليون قدم مكعبة، أي أنها بعد روسيا في المخزون (راجع كتاب روجر هاورد حول نفط إيران).

وحسب إعلانات الطاقة الأخيرة فإن إيران تنتج أربعة ملايين و135 ألف برميل يومياً. وإذا ما تمّ النظر إلى إمكانية التعويض حول الصنف الإيراني من عموم نفط أوبك الاثني عشر فإن الولايات المتحدة ودول الخليج مجتمعة مطالبة بإنفاق نصف تريليون دولار لتحديث تقنية التنقيب وجلب الاستثمارات خلال الاثنتين وعشرين سنة المقبلة.

واليوم أضحى النفط الإيراني محل نظر الجميع طبقاً للظروف العالمية الصعبة التي تمرّ بها الطاقة في مواطنها الأصلية. فحقل كانتاريل المكسيكي قد نضب، وباتت بريطانيا ومنذ عام 2005 تستورد كافة احتياجاتها من النفط للمرة الأولى منذ ثلاثين سنة بسبب نضوب احتياطيات بحر الشمال، وحقول كازاخستان القزوينية لا يمكن الاستفادة منها طوال فترة الشتاء بسبب تجمّد المياه حولها، أما حقول أنغولا فإنها متعذرة نظراً لوجودها تحت مياه المحيط العميقة كما يقول هاورد.

مراكز الدراسات الأمريكية تصر على أن إيران لن تحصل على القنبلة النووية إلا بعد سبعة أعوام

وهذا العامل يُشكّل علامة فارقة في العلاقات الدولية وفي نظام المصالح القائم. فالدول التي لا تجد خيارات اقتصادية بديلة من دول حليفة تمارس عليها ضغوط هائلة تضطر كما اضطرت دول في أوروبا إلى التمرّد على مثل هذه الضغوط والانسياق نحو تصريف أمورها بشكل براغماتي صرف.

محور الأمن

يُشكّل محور الأمن في منطقة الشرق الأوسط أحد أهم الملفات التي تسعى الولايات المتحدة الأمريكية إلى ترتيبها وإعادة الهدوء إليها لضمان تمرير الكثير من المشاريع الخاصة بالعراق وتفصيلات الوضع النهائي في المفاوضات العربية – الصهيونية.

وبسبب هجمات الحادي عشر من سبتمبر على برجي التجارة العالمية في نيويورك في عام 2001 والتي دفعت إدارة بوش إلى الاستعجال غير المُبرّر في توصيف الخطر وسبل احتوائه؛ تمّ الهجوم على نظام طالبان في أفغانستان وإسقاطه، وبعد أقل من عامين على نظام البعث في العراق وتحطيم الدولة العراقية.

ولم تُعط إدارة جورج بوش اليمينية لنفسها فرصة جرد الخسائر والأرباح ومعرفة المستفيدين والخاسرين من مشروعات التصادم والإلغاء الأمريكية. ورغم أن الجميع كان يُدرك أن الإيرانيين كانت تربطهم علاقات (متأزمة) مع كل من نظام طالبان وصدام حسين، وأن أي عمل يؤدي إلى إسقاطهما هو في النهاية يصب في مصلحة الأمن القومي الإيراني.

وفي الجوار حيث كان النظامان في أفغانستان والعراق ينهاران، باتت واشنطن ومعها حلفاؤها الغربيون أمام مسؤولية إنهاض هذين البلدين على غرار ما حصل في تيمور الشرقية في آسيا والبوسنة وكوسوفو في أوروبا وسيراليون في إفريقيا.

وبانهيار مركزي أفغانستان والعراق أصبح المنطق الاستراتيجي يتّجه نحو تمدّد جوارهما القريب والقوي تلقائياً إلى نواته وحوافّه. وفي تلك الأثناء كانت جيرة أفغانستان لا تخرج عن إيران غرباً، وطاجيكستان وأوزبكستان وتركمانستان شمالاً، والصين شرقاً، ثم باكستان جنوباً وشرقاً.

وربما تصدرت إيران هذه الدول في القدرة على النفوذ داخل هذا البلد المنهار، خاصة وأن تماسها معه أيديولوجياً وسوسيولوجياً وتاريخياً أكثر من غيرها من الدول. وربما كانت أيضاً أكثرهم اضطلاعاً بمشكلاته الداخلية بعد دعمها لتحالف الشمال المعارض بقيادة أحمد شاه مسعود ومناكفتها لنظام طالبان التي كادت أن تتحوّل إلى نزاع عسكري بعد قتل حركة طالبان لتسعة من الدبلوماسيين الإيرانيين في مزار الشريف في أغسطس من عام 1998.

وفي العراق كانت المسؤولية الإيرانية مركّبة. فهي ومن منطلق أمنها القومي مُضطرة لأن تحوّل المشروع الأمريكي داخل العراق كسيحاً وذا تكلفة عالية، وفي الوقت نفسه أن تدعم حكّام بغداد الجدد الذين تربطهم معها علاقات وثيقة منذ ربع قرن.

