البرنامج النووي الإيراني.. بين الحقائق والتضخيم
::cck::1755::/cck::
::introtext::
هنالك الكثير من التضارب في المعلومات حول حقيقة البرنامج النووي الإيراني وطبيعة المفاعل المستخدم وأغلب المعلومات إما أمريكية أو إسرائيلية. ورغم ذلك فمعلومات مراكز الأبحاث تقول إن المفاعل الذي بنته روسيا لتخصيب اليورانيوم في (بوشهر) أقل فاعلية في إنتاج البلوتونيوم، أما مفاعل الماء الثقيل فهو أفضل بكثير لهذه الغاية، حيث ساعدت روسيا الإيرانيين على بناء هذه المنشأة مقابل عقد مقداره 800 مليون دولار أمريكي وبُدئ بتشغيلها في نهاية عام 2004، حيث تجاوزت روسيا كل الضغوط وانسمجت مع مصالحها الاقتصادية والاستراتيجية، الأمر الذي يجعل احتمال تدميره بمثابة مساس بالمصالح الاقتصادية الروسية.
::/introtext::
::fulltext::
هنالك الكثير من التضارب في المعلومات حول حقيقة البرنامج النووي الإيراني وطبيعة المفاعل المستخدم وأغلب المعلومات إما أمريكية أو إسرائيلية. ورغم ذلك فمعلومات مراكز الأبحاث تقول إن المفاعل الذي بنته روسيا لتخصيب اليورانيوم في (بوشهر) أقل فاعلية في إنتاج البلوتونيوم، أما مفاعل الماء الثقيل فهو أفضل بكثير لهذه الغاية، حيث ساعدت روسيا الإيرانيين على بناء هذه المنشأة مقابل عقد مقداره 800 مليون دولار أمريكي وبُدئ بتشغيلها في نهاية عام 2004، حيث تجاوزت روسيا كل الضغوط وانسمجت مع مصالحها الاقتصادية والاستراتيجية، الأمر الذي يجعل احتمال تدميره بمثابة مساس بالمصالح الاقتصادية الروسية.
إن ما يتم الترويج له مؤخراً لا يتجاوز عملاً عسكرياً إسرائيلياً وليس أمريكياً ضد المفاعلات الإيرانية، وهذا الأسلوب هو الأسلوب المفضّل لدى الأمريكيين (تحديداً تيار وزارة الخارجية). فالخيار الأقوى بالنسبة للأمريكيين هو أن تتمكن إسرائيل من ضرب وتدمير منشآت إيران النووية، إذ إن تدمير إسرائيل لها سوف يقضي على خط كبير يتهدد إسرائيل قبل أمريكا ولهذا فلها مصلحة استراتيجية كبرى في هذا المجال. وغالباً ما يشير الإسرائيليون باهتمام كبير إلى أن 70 في المائة من سكان إسرائيل يتمركزون في مجال المدى القاتل لسلاح نووي استراتيجي يمكن أن يأتي من إيران كما يقول برادلي أ. تاير وهو أستاذ زميل في قسم العلوم السياسية في جامعة (مينسوتا دولوث) وهو مستشار في (جمعية راند)، عضو زميل في مركز بلفور للشؤون العلمية والدولية في جامعة هارفرد. وأهم ما في الأمر أن هجوماً كهذا ممكن وفقاً لقدرات إسرائيل العسكرية، فهي تستطيع تنفيذه مع توفر مهارة الطيارين لديها والأسلحة والقدرة على إعادة التزود بالوقود. إذ بإمكان الطيران الإسرائيلي أن يخترق المجال الجوي للعراق والأردن لتنفيذ هذا الهجوم. وتستطيع الولايات المتحدة أن تؤمن لها سراً فتح المجالات الجوية. ربما يمكن استخدام قوات العمليات الخاصة أو قوات الموساد السرية مع الضربات الجوية منفردين أو منفصلين للتأكد تماماً من تدمير المنشآت كلياً إما من خلال القنابل أو من خلال التخريب الكامل.
ومن حيث المبدأ والصورة الأولية النظرية وغير الواقعية وفقاً للمعطيات الحالية التي ربما تجاوزت هذا السيناريو بمسافات، أن الهجوم الإسرائيلي على المنشآت الإيرانية سوف يخلص الولايات المتحدة من تحمل نتائج القيام بهذا العمل ويتيح لها الفرصة لتركيز اهتمامها على حالة عدم الاستقرار في العراق التي تنوسُ بين هدوء وانفجار.
إن تقسيم المهام- هذا سيكون ذا فائدة قصوى للولايات المتحدة، حسبما ينظّر الأمريكيون؛ لأنه لا بد من مجابهة طهران في زمن قصير نسبياً، ومسألة الزمن أمر في بالغ الأهمية عندما يتعلق الموضوع بإيقاف برنامج نووي، فهو أي البرنامج الإيراني سيكون موجهاً تحديداً ضد إسرائيل وليس ضد الولايات المتحدة بصورة مباشرة، والسيناريو الموازي سيكون ملخصاً بأن الولايات المتحدة ستشجب علانية الفعل الإسرائيلي كما فعلت بعد عام 1981 عندما أقدمت الأخيرة على ضرب مفاعل (تموز) في العراق، كما أن الولايات المتحدة تستطيع بشكل قابل للتصديق إنكار تورطها في الفعل الذي أقدمت عليه إسرائيل مع وجود التهديد الجدي الذي تشكله الأسلحة النووية والصواريخ على إسرائيل. ومن المؤكد أن العديد من الدول في العالم الإسلامي سوف ترى أن الولايات المتحدة لن تكون مجبرة على مواجهة قوة الغضب العارم للعالم الإسلامي فيما لو قامت هي بهذا الهجوم.

والفائدة الأخيرة لتقسيم العمل (النظري) والأقرب إلى الحرب النفسية منه إلى الواقع الفعلي، هي أنه له أهمية قصوى في سياق الحرب الإعلامية؛ لأن الهجوم الإسرائيلي هذا سيقلل من خطر انتقام إيران ضد ناقلات النفط في الخليج، فإغراق أو تدمير ناقلات النفط سيؤدي إلى عرقلة تدفق النفط من الخليج وهو الشيء المتوقع من إيران للانتقام من الولايات المتحدة إن كانت هي التي ستوجه الهجوم على المنشآت النووية الإيرانية، إذ إن أي انقطاع في عملية تزويد العالم بالنفط أو القدرة على إنتاج النفط يشكل خطراً كبيراً على الاقتصاد العالمي وهذا وحده كافٍ لجعل رئيس الولايات المتحدة يتردد في هذا الموقف.
وتستطيع إيران في مدى قصير، ربما في الساعات أو الأيام أو حتى الأسابيع الأولى من المواجهة مع الولايات المتحدة أن تفرض قيوداً شديدة على نقل شحنات النفط في الخليج كله، ولجعل الموقف أكثر سوءاً ربما يقلل أو يُنقص الإيرانيون من تصدير نفطهم هم إلى الأسواق العالمية. مما سيجعل من حال الكارثة أسوأ بكثير. فإذا حدثت المجابهة بين إيران والولايات المتحدة فإن الخليج سوف يصبح أخطر مكان ملاحي للسفن المدنية والعسكرية، وهذا بحد ذاته ما يمنع هذه المغامرة.
مهما يكن الأمر، فالسيناريو سيسير- غالباً- على النحو التالي: لن يتم الفعل العسكري مباشرة بل ستطبق الولايات المتحدة الضغوط الدبلوماسية والاقتصادية على إيران أولاً، وهذا ما يحدث الآن، فأمريكا تحاول عزل الإيرانيين بفرض الضغط على الروس، ولو أنه لم يكن حلاً ناجحاً حتى الآن بسبب التعاون النووي بينهما في مفاعل (بوشهر). ومن ثم لا بد من زيادة الدعم السري للحركات المنشقة داخل إيران وخارجها للتوصل إلى سقوط مثالي وسريع لنظام الحكم الحالي، ولكن هذا مستبعد مبدئياً، مع أن دعم الجماعات المنشقة يبقى مفيداً لأنها تصبح مصادر مهمة للمعلومات السرية وللقادة بعد تغيير النظام، الأمر الذي يلزم الولايات المتحدة باللجوء إلى القوة فقط إذا لم تُبد الحركات المنشقة دلائل على قدرتها في قلب النظام بالسرعة التي تمت مع ثورة 1979 وحينما تفشل الجهود الدبلوماسية والضغوط الاقتصادية الشديدة في تحقيق الأهداف المطلوبة.
ويستدرك الأمريكيون بأنه يجب على الولايات المتحدة أن توقف البرنامج النووي، وينبغي تحديد الوقت لذلك، وكانوا يرون قبل نحو ثلاث سنوات أنه إذا لم يتم إيقاف البرنامج مع عام 2005 فيجب على الولايات المتحدة أن تهاجم المنشآت النووية لإيران كما فعلت إسرائيل مع العراق.
حرصت إيران على عدم تمركز برنامجها النووي في مكان واحد لتفادي اي هجوم محتمل
ومن الضروري، حسب الأمريكيين، قلب الحكم للتأكد من توقف البرنامج النووي إلا أن هذه الحركة تعتبر مجازفة أكيدة. إذ إن تغيير نظام الحكم ذو طبيعة صعبة ولا يمكن التنبؤ بنتائجه، فلربما تنتج عنه حكومة موالية للحزب أو حكومة ديمقراطية أو عكس ذلك تماماً. وإذا نجح تغيير نظام الحكم فإن الولايات المتحدة ستصبح مسؤولة عندئذ أمام عامة الناس في المنطقة، وأي نظرة إلى الحكومة الجديدة على أنها مجرد دمية ستدمرها تماماً. والأمر المهم على الخصوص هو ألا تصبح الولايات المتحدة محور التركيز لأية جماعة أو أي شخص لديه شكوى ضد الحكام الجدد.
إن لدى الولايات المتحدة شكاً قوياً مُعلناً وقد يكون مبالغاً به بأن إيران تطور أسلحة نووية وأنها قد تمتلكها في غضون ثماني إلى عشر سنوات من دون مساعدة خارجية من دولة نووية أخرى مثل الصين وكوريا الشمالية أو باكستان ويتضح أنها ستمتلك هذه الأسلحة في غضون وقت أقصر، ربما مع حلول عام 2005، إذا تلقت مساعدة ضخمة من هذه الدول، وهذا ما وردت تقارير عديدة عنه. ويبقى هذا الشك قائماً رغم الادعاء الإيراني بأن برنامجها النووي سلمي وأنها قد زودت الوكالة الدولية للطاقة الذرية بتقرير كامل عن برنامجها النووي وسوف تواصل تقديم التقارير المطلوبة وتقول إيران إنها واضحة وصريحة في تعاملاتها مع بقية دول المجتمع الدولي.
لقد نشأ هذا الشك لأن إيران قامت – حسب ما يتداوله الأمريكيون -وبحذر تام بوضع أسس الحلقة الكاملة للوقود النووي، وحالما يتم إنتاج المادة النووية فإنه يمكن عندئذ تحويلها إلى سلاح نووي بشكل أسهل نسبياً. وعلى الرغم من ادعاءاتها بأنها كانت واضحة وصريحة مع المجتمع الدولي فقد كانت إيران مجبرة على الاعتراف بوجود منشآت ومواد لم يسبق أن أتت على ذكرها. ولا تقبل الإدارة الأمريكية القول إن البرنامج النووي الإيراني مخصص لإنتاج أقل تكلفة وأكثر حفاظاً على البيئة من الطاقة الكهربائية لتلبية حاجات 66 مليون نسمة، باعتبار أن إيران بلد محظوظ بتوافر النفط والغاز الطبيعي، إذ تشير التقديرات الأمريكية ذاتها إلى أن منشآتها النووية سوف تنتج كمية من الطاقة أقل من الكمية التي يتم حرقها من الغاز الطبيعي كمعدل سنوي. ومع ذلك تصر إيران على ادعائها بأنها سوف تقوم بتوليد 7000 ميغاواط من الطاقة الكهربائية من منشآت الطاقة النووية مع حلول عام 2022م.
ووفقاً للمعلومات الأمريكية تتقدم إيران على مسارين نحو امتلاك الأسلحة النووية: إنتاج نظائر اليورانيوم والبلوتونيوم اللازمة لإنتاج أسلحة نووية (U235 and PU239). ولقد أحرزت تقدماً مهماً في المنشأة التي تقيمها في (ناتانز) الخاصة بتخصيب اليورانيوم ونبذ الغاز ويوجد لديها في هذا المصنع نموذج أولي من (scale-cascade) مكوّن من 156 وحدة نابذة، ومكونات لألف وحدة، وخطط لتركيب 5000 وحدة. إن المجلس الوطني لمقاومة إيران وهو الذراع السياسي لمنظمة مجاهدي خلق اليسارية المقاومة هو الذي كشف عن وجود منشأة (ناتانز) في أغسطس 2002. وقد أدهشت المنشأة جميع موظفي الوكالة الدولية للطاقة الذرية عندما زاروها لأول مرة في فبراير 2003 وقد وصف محمد البرادعي المنشأة بأنها معقدة ورفيعة المستوى.
والأهم من ذلك أن جزءاً من المنشأة قد أشيد تحت الأرض مما يعني صراحة أنه بقصد حمايتها من أي هجوم ومن مراقبة وكالات الاستخبارات، وليتمكنوا من توسيع المنشأة سراً بحيث تتضمن آلاف الوحدات النابذة التي قد تصل كما ورد ذكره إلى 50.000 في غضون خمس إلى عشر سنوات وهذا كاف لتزويد إيران بحوالي 500 كغ من اليورانيوم الخاص بالأسلحة سنوياً، وإذا كان كل سلاح نووي يحتاج إلى 15 أو 20 كغ فهذا يعني وجود حوالي 25 إلى 30 سلاحاً نووياً سنوياً. ومن الممكن أن يكون القسم الذي تم بناؤه تحت الأرض أكبر في واقعه الحقيقي مما رآه ظاهرياً عناصر الوكالة الدولية للطاقة الذرية. وقالت إيران أن الاختبارات التي تتم على أجهزة تدوير الوحدات النابذة يتم تنفيذها في جامعة (أمير خبير) وفي مقر وكالة الطاقة الذرية الإيرانية. وكانت الوكالة قد أخذت من محيط منشأة (ناتانز) ووجد أنها تحتوي على آثار اليورانيوم المخصب مما يعني أن عملية التخصيب قد تمت بالفعل.
وفي منشأة لم يتم الكشف عنها من قبل وهي (شركة كالاي الكهربائية) في طهران، تركز الشك حولها في أنها مقر الأبحاث وتطوير العمل الذي تقوم به إيران في برنامج نبذ الغاز وتخصيب اليورانيوم، وتحتج إيران على ذلك بأنها شركة سلمية مختصة بتصنيع الساعات بالإضافة إلى أي نشاط آخر. ولكن لا يزال الشك الأمريكي قائماً بأنها الموقع الأول المتعلق بالبرنامج النووي، وأن الشركة مجرد واجهة فقد رفضت إيران وصول أعضاء الوكالة الدولية للطاقة الذرية إلى بعض الأماكن في (شركة كالاي) ورفضت السماح لأعضاء الوكالة بأخذ عينات من محيط الشركة أو قربها.
بإمكان الطيران الإسرائيلي أن يخترق المجال الجوي للعراق والأردن لتنفيذ الهجوم على إيران
ويسوق الأمريكيون أنه وردت تقارير في عام 2003 تقول إن هنالك 1.9 كغ من (هيكسافلورايد اليورانيوم) قد تم استيرادها من الصين ربما في عام 1991 وتم اختبارها في (شركة كالاي الكهربائية) لتحديد مواضع الخلل في عملية إقامة منشأة أكبر للنبذ في (ناتانز). وقد أشار أعضاء الوكالة الدولية للطاقة الذرية إلى أن 1.9 كغ من (هيكسافلورايد اليورانيوم) مفقودة ولكن الموظفين الإيرانيين قالوا إن هذا ناتج عن التسرب من صمامات حاويات التخزين. وتبعاً لما أفاد به كل من دافيد ألبرايت وكوري هندرستين من معهد العلوم والأمن الدولي، فإن أي برنامج اختبار للنبذ مهما كان صغيراً يحتاج من واحد كغ إلى 2 كغ من (هيكسافلورايد اليورانيوم). وعلى أية حال لقد كانت (هيكسافلورايد اليورانيوم) جزءاً من شحنة ضخمة من هذه المادة مقدارها 1000 كغ تم استيرادها من الصين ولم تأت إيران على ذكرها إطلاقاً أمام أعضاء الوكالة الدولية للطاقة الذرية، كما أن بيونغ يانغ أيضاً قد زودت طهران بكمية مقدارها 400 كغ من مادة (تترافلورايد اليورانيوم) و400 كغ من مادة (ثاني أوكسايد اليورانيوم) التي تم تخزينها في مخابر (جابر بن حيان) متعددة الأغراض الموجودة قرب مركز الأبحاث النووية في طهران. وفي عام 2000 قالت إيران إنها حولت معظم كمية (تترافلورايد اليورانيوم) إلى معدن اليورانيوم في مخابر جابر بن حيان، ولكن ولأن معدن اليورانيوم الصلب لا يستخدم في الوضع الطبيعي لبرامج الطاقة التجارية وهذا نفسه ما تراه مصادر واشنطن على أنه قد يكون دليلاً قوياً على طموح إيران إلى امتلاك أسلحة نووية.
ويشكك الأمريكيون – حسب برادلي- بأنه من الممكن أيضاً أن تكون إيران قد طورت منشآت للتخصيب في مواقع أخرى، فقد ذكر المجلس الوطني للمقاومة في إيران أن هنالك منشأتين جديدتين لنبذ الغاز في (رامانده) و(لاشكار آباد)، وأنه يقال إن إحدى المنشأتين ذات حراسة أمنية مشددة وهذا ليس أمراً ضرورياً لو أن هذه المواقع مختصة فعلاً بأعمال طبية أو زراعية كما تقول إيران. إن هذه المنشآت جميعها تبين أن إيران قد تعلمت درساً من الهجوم الإسرائيلي في عام 1981 على (مجمّع مفاعل تموز العراقي) منذ أن أنشىء ولو جزئياً على الأقل، فحرصت إيران على عدم تمركز البرنامج في مكان واحد لتلغي بذلك أي تهديد يوقف الاستمرار في البرنامج النووي ولو بهجوم واحد على إحدى المنشآت.
وفي حين أن هذه التطورات مدعاة للقلق فإن الخطر الحقيقي كما يقولون يكمن في تمهيد طريق إيران نحو امتلاك الأسلحة النووية بمساعدات خارجية. إن خط تقدم إيران نووياً لا يوحي بتدخل مساعدات خارجية في برنامجها. ومن الصعب فهم هذا الأمر وفقاً لتاريخ تطور الأسلحة النووية. ففي كل الحالات تقريباً فإن الدولة الناشئة نووياً لابد أن تلقى مساعدة من دولة أخرى. فالولايات المتحدة مثلاً تلقت مساعدات من بريطانيا وكندا واللاجئين الألمان والأوروبيين الذين أُكرهوا على الهجرة من بلادهم لأسباب سياسية، والولايات المتحدة بدورها ساعدت بريطانيا وفرنسا، وفرنسا بدورها ساعدت إسرائيل، وإسرائيل ساعدت جنوب إفريقيا، والجواسيس في (مشروع مانهاتن) ساعدوا الاتحاد السوفييتي. والاتحاد السوفييتي ساعد الصين، والصين ساعدت باكستان، وباكستان ساعدت كوريا الشمالية، ومع هذا التسلسل التاريخي والحقائق الأكيدة فلابد أن تتوقع واشنطن بأن كوريا الشمالية هي التي ساعدت إيران، وقد تصبح إيران بلداً نووياً خلال هذا العقد إذا لم يتم توقيف برنامجها النووي أو عرقلته إلى درجة كبيرة.
ويبني الأمريكيون موقفهم على أساس أنه يوجد دليل قوي على تلقيها مساعدة كثيفة من كوريا الشمالية. فما بين إبريل ويونيو 2003 تكررت الرحلات الجوية الإيرانية إلى (بيوينغ يانغ) لست مرات. ويشكل هذا الرقم زيادة مهمة عن الأرقام السابقة التي كانت بمعدل رحلة أو رحلتين في السنة. تُعتبر الشحنات الجوية أكثر أماناً من حيث التوقيف أو اعتراض سبيلها من النقل البحري وفقاً لخبرة كوريا الشمالية الحديثة في هذا المجال بعد أن كانت باخرة كورية محملة بالصواريخ ومتجهة إلى اليمين فاعترض سبيلها الأسطول البحري الاسباني في ديسمبر 2002. ولكن يبدو أن هنالك رغبة من طرف الإيرانيين في خوض مجازفات من هذا النوع حيث إن سفن الشحن الإيرانية رست في مرفأ (هايجو) في كوريا الشمالية الذي يبعد 120 كم جنوب (بيونغ يانغ) عام 2003 والتي من المفترض أنها تحمل قطع الصواريخ المطلوبة وتجهيزات عسكرية أخرى، وقد قدمت كوريا الشمالية مساعدة مكثفة لإيران لتطوير صاروخ (شهاب- 3) متوسط المدى الذي يستطيع الوصول إلى إسرائيل.
إن هنالك اهتماماً واضحاً من طرف أمريكا بشأن المنشأة التي هي قيد الإنشاء قرب (أراك) والتي تبعد 250 كم جنوب طهران والتي سوف تستخدم لإنتاج المياه الثقيلة وفي حديث ألقاه (غلام ريزا آغا زاده) مدير برنامج الطاقة الذرية في إيران في مؤتمر لمراجعة معاهدة منع انتشار الأسلحة النووية في 6 مايو عام 2003، قال فيه إن إيران ستقوم بإنشاء مفاعل لإنتاج 40 ميغاواط من اليورانيوم المشبع المصمم لإنتاج الماء الثقيل والذي لا يبعد كثيراً عن منشأة إنتاج المياه الثقيلة، ومن المتوقع أن يتم تشغيل هذا المفاعل تحت حماية الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وقد أنشئ عام 2004 (مفاعل إيران للبحوث النووية 40) ويُعتبر الوقود المستهلك في هذا النوع من المفاعل مثالياً لإنتاج مادة (البلوتونيوم) إشعاعية النشاط. وفي الواقع أنه من الممكن أن ينتج ما بين 8 إلى 10 كغ من هذه المادة في السنة وهي كمية كافية لسلاحين نوويين كل سنة، وقدم ذرائع لإنشاء منشأة (أراك) لإنتاج المياه الثقيلة الغنية بالهدروجين الثقيل. ومن الممكن استخدام الماء الثقيل في المفاعلات التي تنتج البلوتونيوم الخاص بالأسلحة والذي تتم معالجته لتحويله إلى أسلحة نووية. إن ميزة مفاعلات الماء الثقيل تكمن في استخدام اليوارنيوم الطبيعي وهو العنصر الذي تنقب عنه إيران حسب تصريحات الرئيس الإيراني السابق محمد خاتمي في فبراير 2003 التي تابعها الأمريكيون بقلق، وزيادة على هذا فإنهم يرون أن مراقبة اليورانيوم الطبيعي أصعب من اليورانيوم المخصب.
ويتابع برادلي أنهم في الولايات المتحدة الأمريكية قد تتبعوا ما قاله حسن روحاني الأمين العام لمجلس الأمن القومي الأعلى في 4 مارس 2003 بأن هنالك مصنعاً لمعالجة اليورانيوم بدئ العمل به في عام 2003 وهو يقع قرب مدينة أصفهان على بعد 350 كم جنوب طهران. ويعالج هذا المصنع اليورانيوم الذي يتم الحصول عليه من المناجم القريبة (مناجم ساغاند) ويتم تحويله إلى ثاني أوكسيد اليورانيوم، رابع فلورايد اليورانيوم، وسادس فلورايد اليورانيوم، ومن الممكن أن يتم نقل هذه المواد بعدئذ إلى (ناتانز) لتتم معالجتها بشكل أكبر ولتخصيب اليورانيوم الخاص بالأسلحة. ويرون أنه من الممكن أيضاً أن يتم استخدام ثاني أوكسيد اليورانيوم من مصنع أصفهان لإنتاج وقود نووي لمفاعل الماء الثقيل في (أراك).
يبقى أخيراً أن نقول إن العمل العسكري شبه مستحيل ضد إيران لأنها تمتلك أسلحة دمار شامل ولأن رد فعلها غير ممكن تحمله لا إسرائيلياً ولا أمريكياً، والحل هو تخصيب دولي تقدمه أوروبا، وعليه فإن الطلب الفرنسي من الرئيس السوري بشار الأسد التدخل لدى إيران لبحث إمكانية تقديم ما يؤكد سلمية هذا البرنامج يعني باختصار شديد الرغبة في إيجاد حل سلمي وقطع الطريق على عمل أمريكي مغامر.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::1755::/cck::
::introtext::
هنالك الكثير من التضارب في المعلومات حول حقيقة البرنامج النووي الإيراني وطبيعة المفاعل المستخدم وأغلب المعلومات إما أمريكية أو إسرائيلية. ورغم ذلك فمعلومات مراكز الأبحاث تقول إن المفاعل الذي بنته روسيا لتخصيب اليورانيوم في (بوشهر) أقل فاعلية في إنتاج البلوتونيوم، أما مفاعل الماء الثقيل فهو أفضل بكثير لهذه الغاية، حيث ساعدت روسيا الإيرانيين على بناء هذه المنشأة مقابل عقد مقداره 800 مليون دولار أمريكي وبُدئ بتشغيلها في نهاية عام 2004، حيث تجاوزت روسيا كل الضغوط وانسمجت مع مصالحها الاقتصادية والاستراتيجية، الأمر الذي يجعل احتمال تدميره بمثابة مساس بالمصالح الاقتصادية الروسية.
::/introtext::
::fulltext::
هنالك الكثير من التضارب في المعلومات حول حقيقة البرنامج النووي الإيراني وطبيعة المفاعل المستخدم وأغلب المعلومات إما أمريكية أو إسرائيلية. ورغم ذلك فمعلومات مراكز الأبحاث تقول إن المفاعل الذي بنته روسيا لتخصيب اليورانيوم في (بوشهر) أقل فاعلية في إنتاج البلوتونيوم، أما مفاعل الماء الثقيل فهو أفضل بكثير لهذه الغاية، حيث ساعدت روسيا الإيرانيين على بناء هذه المنشأة مقابل عقد مقداره 800 مليون دولار أمريكي وبُدئ بتشغيلها في نهاية عام 2004، حيث تجاوزت روسيا كل الضغوط وانسمجت مع مصالحها الاقتصادية والاستراتيجية، الأمر الذي يجعل احتمال تدميره بمثابة مساس بالمصالح الاقتصادية الروسية.
إن ما يتم الترويج له مؤخراً لا يتجاوز عملاً عسكرياً إسرائيلياً وليس أمريكياً ضد المفاعلات الإيرانية، وهذا الأسلوب هو الأسلوب المفضّل لدى الأمريكيين (تحديداً تيار وزارة الخارجية). فالخيار الأقوى بالنسبة للأمريكيين هو أن تتمكن إسرائيل من ضرب وتدمير منشآت إيران النووية، إذ إن تدمير إسرائيل لها سوف يقضي على خط كبير يتهدد إسرائيل قبل أمريكا ولهذا فلها مصلحة استراتيجية كبرى في هذا المجال. وغالباً ما يشير الإسرائيليون باهتمام كبير إلى أن 70 في المائة من سكان إسرائيل يتمركزون في مجال المدى القاتل لسلاح نووي استراتيجي يمكن أن يأتي من إيران كما يقول برادلي أ. تاير وهو أستاذ زميل في قسم العلوم السياسية في جامعة (مينسوتا دولوث) وهو مستشار في (جمعية راند)، عضو زميل في مركز بلفور للشؤون العلمية والدولية في جامعة هارفرد. وأهم ما في الأمر أن هجوماً كهذا ممكن وفقاً لقدرات إسرائيل العسكرية، فهي تستطيع تنفيذه مع توفر مهارة الطيارين لديها والأسلحة والقدرة على إعادة التزود بالوقود. إذ بإمكان الطيران الإسرائيلي أن يخترق المجال الجوي للعراق والأردن لتنفيذ هذا الهجوم. وتستطيع الولايات المتحدة أن تؤمن لها سراً فتح المجالات الجوية. ربما يمكن استخدام قوات العمليات الخاصة أو قوات الموساد السرية مع الضربات الجوية منفردين أو منفصلين للتأكد تماماً من تدمير المنشآت كلياً إما من خلال القنابل أو من خلال التخريب الكامل.
ومن حيث المبدأ والصورة الأولية النظرية وغير الواقعية وفقاً للمعطيات الحالية التي ربما تجاوزت هذا السيناريو بمسافات، أن الهجوم الإسرائيلي على المنشآت الإيرانية سوف يخلص الولايات المتحدة من تحمل نتائج القيام بهذا العمل ويتيح لها الفرصة لتركيز اهتمامها على حالة عدم الاستقرار في العراق التي تنوسُ بين هدوء وانفجار.
إن تقسيم المهام- هذا سيكون ذا فائدة قصوى للولايات المتحدة، حسبما ينظّر الأمريكيون؛ لأنه لا بد من مجابهة طهران في زمن قصير نسبياً، ومسألة الزمن أمر في بالغ الأهمية عندما يتعلق الموضوع بإيقاف برنامج نووي، فهو أي البرنامج الإيراني سيكون موجهاً تحديداً ضد إسرائيل وليس ضد الولايات المتحدة بصورة مباشرة، والسيناريو الموازي سيكون ملخصاً بأن الولايات المتحدة ستشجب علانية الفعل الإسرائيلي كما فعلت بعد عام 1981 عندما أقدمت الأخيرة على ضرب مفاعل (تموز) في العراق، كما أن الولايات المتحدة تستطيع بشكل قابل للتصديق إنكار تورطها في الفعل الذي أقدمت عليه إسرائيل مع وجود التهديد الجدي الذي تشكله الأسلحة النووية والصواريخ على إسرائيل. ومن المؤكد أن العديد من الدول في العالم الإسلامي سوف ترى أن الولايات المتحدة لن تكون مجبرة على مواجهة قوة الغضب العارم للعالم الإسلامي فيما لو قامت هي بهذا الهجوم.

والفائدة الأخيرة لتقسيم العمل (النظري) والأقرب إلى الحرب النفسية منه إلى الواقع الفعلي، هي أنه له أهمية قصوى في سياق الحرب الإعلامية؛ لأن الهجوم الإسرائيلي هذا سيقلل من خطر انتقام إيران ضد ناقلات النفط في الخليج، فإغراق أو تدمير ناقلات النفط سيؤدي إلى عرقلة تدفق النفط من الخليج وهو الشيء المتوقع من إيران للانتقام من الولايات المتحدة إن كانت هي التي ستوجه الهجوم على المنشآت النووية الإيرانية، إذ إن أي انقطاع في عملية تزويد العالم بالنفط أو القدرة على إنتاج النفط يشكل خطراً كبيراً على الاقتصاد العالمي وهذا وحده كافٍ لجعل رئيس الولايات المتحدة يتردد في هذا الموقف.
وتستطيع إيران في مدى قصير، ربما في الساعات أو الأيام أو حتى الأسابيع الأولى من المواجهة مع الولايات المتحدة أن تفرض قيوداً شديدة على نقل شحنات النفط في الخليج كله، ولجعل الموقف أكثر سوءاً ربما يقلل أو يُنقص الإيرانيون من تصدير نفطهم هم إلى الأسواق العالمية. مما سيجعل من حال الكارثة أسوأ بكثير. فإذا حدثت المجابهة بين إيران والولايات المتحدة فإن الخليج سوف يصبح أخطر مكان ملاحي للسفن المدنية والعسكرية، وهذا بحد ذاته ما يمنع هذه المغامرة.
مهما يكن الأمر، فالسيناريو سيسير- غالباً- على النحو التالي: لن يتم الفعل العسكري مباشرة بل ستطبق الولايات المتحدة الضغوط الدبلوماسية والاقتصادية على إيران أولاً، وهذا ما يحدث الآن، فأمريكا تحاول عزل الإيرانيين بفرض الضغط على الروس، ولو أنه لم يكن حلاً ناجحاً حتى الآن بسبب التعاون النووي بينهما في مفاعل (بوشهر). ومن ثم لا بد من زيادة الدعم السري للحركات المنشقة داخل إيران وخارجها للتوصل إلى سقوط مثالي وسريع لنظام الحكم الحالي، ولكن هذا مستبعد مبدئياً، مع أن دعم الجماعات المنشقة يبقى مفيداً لأنها تصبح مصادر مهمة للمعلومات السرية وللقادة بعد تغيير النظام، الأمر الذي يلزم الولايات المتحدة باللجوء إلى القوة فقط إذا لم تُبد الحركات المنشقة دلائل على قدرتها في قلب النظام بالسرعة التي تمت مع ثورة 1979 وحينما تفشل الجهود الدبلوماسية والضغوط الاقتصادية الشديدة في تحقيق الأهداف المطلوبة.
ويستدرك الأمريكيون بأنه يجب على الولايات المتحدة أن توقف البرنامج النووي، وينبغي تحديد الوقت لذلك، وكانوا يرون قبل نحو ثلاث سنوات أنه إذا لم يتم إيقاف البرنامج مع عام 2005 فيجب على الولايات المتحدة أن تهاجم المنشآت النووية لإيران كما فعلت إسرائيل مع العراق.
حرصت إيران على عدم تمركز برنامجها النووي في مكان واحد لتفادي اي هجوم محتمل
ومن الضروري، حسب الأمريكيين، قلب الحكم للتأكد من توقف البرنامج النووي إلا أن هذه الحركة تعتبر مجازفة أكيدة. إذ إن تغيير نظام الحكم ذو طبيعة صعبة ولا يمكن التنبؤ بنتائجه، فلربما تنتج عنه حكومة موالية للحزب أو حكومة ديمقراطية أو عكس ذلك تماماً. وإذا نجح تغيير نظام الحكم فإن الولايات المتحدة ستصبح مسؤولة عندئذ أمام عامة الناس في المنطقة، وأي نظرة إلى الحكومة الجديدة على أنها مجرد دمية ستدمرها تماماً. والأمر المهم على الخصوص هو ألا تصبح الولايات المتحدة محور التركيز لأية جماعة أو أي شخص لديه شكوى ضد الحكام الجدد.
إن لدى الولايات المتحدة شكاً قوياً مُعلناً وقد يكون مبالغاً به بأن إيران تطور أسلحة نووية وأنها قد تمتلكها في غضون ثماني إلى عشر سنوات من دون مساعدة خارجية من دولة نووية أخرى مثل الصين وكوريا الشمالية أو باكستان ويتضح أنها ستمتلك هذه الأسلحة في غضون وقت أقصر، ربما مع حلول عام 2005، إذا تلقت مساعدة ضخمة من هذه الدول، وهذا ما وردت تقارير عديدة عنه. ويبقى هذا الشك قائماً رغم الادعاء الإيراني بأن برنامجها النووي سلمي وأنها قد زودت الوكالة الدولية للطاقة الذرية بتقرير كامل عن برنامجها النووي وسوف تواصل تقديم التقارير المطلوبة وتقول إيران إنها واضحة وصريحة في تعاملاتها مع بقية دول المجتمع الدولي.
لقد نشأ هذا الشك لأن إيران قامت – حسب ما يتداوله الأمريكيون -وبحذر تام بوضع أسس الحلقة الكاملة للوقود النووي، وحالما يتم إنتاج المادة النووية فإنه يمكن عندئذ تحويلها إلى سلاح نووي بشكل أسهل نسبياً. وعلى الرغم من ادعاءاتها بأنها كانت واضحة وصريحة مع المجتمع الدولي فقد كانت إيران مجبرة على الاعتراف بوجود منشآت ومواد لم يسبق أن أتت على ذكرها. ولا تقبل الإدارة الأمريكية القول إن البرنامج النووي الإيراني مخصص لإنتاج أقل تكلفة وأكثر حفاظاً على البيئة من الطاقة الكهربائية لتلبية حاجات 66 مليون نسمة، باعتبار أن إيران بلد محظوظ بتوافر النفط والغاز الطبيعي، إذ تشير التقديرات الأمريكية ذاتها إلى أن منشآتها النووية سوف تنتج كمية من الطاقة أقل من الكمية التي يتم حرقها من الغاز الطبيعي كمعدل سنوي. ومع ذلك تصر إيران على ادعائها بأنها سوف تقوم بتوليد 7000 ميغاواط من الطاقة الكهربائية من منشآت الطاقة النووية مع حلول عام 2022م.
ووفقاً للمعلومات الأمريكية تتقدم إيران على مسارين نحو امتلاك الأسلحة النووية: إنتاج نظائر اليورانيوم والبلوتونيوم اللازمة لإنتاج أسلحة نووية (U235 and PU239). ولقد أحرزت تقدماً مهماً في المنشأة التي تقيمها في (ناتانز) الخاصة بتخصيب اليورانيوم ونبذ الغاز ويوجد لديها في هذا المصنع نموذج أولي من (scale-cascade) مكوّن من 156 وحدة نابذة، ومكونات لألف وحدة، وخطط لتركيب 5000 وحدة. إن المجلس الوطني لمقاومة إيران وهو الذراع السياسي لمنظمة مجاهدي خلق اليسارية المقاومة هو الذي كشف عن وجود منشأة (ناتانز) في أغسطس 2002. وقد أدهشت المنشأة جميع موظفي الوكالة الدولية للطاقة الذرية عندما زاروها لأول مرة في فبراير 2003 وقد وصف محمد البرادعي المنشأة بأنها معقدة ورفيعة المستوى.
والأهم من ذلك أن جزءاً من المنشأة قد أشيد تحت الأرض مما يعني صراحة أنه بقصد حمايتها من أي هجوم ومن مراقبة وكالات الاستخبارات، وليتمكنوا من توسيع المنشأة سراً بحيث تتضمن آلاف الوحدات النابذة التي قد تصل كما ورد ذكره إلى 50.000 في غضون خمس إلى عشر سنوات وهذا كاف لتزويد إيران بحوالي 500 كغ من اليورانيوم الخاص بالأسلحة سنوياً، وإذا كان كل سلاح نووي يحتاج إلى 15 أو 20 كغ فهذا يعني وجود حوالي 25 إلى 30 سلاحاً نووياً سنوياً. ومن الممكن أن يكون القسم الذي تم بناؤه تحت الأرض أكبر في واقعه الحقيقي مما رآه ظاهرياً عناصر الوكالة الدولية للطاقة الذرية. وقالت إيران أن الاختبارات التي تتم على أجهزة تدوير الوحدات النابذة يتم تنفيذها في جامعة (أمير خبير) وفي مقر وكالة الطاقة الذرية الإيرانية. وكانت الوكالة قد أخذت من محيط منشأة (ناتانز) ووجد أنها تحتوي على آثار اليورانيوم المخصب مما يعني أن عملية التخصيب قد تمت بالفعل.
وفي منشأة لم يتم الكشف عنها من قبل وهي (شركة كالاي الكهربائية) في طهران، تركز الشك حولها في أنها مقر الأبحاث وتطوير العمل الذي تقوم به إيران في برنامج نبذ الغاز وتخصيب اليورانيوم، وتحتج إيران على ذلك بأنها شركة سلمية مختصة بتصنيع الساعات بالإضافة إلى أي نشاط آخر. ولكن لا يزال الشك الأمريكي قائماً بأنها الموقع الأول المتعلق بالبرنامج النووي، وأن الشركة مجرد واجهة فقد رفضت إيران وصول أعضاء الوكالة الدولية للطاقة الذرية إلى بعض الأماكن في (شركة كالاي) ورفضت السماح لأعضاء الوكالة بأخذ عينات من محيط الشركة أو قربها.
بإمكان الطيران الإسرائيلي أن يخترق المجال الجوي للعراق والأردن لتنفيذ الهجوم على إيران
ويسوق الأمريكيون أنه وردت تقارير في عام 2003 تقول إن هنالك 1.9 كغ من (هيكسافلورايد اليورانيوم) قد تم استيرادها من الصين ربما في عام 1991 وتم اختبارها في (شركة كالاي الكهربائية) لتحديد مواضع الخلل في عملية إقامة منشأة أكبر للنبذ في (ناتانز). وقد أشار أعضاء الوكالة الدولية للطاقة الذرية إلى أن 1.9 كغ من (هيكسافلورايد اليورانيوم) مفقودة ولكن الموظفين الإيرانيين قالوا إن هذا ناتج عن التسرب من صمامات حاويات التخزين. وتبعاً لما أفاد به كل من دافيد ألبرايت وكوري هندرستين من معهد العلوم والأمن الدولي، فإن أي برنامج اختبار للنبذ مهما كان صغيراً يحتاج من واحد كغ إلى 2 كغ من (هيكسافلورايد اليورانيوم). وعلى أية حال لقد كانت (هيكسافلورايد اليورانيوم) جزءاً من شحنة ضخمة من هذه المادة مقدارها 1000 كغ تم استيرادها من الصين ولم تأت إيران على ذكرها إطلاقاً أمام أعضاء الوكالة الدولية للطاقة الذرية، كما أن بيونغ يانغ أيضاً قد زودت طهران بكمية مقدارها 400 كغ من مادة (تترافلورايد اليورانيوم) و400 كغ من مادة (ثاني أوكسايد اليورانيوم) التي تم تخزينها في مخابر (جابر بن حيان) متعددة الأغراض الموجودة قرب مركز الأبحاث النووية في طهران. وفي عام 2000 قالت إيران إنها حولت معظم كمية (تترافلورايد اليورانيوم) إلى معدن اليورانيوم في مخابر جابر بن حيان، ولكن ولأن معدن اليورانيوم الصلب لا يستخدم في الوضع الطبيعي لبرامج الطاقة التجارية وهذا نفسه ما تراه مصادر واشنطن على أنه قد يكون دليلاً قوياً على طموح إيران إلى امتلاك أسلحة نووية.
ويشكك الأمريكيون – حسب برادلي- بأنه من الممكن أيضاً أن تكون إيران قد طورت منشآت للتخصيب في مواقع أخرى، فقد ذكر المجلس الوطني للمقاومة في إيران أن هنالك منشأتين جديدتين لنبذ الغاز في (رامانده) و(لاشكار آباد)، وأنه يقال إن إحدى المنشأتين ذات حراسة أمنية مشددة وهذا ليس أمراً ضرورياً لو أن هذه المواقع مختصة فعلاً بأعمال طبية أو زراعية كما تقول إيران. إن هذه المنشآت جميعها تبين أن إيران قد تعلمت درساً من الهجوم الإسرائيلي في عام 1981 على (مجمّع مفاعل تموز العراقي) منذ أن أنشىء ولو جزئياً على الأقل، فحرصت إيران على عدم تمركز البرنامج في مكان واحد لتلغي بذلك أي تهديد يوقف الاستمرار في البرنامج النووي ولو بهجوم واحد على إحدى المنشآت.
وفي حين أن هذه التطورات مدعاة للقلق فإن الخطر الحقيقي كما يقولون يكمن في تمهيد طريق إيران نحو امتلاك الأسلحة النووية بمساعدات خارجية. إن خط تقدم إيران نووياً لا يوحي بتدخل مساعدات خارجية في برنامجها. ومن الصعب فهم هذا الأمر وفقاً لتاريخ تطور الأسلحة النووية. ففي كل الحالات تقريباً فإن الدولة الناشئة نووياً لابد أن تلقى مساعدة من دولة أخرى. فالولايات المتحدة مثلاً تلقت مساعدات من بريطانيا وكندا واللاجئين الألمان والأوروبيين الذين أُكرهوا على الهجرة من بلادهم لأسباب سياسية، والولايات المتحدة بدورها ساعدت بريطانيا وفرنسا، وفرنسا بدورها ساعدت إسرائيل، وإسرائيل ساعدت جنوب إفريقيا، والجواسيس في (مشروع مانهاتن) ساعدوا الاتحاد السوفييتي. والاتحاد السوفييتي ساعد الصين، والصين ساعدت باكستان، وباكستان ساعدت كوريا الشمالية، ومع هذا التسلسل التاريخي والحقائق الأكيدة فلابد أن تتوقع واشنطن بأن كوريا الشمالية هي التي ساعدت إيران، وقد تصبح إيران بلداً نووياً خلال هذا العقد إذا لم يتم توقيف برنامجها النووي أو عرقلته إلى درجة كبيرة.
ويبني الأمريكيون موقفهم على أساس أنه يوجد دليل قوي على تلقيها مساعدة كثيفة من كوريا الشمالية. فما بين إبريل ويونيو 2003 تكررت الرحلات الجوية الإيرانية إلى (بيوينغ يانغ) لست مرات. ويشكل هذا الرقم زيادة مهمة عن الأرقام السابقة التي كانت بمعدل رحلة أو رحلتين في السنة. تُعتبر الشحنات الجوية أكثر أماناً من حيث التوقيف أو اعتراض سبيلها من النقل البحري وفقاً لخبرة كوريا الشمالية الحديثة في هذا المجال بعد أن كانت باخرة كورية محملة بالصواريخ ومتجهة إلى اليمين فاعترض سبيلها الأسطول البحري الاسباني في ديسمبر 2002. ولكن يبدو أن هنالك رغبة من طرف الإيرانيين في خوض مجازفات من هذا النوع حيث إن سفن الشحن الإيرانية رست في مرفأ (هايجو) في كوريا الشمالية الذي يبعد 120 كم جنوب (بيونغ يانغ) عام 2003 والتي من المفترض أنها تحمل قطع الصواريخ المطلوبة وتجهيزات عسكرية أخرى، وقد قدمت كوريا الشمالية مساعدة مكثفة لإيران لتطوير صاروخ (شهاب- 3) متوسط المدى الذي يستطيع الوصول إلى إسرائيل.
إن هنالك اهتماماً واضحاً من طرف أمريكا بشأن المنشأة التي هي قيد الإنشاء قرب (أراك) والتي تبعد 250 كم جنوب طهران والتي سوف تستخدم لإنتاج المياه الثقيلة وفي حديث ألقاه (غلام ريزا آغا زاده) مدير برنامج الطاقة الذرية في إيران في مؤتمر لمراجعة معاهدة منع انتشار الأسلحة النووية في 6 مايو عام 2003، قال فيه إن إيران ستقوم بإنشاء مفاعل لإنتاج 40 ميغاواط من اليورانيوم المشبع المصمم لإنتاج الماء الثقيل والذي لا يبعد كثيراً عن منشأة إنتاج المياه الثقيلة، ومن المتوقع أن يتم تشغيل هذا المفاعل تحت حماية الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وقد أنشئ عام 2004 (مفاعل إيران للبحوث النووية 40) ويُعتبر الوقود المستهلك في هذا النوع من المفاعل مثالياً لإنتاج مادة (البلوتونيوم) إشعاعية النشاط. وفي الواقع أنه من الممكن أن ينتج ما بين 8 إلى 10 كغ من هذه المادة في السنة وهي كمية كافية لسلاحين نوويين كل سنة، وقدم ذرائع لإنشاء منشأة (أراك) لإنتاج المياه الثقيلة الغنية بالهدروجين الثقيل. ومن الممكن استخدام الماء الثقيل في المفاعلات التي تنتج البلوتونيوم الخاص بالأسلحة والذي تتم معالجته لتحويله إلى أسلحة نووية. إن ميزة مفاعلات الماء الثقيل تكمن في استخدام اليوارنيوم الطبيعي وهو العنصر الذي تنقب عنه إيران حسب تصريحات الرئيس الإيراني السابق محمد خاتمي في فبراير 2003 التي تابعها الأمريكيون بقلق، وزيادة على هذا فإنهم يرون أن مراقبة اليورانيوم الطبيعي أصعب من اليورانيوم المخصب.
ويتابع برادلي أنهم في الولايات المتحدة الأمريكية قد تتبعوا ما قاله حسن روحاني الأمين العام لمجلس الأمن القومي الأعلى في 4 مارس 2003 بأن هنالك مصنعاً لمعالجة اليورانيوم بدئ العمل به في عام 2003 وهو يقع قرب مدينة أصفهان على بعد 350 كم جنوب طهران. ويعالج هذا المصنع اليورانيوم الذي يتم الحصول عليه من المناجم القريبة (مناجم ساغاند) ويتم تحويله إلى ثاني أوكسيد اليورانيوم، رابع فلورايد اليورانيوم، وسادس فلورايد اليورانيوم، ومن الممكن أن يتم نقل هذه المواد بعدئذ إلى (ناتانز) لتتم معالجتها بشكل أكبر ولتخصيب اليورانيوم الخاص بالأسلحة. ويرون أنه من الممكن أيضاً أن يتم استخدام ثاني أوكسيد اليورانيوم من مصنع أصفهان لإنتاج وقود نووي لمفاعل الماء الثقيل في (أراك).
يبقى أخيراً أن نقول إن العمل العسكري شبه مستحيل ضد إيران لأنها تمتلك أسلحة دمار شامل ولأن رد فعلها غير ممكن تحمله لا إسرائيلياً ولا أمريكياً، والحل هو تخصيب دولي تقدمه أوروبا، وعليه فإن الطلب الفرنسي من الرئيس السوري بشار الأسد التدخل لدى إيران لبحث إمكانية تقديم ما يؤكد سلمية هذا البرنامج يعني باختصار شديد الرغبة في إيجاد حل سلمي وقطع الطريق على عمل أمريكي مغامر.
::/fulltext::
::cck::1755::/cck::
