في النفوذ الإيراني وتحولاته

::cck::1795::/cck::
::introtext::

في المرحلة الراهنة وما سبقها، كان ثمة تخوف مطرد من اتساع النفوذ الإيراني في المنطقة العربية مستنداً في ذلك إلى أسباب وجذور تاريخية. وسرعان ما تعالت الأصوات هنا وهنالك منددة بما سمته تارة (الخطر أو المحور أو الامتداد الإيراني)، أو ما أطلق عليه البعض (الهلال الشيعي) تارة أخرى، والذي يتخذ من العراق قاعدة ومنطلقاً له ثم يعرج على كل من سوريا ولبنان ولا يتوقف أو ينتهي بطبيعة الحال عند مصر وإنما يتجاوزها إلى السودان وربما إلى دول المغرب العربي.

::/introtext::
::fulltext::

في المرحلة الراهنة وما سبقها، كان ثمة تخوف مطرد من اتساع النفوذ الإيراني في المنطقة العربية مستنداً في ذلك إلى أسباب وجذور تاريخية. وسرعان ما تعالت الأصوات هنا وهنالك منددة بما سمته تارة (الخطر أو المحور أو الامتداد الإيراني)، أو ما أطلق عليه البعض (الهلال الشيعي) تارة أخرى، والذي يتخذ من العراق قاعدة ومنطلقاً له ثم يعرج على كل من سوريا ولبنان ولا يتوقف أو ينتهي بطبيعة الحال عند مصر وإنما يتجاوزها إلى السودان وربما إلى دول المغرب العربي.

تساءل البعض إثر الحديث عن تكتل سني في مواجهة الامتداد الشيعي، عما إذا كانت طبول الحرب الباردة قد دقت ما بين العرب وإيران أم لا؟ خاصة بعد تنامي التعاطف الشعبي مع (حزب الله) إبان انتصاره التاريخي على إسرائيل في حرب يوليو 2006.

إن التساؤل الذي يفرض نفسه وبقوة، إنما يتعلق بكيفية تعاطي الأنظمة العربية مع الخطر الإيراني، وما إذا كانت هناك ازدواجية في المعايير المتبعة في التعامل معه مقارنة بالمشاريع الأمريكية التي ظهرت تحت مسميات من مثل (الشرق الأوسط الكبير) وما يتبعه من حديث عن (الفوضى الخلاقة) وغيرها من الدعوات ذات الإطار السياسي – التبشيري الصادرة عن البيت الأبيض.

 

على العرب أن يتأكدوا هذه المرة بأنفسهم من طبيعة التوجهات الإيرانية وليس وفقاً لمعطيات السياسة الأمريكية

 

كيف يمكن إذن أن نحدد بداية مرجعية هذا التخوف العربي المتنامي من اتساع النفوذ الإيراني في المنطقة؟ وهل يرجع ذلك إلى تعامل إيران، كمشروع سياسي إقليمي، يتعاطى مع العراق كمجال حيوي وامتداد جغرافي له؟ أم أن الأسباب في الأساس محض تاريخية ترجع إلى تمسك إيران بفارسيتها إزاء العروبة وقوميتها؟ بداية، ثمة من يؤكد أن الدول العربية كانت دائماً وفق نظرية سائدة لدى النخب السياسية والبيروقراطيات الحاكمة وقادة الرأي العام، تنظر إلى دول الجوار، ذات المرجعيات الحضارية المختلفة، كتركيا وإثيوبيا وإيران، على أنها يمكن أن تمثل إما عدواً محتملاً أو حليفاً استراتيجياً متوقعاً. إذ لا تكف تلك الدول عن التدخل في الشؤون الداخلية لبعض الدول العربية أو محاولة السيطرة كلية على أطراف المنطقة العربية بأسرها. لكن يبدو أن مثل هذه النخب السياسية لم تحمل نفسها، ولو لمرة واحدة، مسؤولية قطع الصلة مع هذه الدولة أو تلك، وكيف أنها سمحت لإسرائيل، على سبيل المثال، بالنفوذ وإقامة علاقات ذات أبعاد استراتيجية مع إثيوبيا مهدِدة بذلك أمن مصر في الصميم، وخاصة في ما يتعلق بمسألة المياه الإقليمية.

وحتى مع الإقرار بحدوث شيء من المرونة في التعامل مع هذه الأطراف، إلا أن الأمر يكاد يختلف جذرياً في ما يتعلق بالمسألة الإيرانية. إذ بات مؤكداً لدى مثل هذه النخب أن إيران تحمل أفكاراً تعتقد أنها يجب أن تصل إلى مسامع العالم العربي، وتؤثر في قراراته وتصيغ إدراكاته حول المستقبل والمصير المشترك للأمة الإسلامية ورؤية العالم من منظور مختلف والتعامل مع القوى الكبرى وفق منطق جديد يستند إلى القوة لا الإذعان والثورة لا الخضوع. ورغم تراجع هذا التوجه (فكرة تصدير الثورة الإيرانية) في عهد الرئيس خاتمي، الذي كان مقتنعاً بعدم جدواه في التعامل مع العالمين العربي والعالمي على حد سواء، إلا أنه عاد للظهور من جديد مع وصول أحمدي نجاد إلى الحكم سنة 2005.

 

 

يرى البعض أن الخطر الإيراني ليس وليد اللحظة لكنه متجذر تاريخياً في البنية الإيرانية ذاتها

 

 

وقد قام خاتمي بالفعل بالعديد من المبادرات، وخاصة مع دول الجوار، لإيجاد مزيد من الثقة ومد جسور التعامل ما بين العالمين العربي والفارسي، وذلك بهدف تحسين صورة إيران في المخيال السياسي العالمي عامة. ويمكن القول إنه نجح، إلى حد كبير، على الصعيد الداخلي، في إنهاء ما يمكن تسميته بموجة (عسكرة المجتمع الإيراني)، أي إبقاءه دائماً في حالة من (التعبئة العامة) وترقب حرب مستقبلية مع عدو موجود بالفعل أو محتمل. لكن، وفي المقابل، لم تحظ مبادراته بردود أفعال مماثلة من الجانب العربي كان من الممكن، لو قدرَ لها أن توجد، أن توسع من شأن القواسم المشتركة بين العالمين على المستوى الإقليمي.

واللافت للنظر في هذا السياق، أن ثمة تقارباً إيرانياً – أردنياً كان قد أوشك أن يصل إلى درجة التحالف بينهما في عهد ولي العهد السابق الأمير الحسن بن طلال. وقد عبر هذا التقارب عن نفسه في صورة تبادل بعثات علمية وسياحية بين كلا البلدين وإقامة معارض ومؤتمرات صناعية مشتركة ودعوة مفكرين إيرانيين لحضور مؤتمرات ثقافية أردنية، وبخاصة تلك التي كان يعقدها (المجمع الملكي لبحوث الحضارة الإسلامية)، والذي كان يترأسه الأمير الحسن بنفسه، كما تزايد الاهتمام المشترك بإشكالية التقريب بين المذاهب الإسلامية، أي بين السنة والشيعة على وجه الخصوص وغيرها من المسائل العلمية.

وحاول البعض التشكيك في هذا التقارب واتهام الجانب الأردني بأنه كان مدفوعاً برغبة أمريكية لاستطلاع نيات الجانب الإيراني والوقوف على مشروعاته التوسعية في المنطقة العربية، غير أن المبادرة الأردنية كانت تعكس في المقام الأول وجهة نظر الأمير الحسن، وقناعته الشخصية بأن إيران لديها من الإرث الحضاري المشترك الشيء الكثير ما يمكن من إقامة تحالف استراتيجي أو محور سياسي إقليمي مشترك معها.

وفي كل الأحوال، يرى البعض أن الخطر الإيراني لم يكن يوماً من الأيام وليد اللحظة الراهنة، كما أنه ليس رهناً كذلك بطموحات القائمين على الثورة الإسلامية فقط، وإنما هو متجذر تاريخياً في البنية الإيرانية ذاتها، وبما يتجاوز قيام الثورة الإسلامية بكثير. فقد كان شاه إيران، محمد رضا بهلوي، يتصرف كشرطي في منطقة الخليج ويهدد دول الجوار، كما أن إيران ظلت محتفظة على الدوام بفارسيتها، وهو ما تبرهن عليه قناعات تطفو إلى السطح من مثل تسمية الخليج العربي بـ (الخليج الفارسي)، وهي وإن كانت مسألة شكلية إلا أنها ذات دلالات سياسية. ومع تولي أحمدي نجاد حكم بلاده عادت إلى الظهور ثانية مسألة (تصدير الثورة الإسلامية)، لأن نجاد من الأمينين على خط الخميني، لذلك ثارت المخاوف مرة أخرى إزاء هذا التوجه، خاصة أنه هذه المرة يبدو شديد التعقيد، ويعتمد أكثر من آلية معلنة وغير معلنة للوصول إلى أهدافه.

لكن إذا كان من حق العرب أن يتخوفوا من هذا الامتداد الإيراني إلا أن ذلك لا يبرر على الإطلاق كل هذا الذهاب العربي باتجاه المعسكر الأمريكي لسبب بسيط، هو أن العرب لن ينجحوا في مواجهة المحور الإيراني بكونهم أدوات في يد المحور الأمريكي، خاصة أن بعض الدول العربية، كسوريا، وبعض القوى الفاعلة في العملية السياسية داخل بلادها كـ (حزب الله) في لبنان وحركة الحوثي في اليمن، لها علاقات قوية مع إيران، أي أنها تستند داخل الدول العربية ذاتها إلى قوى مؤثرة يمكنها توجيهها لخدمة أغراضها وإحداث نوع من الحراك السياسي يصب في الأساس لمصلحتها ويضر بمصالح هذه الدول وقد يؤثر سلباً أو إيجاباً في المنطقة العربية كلها بضمان توجهات الدول والقوى التابعة لها سياسياً على الصعيدين الإقليمي والعالمي.

 

 

مبادرات الرئيس الإيراني السابق خاتمي لم تحظ بردود أفعال مماثلة من الجانب العربي

 

 

وفي سياق مشابه، لا تزال إيران تتعاطى مع العراق كمجال حيوي لها وبعد استراتيجي متمم لكيانها وبوابة دخول للنفوذ إلى عمق المنطقة العربية ونقطة انطلاق أيضاً لما يسمى الهلال الشيعي. ووفقاً لذلك، يؤكد البعض أن إيران، وليس إسرائيل، كانت السبب الرئيسي في (غواية) الولايات المتحدة الأمريكية وإقناعها بضرورة التخلص من نظام صدام حسين بزعم امتلاكه أسلحة دمار شامل، وذلك بتمريرها معلومات مغلوطة حول قدرات النظام العراقي السابق النووية إلى معارضين عراقيين وذلك لتحقيق هدفين مهمين:

الأول: جر الولايات المتحدة إلى المستنقع العراقي، ومن ثم يتسنى لإيران متابعة برنامجها النووي الذي ترغب في تحويل الأنظار عنه، ولاقتناعها كذلك بأن الولايات المتحدة لا تستطيع أن تحارب على جبهتين معاً.

الثاني: الخلاص من نظام صدام الذي يهدد كل دول الجوار وعلى رأسها إيران التي كلفها الكثير في حرب الثماني سنوات.

 

وبغض النظر عن صحة أو خطأ مثل هذا التحليل، إلا أنه مما لا شك فيه أن ثمة تواطؤاً أمريكياً – إيرانياً في الوقت الحاضر في العراق، بل إن النفوذ الإيراني فيه يفوق النفوذ الأمريكي ذاته. وحتى داخل أفغانستان، فإن أغلب عقود إعادة إعمارها كانت من نصيب شركات إيرانية.

وفي المحصلة، يتساءل البعض حول الاستراتيجية الناجعة للتعامل مع النفوذ الإيراني في المنطقة العربية، فيما يشكك آخرون في أن تكون لإيران أهداف توسعية، وأن مقولة الخطر الإيراني أمريكية الصنع تعادل الخطر الإسلامي، وأن المحافظين الجدد دأبوا على خلق عدو ما لتبرير سياستهم الخارجية، خاصة أنهم ضللوا العالم أجمع من قبل بالحديث عن الخطر النووي العراقي، وأن استراتيجية (خلق العدو) التي يتبعونها تحقق مطامع الولايات المتحدة في الشرق الأوسط من جهة، وتحافظ على بقاء إسرائيل في قلب المنطقة من جهة ثانية.

لذا فعلى العرب ألا ينخدعوا بتلك الدعاوى، وأن يتأكدوا هذه المرة بأنفسهم من طبيعة التوجهات الإيرانية وما إذا كانت تشكل تهديداً بالفعل أم لا؟ وليس وفقاً لمعطيات الإدارة الأمريكية. هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى، فمن حق إيران وكل دولة ترى في نفسها القدرة على أن تلعب دوراً بارزاً في العملية السياسية أن تعمل من أجل ذلك، وعلينا ألا نقع في شباك الخطاب الأمريكي ذي الطبيعة المزدوجة والذي يحِل لنفسه ما يحرمه على الآخرين.

ومع ذلك، يبدو أن أغلب الأنظمة العربية ماضية في التعامل مع التوجه الإيراني بنفس المنطق المغلوط الذي تعاملت به، ولا تزال، مع الأزمة العراقية. أي أنها ستتعاطى مع الإحداثيات الأمريكية بتفاعل دون التحقق من صدقها أو عدمه، وهو ما يبرهن عليه استبعاد سوريا من المعادلة العربية السياسية المتوازنة إلى حد ما والتي كان ينهض بها الثلاثي: مصر والسعودية وسوريا، واستبدالها بالأردن، ما يعد خطوة أولى في سياق (الحرب الباردة) بين العرب وإيران، على الرغم من فشل الأردن في ملء الفراغ الذي أحدثه الخروج السوري، ما يؤكد ضرورة الحفاظ على هذا الثلاثي بغض النظر عن طابعه السياسي.

ووفقاً لمن يتحدثون عن الخطر الإيراني، فإن إيران لا تهدد فقط مصالح أو أمن الدول بالمعنى المتعارف عليه، وإنما تهدد (كيان) هذه الدول. إذ تحاول إيران جاهدة الالتفاف حول المنطقة العربية وتطويقها بزيادة حدة الصراع الطائفي في العراق، وبدعمها حزب الله في لبنان، وبتدخلها في القضية الفلسطينية مؤكدة على وحدة المصير المشترك، وأن إسرائيل عدوها الأول والأخير، وبسعيها لامتلاك أسلحة نووية لأغراض غير سلمية، وباندفاعها في تدعيم علاقاتها الاستراتيجية مع بعض الدول العربية كسوريا، وبدعمها لحركات ثورية داخلية في بعض الدول العربية كاليمن، إضافة إلى تصاعد الاتجاه الشيعي بصورة لافتة للنظر، وكاريزمية القيادة ممثلة في كل من حسن نصرالله وأحمدي نجاد، الذي يتحدث بفخر مثير للانتباه عن القوة الإيرانية العظمى وقدرة بلاده على ردع من يهددها وإلحاق الهزيمة، ليس بإسرائيل فقط، وإنما بالولايات المتحدة الأمريكية نفسها إذا ما فكرت في استخدام القوة ضد تطلعات إيران النووية.

ويبدو أن ثمة تكتلات عربية قد شكلت بالفعل لمواجهة الخطر الإيراني، وأن النخب السياسية على قناعة بالغة بضرورة احتوائه وتقليم أظفاره، ولو على الأقل مرحلياً. فليس من مصلحة الدول العربية الدخول في صراع مكشوف مع إيران حتى لو لم تقبل خيارها الحالي والمستقبلي. كما أن من الاستحالة بمكان أن تتراجع إيران عن طموحاتها المعلنة والخفية معاً، خاصة في ما يتعلق بسعيها لامتلاك الطاقة النووية. لذا أعتقد أن الدول العربية ستعمل مستقبلاً على اعتماد آلية الصراع غير المباشر مع طهران باستخدام الحملات الدعائية المناهضة لتطلعاتها وعقد مزيد من التحالفات السياسية المناوئة لحلفائها والحروب بالوكالة وما إلى ذلك من آليات الحرب الباردة.

ولكن يبقى التساؤل الأكبر: لماذا لا يجرب العرب الخيارَ الإيراني هذه المرة؟ قد يبدو التساؤل مشروعاً، ولكن بدل أن يتخندق العرب بين محورين: أمريكي وإيراني، لماذا لا يمتلكون خيارهم الخاص بهم؟ ولماذا لا يلجأون إلى إقامة تحالفات داخلية وعلاقات شراكة فيما بينهم، بدل أن يبقوا دائماً وأبداً بين المطرقة والسندان؟ ولماذا أيضاً لا يترجمون مشاريع الوحدة العربية على مختلف مستوياتها العسكرية والسياسية والتنموية، ليس بدافع الحد من خطر داهم فقط، وإنما تطبيقاً لرغبة شعبية ورسمية معاً؟

وختاماً يمكن القول إن لا سبيل لخيار عربي صميم ما لم يتحقق مشروع الوحدة العربية، أي ما لم تكن ثمة نية لقيام اتحاد عربي مشترك يتعدى الوعود والتصريحات والمجاملات واللغة الدبلوماسية الزائفة، وينفذ إلى صميم الإرادة المجتمعية على المستويين الرسمي والشعبي، وما لم يتجاوز العرب البروتوكولات الشكلية إلى إقامة سوق عربية مشتركة على المستوى الاقتصادي، واتفاقية دفاع مشترك على الصعيد الأمني، بدلاً من بقائنا بمثابة (حقل تجارب) لمحاور وخيارات أمريكية أو إيرانية لا تخلو من تحقيق مطامع ومصالح وأهداف شخصية لن تتحقق إلا على حساب استقلالنا ومستقبلنا العربي المشترك.

 

::/fulltext::

Getting your Trinity Audio player ready...

::cck::1795::/cck::
::introtext::

في المرحلة الراهنة وما سبقها، كان ثمة تخوف مطرد من اتساع النفوذ الإيراني في المنطقة العربية مستنداً في ذلك إلى أسباب وجذور تاريخية. وسرعان ما تعالت الأصوات هنا وهنالك منددة بما سمته تارة (الخطر أو المحور أو الامتداد الإيراني)، أو ما أطلق عليه البعض (الهلال الشيعي) تارة أخرى، والذي يتخذ من العراق قاعدة ومنطلقاً له ثم يعرج على كل من سوريا ولبنان ولا يتوقف أو ينتهي بطبيعة الحال عند مصر وإنما يتجاوزها إلى السودان وربما إلى دول المغرب العربي.

::/introtext::
::fulltext::

في المرحلة الراهنة وما سبقها، كان ثمة تخوف مطرد من اتساع النفوذ الإيراني في المنطقة العربية مستنداً في ذلك إلى أسباب وجذور تاريخية. وسرعان ما تعالت الأصوات هنا وهنالك منددة بما سمته تارة (الخطر أو المحور أو الامتداد الإيراني)، أو ما أطلق عليه البعض (الهلال الشيعي) تارة أخرى، والذي يتخذ من العراق قاعدة ومنطلقاً له ثم يعرج على كل من سوريا ولبنان ولا يتوقف أو ينتهي بطبيعة الحال عند مصر وإنما يتجاوزها إلى السودان وربما إلى دول المغرب العربي.

تساءل البعض إثر الحديث عن تكتل سني في مواجهة الامتداد الشيعي، عما إذا كانت طبول الحرب الباردة قد دقت ما بين العرب وإيران أم لا؟ خاصة بعد تنامي التعاطف الشعبي مع (حزب الله) إبان انتصاره التاريخي على إسرائيل في حرب يوليو 2006.

إن التساؤل الذي يفرض نفسه وبقوة، إنما يتعلق بكيفية تعاطي الأنظمة العربية مع الخطر الإيراني، وما إذا كانت هناك ازدواجية في المعايير المتبعة في التعامل معه مقارنة بالمشاريع الأمريكية التي ظهرت تحت مسميات من مثل (الشرق الأوسط الكبير) وما يتبعه من حديث عن (الفوضى الخلاقة) وغيرها من الدعوات ذات الإطار السياسي – التبشيري الصادرة عن البيت الأبيض.

 

على العرب أن يتأكدوا هذه المرة بأنفسهم من طبيعة التوجهات الإيرانية وليس وفقاً لمعطيات السياسة الأمريكية

 

كيف يمكن إذن أن نحدد بداية مرجعية هذا التخوف العربي المتنامي من اتساع النفوذ الإيراني في المنطقة؟ وهل يرجع ذلك إلى تعامل إيران، كمشروع سياسي إقليمي، يتعاطى مع العراق كمجال حيوي وامتداد جغرافي له؟ أم أن الأسباب في الأساس محض تاريخية ترجع إلى تمسك إيران بفارسيتها إزاء العروبة وقوميتها؟ بداية، ثمة من يؤكد أن الدول العربية كانت دائماً وفق نظرية سائدة لدى النخب السياسية والبيروقراطيات الحاكمة وقادة الرأي العام، تنظر إلى دول الجوار، ذات المرجعيات الحضارية المختلفة، كتركيا وإثيوبيا وإيران، على أنها يمكن أن تمثل إما عدواً محتملاً أو حليفاً استراتيجياً متوقعاً. إذ لا تكف تلك الدول عن التدخل في الشؤون الداخلية لبعض الدول العربية أو محاولة السيطرة كلية على أطراف المنطقة العربية بأسرها. لكن يبدو أن مثل هذه النخب السياسية لم تحمل نفسها، ولو لمرة واحدة، مسؤولية قطع الصلة مع هذه الدولة أو تلك، وكيف أنها سمحت لإسرائيل، على سبيل المثال، بالنفوذ وإقامة علاقات ذات أبعاد استراتيجية مع إثيوبيا مهدِدة بذلك أمن مصر في الصميم، وخاصة في ما يتعلق بمسألة المياه الإقليمية.

وحتى مع الإقرار بحدوث شيء من المرونة في التعامل مع هذه الأطراف، إلا أن الأمر يكاد يختلف جذرياً في ما يتعلق بالمسألة الإيرانية. إذ بات مؤكداً لدى مثل هذه النخب أن إيران تحمل أفكاراً تعتقد أنها يجب أن تصل إلى مسامع العالم العربي، وتؤثر في قراراته وتصيغ إدراكاته حول المستقبل والمصير المشترك للأمة الإسلامية ورؤية العالم من منظور مختلف والتعامل مع القوى الكبرى وفق منطق جديد يستند إلى القوة لا الإذعان والثورة لا الخضوع. ورغم تراجع هذا التوجه (فكرة تصدير الثورة الإيرانية) في عهد الرئيس خاتمي، الذي كان مقتنعاً بعدم جدواه في التعامل مع العالمين العربي والعالمي على حد سواء، إلا أنه عاد للظهور من جديد مع وصول أحمدي نجاد إلى الحكم سنة 2005.

 

 

يرى البعض أن الخطر الإيراني ليس وليد اللحظة لكنه متجذر تاريخياً في البنية الإيرانية ذاتها

 

 

وقد قام خاتمي بالفعل بالعديد من المبادرات، وخاصة مع دول الجوار، لإيجاد مزيد من الثقة ومد جسور التعامل ما بين العالمين العربي والفارسي، وذلك بهدف تحسين صورة إيران في المخيال السياسي العالمي عامة. ويمكن القول إنه نجح، إلى حد كبير، على الصعيد الداخلي، في إنهاء ما يمكن تسميته بموجة (عسكرة المجتمع الإيراني)، أي إبقاءه دائماً في حالة من (التعبئة العامة) وترقب حرب مستقبلية مع عدو موجود بالفعل أو محتمل. لكن، وفي المقابل، لم تحظ مبادراته بردود أفعال مماثلة من الجانب العربي كان من الممكن، لو قدرَ لها أن توجد، أن توسع من شأن القواسم المشتركة بين العالمين على المستوى الإقليمي.

واللافت للنظر في هذا السياق، أن ثمة تقارباً إيرانياً – أردنياً كان قد أوشك أن يصل إلى درجة التحالف بينهما في عهد ولي العهد السابق الأمير الحسن بن طلال. وقد عبر هذا التقارب عن نفسه في صورة تبادل بعثات علمية وسياحية بين كلا البلدين وإقامة معارض ومؤتمرات صناعية مشتركة ودعوة مفكرين إيرانيين لحضور مؤتمرات ثقافية أردنية، وبخاصة تلك التي كان يعقدها (المجمع الملكي لبحوث الحضارة الإسلامية)، والذي كان يترأسه الأمير الحسن بنفسه، كما تزايد الاهتمام المشترك بإشكالية التقريب بين المذاهب الإسلامية، أي بين السنة والشيعة على وجه الخصوص وغيرها من المسائل العلمية.

وحاول البعض التشكيك في هذا التقارب واتهام الجانب الأردني بأنه كان مدفوعاً برغبة أمريكية لاستطلاع نيات الجانب الإيراني والوقوف على مشروعاته التوسعية في المنطقة العربية، غير أن المبادرة الأردنية كانت تعكس في المقام الأول وجهة نظر الأمير الحسن، وقناعته الشخصية بأن إيران لديها من الإرث الحضاري المشترك الشيء الكثير ما يمكن من إقامة تحالف استراتيجي أو محور سياسي إقليمي مشترك معها.

وفي كل الأحوال، يرى البعض أن الخطر الإيراني لم يكن يوماً من الأيام وليد اللحظة الراهنة، كما أنه ليس رهناً كذلك بطموحات القائمين على الثورة الإسلامية فقط، وإنما هو متجذر تاريخياً في البنية الإيرانية ذاتها، وبما يتجاوز قيام الثورة الإسلامية بكثير. فقد كان شاه إيران، محمد رضا بهلوي، يتصرف كشرطي في منطقة الخليج ويهدد دول الجوار، كما أن إيران ظلت محتفظة على الدوام بفارسيتها، وهو ما تبرهن عليه قناعات تطفو إلى السطح من مثل تسمية الخليج العربي بـ (الخليج الفارسي)، وهي وإن كانت مسألة شكلية إلا أنها ذات دلالات سياسية. ومع تولي أحمدي نجاد حكم بلاده عادت إلى الظهور ثانية مسألة (تصدير الثورة الإسلامية)، لأن نجاد من الأمينين على خط الخميني، لذلك ثارت المخاوف مرة أخرى إزاء هذا التوجه، خاصة أنه هذه المرة يبدو شديد التعقيد، ويعتمد أكثر من آلية معلنة وغير معلنة للوصول إلى أهدافه.