ويملك الإيرانيون اليوم نفوذاً قوياً في العراق. وهي حقيقة دفعت الأمريكيين للاعتراف بها، وأن يُجروا معهم ثلاث جولات من المحادثات الرسمية لإعادة الأمن فيه، وتبيّن ذلك واضحاً إبّان إتمام اتفاق البصرة ومدينة الصدر بعد احتدام المعارك في المدينتين بين جيش المهدي من جهة والقوات العراقية والأمريكية من جهة أخرى، كما أن لهم حلاً وعقداً واضحاً في تشكيل الحكومات العراقية المتعاقبة. وتبيّن هذا جلياً في ترجيح كفة الجعفري المحسوب على حزب الدعوة أمام منافسه عادل عبدالمهدي المحسوب على المجلس الأعلى.

كما أن منظمة مجاهدي خلق الإيرانية المعارضة باتت اليوم غير قادرة على ممارسة نشاط عسكري مباشر كالذي كانت تمارسه إبّان حكم صدام حسين وهجمات الضياء الخالد، وبات معسكر (أشرف) أشبه ما يكون بالسجن الكبير الذي يُكبّل عمل هذه المنظمة.

أما عن بقية الفصائل الإيرانية المعارضة كتنظيم بيجاك الكردستاني فقد أصبح سلاحه معطوباً بعد الغارات المتكررة التي قام بها الجيش الإيراني في مناطق رزكه وماردوو وشناوه في الشمال العراقي مستفيداً في ذلك من علاقة طهران المميزة بالأكراد وبالتحديد حزبي البارزاني والطالباني.

وفي لبنان شكّلت حرب يوليو في عام 2006 وفشلها الذريع انتصاراً لبنانياً إيرانياً مشتركاً، باعتبار أن حزب الله كان هو رأس الحربة في التصدي للهجوم الصهيوني البري والبحري والجوي طيلة 33 يوماً. وإذا ما عُرِف بأن مال الحزب وسلاحه يأتي من طهران فإن الأكيد أن الأخيرة تعتبر نفسها معنية بالهزيمة الصهيونية وبالنصر اللبناني. كما أن الاتفاق الذي تمّ في الدوحة ثم بلورة الشراكة التي لبّت شروط المعارضة القريبة جداً من سوريا وإيران أسهم في تقوية هذا المحور الداخلي أمام الدعم الأمريكي لحكومة السنيورة ولعموم تحالف (14 آذار).

وفي الأراضي الفلسطينية المحتلّة وبالتحديد في قطاع غزة الذي تسيطر عليه حركة حماس منذ منتصف يونيو 2007 لم تزل الحركة تقيم توازن رعب حيناً وهدنة حيناً آخر بعد أن باتت صواريخها تتعدى سديروت ونتيفوت لتصل إلى عسقلان، كما أن العمليات النوعية التي قامت بها (حماس) كمحاولة أسر جنديين صهيونيين خلال عملية (الشتاء الحار) الفاشلة في فبراير الماضي أظهرت قدرة الحركة على القيام بدور الجيش النظامي والمدرّب وكامل الجهوزية كما ذكر ذلك صراحة تقرير مدير دراسات مركز الإرهاب والاستخبارات التابع لمتحف المخابرات الإسرائيلية رؤوفين ايرليخ.

وإذا ما قُرّر بأن حماس تحظى برعاية ودعم من طهران فإن انعكاس نشاطها سيكون حتماً وثيق الصلة بأوراق إيران وسياستها في المنطقة. وعلى الأقل هذا ما نسمعه من أعضاء المكتب السياسي لحماس الذين باتوا يُجاهرون بتلك العلاقة.

هذان المتغيران باعتقادي يلعبان دوراً مهماً في توجيه بوصلة الأحداث بين الولايات المتحدة الأمريكية والكيان الصهيوني من جهة، والجمهورية الإسلامية الإيرانية من جهة أخرى. وربما يُقرأ السعي الأمريكي لكبح جموح أي مسعى سواء داخل الإدارة أو لدى الكيان الصهيوني بتعجيل الضربة العسكرية لإيران دليلاً على المواءمات الأمريكية في هذا المجال. فالولايات المتحدة وعبر مراكز الدراسات التي تتنفّذ فيها الإدارة تُصرّ على أن إيران لن تحصّل على القنبلة النووية إلاّ بعد سبعة أعوام، كما تقول المسؤولة الأمريكية السابقة وخبيرة الانتشار النووي في معهد العلوم والأمن الدولي جاكلين، في حين تُصرّ تل أبيب على أن طهران قد تستطيع إنتاج سلاح نووي في بحر عام ونصف العام من الآن.

وأخلص إلى القول بأنني لا أرى في الأفق أي مسعى لضربة عسكرية أمريكية أو صهيونية للمنشآت الإيرانية، لأن هذه الضربة من شأنها أن تؤجج أسعار الطاقة وأيضاً ستزيد ملفات المنطقة اشتعالاً. وربما وجدنا في الانفتاح الفرنسي على سوريا والأمريكي على المباحثات النووية مع إيران رؤية في هذا المجال.

::/fulltext::
::cck::1627::/cck::

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *