تطوير القطاعات غير النفطية.. طريق دبي نحو القرن الحادي والعشرين

::cck::1628::/cck::
::introtext::

لم يأت نجاح إمارة دبي في بناء اقتصاد صناعي يعتمد على القطاعات غير النفطية من فراغ، بل مهدت له عوامل متعددة بعضها داخلي وبعضها الآخر إقليمي ودولي، وكلها تفاعلت لتجعل من التجربة نموذجاً يستحق التأمل والتقييم لإيجابياته وسلبياته وفاعليته في بناء اقتصاد غير نفطي قادر على النمو والتطور الذاتي بعيداً عن اضطراب حركة أسعار النفط وربما نضوبه في نهاية الأمر.

::/introtext::
::fulltext::

لم يأت نجاح إمارة دبي في بناء اقتصاد صناعي يعتمد على القطاعات غير النفطية من فراغ، بل مهدت له عوامل متعددة بعضها داخلي وبعضها الآخر إقليمي ودولي، وكلها تفاعلت لتجعل من التجربة نموذجاً يستحق التأمل والتقييم لإيجابياته وسلبياته وفاعليته في بناء اقتصاد غير نفطي قادر على النمو والتطور الذاتي بعيداً عن اضطراب حركة أسعار النفط وربما نضوبه في نهاية الأمر.

على الرغم من الثراء الذي توفره الموارد النفطية لإمارة دبي خاصة أن النفط يعيش واحدة من أزهى فتراته سواء على صعيد المستويات السعرية أو على صعيد المشروعات العملاقة التي تنفذها الحكومة في الصناعات ذات الصلة بهذا القطاع، إلا أن الإمارة بدأت مبكراً في تطوير القطاعات غير النفطية وبالذات قطاعا الصناعة والخدمات المالية والتجارية والسياحية في إطار سعيها للتحول لمركز إقليمي لتجارة الترانزيت، وهو ما استدعى تطويراً هائلاً للبنية الأساسية، واستقطاباً لأصحاب المهارات اللازمة من دول العالم المختلفة. وبالفعل حققت إمارة دبي نجاحاً ملحوظاً في رفع معدل إنتاج القطاعات غير النفطية، بشكل أدى إلى تقليص نسبة مساهمة قطاع النفط في دخل الإمارة إلى حوالي أربعة في المائة فقط.

ويعتبر الموقع الاستراتيجي للإمارة من أهم العوامل التي ساعدت على تقليص اعتمادها على القطاع النفطي. حيث تقع دبي في منطقة توقيت زمني مناسب بين الشرق الأقصى وأوروبا على محور الشرق والغرب ودول الكومنولث المستقلة وإفريقيا على محور الشمال والجنوب، مما جعلها أكبر مركز إقليمي للتجارة المحولة (الترانزيت) في المنطقة العربية ودول الجوار الجغرافي، وهو السبب الرئيسي في ضخامة حجم التجارة الخارجية للإمارة والنمو السريع لهذه التجارة بمعزل عن حركة التجارة النفطية.

هذا الموقع الاستراتيجي الحيوي الذي تتمتع به دبي تلاقح مع وجود إدارة اقتصادية فعالة انتهجت منذ البداية مفهوم الاقتصاد الحر وعدم تدخل الحكومة في آلية عمل قطاع التجارة والأعمال، إذ تدار الدوائر الحكومية بعقلية شركات القطاع الخاص، وتكاد تختفي تماماً أفكار مثل البيروقراطية والروتين والتعقيد الإداري في العمل الحكومي، وقد تزامن ذلك مع تولي جيل جديد من الحكام السلطة في أبوظبي ودبي عام 2006، مما وفر دفعة جديدة لاستراتيجية التنوع الاقتصادي، رافقها تركيز أكبر على مفاهيم الفاعلية والشفافية والتكامل على مستوى الاتحاد الإماراتي بأكمله. وفي هذا السياق طرح صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي برنامجاً مدته ثلاث سنوات لإعادة هيكلة الحكومة بهدف تعزيز إنتاجية الحكومة بما يضمن تحسين نوعية الخدمات الحكومية المقدمة للسكان والزائرين على حد سواء، وفي الوقت ذاته توسيع القاعدة الاقتصادية للبلاد وتدعيم دور القطاع الخاص.

بهذا المعنى يمكن القول إن العقلية الاقتصادية تطورت مع قدوم الحكام الجدد، باتجاه تقليص فجوة الدخل ما بين الإمارات السبع عن طريق تطوير هذه الإمارات وفق (نموذج دبي)، حتى إن أبوظبي التي تعد أغنى إمارة وبفارق كبير عن جاراتها وضعت خططاً لتطوير جزرها كوجهات سكنية وسياحية، ولإنشاء صناعات ترتكز بشكل كبير على التكنولوجيا والطاقة، منها على سبيل المثال إنشاء أكبر مصنع في العالم لتصنيع الألمنيوم، إلى جانب تطوير القطاعات ذات المحتوى التكنولوجي المرتفع كأجزاء المركبات الفضائية، وحديثاً ولوجها في عالم الطاقة المتجددة.

يعد الموقع الاستراتيجي للإمارة من أهم العوامل التي ساعدت على تقليص اعتمادها على القطاع النفطي

فضلاً عن ذلك، فإن من أهم عوامل نجاح تجربة دبي هو انتباهها مبكراً إلى أن ثروتها النفطية محدودة قياساً بإمارة أبوظبي، وهو ما دفعها إلى وضع خطة استراتيجية تنموية عرفت بـ (طريق دبي نحو القرن الحادي والعشرين) والتي ترسم تطورات ورؤية دبي في عام 2030، وتستهدف وضع الخطط بحيث تتماشى مع أهداف الإمارة الرامية إلى تنويع مصادر الدخل، وبالتالي تقليص الاعتماد على النفط واستغلال مصادر القوة في الاقتصاد، ولذلك فإن التصور المستقبلي الذي تم وضعه للإمارة هو الوصول إلى مستويات الاقتصاديات المتقدمة اعتماداً على القطاعات الاقتصادية غير النفطية وذلك بحلول عام 2010 وتحقيق دخل سنوي للفرد يقدر بحوالي 19650 دولاراً يكون ناتجاً بصورة أساسية من القطاعات الاقتصادية غير النفطية.

خياران للتنمية

وضمن سيناريوهات التنمية المقترحة تمت دراسة خيارين للتنمية: الأول، يرتكز على استراتيجية التنمية القطاعية السائدة والتي تعتمد بشكل رئيسي على قطاعات التجارة والنقل والسياحة، بينما يلعب قطاع الصناعة دوراً ثانوياً. والثاني، يولي اهتماماً كبيراً لقطاعات التجارة والنقل والسياحة، لكنه في الوقت ذاته يعطي الأولوية للقطاع الصناعي وخاصة الصناعات التحويلية والخدمات. ويتميز كلا الخيارين بتحقيق معدل نمو سنوي قدره 5 في المائة في الناتج المحلي الإجمالي، إلا أن الخيار الأول يتطلب أيدي عاملة أكبر، في حين يتطلب الخيار الثاني استثمارات رأسمالية أكثر من 44.5 مليار درهم، ويعد هذا الخيار هو المفضل وتم تبنيه كهدف للخطة.

وانطلاقاً من ذلك، عملت إمارة دبي على إقامة المناطق الحرة لجذب رؤوس الأموال الأجنبية، وتمتلك دبي أشهر منطقة حرة في المنطقة هي (جبل علي)التي تضم أكثر من 1500 شركة معظمها شركات عالمية في مجال الكمبيوتر والصناعة والأغذية والملابس، ويتجاوز حجم استثماراتها ثلاثة مليارات ونصف المليار دولار، وهناك منطقة حرة أخرى ملحقة بمطار دبي متخصصة في جذب المشاريع التكنولوجية، ومؤخراً أطلقت دبي أول منطقة حرة للإنترنت وتكنولوجيا المعلومات.

وقد توسع ميناء جبل علي ليشمل 67 مرسى للسفن، بالإضافة إلى 35 مرسى في ميناء راشد. وفي عام 1992 كانت موانئ دبي تحتل المرتبة 16 بين أكبر موانئ الحاويات في العالم. كما تعتبر قرية الشحن الجوي في دبي أكبر مجمع للشحن الجوي في المنطقة العربية ودول الجوار الجغرافي لها، بطاقة بلغت نحو نصف مليون طن سنوياً، وتشير التقديرات إلى أنها ستبلغ نحو مليون طن في نهاية العقد الحالي.

إضافة إلى ذلك، قامت دبي بتطوير قطاعها الصناعي، وكانت البداية الكبيرة هي تأسيس (شركة دبي للألمنيوم) عام 1979. ومع تحويل منطقة جبل علي إلى منطقة تجارة وصناعة حرة عام 1980، بدأت المصانع تتأسس تباعاً، فتم إنشاء مصنع لحمض الفوسفوريك بتكلفة بلغت 85 مليون دولار بطاقة قصوى 500 طن متري يومياً. وفي منتصف عام 1994 كانت هناك 360 شركة أنشأت مشروعات في المنطقة الحرة في جبل علي، وارتفعت بعد ذلك إلى 735 شركة كبيرة تنتمي إلى مستثمرين من 70 دولة. كما شاركت الدولة والمواطنون في إقامة مشروعات جديدة مثل (شركة دبي الوطنية للأسمنت) وشركات أخرى لإنتاج المنسوجات والملابس الجاهزة وتكرير السكر وإنتاج الدقيق.

وحقق قطاع الصناعات التحويلية مكاسب كبرى في صناعة وتصدير قوالب الألمنيوم والمنتجات المعدنية المصنعة والأقمشة والملابس الجاهزة والذهب والمجوهرات والأغذية الجاهزة والبضائع الإلكترونية والبترول المصفى والمنتجات الكيميائية والمعدنية.

وإدراكاً منها لأهمية تهيئة المناخ الاستثماري لجذب المزيد من رأس المال الأجنبي، حرصت الحكومة على توفير المزيد من أجواء الثقة لدى المستثمرين، ولم تتردد في إلغاء قوانين وقرارات تتخذها بين فترة وأخرى إذا ما وجدت أن نتائجها لم تكن مرضية لتطور اقتصاد الإمارة. وتمكنت دبي بفضل ذلك من امتلاك أحد أفضل مرافق البنى التحتية في العالم، وهو ما ساهم بدرجة كبيرة في تحقيق ازدهارها المستمر واجتذابها للشركات الدولية.

تعتبر قرية الشحن الجوي في دبي أكبر مجمع للشحن الجوي في المنطقة العربية ودول الجوار

ولم تنس دبي ضرورة التنسيق في مجالات التنمية مع الإمارات الأخرى وعلى رأسها أبوظبي، فعلى سبيل المثال، هنالك عدد من الشركات من أبوظبي ودبي تعمل معا لتطوير أكبر مصنع ألمنيوم في العالم بتكلفة تصل إلى 6 مليارات دولار، كما شهد عام 2006 فوز منشأة ترعاها حكومة دبي بعقد قيمته مليارا دولار لإدارة ميناء خليفة الجديد في أبوظبي الذي سيدخل مرحلة التشغيل في عام 2012. وهذه الصفقات ينظر إليها على أنها خطوات ملموسة نحو تعاون أكبر بين الإمارتين.     

تحديات متعددة

رغم ذلك، فإن ثمة تحديات عديدة تقف في مواجهة تجربة دبي، فتزايد عدد المشاريع ذات الطبيعة المتشابهة يثير مخاوف من احتمال حدوث فائض في إنتاج هذه المشاريع مما سيؤدي بالضرورة إلى زيادة درجة المنافسة بين الإمارات المختلفة، فضلاً عن أن الحفاظ على استمرارية بعض أوجه النموذج الاقتصادي المتبع يفرض ضرورة تدفق العمالة الوافدة والاستثمارات الأجنبية إلى البلاد، بما فيها العمالة الرخيصة غير الماهرة، وتطوير قاعدة المهارات في بعض القطاعات المستهدفة. وهذا لا يتطلب فقط توفر بيئة أعمال مفتوحة، بل أيضاً المحافظة على المقومات التي جعلت من دولة الإمارات مكاناً جاذباً للوافدين وبمقدورهم تحمل نفقات المعيشة في هذه الدولة. وبهذا الخصوص، يلاحظ أن ثمة بعض المخاطر التي تكتنف مقدرة الوافدين على توفير تكاليف المعيشة نتيجة لارتفاع الأسعار. ويبدو أن السقوف التي تم فرضها على معدل ارتفاع الأسعار والإيجارات حققت نجاحاً محدوداً في كبح جماح التضخم. وفي حال لم يتم تبني إجراءات هيكلية في جانب العرض، فإن التضخم المرتفع قد يترسخ مع مرور الأيام في توقعات المقيمين، الأمر الذي يصعب من مهمة اجتثاثه من الاقتصاد. إضافة إلى ذلك، تبقى هنالك حزمة من المخاوف المحيطة بتطلعات الأداء الاقتصادي الكلي، كحدوث تباطؤ في نمو الاقتصاد العالمي يؤدي إلى تراجع حاد في أسعار النفط، ناهيك عن تداعيات التوترات السياسية التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط مثل حالة عدم الاستقرار في العراق وأزمة الملف النووي الإيراني. ومن المخاطر المهمة أيضاً أثر الارتفاع السريع في مديونية الشركات، حيث إن مستوى الدين المحلي باستثناء القروض الحكومية والاستهلاكية قد ارتفع بنحو 38 في المائة في عام 2006، وذلك في أعقاب نمو بلغت نسبته 48 في المائة و24 في المائة خلال عامي (2004 – 2005) على التوالي، إلى جانب تصاعده بما نسبته 11 في المائة خلال النصف الأول من عام 2007. وهذا التنامي في حجم المديونية الداخلية يستوجب المتابعة عن كثب مع إيلاء الأهمية لحوكمة الشركات وأنظمة إدارة المخاطر لديها. وفي الوقت ذاته، هنالك خطورة تتعلق بدرجة ثقة المستثمرين والشركات في حال حدوث كساد في سوق العقار.

 

::/fulltext::

oil1-3b7
Getting your Trinity Audio player ready...

::cck::1628::/cck::
::introtext::

لم يأت نجاح إمارة دبي في بناء اقتصاد صناعي يعتمد على القطاعات غير النفطية من فراغ، بل مهدت له عوامل متعددة بعضها داخلي وبعضها الآخر إقليمي ودولي، وكلها تفاعلت لتجعل من التجربة نموذجاً يستحق التأمل والتقييم لإيجابياته وسلبياته وفاعليته في بناء اقتصاد غير نفطي قادر على النمو والتطور الذاتي بعيداً عن اضطراب حركة أسعار النفط وربما نضوبه في نهاية الأمر.

::/introtext::
::fulltext::

لم يأت نجاح إمارة دبي في بناء اقتصاد صناعي يعتمد على القطاعات غير النفطية من فراغ، بل مهدت له عوامل متعددة بعضها داخلي وبعضها الآخر إقليمي ودولي، وكلها تفاعلت لتجعل من التجربة نموذجاً يستحق التأمل والتقييم لإيجابياته وسلبياته وفاعليته في بناء اقتصاد غير نفطي قادر على النمو والتطور الذاتي بعيداً عن اضطراب حركة أسعار النفط وربما نضوبه في نهاية الأمر.

على الرغم من الثراء الذي توفره الموارد النفطية لإمارة دبي خاصة أن النفط يعيش واحدة من أزهى فتراته سواء على صعيد المستويات السعرية أو على صعيد المشروعات العملاقة التي تنفذها الحكومة في الصناعات ذات الصلة بهذا القطاع، إلا أن الإمارة بدأت مبكراً في تطوير القطاعات غير النفطية وبالذات قطاعا الصناعة والخدمات المالية والتجارية والسياحية في إطار سعيها للتحول لمركز إقليمي لتجارة الترانزيت، وهو ما استدعى تطويراً هائلاً للبنية الأساسية، واستقطاباً لأصحاب المهارات اللازمة من دول العالم المختلفة. وبالفعل حققت إمارة دبي نجاحاً ملحوظاً في رفع معدل إنتاج القطاعات غير النفطية، بشكل أدى إلى تقليص نسبة مساهمة قطاع النفط في دخل الإمارة إلى حوالي أربعة في المائة فقط.

ويعتبر الموقع الاستراتيجي للإمارة من أهم العوامل التي ساعدت على تقليص اعتمادها على القطاع النفطي. حيث تقع دبي في منطقة توقيت زمني مناسب بين الشرق الأقصى وأوروبا على محور الشرق والغرب ودول الكومنولث المستقلة وإفريقيا على محور الشمال والجنوب، مما جعلها أكبر مركز إقليمي للتجارة المحولة (الترانزيت) في المنطقة العربية ودول الجوار الجغرافي، وهو السبب الرئيسي في ضخامة حجم التجارة الخارجية للإمارة والنمو السريع لهذه التجارة بمعزل عن حركة التجارة النفطية.

هذا الموقع الاستراتيجي الحيوي الذي تتمتع به دبي تلاقح مع وجود إدارة اقتصادية فعالة انتهجت منذ البداية مفهوم الاقتصاد الحر وعدم تدخل الحكومة في آلية عمل قطاع التجارة والأعمال، إذ تدار الدوائر الحكومية بعقلية شركات القطاع الخاص، وتكاد تختفي تماماً أفكار مثل البيروقراطية والروتين والتعقيد الإداري في العمل الحكومي، وقد تزامن ذلك مع تولي جيل جديد من الحكام السلطة في أبوظبي ودبي عام 2006، مما وفر دفعة جديدة لاستراتيجية التنوع الاقتصادي، رافقها تركيز أكبر على مفاهيم الفاعلية والشفافية والتكامل على مستوى الاتحاد الإماراتي بأكمله. وفي هذا السياق طرح صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي برنامجاً مدته ثلاث سنوات لإعادة هيكلة الحكومة بهدف تعزيز إنتاجية الحكومة بما يضمن تحسين نوعية الخدمات الحكومية المقدمة للسكان والزائرين على حد سواء، وفي الوقت ذاته توسيع القاعدة الاقتصادية للبلاد وتدعيم دور القطاع الخاص.

بهذا المعنى يمكن القول إن العقلية الاقتصادية تطورت مع قدوم الحكام الجدد، باتجاه تقليص فجوة الدخل ما بين الإمارات السبع عن طريق تطوير هذه الإمارات وفق (نموذج دبي)، حتى إن أبوظبي التي تعد أغنى إمارة وبفارق كبير عن جاراتها وضعت خططاً لتطوير جزرها كوجهات سكنية وسياحية، ولإنشاء صناعات ترتكز بشكل كبير على التكنولوجيا والطاقة، منها على سبيل المثال إنشاء أكبر مصنع في العالم لتصنيع الألمنيوم، إلى جانب تطوير القطاعات ذات المحتوى التكنولوجي المرتفع كأجزاء المركبات الفضائية، وحديثاً ولوجها في عالم الطاقة المتجددة.

يعد الموقع الاستراتيجي للإمارة من أهم العوامل التي ساعدت على تقليص اعتمادها على القطاع النفطي

فضلاً عن ذلك، فإن من أهم عوامل نجاح تجربة دبي هو انتباهها مبكراً إلى أن ثروتها النفطية محدودة قياساً بإمارة أبوظبي، وهو ما دفعها إلى وضع خطة استراتيجية تنموية عرفت بـ (طريق دبي نحو القرن الحادي والعشرين) والتي ترسم تطورات ورؤية دبي في عام 2030، وتستهدف وضع الخطط بحيث تتماشى مع أهداف الإمارة الرامية إلى تنويع مصادر الدخل، وبالتالي تقليص الاعتماد على النفط واستغلال مصادر القوة في الاقتصاد، ولذلك فإن التصور المستقبلي الذي تم وضعه للإمارة هو الوصول إلى مستويات الاقتصاديات المتقدمة اعتماداً على القطاعات الاقتصادية غير النفطية وذلك بحلول عام 2010 وتحقيق دخل سنوي للفرد يقدر بحوالي 19650 دولاراً يكون ناتجاً بصورة أساسية من القطاعات الاقتصادية غير النفطية.

خياران للتنمية

وضمن سيناريوهات التنمية المقترحة تمت دراسة خيارين للتنمية: الأول، يرتكز على استراتيجية التنمية القطاعية السائدة والتي تعتمد بشكل رئيسي على قطاعات التجارة والنقل والسياحة، بينما يلعب قطاع الصناعة دوراً ثانوياً. والثاني، يولي اهتماماً كبيراً لقطاعات التجارة والنقل والسياحة، لكنه في الوقت ذاته يعطي الأولوية للقطاع الصناعي وخاصة الصناعات التحويلية والخدمات. ويتميز كلا الخيارين بتحقيق معدل نمو سنوي قدره 5 في المائة في الناتج المحلي الإجمالي، إلا أن الخيار الأول يتطلب أيدي عاملة أكبر، في حين يتطلب الخيار الثاني استثمارات رأسمالية أكثر من 44.5 مليار درهم، ويعد هذا الخيار هو المفضل وتم تبنيه كهدف للخطة.

وانطلاقاً من ذلك، عملت إمارة دبي على إقامة المناطق الحرة لجذب رؤوس الأموال الأجنبية، وتمتلك دبي أشهر منطقة حرة في المنطقة هي (جبل علي)التي تضم أكثر من 1500 شركة معظمها شركات عالمية في مجال الكمبيوتر والصناعة والأغذية والملابس، ويتجاوز حجم استثماراتها ثلاثة مليارات ونصف المليار دولار، وهناك منطقة حرة أخرى ملحقة بمطار دبي متخصصة في جذب المشاريع التكنولوجية، ومؤخراً أطلقت دبي أول منطقة حرة للإنترنت وتكنولوجيا المعلومات.

وقد توسع ميناء جبل علي ليشمل 67 مرسى للسفن، بالإضافة إلى 35 مرسى في ميناء راشد. وفي عام 1992 كانت موانئ دبي تحتل المرتبة 16 بين أكبر موانئ الحاويات في العالم. كما تعتبر قرية الشحن الجوي في دبي أكبر مجمع للشحن الجوي في المنطقة العربية ودول الجوار الجغرافي لها، بطاقة بلغت نحو نصف مليون طن سنوياً، وتشير التقديرات إلى أنها ستبلغ نحو مليون طن في نهاية العقد الحالي.

إضافة إلى ذلك، قامت دبي بتطوير قطاعها الصناعي، وكانت البداية الكبيرة هي تأسيس (شركة دبي للألمنيوم) عام 1979. ومع تحويل منطقة جبل علي إلى منطقة تجارة وصناعة حرة عام 1980، بدأت المصانع تتأسس تباعاً، فتم إنشاء مصنع لحمض الفوسفوريك بتكلفة بلغت 85 مليون دولار بطاقة قصوى 500 طن متري يومياً. وفي منتصف عام 1994 كانت هناك 360 شركة أنشأت مشروعات في المنطقة الحرة في جبل علي، وارتفعت بعد ذلك إلى 735 شركة كبيرة تنتمي إلى مستثمرين من 70 دولة. كما شاركت الدولة والمواطنون في إقامة مشروعات جديدة مثل (شركة دبي الوطنية للأسمنت) وشركات أخرى لإنتاج المنسوجات والملابس الجاهزة وتكرير السكر وإنتاج الدقيق.

وحقق قطاع الصناعات التحويلية مكاسب كبرى في صناعة وتصدير قوالب الألمنيوم والمنتجات المعدنية المصنعة والأقمشة والملابس الجاهزة والذهب والمجوهرات والأغذية الجاهزة والبضائع الإلكترونية والبترول المصفى والمنتجات الكيميائية والمعدنية.

وإدراكاً منها لأهمية تهيئة المناخ الاستثماري لجذب المزيد من رأس المال الأجنبي، حرصت الحكومة على توفير المزيد من أجواء الثقة لدى المستثمرين، ولم تتردد في إلغاء قوانين وقرارات تتخذها بين فترة وأخرى إذا ما وجدت أن نتائجها لم تكن مرضية لتطور اقتصاد الإمارة. وتمكنت دبي بفضل ذلك من امتلاك أحد أفضل مرافق البنى التحتية في العالم، وهو ما ساهم بدرجة كبيرة في تحقيق ازدهارها المستمر واجتذابها للشركات الدولية.

تعتبر قرية الشحن الجوي في دبي أكبر مجمع للشحن الجوي في المنطقة العربية ودول الجوار

ولم تنس دبي ضرورة التنسيق في مجالات التنمية مع الإمارات الأخرى وعلى رأسها أبوظبي، فعلى سبيل المثال، هنالك عدد من الشركات من أبوظبي ودبي تعمل معا لتطوير أكبر مصنع ألمنيوم في العالم بتكلفة تصل إلى 6 مليارات دولار، كما شهد عام 2006 فوز منشأة ترعاها حكومة دبي بعقد قيمته مليارا دولار لإدارة ميناء خليفة الجديد في أبوظبي الذي سيدخل مرحلة التشغيل في عام 2012. وهذه الصفقات ينظر إليها على أنها خطوات ملموسة نحو تعاون أكبر بين الإمارتين.     

تحديات متعددة

رغم ذلك، فإن ثمة تحديات عديدة تقف في مواجهة تجربة دبي، فتزايد عدد المشاريع ذات الطبيعة المتشابهة يثير مخاوف من احتمال حدوث فائض في إنتاج هذه المشاريع مما سيؤدي بالضرورة إلى زيادة درجة المنافسة بين الإمارات المختلفة، فضلاً عن أن الحفاظ على استمرارية بعض أوجه النموذج الاقتصادي المتبع يفرض ضرورة تدفق العمالة الوافدة والاستثمارات الأجنبية إلى البلاد، بما فيها العمالة الرخيصة غير الماهرة، وتطوير قاعدة المهارات في بعض القطاعات المستهدفة. وهذا لا يتطلب فقط توفر بيئة أعمال مفتوحة، بل أيضاً المحافظة على المقومات التي جعلت من دولة الإمارات مكاناً جاذباً للوافدين وبمقدورهم تحمل نفقات المعيشة في هذه الدولة. وبهذا الخصوص، يلاحظ أن ثمة بعض المخاطر التي تكتنف مقدرة الوافدين على توفير تكاليف المعيشة نتيجة لارتفاع الأسعار. ويبدو أن السقوف التي تم فرضها على معدل ارتفاع الأسعار والإيجارات حققت نجاحاً محدوداً في كبح جماح التضخم. وفي حال لم يتم تبني إجراءات هيكلية في جانب العرض، فإن التضخم المرتفع قد يترسخ مع مرور الأيام في توقعات المقيمين، الأمر الذي يصعب من مهمة اجتثاثه من الاقتصاد. إضافة إلى ذلك، تبقى هنالك حزمة من المخاوف المحيطة بتطلعات الأداء الاقتصادي الكلي، كحدوث تباطؤ في نمو الاقتصاد العالمي يؤدي إلى تراجع حاد في أسعار النفط، ناهيك عن تداعيات التوترات السياسية التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط مثل حالة عدم الاستقرار في العراق وأزمة الملف النووي الإيراني. ومن المخاطر المهمة أيضاً أثر الارتفاع السريع في مديونية الشركات، حيث إن مستوى الدين المحلي باستثناء القروض الحكومية والاستهلاكية قد ارتفع بنحو 38 في المائة في عام 2006، وذلك في أعقاب نمو بلغت نسبته 48 في المائة و24 في المائة خلال عامي (2004 – 2005) على التوالي، إلى جانب تصاعده بما نسبته 11 في المائة خلال النصف الأول من عام 2007. وهذا التنامي في حجم المديونية الداخلية يستوجب المتابعة عن كثب مع إيلاء الأهمية لحوكمة الشركات وأنظمة إدارة المخاطر لديها. وفي الوقت ذاته، هنالك خطورة تتعلق بدرجة ثقة المستثمرين والشركات في حال حدوث كساد في سوق العقار.

 

::/fulltext::
::cck::1628::/cck::

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *