طريق أوروبا إلى الخليج … هل تمر بواشنطن دائماً؟

::cck::2018::/cck::
::introtext::

لم تكن الولايات المتحدة الأمريكية قد لعبت دوراً بارزاً على مسرح الحياة السياسية، حين كانت بعض الدول الأوروبية تتواجد في منطقة الخليج العربي لتأمين طريق تجارتها الكبيرة والرابحة إلى الهند، وظلت واشنطن قرابة قرن ونصف القرن غير معنية كثيراً بالمحاولات البريطانية الفرنسية للسيطرة على منطقة الخليج أو غيرها.

::/introtext::
::fulltext::

لم تكن الولايات المتحدة الأمريكية قد لعبت دوراً بارزاً على مسرح الحياة السياسية، حين كانت بعض الدول الأوروبية تتواجد في منطقة الخليج العربي لتأمين طريق تجارتها الكبيرة والرابحة إلى الهند، وظلت واشنطن قرابة قرن ونصف القرن غير معنية كثيراً بالمحاولات البريطانية الفرنسية للسيطرة على منطقة الخليج أو غيرها.

لكن بعد أن وضعت الحرب العالمية الثانية أوزارها ظهر عاملان أساسيان جعلا أمريكا تزاحم أوروبا بحثاً عن نفوذ في الخليج العربي، الأول هو وجود فراغ في المنطقة عقب تراجع قوة بريطانيا، الإمبراطورية التي كانت لا تغيب عنها الشمس، حيث كان على أي طرف عالمي كبير أن يتقدم ليملأه. ونظرا لأن الولايات المتحدة هي التي قادت الانتصار في الحرب بمشاركة الاتحاد السوفييتي المنهار، فقد كانت هي القوة المؤهلة لتحل محل بريطانيا في الخليج. والثاني هو ظهور النفط في المنطقة، متزامناً مع التطور الرهيب الذي شهدته الصناعات الكبرى في العالم، والتي فتحت فمها لابتلاع كميات ضخمة من الطاقة.

وضاع العامل الأول مع تقدم الولايات المتحدة لتصبح القوة العالمية الرئيسية المتحكمة في كثير من مجريات الأمور بمنطقة الشرق الأوسط برمتها، حيث لم تعد في حاجة إلى ملء أي فراغ ناجم عن تراجع قوة استعمارية قديمة، بعد أن سلم لها الجميع بأنها صاحبة اليد الطولى في العلاقات الدولية المعاصرة. أما العامل الثاني فقد تعزز بمرور الأيام بعد أن أظهرت المسوح الجيولوجية أن منطقة الخليج تحتوي على كميات ضخمة من النفط الخام، تجعلها تحتل المركز الأول عالمياً سواء من حيث الاحتياطي أو الإنتاج، وتصير مطمعاً للقوى الصناعية كافة.

لكن دول أوروبا الرئيسية لم تترك الساحة تماماً، بل حولت دورها في منطقة الخليج ليتخذ صيغتين أساسيتين، الأولى هي مساعدة الولايات المتحدة على التمكن والتمدد داخل هذه المنطقة، والتصدي لمحاولة الاتحاد السوفييتي التقدم إلى المياه الدافئة، لاسيما بعد أن اجتاحت جيوشه أفغانستان، وأصبحت على مرمى حجر من الخليج العربي. وبقي الدور الأوروبي في هذه الناحية مجرد مساعد، ولم يرق إلى مستوى الشريك، وهي مسألة تكررت في مناطق مختلفة من العالم، ووجدت اقتناعاً راسخاً ومستمراً من أغلب قادة الدول الأوروبية المتعاقبين على سدة الحكم في سياق إدراكهم لتفاوت القوة بين دولهم وبين الولايات المتحدة، التي باتت تنفق على الدفاع عشرة أضعاف ما تنفقه أوروبا مجتمعة عليه.

الاستقلال الأوروبي عن الولايات المتحدة لم يصل إلى محطة فارقة في منطقة الخليج على وجه الخصوص

أما الثانية فهي محاولة بناء علاقات ثنائية مستقلة مع بعض الدول الخليجية كل على حدة، وكذلك علاقات جماعية بين مجلس التعاون لدول الخليج العربية والاتحاد الأوروبي. وهنا أصبحت لدول أوروبا شركات كبرى عاملة في الخليج العربي سواء في مجال الطاقة أو غيرها، وسعت حكوماتها إلى الحصول على نصيب ذي بال من إنفاق دول الخليج على التسليح. وبالطبع فإن هذه العلاقات لم تتم خارج إرادة الولايات المتحدة، بل تحت سمعها وبصرها، وبمباركتها في كثير من الأحيان. وقد جنت أمريكا حصاد ما زرعته هنا، حيث وقفت الدول الأوروبية إلى جانبها في الأزمات الكبرى المتعلقة بمنطقة الخليج العربي، وفي مطلعها الغزو العراقي للكويت في الثاني من أغسطس عام 1990، فوقتها وجدت الولايات المتحدة نفسها في موقف يحتم عليها ضرورة التدخل لحماية مصالحها الحيوية، لكن كان من الصعب عليها أن تتحرك بمفردها في اتجاه تحرير الكويت وتأمين تدفق النفط إليها، وهنا انبرت الدول الأوروبية الكبرى لتقف إلى جانب واشنطن، فشكلت تحالفاً دولياً واسعاً، خاضت به الحرب وانتصرت، وتمكنت من تعزيز نفوذها في المنطقة، بعد أن وجدت مبرراً قوياً لذلك، ساقته إلى العالم أجمع، ناهيك عن سكان الخليج أنفسهم، الذين راق لأغلبهم تدخل قوة دولية كبرى لحمايتهم من طمع أي طرف إقليمي، خاصة بعد أن وصل هذا الطمع إلى حد ابتلاع دولة عضو في الأمم المتحدة وهي الكويت.

 لكن الاستقلال الأوروبي عن الولايات المتحدة لم يصل إلى محطة فارقة في منطقة الخليج على وجه الخصوص. فعلى سبيل المثال كانت لفرنسا علاقات مختلفة مع بعض الدول الإفريقية عن نظيرتها الأمريكية. ففي وقت كانت فيه أمريكا تهمل القارة السمراء إهمالاً ظاهراً، كانت فرنسا تمد حبال مصالحها هناك إلى أقصى درجة. فلما اهتمت واشنطن بإفريقيا، بعد أن أظهرت المسوح الجيولوجية أن منطقة خليج غينيا تعوم على بحر من النفط الخام، دخلت منافسا لفرنسا في إفريقيا، وبدأت باريس تتصرف بتوجس حيال هذا الدور الأمريكي الجديد المتصاعد. أما في الخليج فإن باريس لم تطمع إلى أكثر مما هي عليه الآن، حيث تعيش على الفتات المتبقي من أمريكا، وتضع كل جهدها في تحسين هذا الفتات ليصير أكبر وأكثر جدوى.

ولم تخل استقلالية فرنسا عن أمريكا في الخليج من العيب الذي يصم السياسات الخارجية الفرنسية بشكل عام، وهو إظهار تناقضها مع واشنطن على مستوى الخطاب حيال بعض القضايا، لكن حين تنجرف الأمور إلى الخطر، أو يأتي وقت الفعل، تتحول السياسة الفرنسية لتمشي في ركاب السياسة الأمريكية تماماً. وحدث هذا على سبيل المثال، وقت الاستعداد لضرب العراق، ففي البداية كانت باريس تبدي مقاربة مختلفة نسبياً في معالجة الأزمة، لكن حين جاء وقت الجد والمواجهة، اندمجت تماماً في قوات التحالف الدولية التي تصدت لجيش صدام حسين.

أما إنكلترا فلم تبتعد عن وضعها التقليدي من السياسات الأمريكية، فاستمرت جزءاً منها، وفي كثير من الأحيان عراباً لها حيال منطقة الخليج، كما هي الحال إزاء مناطق أخرى من العالم، ومرد هذا الأمر هو تطابق مصالح البلدين حيال الكثير من الملفات السياسية والاقتصادية التي تمس منطقة الخليج أو ترتبط بها. فلندن حريصة هي الأخرى على الحصول على النفط الخام، من منطلق حرصها على تسويق بعض منتجاتها من الصناعات الحربية. وهي تدرك تماماً أن نفوذها القديم في الخليج قد انحسر، وليس بوسعها أن تبني علاقات مستقلة معها، حتى لو حاولت فإن مسعاها لا محالة خائب. وقد جربت بريطانيا نتائج سيرها في ركاب السياسة الأمريكية، فوجدتها مثمرة إلى حد هائل، ومن ثم لم تجد، وقد لا تجد أي مبرر للاختلاف عنها أو الخروج عليها. وهناك اتفاق واضح بين المحافظين والعمال على هذه النقطة، وهو توجه تعزز من أيام حكم مارغريت تاتشر، ولا يزال سارياً إلى الآن، وليس هناك ما يشير إلى أن شيئاً سيطرأ عليه في المستقبل المنظور.

العلاقات الأوروبية – الخليجية في مجال الطاقة وغيرها لم تتم خارج إرادة الولايات المتحدة

وفي كل الأحوال فإن وزن العامل الأمريكي في تشكيل العلاقات الخليجية ـ الأوروبية كبير ومتسع، ويؤثر فيها في شتى جوانبها. بل تبدو الولايات المتحدة في هذا الوضع بمثابة القاطرة التي تجر كل أوروبا إلى الخليج، وتستطيع أن ترجع بها إن أرادت، وفي أي وقت، وإلى أي مكان. ومن جانبها لا تبدي دول أوروبا الكبرى، التي تدخل في تحالفات متنوعة مع أمريكا، أي غضاضة في ذلك، وبدورها تتفهم واشنطن مصالح الجميع، وتحرص على ألا تذهب بعيداً في أي موقف بما يؤدي إلى حدوث شرخ بينها وبين أوروبا. وفي المقابل تتفهم دول الخليج العربية طبيعة هذه التوازنات، وتتصرف على أساسها، وتحقق مصالحها من خلالها، وهي حين تقدم على بناء أي علاقة مع دولة أوروبية تضع عينها على موقف واشنطن ورأيها في هذه العلاقة، وتدرك أن الاتحاد الأوروبي مكمل للسياسة الأمريكية في الخليج، وليس منافساً على الإطلاق. وهذا الوضع يريح دول مجلس التعاون، التي لا تحتاج إلى اللعب على أي حد من التناقضات الدولية، كثيراً أو قليلاً، نظراً لأنها لا تدخل في صراعات إقليمية حادة.

ويبقى الشيء الوحيد الذي من الممكن أن تتناقض فيه دول الخليج مع أمريكا، ويساعدها طرف أوروبي في هذا، هو ذلك الذي يتعلق بمنظمة الدول المصدرة للنفط (أوبك) حيث تنسق دول مجلس التعاون الأعضاء في هذه المنظمة المهمة مع دول أوروبية منتجة للنفط وهي النرويج في تقليص الإنتاج بغية رفع أسعار النفط الخام أو منعها من التدهور، في وقت تكون فيه الولايات المتحدة ومعها دول أوروبا الرئيسية تنادي بزيادة المعروض من النفط في السوق الدولية.

خلاصة الأمر أن الولايات المتحدة موجودة بدرجات متفاوتة في كل مفاصل العلاقات الخليجية ـ الأوروبية، وهي مسألة لا تحددها كون أمريكا هي القوة العظمى الرئيسية في تلك اللحظة فقط ، بل رضاء كل من دول الخليج ودول أوروبا عن ضرورة المرور بواشنطن في كثير من الخطوات التي تبني علاقة الطرفين، وهذه معادلة لا يلوح في الأفق ما يشير إلى إمكانية الخروج عليها.

::/fulltext::

Getting your Trinity Audio player ready...

::cck::2018::/cck::
::introtext::

لم تكن الولايات المتحدة الأمريكية قد لعبت دوراً بارزاً على مسرح الحياة السياسية، حين كانت بعض الدول الأوروبية تتواجد في منطقة الخليج العربي لتأمين طريق تجارتها الكبيرة والرابحة إلى الهند، وظلت واشنطن قرابة قرن ونصف القرن غير معنية كثيراً بالمحاولات البريطانية الفرنسية للسيطرة على منطقة الخليج أو غيرها.

::/introtext::
::fulltext::

لم تكن الولايات المتحدة الأمريكية قد لعبت دوراً بارزاً على مسرح الحياة السياسية، حين كانت بعض الدول الأوروبية تتواجد في منطقة الخليج العربي لتأمين طريق تجارتها الكبيرة والرابحة إلى الهند، وظلت واشنطن قرابة قرن ونصف القرن غير معنية كثيراً بالمحاولات البريطانية الفرنسية للسيطرة على منطقة الخليج أو غيرها.

لكن بعد أن وضعت الحرب العالمية الثانية أوزارها ظهر عاملان أساسيان جعلا أمريكا تزاحم أوروبا بحثاً عن نفوذ في الخليج العربي، الأول هو وجود فراغ في المنطقة عقب تراجع قوة بريطانيا، الإمبراطورية التي كانت لا تغيب عنها الشمس، حيث كان على أي طرف عالمي كبير أن يتقدم ليملأه. ونظرا لأن الولايات المتحدة هي التي قادت الانتصار في الحرب بمشاركة الاتحاد السوفييتي المنهار، فقد كانت هي القوة المؤهلة لتحل محل بريطانيا في الخليج. والثاني هو ظهور النفط في المنطقة، متزامناً مع التطور الرهيب الذي شهدته الصناعات الكبرى في العالم، والتي فتحت فمها لابتلاع كميات ضخمة من الطاقة.

وضاع العامل الأول مع تقدم الولايات المتحدة لتصبح القوة العالمية الرئيسية المتحكمة في كثير من مجريات الأمور بمنطقة الشرق الأوسط برمتها، حيث لم تعد في حاجة إلى ملء أي فراغ ناجم عن تراجع قوة استعمارية قديمة، بعد أن سلم لها الجميع بأنها صاحبة اليد الطولى في العلاقات الدولية المعاصرة. أما العامل الثاني فقد تعزز بمرور الأيام بعد أن أظهرت المسوح الجيولوجية أن منطقة الخليج تحتوي على كميات ضخمة من النفط الخام، تجعلها تحتل المركز الأول عالمياً سواء من حيث الاحتياطي أو الإنتاج، وتصير مطمعاً للقوى الصناعية كافة.

لكن دول أوروبا الرئيسية لم تترك الساحة تماماً، بل حولت دورها في منطقة الخليج ليتخذ صيغتين أساسيتين، الأولى هي مساعدة الولايات المتحدة على التمكن والتمدد داخل هذه المنطقة، والتصدي لمحاولة الاتحاد السوفييتي التقدم إلى المياه الدافئة، لاسيما بعد أن اجتاحت جيوشه أفغانستان، وأصبحت على مرمى حجر من الخليج العربي. وبقي الدور الأوروبي في هذه الناحية مجرد مساعد، ولم يرق إلى مستوى الشريك، وهي مسألة تكررت في مناطق مختلفة من العالم، ووجدت اقتناعاً راسخاً ومستمراً من أغلب قادة الدول الأوروبية المتعاقبين على سدة الحكم في سياق إدراكهم لتفاوت القوة بين دولهم وبين الولايات المتحدة، التي باتت تنفق على الدفاع عشرة أضعاف ما تنفقه أوروبا مجتمعة عليه.

الاستقلال الأوروبي عن الولايات المتحدة لم يصل إلى محطة فارقة في منطقة الخليج على وجه الخصوص

أما الثانية فهي محاولة بناء علاقات ثنائية مستقلة مع بعض الدول الخليجية كل على حدة، وكذلك علاقات جماعية بين مجلس التعاون لدول الخليج العربية والاتحاد الأوروبي. وهنا أصبحت لدول أوروبا شركات كبرى عاملة في الخليج العربي سواء في مجال الطاقة أو غيرها، وسعت حكوماتها إلى الحصول على نصيب ذي بال من إنفاق دول الخليج على التسليح. وبالطبع فإن هذه العلاقات لم تتم خارج إرادة الولايات المتحدة، بل تحت سمعها وبصرها، وبمباركتها في كثير من الأحيان. وقد جنت أمريكا حصاد ما زرعته هنا، حيث وقفت الدول الأوروبية إلى جانبها في الأزمات الكبرى المتعلقة بمنطقة الخليج العربي، وفي مطلعها الغزو العراقي للكويت في الثاني من أغسطس عام 1990، فوقتها وجدت الولايات المتحدة نفسها في موقف يحتم عليها ضرورة التدخل لحماية مصالحها الحيوية، لكن كان من الصعب عليها أن تتحرك بمفردها في اتجاه تحرير الكويت وتأمين تدفق النفط إليها، وهنا انبرت الدول الأوروبية الكبرى لتقف إلى جانب واشنطن، فشكلت تحالفاً دولياً واسعاً، خاضت به الحرب وانتصرت، وتمكنت من تعزيز نفوذها في المنطقة، بعد أن وجدت مبرراً قوياً لذلك، ساقته إلى العالم أجمع، ناهيك عن سكان الخليج أنفسهم، الذين راق لأغلبهم تدخل قوة دولية كبرى لحمايتهم من طمع أي طرف إقليمي، خاصة بعد أن وصل هذا الطمع إلى حد ابتلاع دولة عضو في الأمم المتحدة وهي الكويت.

 لكن الاستقلال الأوروبي عن الولايات المتحدة لم يصل إلى محطة فارقة في منطقة الخليج على وجه الخصوص. فعلى سبيل المثال كانت لفرنسا علاقات مختلفة مع بعض الدول الإفريقية عن نظيرتها الأمريكية. ففي وقت كانت فيه أمريكا تهمل القارة السمراء إهمالاً ظاهراً، كانت فرنسا تمد حبال مصالحها هناك إلى أقصى درجة. فلما اهتمت واشنطن بإفريقيا، بعد أن أظهرت المسوح الجيولوجية أن منطقة خليج غينيا تعوم على بحر من النفط الخام، دخلت منافسا لفرنسا في إفريقيا، وبدأت باريس تتصرف بتوجس حيال هذا الدور الأمريكي الجديد المتصاعد. أما في الخليج فإن باريس لم تطمع إلى أكثر مما هي عليه الآن، حيث تعيش على الفتات المتبقي من أمريكا، وتضع كل جهدها في تحسين هذا الفتات ليصير أكبر وأكثر جدوى.

ولم تخل استقلالية فرنسا عن أمريكا في الخليج من العيب الذي يصم السياسات الخارجية الفرنسية بشكل عام، وهو إظهار تناقضها مع واشنطن على مستوى الخطاب حيال بعض القضايا، لكن حين تنجرف الأمور إلى الخطر، أو يأتي وقت الفعل، تتحول السياسة الفرنسية لتمشي في ركاب السياسة الأمريكية تماماً. وحدث هذا على سبيل المثال، وقت الاستعداد لضرب العراق، ففي البداية كانت باريس تبدي مقاربة مختلفة نسبياً في معالجة الأزمة، لكن حين جاء وقت الجد والمواجهة، اندمجت تماماً في قوات التحالف الدولية التي تصدت لجيش صدام حسين.

أما إنكلترا فلم تبتعد عن وضعها التقليدي من السياسات الأمريكية، فاستمرت جزءاً منها، وفي كثير من الأحيان عراباً لها حيال منطقة الخليج، كما هي الحال إزاء مناطق أخرى من العالم، ومرد هذا الأمر هو تطابق مصالح البلدين حيال الكثير من الملفات السياسية والاقتصادية التي تمس منطقة الخليج أو ترتبط بها. فلندن حريصة هي الأخرى على الحصول على النفط الخام، من منطلق حرصها على تسويق بعض منتجاتها من الصناعات الحربية. وهي تدرك تماماً أن نفوذها القديم في الخليج قد انحسر، وليس بوسعها أن تبني علاقات مستقلة معها، حتى لو حاولت فإن مسعاها لا محالة خائب. وقد جربت بريطانيا نتائج سيرها في ركاب السياسة الأمريكية، فوجدتها مثمرة إلى حد هائل، ومن ثم لم تجد، وقد لا تجد أي مبرر للاختلاف عنها أو الخروج عليها. وهناك اتفاق واضح بين المحافظين والعمال على هذه النقطة، وهو توجه تعزز من أيام حكم مارغريت تاتشر، ولا يزال سارياً إلى الآن، وليس هناك ما يشير إلى أن شيئاً سيطرأ عليه في المستقبل المنظور.

العلاقات الأوروبية – الخليجية في مجال الطاقة وغيرها لم تتم خارج إرادة الولايات المتحدة

وفي كل الأحوال فإن وزن العامل الأمريكي في تشكيل العلاقات الخليجية ـ الأوروبية كبير ومتسع، ويؤثر فيها في شتى جوانبها. بل تبدو الولايات المتحدة في هذا الوضع بمثابة القاطرة التي تجر كل أوروبا إلى الخليج، وتستطيع أن ترجع بها إن أرادت، وفي أي وقت، وإلى أي مكان. ومن جانبها لا تبدي دول أوروبا الكبرى، التي تدخل في تحالفات متنوعة مع أمريكا، أي غضاضة في ذلك، وبدورها تتفهم واشنطن مصالح الجميع، وتحرص على ألا تذهب بعيداً في أي موقف بما يؤدي إلى حدوث شرخ بينها وبين أوروبا. وفي المقابل تتفهم دول الخليج العربية طبيعة هذه التوازنات، وتتصرف على أساسها، وتحقق مصالحها من خلالها، وهي حين تقدم على بناء أي علاقة مع دولة أوروبية تضع عينها على موقف واشنطن ورأيها في هذه العلاقة، وتدرك أن الاتحاد الأوروبي مكمل للسياسة الأمريكية في الخليج، وليس منافساً على الإطلاق. وهذا الوضع يريح دول مجلس التعاون، التي لا تحتاج إلى اللعب على أي حد من التناقضات الدولية، كثيراً أو قليلاً، نظراً لأنها لا تدخل في صراعات إقليمية حادة.

ويبقى الشيء الوحيد الذي من الممكن أن تتناقض فيه دول الخليج مع أمريكا، ويساعدها طرف أوروبي في هذا، هو ذلك الذي يتعلق بمنظمة الدول المصدرة للنفط (أوبك) حيث تنسق دول مجلس التعاون الأعضاء في هذه المنظمة المهمة مع دول أوروبية منتجة للنفط وهي النرويج في تقليص الإنتاج بغية رفع أسعار النفط الخام أو منعها من التدهور، في وقت تكون فيه الولايات المتحدة ومعها دول أوروبا الرئيسية تنادي بزيادة المعروض من النفط في السوق الدولية.

خلاصة الأمر أن الولايات المتحدة موجودة بدرجات متفاوتة في كل مفاصل العلاقات الخليجية ـ الأوروبية، وهي مسألة لا تحددها كون أمريكا هي القوة العظمى الرئيسية في تلك اللحظة فقط ، بل رضاء كل من دول الخليج ودول أوروبا عن ضرورة المرور بواشنطن في كثير من الخطوات التي تبني علاقة الطرفين، وهذه معادلة لا يلوح في الأفق ما يشير إلى إمكانية الخروج عليها.

::/fulltext::
::cck::2018::/cck::

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *