نحو علاقات تركية – خليجية استراتيجية
::cck::1828::/cck::
::introtext::
استغلت دول مجلس التعاون الخليجي الصعود التركي الإقليمي الواضح المعالم، وسجلت في 3/9/2008 حدثاً تاريخياً تمثل في توقيع مذكرة تفاهم مع الجانب التركي تمهد لعلاقات استراتيجية خليجية-تركية على كافة الصعد السياسية والاقتصادية والثقافية وحتى الأمنية والعسكرية، وذلك أثناء اجتماع وزراء خارجية الدول المعنية في مدينة جدة في المملكة العربية السعودية.
::/introtext::
::fulltext::
استغلت دول مجلس التعاون الخليجي الصعود التركي الإقليمي الواضح المعالم، وسجلت في 3/9/2008 حدثاً تاريخياً تمثل في توقيع مذكرة تفاهم مع الجانب التركي تمهد لعلاقات استراتيجية خليجية-تركية على كافة الصعد السياسية والاقتصادية والثقافية وحتى الأمنية والعسكرية، وذلك أثناء اجتماع وزراء خارجية الدول المعنية في مدينة جدة في المملكة العربية السعودية.
يمكننا استشعار مدى أهمية هذه الاتفاقية لكونها تعد أول اتفاقية يعقدها مجلس التعاون الخليجي بهذا الشكل منفرداً مع دولة أخرى بعينها، فهو لم يسبق له أن فعل ذلك حتى تاريخ توقيع هذه الاتفاقية، ولا شك في أن لهذا المعطى دلالاته كما سيظهر لاحقاً، خاصة أنها تأتي في ظل الظروف الحرجة التي تشهدها منطقة الخليج العربي والشرق الأوسط.
وعلى الرغم من أن الطرفين ألمحا إلى أن هذه الاتفاقية ليست موجهة ضد أحد معين، إلا أننا نلاحظ أنها جاءت إثر تصاعد حدة المناوشات الإيرانية-الخليجية نتيجة لإصرار إيران على احتلال الجزر الثلاث الإماراتية، ورفضها كل مبادرات الحل السلمية التي تم طرحها من قبل العرب في هذا الشأن.
صعود تركيا الجيو-استراتيجي إقليمياً
على الصعيد السياسي، وفي الوقت الذي تتزاحم فيه القوى الإقليمية على حجز مكان لها في الخريطة الجيو-استراتيجية التي نشأت بعد انهيار البوابة الشرقية للعالم العربي إثر احتلال العراق، ومن قبله إقصاء النظام الأفغاني (الطالباني)، تظهر تركيا كلاعب أساسي ورئيسي يمتلك خطوط الاتصال والتواصل مع جميع الفاعلين المؤثرين بحيث تطمح إلى أن ترسخ مكانتها المميزة في المنطقة استناداً إلى ثقلها الذاتي من جهة وإلى حاجة الآخرين إلى التواصل وإيجاد الحلول والمخرجات في ظل الأزمات السياسية والعسكرية والاقتصادية التي تعصف بالمنطقة ككل من جهة أخرى.
أما على الصعيد الاقتصادي، فكثير منا لا يعلم أن الاقتصاد التركي وبعد أن شارف على الانهيار في التسعينات أصبح في السنوات القليلة الماضية في ظل حكومة حزب العدالة والتنمية الاقتصاد الأكبر إسلامياً، محتلاً المركز الـ 15 عالمياً، علماً أن تركيا دولة غير منتجة للنفط، بل يشكل الأخير عبئاً كبيراً عليها لا سيما في ظل الارتفاع الهائل لأسعاره، حيث يبلغ حجم وارداتها النفطية حوالي 20 مليار دولار مما يوازي حجم عائداتها السياحية لعام 2006.
أظهر الاقتصاد التركي أن الاعتماد على العلم والعمل، أي المعرفة والتصنيع، قادر على تحقيق المعجزات. فرغم الأزمات الشديدة التي شهدها هذا الاقتصاد والتي كانت تهدد بانهياره، استطاع الخروج من محنته بل وتحقيق أرقام قياسية في كافة المجالات معتمداً على عدد من الإجراءات والإصلاحات الهيكلية التي جعلته يتفوق على كل الاقتصادات الإسلامية الريعية بمعظمها، وبلغ الناتج المحلي الإجمالي وفقاً للأرقام الرسمية، 663 مليار دولار أو ما يوازي 887 مليار دولار إذا ما قيس بالنسبة للقوة الشرائية، وتبلغ الصادرات التركية التي يغلب عليها الطابع الصناعي وحدها حوالي 107 مليارات دولار فيما يبلغ معدل دخل الفرد السنوي ما بين 9 و 10 آلاف دولار، مع ضرورة الأخذ في الاعتبار أن عدد سكان تركيا يتجاوز الـ 70 مليوناً.
التعاون التركي- الخليجي سياسياً
من الملاحظ في هذا الإطار أن فرص التعاون السياسي الثنائي غير محدودة بالنسبة للجانبين، خاصة في ظل شبكة العلاقات التي تمتلكها تركيا والتي تصلها مع جميع الفاعلين الدوليين من دون استثناء، لكن يبقى الأهم في الموضوع السياسي يتبلور حول نقطتين:
1– تحقيق توازن إقليمي مع إيران: فموقع تركيا وحجمها وعدد سكانها وقوتها العسكرية مشابه جداً لما تمتلكه إيران، مما يؤهلها لأن تلعب على الصعيد السياسي دوراً مهماً في تحقيق توازن جيو-استراتيجي معها خاصة أنها بدأت تثير المشكلات للدول العربية منذ سقوط العراق، وذلك على مستويات عدة منها الإصرار على احتلال أراض عربية، ومنها التدخل في الشؤون الداخلية للدول العربية، وإثارة الفتن والنعرات الطائفية، وتقسيم المجتمعات العربية واختراقها مالياً وثقافياً، بالإضافة إلى التهديد الذي يمثله البرنامج النووي الإيراني على الخليج العربي إن كان من الناحية البيئية أو من ناحية السلامة أو من ناحية الإخلال بالتوازن العسكري في المنطقة وإمكانية اندلاع حرب إقليمية جديدة بين إيران وأمريكا أو إيران وإسرائيل تكون الدول العربية ساحة لها.
أمام هذه التحديات الجسام، سيكون من الطبيعي لدول المجلس أن تفتح بوابة التواصل الاستراتيجي مع تركيا التي تشهد منذ وصول حزب العدالة والتنمية إلى السلطة صعوداً جيو-سياسياً منسجماً مع طبيعة المنطقة وإرثها التاريخي وبعيداً عن الحساسيات، في الوقت الذي لا تفرض فيه تركيا نفسها بالقوة على المنطقة، وتقدم في الوقت نفسه نموذجاً مغايراً عن النموذج الصدامي، الانتهازي الابتزازي الذي تقدمه إيران، متفاعلة مع المحيط العربي (سواء في الخليج العربي أو الشام) ومبتعدة عما من شأنه أن يثير الحساسيات، كأن تقدم نفسها ممثلاً مذهبياً أو عنصراً متفوقاً تاريخياً أو قومياً أو عبر فرض نفسها كقائد ميداني.
ولقد سبق أن مهدت لكل ذلك بإبداء حسن النية من خلال إنهاء كافة المشكلات الحدودية الكبرى التي كانت عالقة بينها وبين العرب خاصة سوريا والعراق، ومن ثم عرضت رؤيتها الإقليمية واستعدادها للانفتاح على الجميع وتقديم المساعدة الممكنة عبر زيارات مكوكية ثنائية شملت الجانبين العربي (مصر، سوريا، العراق، الأردن، السعودية، قطر، والبحرين) والتركي. لذلك يمكن الاعتماد على تركيا التي كانت تاريخياً حامية لتخوم البلاد الإسلامية، وبالتالي يمكنها أن تعيد تقديم نفسها هذه المرة من باب الاعتدال الإسلامي الذي يقي من شر النفوذ الإيراني.
2- حل المشكلات والأزمات الإقليمية: يمكن لدول المجلس الاعتماد على تركيا في هذا السياق، خاصة أن صعودها إقليمياً لم يأت نتيجة صفقات أو مساومات أو ابتزاز، كما لم يأت على حساب أحد، وهي وإن كانت قادرة على استغلال حاجة أمريكا وحلف شمال الأطلسي إليها خاصة سابقاً أثناء حرب أفغانستان والعراق، أو لاحقاً، إلا أنها لم تفعل، على عكس اللاعب الإيراني الذي من المؤكد أنه سيسعى إلى عقد صفقة على حساب هذه الدول في حال تم تأمين مصالحه الخاصة مع أمريكا أو إسرائيل.
ومن هذا المنطلق، فإن علاقات تركيا مع جميع الفاعلين المحليين، الإقليميين والعالميين، سيكون مفيداً جداً لدول المجلس، وقد شهدنا وما زلنا نشهد تفاعلات هذا الدور في أكثر من بلد سواء عبر الوساطة التي تقوم بها في المفاوضات بين سوريا وإسرائيل، أو عبر الوساطة التي سبق واقترحتها بشأن لبنان أو تلك المتعلقة بالشأن الفلسطيني أو حتى بخصوص الأزمة النووية الإيرانية.
التعاون التركي- الخليجي اقتصادياً
وفي هذا الإطار يبدو أن فرص تعزيز التعاون الاقتصادي كبيرة على أكثر من صعيد:
1- على الصعيد الاستثماري: بلغ حجم الاستثمارات الأجنبية المباشرة في تركيا للعام 2007 حوالي 22 مليار دولار بعدما صعدت بشكل دراماتيكي بعد استلام حزب العدالة والتنمية الحكم وذلك من 1.1 مليار دولار عام 2002 إلى 10 مليارات دولار عام 2005، تبعه ارتفاع عدد الشركات الأجنبية المشاركة من 5400 شركة عام 2002 إلى 18300 عام 2007، وهو ما يشير إلى أن تركيا أصبحت تشكل أرضاً خصبة للاستثمار، ومهيأة لجذب أعلى قدر ممكن منها، وعلى دول المجلس الاستفادة من هذه البيئة الاستثمارية وضخ أموالهم وفائض عائداتهم النفطية وتوجيهها إليها، لاسيما أن حجم الاستثمارات العربية والخليجية في تركيا يعد متواضعاً قياساً بحجم الاستثمارات الأجنبية فيها من جهة وقياساً أيضاً بالعوائد النفطية التي تتدفق إلى دول المجلس واستثمارات الخليج في الخارج من جهة أخرى. ولذلك يمكن لتركيا أن تكون منفذاً آمناً لاستثمارات العوائد النفطية.
2- على الصعيد التجاري: بلغ حجم التجارة الخارجية التركية عام 2007 حوالي 280 مليار دولار بواقع 110 مليارات دولار صادرات و 170 مليار دولار واردات، مما يعني أنها تعد لاعباً أساسياً في التجارة العالمية مع سعيها لأن يبلغ حجم التجارة الخارجية لها نصف تريليون دولار في عام 2023م، وهي أرقام ضخمة جدا إذا ما قورنت بحصة دول مجلس التعاون فيها والبالغة أقل من 2.7 في المائة من حجمها، ما يعني بطبيعة الحال ضرورة رفع نسبة التبادل التجاري بين الطرفين وإزالة كل العوائق التي من شأنها أن تحد من ارتفاع حجمها مستقبلاً.
3- على الصعيد الصناعي: تعد تركيا ثاني أكبر منتج لصفائح الزجاج في العالم وسادس أكبر منتج للأسمنت وسادس أكبر منتج للألبسة الجاهزة، وتشكل صادراتها الصناعية نحو 89 في المائة من مجمل الصادرات، فيما يساهم القطاع الصناعي فيها بنحو 25 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي ويشمل صناعات مثل الأسمنت والصلب والحديد والبتروكيماويات وصناعات أخرى تضم الإلكترونيات والأسلحة والسيارات وغيرها. ومعلوم كم هي حاجة دول مجلس التعاون الخليجي الشديدة إلى مواد البناء التي تنتجها تركيا بمختلف أنواعها، خاصة في ظل الطفرة العمرانية التي تشهدها منطقة الخليج مما يمكن أن يشكل مصدراً مهماً للتعاون بين الطرفين، كما يمكن لهذه الدول الاستعانة بخبرة متعهدي الإنشاءات الأتراك ذوي السمعة العالمية بعد إتمامهم أكثر من 3 آلاف مشروع بمستويات عالمية في أكثر من 70 دولة، وخاصة أن هناك 22 شركة تعهدات في صدارة لائحة المتعهدين العالميين، حيث تحتل تركيا المرتبة الثالثة أيضاً في ترتيب القائمة بعد كل من الولايات المتحدة والصين.
4- على الصعيد السياحي: تحتل تركيا موقعاً ضمن قائمة أفضل 10 وجهات سياحية في العالم، ويفوق الطلب على السياحة التركية أكثر من مستوى الطلب عليه في السياحة العالمية. فقد شهد عدد السياح القادمين إلى تركيا خلال الفترة (1980-2005) زيادة بمعدل 17.5 ضعف والدخل السياحي بمعدل 5.5 ضعف. ويلعب القطاع السياحي دوراً مهماً في الاقتصاد التركي، حيث حقق هذا القطاع دخلاً في عام 2006 بلغت قيمته عشرين مليار دولار أنفقها نحو 21 مليون سائح (5 في المائة منهم عرب)، مع وجود خطط لرفع عدد السياح إلى ثلاثين مليوناً عام 2010 مع تحقيق دخل سياحي بمقدار 30 مليار دولار أمريكي عام 2010. ولا شك في أن الاتفاق مع دول الخليج سيجعل من تركيا بوابة سياحية مفضلة لديهم تجمع آسيا بأوروبا عبر اسطنبول.
5- على الصعيد الزراعي: يعد الاكتفاء الغذائي لتركيا من بين الأعلى عالمياً، ويعمل حوالي نصف القوى العاملة فيها بالقطاع الزراعي، وتمتلك كل المقومات الزراعية والمائية اللازمة لتكون قادرة على توفير الغذاء ليس منطقة الخليج فحسب وإنما للشرق الأوسط بأكمله، مما يشكل فرصة مناسبة لدول المجلس التي تعاني فجوة غذائية بلغت قيمتها عام 2006 حوالي 12.2 مليار دولار، والتي لا تزال تبحث عن أماكن لتوفير غذائها منه عبر الاستيراد مباشرة أو عبر الزراعة فيها وحصد المزروعات.
ولذلك يمكن لدول مجلس التعاون الاستفادة من الخطة التي أعلنتها تركيا بعنوان (مركز الإنتاج الزراعي وسلة الغذاء في الشرق الأوسط)، والتي تتطلب استثمارات تبلغ 12 مليار دولار على مدى أربع سنوات تسعى عبرها إلى تحويل منطقة جنوب شرق الأناضول إلى مركز لإنتاج وتوزيع المحاصيل الزراعية والغذاء على كافة بلدان المنطقة، وذلك عبر ريّ نحو ملياري هكتار من الأراضي القابلة للزراعة وتطوير الصناعات الغذائية فيها.

التعاون التركي-الخليجي عسكرياً
سيكون من المفيد جداً فتح باب التعاون بين الطرفين في المجال العسكري، حيث إن لدى تركيا صناعتها الدفاعية الخاصة لتحقيق الاكتفاء الذاتي، بعيداً عن تحكم الدول التي تفرض قيوداً على صادراتها العسكرية والتكنولوجية، وهي تسعى أيضاً إلى الدخول في مشاريع إنتاج أسلحة وأنظمة تسلح مشتركة وذلك بالحصول على تراخيص إنتاج من بلد المنشأ، الأمر الذي يسمح بانتقال التكنولوجيا العالية إليها، والذي يمكّن دول الخليج في مرحلة من المراحل من الاستفادة من التجربة التركية الصاعدة في هذا المجال.
وعلى الصعيد النووي، فإن تركيا متقدمة بأشواط في هذا المجال، وتتجه حالياً لتنفيذ مشاريع إقامة المفاعلات النووية لأغراض الطاقة السلمية بعد أن كانت قد أنجزت منذ زمن بعيد كافة الدراسات المتعلقة بها، واختارت مدينة (سينوب) على البحر الأسود موقعاً لإقامة أول مفاعلاتها النووية من بين ثلاثة مفاعلات نووية تسعى إلى إقامتها. ولذلك باستطاعة دول المجلس التي تشهد طلباً متصاعداً على الطاقة الكهربائية الاعتماد على التجربة التركية في هذا المجال، وإطلاق المشاريع النووية السلمية لتأمين احتياجات المنطقة من الطاقة الكهربائية خاصة أنها قد بدأت بالفعل الشروع بأولى الخطوات المطلوبة.
وقعت دول مجلس التعاون مذكرة تفاهم مع تركيا تمهيداً لعلاقات استراتيجية على كافة الصعد
مشاريع استراتيجية ثنائية تركية-خليجية
في خطط الأجندات المشتركة بين الطرفين، مشروعان من أهم المشاريع الإقليمية الاستراتيجية على الإطلاق، وإذا ما تم تنفيذ هذين المشروعين وترجمتهما عملياً على أرض الواقع، فمن المؤكد أن العلاقات الثنائية ستكتسب طابع الديمومة على كافة المستويات بحيث يصبح الربط عضوياً، ويؤسس لتشكيل نواة اقتصادية وسياسية إقليمية ذات طابع ومستوى دولي.
1- مشروع سكة حديد تربط الخليج العربي بتركيا: وهو مشروع يعيد إلى الأذهان مشروع سكة الحجاز الذي حققه السلطان عبدالحميد الثاني كأضخم مشروع إقليمي في ذلك العصر. وقد طرح المشروع الجديد ملك البحرين حمد بن عيسى آل خليفة في زيارته الأخيرة إلى تركيا في أغسطس الماضي بعد قرن كامل بالتمام والكمال على تسيير أول قطار على خط سكة حديد الحجاز، مما قد يشكل في حال إنجازه المنطلق الرئيسي لبنة أساسية متطورة للتبادل التجاري خاصة مع ارتفاع تكلفة الوقود للنقل بوسائل النقل التقليدية الحالية والتي تعد باهظة فى الوقت الحاضر، والأهم من ذلك أنه سيشكل مرتكزاً للتكامل الاقتصادي والسياسي والتفاعل الحضاري على كافة المستويات بين العرب وتركيا، خاصة أن المشروع قد يمر بالعراق ليصل إلى الخليج أو عبر سوريا والأردن لتحقيق الهدف نفسه، كما أنه سيربط الخليج بأوروبا عبر تركيا بحيث يكون قادراً على نقل المواطن الخليجي من بلده إلى باريس في غضون ساعات. ويبدو أن كل الظروف مهيأة لإتمام مثل هذا المشروع الحلم وإعادته من التاريخ إلى الواقع اليوم في ظل وجود أسس تنفيذية للمشروع تتمثل في وضع الأطر التمويلية اللازمة والتي كانت دول مجلس التعاون الخليجي قد وضعتها أثناء توقيع اتفاقية إطارية لإقامة منطقة تجارة حرة مع تركيا فى مايو الماضي، ويجري العمل على متابعتها العام المقبل.
2- مشروع النفط مقابل المياه: دول الخليج العربية غنية بالنفط إلى أقصى الحدود لكنها فقيرة بالموارد المائية، فيما تعد تركيا فقيرة بالنفط إلى أبعد الحدود غنية بالموارد المائية. هذه المعطيات مصحوبة بواقع استيراد تركيا لأكثر من 95 في المائة من حاجاتها النفطية من الخارج والمقدرة بنحو 20 مليار دولار، في الوقت الذي تمثل مياه البحر المحلاة أكثر من 75 في المائة من المياه المستخدمة في دول الخليج العربية بكمية تصل إلى 1.85 مليار متر مكعب، أي حوالي 90 في المائة من إجمالي إنتاج المنطقة العربية من المياه المحلاة، تجعل التكامل النفطي-المائي بينهما أمراً حيوياً ليس على صعيد الفوائد الاقتصادية التي سيجنيها الطرفان فحسب، ولا على صعيد تعزيز العلاقات السياسية أيضاً فقط، وإنما على صعيد حماية وتعزيز مفهوم الأمن القومي عند الطرفين الذي يندرج تحته الأمن المائي الخليجي وأمن الطاقة التركي.
الاقتصاد التركي أصبح في السنوات القليلة الماضية الاقتصاد الأكبر إسلامياً محتلاً المركز الـ 15 عالمياً
ويمكن من خلال هذا المشروع أن تستفيد دول المجلس من مخطط مشروع (أنابيب السلام) التركي المؤلف من خطين يفترض أن يتجه أحدهما إلى منطقة الخليج العربي، وآخر إلى الساحل الشرقي للبحر الأحمر، موازياً سلسلة جبال عسير في المملكة، ويقدم المشروع في خطيه لدول المجلس ما مجموعه أربعة ملايين متر مكعب من المياه يومياً يقدم منها الخط الغربي مليوناً ونصف المليون متر مكعب لمدن غرب المملكة، ويقوم الخط الشرقي بتوزيع مليونين ونصف المليون متر مكعب على المناطق المتاخمة لشاطئ الخليج العربي في السعودية والكويت والإمارات والبحرين وقطر وسلطنة عمان.
باختصار، تعد تركيا رقماً صعباً وفاعلاً في المنطقة، وسيكون من الإنصاف القول إن الاتفاقية التي عقدتها دول المجلس مع تركيا هي الخطوة الأهم لها منذ عقود، وقد أحسن مجلس التعاون الخليجي الخيار هذه المرة بعقد اتفاقية على هذا المستوى العالي بحيث تمهد لعلاقات استراتيجية طويلة المدى على كافة الصعد السياسية والاقتصادية والثقافية والعسكرية.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::1828::/cck::
::introtext::
استغلت دول مجلس التعاون الخليجي الصعود التركي الإقليمي الواضح المعالم، وسجلت في 3/9/2008 حدثاً تاريخياً تمثل في توقيع مذكرة تفاهم مع الجانب التركي تمهد لعلاقات استراتيجية خليجية-تركية على كافة الصعد السياسية والاقتصادية والثقافية وحتى الأمنية والعسكرية، وذلك أثناء اجتماع وزراء خارجية الدول المعنية في مدينة جدة في المملكة العربية السعودية.
::/introtext::
::fulltext::
استغلت دول مجلس التعاون الخليجي الصعود التركي الإقليمي الواضح المعالم، وسجلت في 3/9/2008 حدثاً تاريخياً تمثل في توقيع مذكرة تفاهم مع الجانب التركي تمهد لعلاقات استراتيجية خليجية-تركية على كافة الصعد السياسية والاقتصادية والثقافية وحتى الأمنية والعسكرية، وذلك أثناء اجتماع وزراء خارجية الدول المعنية في مدينة جدة في المملكة العربية السعودية.
يمكننا استشعار مدى أهمية هذه الاتفاقية لكونها تعد أول اتفاقية يعقدها مجلس التعاون الخليجي بهذا الشكل منفرداً مع دولة أخرى بعينها، فهو لم يسبق له أن فعل ذلك حتى تاريخ توقيع هذه الاتفاقية، ولا شك في أن لهذا المعطى دلالاته كما سيظهر لاحقاً، خاصة أنها تأتي في ظل الظروف الحرجة التي تشهدها منطقة الخليج العربي والشرق الأوسط.
وعلى الرغم من أن الطرفين ألمحا إلى أن هذه الاتفاقية ليست موجهة ضد أحد معين، إلا أننا نلاحظ أنها جاءت إثر تصاعد حدة المناوشات الإيرانية-الخليجية نتيجة لإصرار إيران على احتلال الجزر الثلاث الإماراتية، ورفضها كل مبادرات الحل السلمية التي تم طرحها من قبل العرب في هذا الشأن.
صعود تركيا الجيو-استراتيجي إقليمياً
على الصعيد السياسي، وفي الوقت الذي تتزاحم فيه القوى الإقليمية على حجز مكان لها في الخريطة الجيو-استراتيجية التي نشأت بعد انهيار البوابة الشرقية للعالم العربي إثر احتلال العراق، ومن قبله إقصاء النظام الأفغاني (الطالباني)، تظهر تركيا كلاعب أساسي ورئيسي يمتلك خطوط الاتصال والتواصل مع جميع الفاعلين المؤثرين بحيث تطمح إلى أن ترسخ مكانتها المميزة في المنطقة استناداً إلى ثقلها الذاتي من جهة وإلى حاجة الآخرين إلى التواصل وإيجاد الحلول والمخرجات في ظل الأزمات السياسية والعسكرية والاقتصادية التي تعصف بالمنطقة ككل من جهة أخرى.
أما على الصعيد الاقتصادي، فكثير منا لا يعلم أن الاقتصاد التركي وبعد أن شارف على الانهيار في التسعينات أصبح في السنوات القليلة الماضية في ظل حكومة حزب العدالة والتنمية الاقتصاد الأكبر إسلامياً، محتلاً المركز الـ 15 عالمياً، علماً أن تركيا دولة غير منتجة للنفط، بل يشكل الأخير عبئاً كبيراً عليها لا سيما في ظل الارتفاع الهائل لأسعاره، حيث يبلغ حجم وارداتها النفطية حوالي 20 مليار دولار مما يوازي حجم عائداتها السياحية لعام 2006.
أظهر الاقتصاد التركي أن الاعتماد على العلم والعمل، أي المعرفة والتصنيع، قادر على تحقيق المعجزات. فرغم الأزمات الشديدة التي شهدها هذا الاقتصاد والتي كانت تهدد بانهياره، استطاع الخروج من محنته بل وتحقيق أرقام قياسية في كافة المجالات معتمداً على عدد من الإجراءات والإصلاحات الهيكلية التي جعلته يتفوق على كل الاقتصادات الإسلامية الريعية بمعظمها، وبلغ الناتج المحلي الإجمالي وفقاً للأرقام الرسمية، 663 مليار دولار أو ما يوازي 887 مليار دولار إذا ما قيس بالنسبة للقوة الشرائية، وتبلغ الصادرات التركية التي يغلب عليها الطابع الصناعي وحدها حوالي 107 مليارات دولار فيما يبلغ معدل دخل الفرد السنوي ما بين 9 و 10 آلاف دولار، مع ضرورة الأخذ في الاعتبار أن عدد سكان تركيا يتجاوز الـ 70 مليوناً.
التعاون التركي- الخليجي سياسياً
من الملاحظ في هذا الإطار أن فرص التعاون السياسي الثنائي غير محدودة بالنسبة للجانبين، خاصة في ظل شبكة العلاقات التي تمتلكها تركيا والتي تصلها مع جميع الفاعلين الدوليين من دون استثناء، لكن يبقى الأهم في الموضوع السياسي يتبلور حول نقطتين:
1– تحقيق توازن إقليمي مع إيران: فموقع تركيا وحجمها وعدد سكانها وقوتها العسكرية مشابه جداً لما تمتلكه إيران، مما يؤهلها لأن تلعب على الصعيد السياسي دوراً مهماً في تحقيق توازن جيو-استراتيجي معها خاصة أنها بدأت تثير المشكلات للدول العربية منذ سقوط العراق، وذلك على مستويات عدة منها الإصرار على احتلال أراض عربية، ومنها التدخل في الشؤون الداخلية للدول العربية، وإثارة الفتن والنعرات الطائفية، وتقسيم المجتمعات العربية واختراقها مالياً وثقافياً، بالإضافة إلى التهديد الذي يمثله البرنامج النووي الإيراني على الخليج العربي إن كان من الناحية البيئية أو من ناحية السلامة أو من ناحية الإخلال بالتوازن العسكري في المنطقة وإمكانية اندلاع حرب إقليمية جديدة بين إيران وأمريكا أو إيران وإسرائيل تكون الدول العربية ساحة لها.
أمام هذه التحديات الجسام، سيكون من الطبيعي لدول المجلس أن تفتح بوابة التواصل الاستراتيجي مع تركيا التي تشهد منذ وصول حزب العدالة والتنمية إلى السلطة صعوداً جيو-سياسياً منسجماً مع طبيعة المنطقة وإرثها التاريخي وبعيداً عن الحساسيات، في الوقت الذي لا تفرض فيه تركيا نفسها بالقوة على المنطقة، وتقدم في الوقت نفسه نموذجاً مغايراً عن النموذج الصدامي، الانتهازي الابتزازي الذي تقدمه إيران، متفاعلة مع المحيط العربي (سواء في الخليج العربي أو الشام) ومبتعدة عما من شأنه أن يثير الحساسيات، كأن تقدم نفسها ممثلاً مذهبياً أو عنصراً متفوقاً تاريخياً أو قومياً أو عبر فرض نفسها كقائد ميداني.
ولقد سبق أن مهدت لكل ذلك بإبداء حسن النية من خلال إنهاء كافة المشكلات الحدودية الكبرى التي كانت عالقة بينها وبين العرب خاصة سوريا والعراق، ومن ثم عرضت رؤيتها الإقليمية واستعدادها للانفتاح على الجميع وتقديم المساعدة الممكنة عبر زيارات مكوكية ثنائية شملت الجانبين العربي (مصر، سوريا، العراق، الأردن، السعودية، قطر، والبحرين) والتركي. لذلك يمكن الاعتماد على تركيا التي كانت تاريخياً حامية لتخوم البلاد الإسلامية، وبالتالي يمكنها أن تعيد تقديم نفسها هذه المرة من باب الاعتدال الإسلامي الذي يقي من شر النفوذ الإيراني.
2- حل المشكلات والأزمات الإقليمية: يمكن لدول المجلس الاعتماد على تركيا في هذا السياق، خاصة أن صعودها إقليمياً لم يأت نتيجة صفقات أو مساومات أو ابتزاز، كما لم يأت على حساب أحد، وهي وإن كانت قادرة على استغلال حاجة أمريكا وحلف شمال الأطلسي إليها خاصة سابقاً أثناء حرب أفغانستان والعراق، أو لاحقاً، إلا أنها لم تفعل، على عكس اللاعب الإيراني الذي من المؤكد أنه سيسعى إلى عقد صفقة على حساب هذه الدول في حال تم تأمين مصالحه الخاصة مع أمريكا أو إسرائيل.
ومن هذا المنطلق، فإن علاقات تركيا مع جميع الفاعلين المحليين، الإقليميين والعالميين، سيكون مفيداً جداً لدول المجلس، وقد شهدنا وما زلنا نشهد تفاعلات هذا الدور في أكثر من بلد سواء عبر الوساطة التي تقوم بها في المفاوضات بين سوريا وإسرائيل، أو عبر الوساطة التي سبق واقترحتها بشأن لبنان أو تلك المتعلقة بالشأن الفلسطيني أو حتى بخصوص الأزمة النووية الإيرانية.
التعاون التركي- الخليجي اقتصادياً
وفي هذا الإطار يبدو أن فرص تعزيز التعاون الاقتصادي كبيرة على أكثر من صعيد:
1- على الصعيد الاستثماري: بلغ حجم الاستثمارات الأجنبية المباشرة في تركيا للعام 2007 حوالي 22 مليار دولار بعدما صعدت بشكل دراماتيكي بعد استلام حزب العدالة والتنمية الحكم وذلك من 1.1 مليار دولار عام 2002 إلى 10 مليارات دولار عام 2005، تبعه ارتفاع عدد الشركات الأجنبية المشاركة من 5400 شركة عام 2002 إلى 18300 عام 2007، وهو ما يشير إلى أن تركيا أصبحت تشكل أرضاً خصبة للاستثمار، ومهيأة لجذب أعلى قدر ممكن منها، وعلى دول المجلس الاستفادة من هذه البيئة الاستثمارية وضخ أموالهم وفائض عائداتهم النفطية وتوجيهها إليها، لاسيما أن حجم الاستثمارات العربية والخليجية في تركيا يعد متواضعاً قياساً بحجم الاستثمارات الأجنبية فيها من جهة وقياساً أيضاً بالعوائد النفطية التي تتدفق إلى دول المجلس واستثمارات الخليج في الخارج من جهة أخرى. ولذلك يمكن لتركيا أن تكون منفذاً آمناً لاستثمارات العوائد النفطية.
2- على الصعيد التجاري: بلغ حجم التجارة الخارجية التركية عام 2007 حوالي 280 مليار دولار بواقع 110 مليارات دولار صادرات و 170 مليار دولار واردات، مما يعني أنها تعد لاعباً أساسياً في التجارة العالمية مع سعيها لأن يبلغ حجم التجارة الخارجية لها نصف تريليون دولار في عام 2023م، وهي أرقام ضخمة جدا إذا ما قورنت بحصة دول مجلس التعاون فيها والبالغة أقل من 2.7 في المائة من حجمها، ما يعني بطبيعة الحال ضرورة رفع نسبة التبادل التجاري بين الطرفين وإزالة كل العوائق التي من شأنها أن تحد من ارتفاع حجمها مستقبلاً.
3- على الصعيد الصناعي: تعد تركيا ثاني أكبر منتج لصفائح الزجاج في العالم وسادس أكبر منتج للأسمنت وسادس أكبر منتج للألبسة الجاهزة، وتشكل صادراتها الصناعية نحو 89 في المائة من مجمل الصادرات، فيما يساهم القطاع الصناعي فيها بنحو 25 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي ويشمل صناعات مثل الأسمنت والصلب والحديد والبتروكيماويات وصناعات أخرى تضم الإلكترونيات والأسلحة والسيارات وغيرها. ومعلوم كم هي حاجة دول مجلس التعاون الخليجي الشديدة إلى مواد البناء التي تنتجها تركيا بمختلف أنواعها، خاصة في ظل الطفرة العمرانية التي تشهدها منطقة الخليج مما يمكن أن يشكل مصدراً مهماً للتعاون بين الطرفين، كما يمكن لهذه الدول الاستعانة بخبرة متعهدي الإنشاءات الأتراك ذوي السمعة العالمية بعد إتمامهم أكثر من 3 آلاف مشروع بمستويات عالمية في أكثر من 70 دولة، وخاصة أن هناك 22 شركة تعهدات في صدارة لائحة المتعهدين العالميين، حيث تحتل تركيا المرتبة الثالثة أيضاً في ترتيب القائمة بعد كل من الولايات المتحدة والصين.
4- على الصعيد السياحي: تحتل تركيا موقعاً ضمن قائمة أفضل 10 وجهات سياحية في العالم، ويفوق الطلب على السياحة التركية أكثر من مستوى الطلب عليه في السياحة العالمية. فقد شهد عدد السياح القادمين إلى تركيا خلال الفترة (1980-2005) زيادة بمعدل 17.5 ضعف والدخل السياحي بمعدل 5.5 ضعف. ويلعب القطاع السياحي دوراً مهماً في الاقتصاد التركي، حيث حقق هذا القطاع دخلاً في عام 2006 بلغت قيمته عشرين مليار دولار أنفقها نحو 21 مليون سائح (5 في المائة منهم عرب)، مع وجود خطط لرفع عدد السياح إلى ثلاثين مليوناً عام 2010 مع تحقيق دخل سياحي بمقدار 30 مليار دولار أمريكي عام 2010. ولا شك في أن الاتفاق مع دول الخليج سيجعل من تركيا بوابة سياحية مفضلة لديهم تجمع آسيا بأوروبا عبر اسطنبول.
5- على الصعيد الزراعي: يعد الاكتفاء الغذائي لتركيا من بين الأعلى عالمياً، ويعمل حوالي نصف القوى العاملة فيها بالقطاع الزراعي، وتمتلك كل المقومات الزراعية والمائية اللازمة لتكون قادرة على توفير الغذاء ليس منطقة الخليج فحسب وإنما للشرق الأوسط بأكمله، مما يشكل فرصة مناسبة لدول المجلس التي تعاني فجوة غذائية بلغت قيمتها عام 2006 حوالي 12.2 مليار دولار، والتي لا تزال تبحث عن أماكن لتوفير غذائها منه عبر الاستيراد مباشرة أو عبر الزراعة فيها وحصد المزروعات.
ولذلك يمكن لدول مجلس التعاون الاستفادة من الخطة التي أعلنتها تركيا بعنوان (مركز الإنتاج الزراعي وسلة الغذاء في الشرق الأوسط)، والتي تتطلب استثمارات تبلغ 12 مليار دولار على مدى أربع سنوات تسعى عبرها إلى تحويل منطقة جنوب شرق الأناضول إلى مركز لإنتاج وتوزيع المحاصيل الزراعية والغذاء على كافة بلدان المنطقة، وذلك عبر ريّ نحو ملياري هكتار من الأراضي القابلة للزراعة وتطوير الصناعات الغذائية فيها.

التعاون التركي-الخليجي عسكرياً
سيكون من المفيد جداً فتح باب التعاون بين الطرفين في المجال العسكري، حيث إن لدى تركيا صناعتها الدفاعية الخاصة لتحقيق الاكتفاء الذاتي، بعيداً عن تحكم الدول التي تفرض قيوداً على صادراتها العسكرية والتكنولوجية، وهي تسعى أيضاً إلى الدخول في مشاريع إنتاج أسلحة وأنظمة تسلح مشتركة وذلك بالحصول على تراخيص إنتاج من بلد المنشأ، الأمر الذي يسمح بانتقال التكنولوجيا العالية إليها، والذي يمكّن دول الخليج في مرحلة من المراحل من الاستفادة من التجربة التركية الصاعدة في هذا المجال.
وعلى الصعيد النووي، فإن تركيا متقدمة بأشواط في هذا المجال، وتتجه حالياً لتنفيذ مشاريع إقامة المفاعلات النووية لأغراض الطاقة السلمية بعد أن كانت قد أنجزت منذ زمن بعيد كافة الدراسات المتعلقة بها، واختارت مدينة (سينوب) على البحر الأسود موقعاً لإقامة أول مفاعلاتها النووية من بين ثلاثة مفاعلات نووية تسعى إلى إقامتها. ولذلك باستطاعة دول المجلس التي تشهد طلباً متصاعداً على الطاقة الكهربائية الاعتماد على التجربة التركية في هذا المجال، وإطلاق المشاريع النووية السلمية لتأمين احتياجات المنطقة من الطاقة الكهربائية خاصة أنها قد بدأت بالفعل الشروع بأولى الخطوات المطلوبة.
وقعت دول مجلس التعاون مذكرة تفاهم مع تركيا تمهيداً لعلاقات استراتيجية على كافة الصعد
مشاريع استراتيجية ثنائية تركية-خليجية
في خطط الأجندات المشتركة بين الطرفين، مشروعان من أهم المشاريع الإقليمية الاستراتيجية على الإطلاق، وإذا ما تم تنفيذ هذين المشروعين وترجمتهما عملياً على أرض الواقع، فمن المؤكد أن العلاقات الثنائية ستكتسب طابع الديمومة على كافة المستويات بحيث يصبح الربط عضوياً، ويؤسس لتشكيل نواة اقتصادية وسياسية إقليمية ذات طابع ومستوى دولي.
1- مشروع سكة حديد تربط الخليج العربي بتركيا: وهو مشروع يعيد إلى الأذهان مشروع سكة الحجاز الذي حققه السلطان عبدالحميد الثاني كأضخم مشروع إقليمي في ذلك العصر. وقد طرح المشروع الجديد ملك البحرين حمد بن عيسى آل خليفة في زيارته الأخيرة إلى تركيا في أغسطس الماضي بعد قرن كامل بالتمام والكمال على تسيير أول قطار على خط سكة حديد الحجاز، مما قد يشكل في حال إنجازه المنطلق الرئيسي لبنة أساسية متطورة للتبادل التجاري خاصة مع ارتفاع تكلفة الوقود للنقل بوسائل النقل التقليدية الحالية والتي تعد باهظة فى الوقت الحاضر، والأهم من ذلك أنه سيشكل مرتكزاً للتكامل الاقتصادي والسياسي والتفاعل الحضاري على كافة المستويات بين العرب وتركيا، خاصة أن المشروع قد يمر بالعراق ليصل إلى الخليج أو عبر سوريا والأردن لتحقيق الهدف نفسه، كما أنه سيربط الخليج بأوروبا عبر تركيا بحيث يكون قادراً على نقل المواطن الخليجي من بلده إلى باريس في غضون ساعات. ويبدو أن كل الظروف مهيأة لإتمام مثل هذا المشروع الحلم وإعادته من التاريخ إلى الواقع اليوم في ظل وجود أسس تنفيذية للمشروع تتمثل في وضع الأطر التمويلية اللازمة والتي كانت دول مجلس التعاون الخليجي قد وضعتها أثناء توقيع اتفاقية إطارية لإقامة منطقة تجارة حرة مع تركيا فى مايو الماضي، ويجري العمل على متابعتها العام المقبل.
2- مشروع النفط مقابل المياه: دول الخليج العربية غنية بالنفط إلى أقصى الحدود لكنها فقيرة بالموارد المائية، فيما تعد تركيا فقيرة بالنفط إلى أبعد الحدود غنية بالموارد المائية. هذه المعطيات مصحوبة بواقع استيراد تركيا لأكثر من 95 في المائة من حاجاتها النفطية من الخارج والمقدرة بنحو 20 مليار دولار، في الوقت الذي تمثل مياه البحر المحلاة أكثر من 75 في المائة من المياه المستخدمة في دول الخليج العربية بكمية تصل إلى 1.85 مليار متر مكعب، أي حوالي 90 في المائة من إجمالي إنتاج المنطقة العربية من المياه المحلاة، تجعل التكامل النفطي-المائي بينهما أمراً حيوياً ليس على صعيد الفوائد الاقتصادية التي سيجنيها الطرفان فحسب، ولا على صعيد تعزيز العلاقات السياسية أيضاً فقط، وإنما على صعيد حماية وتعزيز مفهوم الأمن القومي عند الطرفين الذي يندرج تحته الأمن المائي الخليجي وأمن الطاقة التركي.
الاقتصاد التركي أصبح في السنوات القليلة الماضية الاقتصاد الأكبر إسلامياً محتلاً المركز الـ 15 عالمياً
ويمكن من خلال هذا المشروع أن تستفيد دول المجلس من مخطط مشروع (أنابيب السلام) التركي المؤلف من خطين يفترض أن يتجه أحدهما إلى منطقة الخليج العربي، وآخر إلى الساحل الشرقي للبحر الأحمر، موازياً سلسلة جبال عسير في المملكة، ويقدم المشروع في خطيه لدول المجلس ما مجموعه أربعة ملايين متر مكعب من المياه يومياً يقدم منها الخط الغربي مليوناً ونصف المليون متر مكعب لمدن غرب المملكة، ويقوم الخط الشرقي بتوزيع مليونين ونصف المليون متر مكعب على المناطق المتاخمة لشاطئ الخليج العربي في السعودية والكويت والإمارات والبحرين وقطر وسلطنة عمان.
باختصار، تعد تركيا رقماً صعباً وفاعلاً في المنطقة، وسيكون من الإنصاف القول إن الاتفاقية التي عقدتها دول المجلس مع تركيا هي الخطوة الأهم لها منذ عقود، وقد أحسن مجلس التعاون الخليجي الخيار هذه المرة بعقد اتفاقية على هذا المستوى العالي بحيث تمهد لعلاقات استراتيجية طويلة المدى على كافة الصعد السياسية والاقتصادية والثقافية والعسكرية.
::/fulltext::
::cck::1828::/cck::