لكن إذا كان من حق العرب أن يتخوفوا من هذا الامتداد الإيراني إلا أن ذلك لا يبرر على الإطلاق كل هذا الذهاب العربي باتجاه المعسكر الأمريكي لسبب بسيط، هو أن العرب لن ينجحوا في مواجهة المحور الإيراني بكونهم أدوات في يد المحور الأمريكي، خاصة أن بعض الدول العربية، كسوريا، وبعض القوى الفاعلة في العملية السياسية داخل بلادها كـ (حزب الله) في لبنان وحركة الحوثي في اليمن، لها علاقات قوية مع إيران، أي أنها تستند داخل الدول العربية ذاتها إلى قوى مؤثرة يمكنها توجيهها لخدمة أغراضها وإحداث نوع من الحراك السياسي يصب في الأساس لمصلحتها ويضر بمصالح هذه الدول وقد يؤثر سلباً أو إيجاباً في المنطقة العربية كلها بضمان توجهات الدول والقوى التابعة لها سياسياً على الصعيدين الإقليمي والعالمي.

 

 

مبادرات الرئيس الإيراني السابق خاتمي لم تحظ بردود أفعال مماثلة من الجانب العربي

 

 

وفي سياق مشابه، لا تزال إيران تتعاطى مع العراق كمجال حيوي لها وبعد استراتيجي متمم لكيانها وبوابة دخول للنفوذ إلى عمق المنطقة العربية ونقطة انطلاق أيضاً لما يسمى الهلال الشيعي. ووفقاً لذلك، يؤكد البعض أن إيران، وليس إسرائيل، كانت السبب الرئيسي في (غواية) الولايات المتحدة الأمريكية وإقناعها بضرورة التخلص من نظام صدام حسين بزعم امتلاكه أسلحة دمار شامل، وذلك بتمريرها معلومات مغلوطة حول قدرات النظام العراقي السابق النووية إلى معارضين عراقيين وذلك لتحقيق هدفين مهمين:

الأول: جر الولايات المتحدة إلى المستنقع العراقي، ومن ثم يتسنى لإيران متابعة برنامجها النووي الذي ترغب في تحويل الأنظار عنه، ولاقتناعها كذلك بأن الولايات المتحدة لا تستطيع أن تحارب على جبهتين معاً.

الثاني: الخلاص من نظام صدام الذي يهدد كل دول الجوار وعلى رأسها إيران التي كلفها الكثير في حرب الثماني سنوات.

 

وبغض النظر عن صحة أو خطأ مثل هذا التحليل، إلا أنه مما لا شك فيه أن ثمة تواطؤاً أمريكياً – إيرانياً في الوقت الحاضر في العراق، بل إن النفوذ الإيراني فيه يفوق النفوذ الأمريكي ذاته. وحتى داخل أفغانستان، فإن أغلب عقود إعادة إعمارها كانت من نصيب شركات إيرانية.

وفي المحصلة، يتساءل البعض حول الاستراتيجية الناجعة للتعامل مع النفوذ الإيراني في المنطقة العربية، فيما يشكك آخرون في أن تكون لإيران أهداف توسعية، وأن مقولة الخطر الإيراني أمريكية الصنع تعادل الخطر الإسلامي، وأن المحافظين الجدد دأبوا على خلق عدو ما لتبرير سياستهم الخارجية، خاصة أنهم ضللوا العالم أجمع من قبل بالحديث عن الخطر النووي العراقي، وأن استراتيجية (خلق العدو) التي يتبعونها تحقق مطامع الولايات المتحدة في الشرق الأوسط من جهة، وتحافظ على بقاء إسرائيل في قلب المنطقة من جهة ثانية.

لذا فعلى العرب ألا ينخدعوا بتلك الدعاوى، وأن يتأكدوا هذه المرة بأنفسهم من طبيعة التوجهات الإيرانية وما إذا كانت تشكل تهديداً بالفعل أم لا؟ وليس وفقاً لمعطيات الإدارة الأمريكية. هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى، فمن حق إيران وكل دولة ترى في نفسها القدرة على أن تلعب دوراً بارزاً في العملية السياسية أن تعمل من أجل ذلك، وعلينا ألا نقع في شباك الخطاب الأمريكي ذي الطبيعة المزدوجة والذي يحِل لنفسه ما يحرمه على الآخرين.

ومع ذلك، يبدو أن أغلب الأنظمة العربية ماضية في التعامل مع التوجه الإيراني بنفس المنطق المغلوط الذي تعاملت به، ولا تزال، مع الأزمة العراقية. أي أنها ستتعاطى مع الإحداثيات الأمريكية بتفاعل دون التحقق من صدقها أو عدمه، وهو ما يبرهن عليه استبعاد سوريا من المعادلة العربية السياسية المتوازنة إلى حد ما والتي كان ينهض بها الثلاثي: مصر والسعودية وسوريا، واستبدالها بالأردن، ما يعد خطوة أولى في سياق (الحرب الباردة) بين العرب وإيران، على الرغم من فشل الأردن في ملء الفراغ الذي أحدثه الخروج السوري، ما يؤكد ضرورة الحفاظ على هذا الثلاثي بغض النظر عن طابعه السياسي.

ووفقاً لمن يتحدثون عن الخطر الإيراني، فإن إيران لا تهدد فقط مصالح أو أمن الدول بالمعنى المتعارف عليه، وإنما تهدد (كيان) هذه الدول. إذ تحاول إيران جاهدة الالتفاف حول المنطقة العربية وتطويقها بزيادة حدة الصراع الطائفي في العراق، وبدعمها حزب الله في لبنان، وبتدخلها في القضية الفلسطينية مؤكدة على وحدة المصير المشترك، وأن إسرائيل عدوها الأول والأخير، وبسعيها لامتلاك أسلحة نووية لأغراض غير سلمية، وباندفاعها في تدعيم علاقاتها الاستراتيجية مع بعض الدول العربية كسوريا، وبدعمها لحركات ثورية داخلية في بعض الدول العربية كاليمن، إضافة إلى تصاعد الاتجاه الشيعي بصورة لافتة للنظر، وكاريزمية القيادة ممثلة في كل من حسن نصرالله وأحمدي نجاد، الذي يتحدث بفخر مثير للانتباه عن القوة الإيرانية العظمى وقدرة بلاده على ردع من يهددها وإلحاق الهزيمة، ليس بإسرائيل فقط، وإنما بالولايات المتحدة الأمريكية نفسها إذا ما فكرت في استخدام القوة ضد تطلعات إيران النووية.

ويبدو أن ثمة تكتلات عربية قد شكلت بالفعل لمواجهة الخطر الإيراني، وأن النخب السياسية على قناعة بالغة بضرورة احتوائه وتقليم أظفاره، ولو على الأقل مرحلياً. فليس من مصلحة الدول العربية الدخول في صراع مكشوف مع إيران حتى لو لم تقبل خيارها الحالي والمستقبلي. كما أن من الاستحالة بمكان أن تتراجع إيران عن طموحاتها المعلنة والخفية معاً، خاصة في ما يتعلق بسعيها لامتلاك الطاقة النووية. لذا أعتقد أن الدول العربية ستعمل مستقبلاً على اعتماد آلية الصراع غير المباشر مع طهران باستخدام الحملات الدعائية المناهضة لتطلعاتها وعقد مزيد من التحالفات السياسية المناوئة لحلفائها والحروب بالوكالة وما إلى ذلك من آليات الحرب الباردة.

ولكن يبقى التساؤل الأكبر: لماذا لا يجرب العرب الخيارَ الإيراني هذه المرة؟ قد يبدو التساؤل مشروعاً، ولكن بدل أن يتخندق العرب بين محورين: أمريكي وإيراني، لماذا لا يمتلكون خيارهم الخاص بهم؟ ولماذا لا يلجأون إلى إقامة تحالفات داخلية وعلاقات شراكة فيما بينهم، بدل أن يبقوا دائماً وأبداً بين المطرقة والسندان؟ ولماذا أيضاً لا يترجمون مشاريع الوحدة العربية على مختلف مستوياتها العسكرية والسياسية والتنموية، ليس بدافع الحد من خطر داهم فقط، وإنما تطبيقاً لرغبة شعبية ورسمية معاً؟

وختاماً يمكن القول إن لا سبيل لخيار عربي صميم ما لم يتحقق مشروع الوحدة العربية، أي ما لم تكن ثمة نية لقيام اتحاد عربي مشترك يتعدى الوعود والتصريحات والمجاملات واللغة الدبلوماسية الزائفة، وينفذ إلى صميم الإرادة المجتمعية على المستويين الرسمي والشعبي، وما لم يتجاوز العرب البروتوكولات الشكلية إلى إقامة سوق عربية مشتركة على المستوى الاقتصادي، واتفاقية دفاع مشترك على الصعيد الأمني، بدلاً من بقائنا بمثابة (حقل تجارب) لمحاور وخيارات أمريكية أو إيرانية لا تخلو من تحقيق مطامع ومصالح وأهداف شخصية لن تتحقق إلا على حساب استقلالنا ومستقبلنا العربي المشترك.

 

::/fulltext::
::cck::1795::/cck::

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *